البرق
2010-09-16, 08:31 AM
شــــارع الـســــوق الكــبــيــر
في تلك المدينة الغارقة في الرطوبة ونسمات البحر المسافرة بالأفئدة نحو الخلود والإنتشائات السرمدية ثمة جسد ممتد منها غائص في ظلمته
وغارق في هروبه من كل شيء عدى الحب!!
إنه شارع هارون الرشيد أو ( شارع السوق الكبير) كما تعارف سكانه بمناداته00
شارع طويل ممتد 00تتصاف المنازل عن يمينه وشماله مكللة بالأشجار الطويلة الخضراء التي تزيد من ظلمة ذاك الشارع من جهة وتمنحه نسمات باردة ورطبة من جهة أخرى
يمتد ويمتد حتى ينتهي بسوق كبير جداً يزوره الناس من كل أنحاء المدينة
في ساعات النهار حتى إذا جنى الليل خيّل لمرتاده أنه مهجور منذ قرون بعيدة00
الساعة الثالة بعد منتصف الليل00لاشيء يجرء على إختراق حرمة الصمت في ذلك الشارع00
وكأنما هو جسد ميت إلا من بعض الأضواء الخافتة القادمة من شرفات المنازل ذات الثلاث طوابق التي تأخذ من ذالك الشارع الكثير من طبائعه وصفاته00
ولكن هناك في أطراف الشارع ثمة أصوات أقدام تتسلل في تحدٍ عجيب
تبدأ بحياء ثن تعلو وتعلو 00حتى تصارع الصمت بموجة من اللكمات القاتلة00
_ أشعر بصداع رهيب
_ لا بأس00 لعل الصداع حركة تجديد تخرج بها من كآبة الرتابة
تفرقع ضحكة عالية من (محمد) ثم يخفض صوته كأنما يريد أن يقول شيء ولكنه يصمت فيسترسل (خالد)
_ لو إمتلكت بعض النضج في تفكيرك لفرحت كثيراً بمصائبك
جحظ محمد بنظره قائلاً
_يا أخي أتعبني السهر لا أحتاج في هذا الوقت بالذات إلى فلسفتك ونظرتك الحكيمة
تبسم خالد وتمتم وكأنما يخاطب نفسه
_ إذن الصمت كالعادة حسناً سأسكت
وأفترق الصديقان على الصمت00
أخذ خالد يعلو في سلم منزلهم مترنحاً أو ربما راقصاً يتبسم للحيطان بزهاء أو ربما بخجل00وفي أفكاره الكثير والكثير من المقترحات لوالده حتى ينجو بنفسه وأسرته من هذا الحي اللعين!!
ثم ترتفع منه ضحكة مجنونة
_جزاك الله شراً يا حسن حتى إضاءة الدرج بخلت بها على السكان
ثم وبصوت متعب
_قاتل الله البخل وأهله
أخيراً بعد عناء السلالم يرى فراشه الوثير بغطائه الساحر يرتمي عليه كالسكران00ليغط في نومٍ لا يسبقه أدنى تفكير
لم يفت على وقت نومه ساعة 00حتى استيقظ على أصوات عالية وصراخ قادم من سلم المنزل نفض غطائه بسرعة وأخذ يركض فإذا بأمه
_ ماذا حدث؟
_ منزل جارتنا خديجة إقتحمه لص إذهب وأعنهم إنها مسكينة وزوجها رجل طيب
فتح الباب على الأصوات المتعالية من الأعلى والأسفل ومن المنزل المقابل لهم
_حرامي
_ لص
_ أمسكوه
_هل هرب؟
_ نعم حاولنا الإمساك به دون جدوى
أخذ خالد يدخل بين الزحام من النساء والرجال والأصوات تتعالى أكثر وأكثر
صاح بأعلى صوته
_ أرجوكم بعض الهدوء00 ماذا حدث؟
فإذا بخديجة في عبائتها تبكي بصوت مخنوق
_ كنت أريد أن أفتح الباب لزوجي وقت رجوعه من عمله الليلي فإذا باللص يقف أمامي
جحظ خالد بعينيه قائلا
_ هكذا أمامكِ ومن دون أي مقدمات!!
فأكملت وكأنها لم تسمعه
_ زوجي ركض خلفه ولم يعد00
إلتفت خالد ورمقها بنظرة خبثٍ
_في المرة القادمة حين يسطو على منزلكم لص حاولي الإكتفاء بإخبار زوجكِ ليقوم بواجبه دون إيقاظ البناية كاملة
نظر الجميع إليه بدهشة وأخذ خالد دون مبالاة بالتوجه إلى منزلهم وضرب الباب بقوة صارخاً
_ (ملعون أبوك حارة)
إلتفت الجميع إلى خديجة فإذا بها تنظر نحوهم ثم تلتفت إلى باب منزل خالد صارخة في غضب
_ لم أطلب مساعدتك أيها الحقير القذر!!
أخذ خالد يفتح نافذة حجرته بعد أن أغلق بابها ليخرج سيجارته ويشعلها
بهدووء وينفث دخانها بكثافة رهيبة وهو يتأمل شارع حارتهم 00 أخذ صداه يخاطب الشارع
_ نعم يا شارعنا 00نعم يا شارعنا 00رغم صمتك إلا أنك تبتلع في جوفك الكثير والكثير من الصيحات والأحداث 00 لايشعر بمرارتها إلا أنا00
قذف سيجارته وأخذ ينظر ملتفتاً نحو المرآة 00وجهه الأسمر وشاربه الخفيف وملامحه الحادة ونظراته البعيدة المدى وأخيراً عاد ليرتمي على فراشه
إستيقض من نومه العميق على أصوات البعة وهم يهمون بالذهاب إلى السوق الكبير 00قفز من فراشه نحو الطاولة كأنما يبحث عن شيء ما في عجل
ولكنه لم يعثر عليه00 أخيراً توجه بعد أن غسل وجهه في عجل نحو الأسفل
أخذ خالد يقف أمام المنزل00وباعة الخضار يمرون أمامه نحو السوق
_ أهلا عم حسن صباح الخير
ولكن العم حسن لا يرد عليه بل يلتفت بعينيه وكأنه يطلب الخلاص
_ إلا يا عم حسن هل ما زلت تصر أن الطماطم التي تبيعها أجود أنواع الطماطم في العالم
ولكن العم حسن يتمتم
_ أصبحنا وأصبح الملك لله
ثم ترتفع ضحة شاردة من إحدى النوافذ يلتفت العم حسن يثوبه البالي القديم نحو النافذه فإذا بمحمد
_ بل يدعي أنها تفاح وليست طماطم
وتنتشر الضحكات بين خالد ومحمد
فيصرخ خالد في سخرية
_ سأرفع عليه يا محمد قضية إحتكار
يضحك محمد ثم يتمتم مغيرا موضوع الحوار
إنتظرني ٍانزل لك حالاً
_ ايييييييه دنيااااا
نزل محمد مسرعا نحو خالد
_ إلى أين يا محمد
يفرقع ضحكة عالية بينما يجحظ خالد
_ هل هناك مكان غير القهوة؟
_ المهم عندي موضوع أريد الحديث معك عنه
_ موضوع خديجة جارتكم
يرمقه خالد بنظرة تعجب ولؤم ثم يقول بملل
_ لا يا أخي موضوع آخر
_ إذا في القهوة
وصل الرفيقان إلى القهوة الواقعة في الجهة المقابلة للسوق مباشرة
قهوة الضباب كما يسميها أغلب روادها من الباعة أخذ خالد يتمتم
_ يقال أن هذه القهوة كان يجلس بها الفراعنة
ضحك محمد حتى كاد يسقط
_ هل كان في جده فراعنة
يضحك خالد بمكر
_ نعم كان في جده فراعنة العم عيسى من سلالة الفرعنة؟
يضحك محمد
_ خبر جديد حسبته من سلالة الديناسورات
يضحكان وتترامى من المقاعد بعض الضحكات الفضولية
وإذا بالعم عيسى بملابس رثة كبقية أهل السوق يمتاز بضحكة صفراء
وبسمرة قاتمة كما يمتاز بالحديث دون حدود عن كل نساء الحارة
بل وبالتلفظ بما تحت السرة 00
همس خالد
_ جاء التنين
فيضحك كل الجلوس
واذا بالعم عيسى في غضب
_ يا ولد الزانية
يضحك خالد
_ استغفر الله العظيم
يتمتم محمد
_ لا تسكت يا خالد قم واضربه
_ لالا لن أضربه أخشى أن أخلصه من الحياة دعه يموت في بطئ
ضحك محمد بينما خالد يستجمع توازنه للخروج التفت محمد نحو العم عيسى وهو يحملق فيه كأنما يحاول إكتشافه ثم تمتم
_ يا عم عيسى كم عمرك؟
ضحك العم عيسى راداً
_ إسئل أمك هي أدرى كانت لي معها قصة حب قديمة
أخذ محمد كأس الشاي ليقذفه بجوار رأس العم عيسى
بينما استجمع خالد ضحكته حتى لا تظهر ثم قال بصوت عالٍ
_ يا عم عيسى وجدت صورتك ضمن الإرهابيين المطلوب القبض عليهم
يضحك الجميع
ثم يرد العم عيسى
_ يعني أخيراً ظهرت صورتي في الجرائد
أخذ خالد يهم بالقيام ممسكاً بيد محمد الشاب الوسيم المعروف بكثرة
علاقاته الماجنة فنهض محمد مستجيباً وهو يتمتم
_ إلى أين؟
_ شاطئ البحر
فتصاعدت ضحة ساخرة من العم عيسى
_ يا خالد ماذا تريد أن تفعل بمحمد؟
تجاهل خالد الحديث بينما كظم محمد غضبه ثم عاد مسترسلاً
_ ماذا عساكم تجدون في البحر لاشيء كل شيء في هذا البلد حرام
كل شيء في هذا البلد ممنوع
جائت صعقة الكلمات على نفس خالد بشكل فضيع وكأنها تناديه لإخراج غضبه
فألتفت نحو العم عيسى ومن ثم قلب بصره بين الجالسين
_ يا للأسف الإرهابيون يقولون بأن البلد غائصة في المحرمات ويفجرون من أجل ذلك 00وأنتم ترددون أن البلد محروم من كل شيء وتدعون إلى خروج النساء00 ويضيع في الزحام هذا الوطن
جحظ العم عيسى والجلوس في صمت الغير فاهمين بينما تبسم محمد وهويسحب خالد من يده إلى خارج القهوة
_ يا إبني أنت في قهوة ولست في مؤتمر يحتاجون سنوات ليفهموا ما تقول فأكثرهم تعليما لم يتجاوز السادسة إبتدائي
نظر خالد بأسى
_ هل تحتاج الوطنية والسلام إلى دراسة؟
نظر إليه محمد بأسى
_ احياناً ياخالد تحتاج أحياناً
ثم وهم على قرابة من الشاطئ الذي يحد حارتهم من الجهة الغربية
أخذ محمد يستنشق هواء البحر الرطب ويستشعر الشمس الساطعة على رأسه
_ ما الموضوع يا خالد؟
تبسم خالد
_ الموضوع باختصار ( سلمى)
ضحك محمد
_ مالجديد؟
_ لاشيء
_إذن؟
_ لاشيء أردت الحديث فحسب
ضحك محمد متجاهلا الموضوع
_ما قصة اللص الذي سطى على منزل خديجة؟
_ لست أدري غير الموضوع؟
_ هل عرفتم اللص؟
قال خالد بتذمر
_ لا كالعادة
ضحك محمد وأخذت ضحكته تعلو تدريجياً إلتفت إليه خالد كالمتسائل
فتمتم محمد بهدوء بعد أن أوقف الضحك إلا عن إبتسامة خفيفة
_ إنه أنا
_ يابن ال00
_ ابن ماذا؟
_ أنت أنت؟
_ أنا أنا
ضحك خالد مرددا
_ حسبي الله ونعم الوكيل
_ كان حضور زوجها مفاجئة غير متوقعة كنت أنتظر منها أن تخبئني فإذا بها تصرخ حرامي لص
ضحك خالد حتى احتاج للجلوس
_ العاهرة هل شعرت بخوف؟
_ لا أبداً بل شعرت بروعة المغامرة
وقف خالد أمام الشاطئ بهدوء والتفت نحو محمد
_ كيف أصل إلى سلمى؟
_ كلمها
نظر إليه بغضب
_ كلمها بهذه السهولة؟
_ واسهل من ذلك
_ سأكلمها
نظر إليه محمد وكأنه لم يكن متوقعا هذا الرد
_ ستكلمها؟
ولكن خالد لم يرد عليه بل إكتفى بالركض نحو منزلهم بينما محمد يناديه
_ خالد00 خالد 00يا خالد
ذهب خالد ليترك محمد مكانه
أخذ يركض نحو منزلهم بسرعه يدخل مع شارع السوق ومن ثم يصعد نحو السلالم حتى وصل إلى باب منزلهم ولكنه إصطدم برجل يقف أمام منزلهم رجل بدين أقرب إلى أن يكون دائري قصير القامة ذا سمرة واضحة ولحية طويلة فقال خالد بضيق
_ لا يوجد إجار يا عم حسن
_ أهلا خالد أخبر أباك قل له أن حسن عند الباب
فبملل شديد
_ قلت لا يوجد إجار تعال في وقت آخر
_ أبوك وعدني في هذا الوقت
_ أبي لم يعد أحد
_ يا ولد أخبر أباك
_ ولد أنا ولد
فقام يدفعه بغضب نحو السلالم
_ لا يوجد مال يعني لا يوجد يا أخي أنت لاتشبع
أخذ الرجل يمشي منحو الاسفل متفاديا دفع خالد
_ أنت يا قليل التربيه سأجعل أبك يعلقك من قدميك
أخذ خالد يتنهد
_ لو رأيتك ثانية قذفت بك من النافذة
دخل خالد نحو حجرته وفتح النافذة أخذ يحملق في النافذة المجاورة لمنزلهم لعل ( سلمى ) تظهر ولكن دون فائدة كلما رأى حركة في نافذتهم إهتز وأستعد للتلويح وقد كان صغر عرض الشارع مساعدا له في الحيث معها 00
فجأة فُتحت النافذة وإذا به يرتعش شعر بقلبه يهوي نحو قدميه
تماسك ليستطيع الحديث وإذا بأخيها (سالم) يظهر مبتسما
_ اهلا خالد
ولكن خالد لم يبتسم بل نظر بفتور
_ اهلا اهلا
_ هل تصاحبني إلى القهوة؟
_لالا ذهبت مع محمد تستطيع الذهاب
تبسم سالم بوجه جميل مشرق
_ لك ما أردت
وأخذ يغلق النافذة ولكنه عاد ليفتحها ثانية نظر إليه خالد مستفهما فقال
_ إلا يا خالد ما أخبار قصائدك ألست شاعرنا؟
زمم خالد عن شفتيه في ضجر
_ بعتها لسوق الخضار
ضحك سالم وبلطف
_ أراك على خير
وأغلق النافذة00بينما أخذ خالد يغلق نافذته ويضرب بيده على النافذه بغضب
_ منك أم من قدري يا هذا؟ ملعونه حاره وملعون حظ
أخرج سيجارة من جيبه فتح النافذة ليشعلها وما بدأ بإشعالها حتى رأى
سالم يخرج من باب المنزل واذا بسلمى تفتح النافذة وتهوي برأسها نحو الأسفل لينتثر شعر غزير وهي تنادي
_ لاتنسى طلبات المنزل يا سالم
عاد خالد إلى الخلف حتى لا يلتفت إليه سالم وأخذ يحدق مشدوهاً
بينما رد سالم
_ أغلقي النافذة لن أنسى
أغلقت سلمى النافذة بينما قذف خالد سيجارته ليرتمي على سريره مشلول الاراده
يستجمع الصورة التي رئاها كثيراً ولكن في كل نظرة يصاب بالجلطة فيها
لا يفيق منها إلى متأخراً
ثمة أنامل مخلوقة من لؤلؤ وثمة شعر يستوطن به الظلام ثمة ملاك طاهر يسكن بالقرب منه يعشقها حدّ الجنون يصيبه الصرع عندما يراها كيف يحدثها؟ بل كيف يقف أمامها بل وبل أخذ يستيقض قليلا قليلا
ليطوي كل مافي ذاكرته ويخبئه في قلبه ويستدير ناهضا نحو محمد
هو من يملك الخلاص من هذا المأزق هو الذي يريحه من هذا العذاب الملح أخذ يهوي من السلم ويمشي متجهاً نحو نهاية الشارع يبحث عن صديقه ولكن ثمة صوت جميل يناديه إنه صوت سالم من القهوى يرتفع
_ خالد00خالد
_ ماذا تريد؟
_ أردت الحديث معك
_ أنا مستعجل
_ ثواني فقط
أخذ خالد يدخل ليأخذ مقعده بجوار سالم وإذا بالعم عيس يهم بالحديث ولكن خالد يسبقه بالكلام
_ أنت بالذات لا أريد سماع صوتك
فتمتم سالم
_ عيب يا خالد هذا مثل أبيك
_ سالم هل أتيت بي لتعلمني الأخلاق
_ ولكن00
_ ولكن ماذا هذا رجل سفيه وأنت أعلم بذلك مني
_ عموما مزاجك اليوم ليس صافياً ولم أتي بك لهذا؟
_ إذن لماذا؟
_ لنتحدث؟
_عن ماذا؟
_ عن كل شيء أحب الحديث معك عن الأدب عن السياسة عما تشاء؟
_ كلها أحاديث لاتجلب فائدة ولا تدفع مضرة
_ ولكنك شاعر؟
_ الشعر كلام
_ بل عاطفة
_ ثم إن البلد تمر بقلاقل وفتن؟
ضحك خالد في سخريه
_ وهل خالد من سيدفع هذه الفتن
_ولكن لك رأي
_ سالم ماذا تريد؟
_ أريد رأيك كلمتك هل أنت مع أو ضد
_ لا رأي عندي
واخذ خالد ينهض دافعا الكرسي وخارجا نحو منزلهم وفي نفسه الحديث الكثير عن سلمى وكأنه لم يعد يريد أن يجد محمد
أخذ يصعد نحو السلالم بهدوء حتى وصل إلى باب منزلهم ومن ثم إلى حجرته00 فتح النافذة وأخذ ينظر ينتظر عازما الحديث مع سلمى دون أدنى تردد00 ولكنها لم تظهر انتظر وطال انتظاره دون جدوى
أخذ يلتف نحو طاولة بها بعض الأوراق وجهاز تسجيل نظر نحو الجهاز وكأنه وصل إلى فكرة شيطانية إستلم في عجل (شريط تسجيل) وأدخله
في الجهاز وأخذ يسجل 00
صمت قليلا أخذ يحرك شعره قليلاً يستجمع هدوئه ثم بدأ يقول
سلمى00
عمري الآن عشرون سنة
عشرون 00قد لا أكون كبيراً
ولكنني مررت بالكثير من المخاوف
بالكثير من الحروب
ربما عاندني قدري كثيراً
عاندني مع أبي00
عاندني مع هذه الحارة
عاندني كثيرا كثيرا
ولكنه لم يعاندني مثلما عاندني حين أردت أن أبوح لكٍ بحبي
قاتلني
أشعر كل شيء يجري عكس ما أريد
لم أستطع مرة الوقوف
أمام جمالك
لم أستطع أن أتحدى حدة نظرات عينيكِ
أو مصارعة أمواجها
لم يكتب لي أن أكتشف ظلمة شعركِ
أو حتى إقتناص نظرة إلى شفتيك
فعلا تعبت وحارت طرقي
الآن أنا أقول
أقول لكِ وللكون
أني أحبكِ بجون
أحبكِ بكل معنى للغرق
بكل نبض للحرب الدامية بيني وبين قدري
فعلا أحبكِ000
أتمنى أن تعطيني بعضا منكِ
جزئ من نبضكِ
أي شيء أي شيء
فأنا غارق حتى النهاية
تحياتي
خالد
أخذ يقلب بصره في جهاز التسجيل ليوقفه ويأخذ مكانه لينام من تعب التفكير وفعلا بعد طول محاولات سرقه النوم من نفسه في وقت لم يعتد أن ينام فيه
نام خالد قرابة الساعتين ليستيقض على نداء امه
_ خالد أنا ذاهبه إلى بيت عمك عبدالله
شعر برعشة وبشيء ينهضه من نومه وفرحة جارية في عروقه بيت عبدالله وأخذ في ضحكة مداراة وبصدى نفسه
_ نعم عمي وعم أبي وجدي أيظا
وبضحكة أخرى واضحة وضوح الشمس وبسرعة في حديثه حتى لايغالبه التردد
_ بيت العم عبدالله فرصة يا أمي
_ ماهي الفرصة يابني؟
_ أخطبي لي سلمى
ضحكت الأم بصوت مرتفع على غير عادتها وأخذ خالد يضحك معها فقد تحدث بجرئة غير معتادة بدأت الأم تطوي ضحكتها الطويلة تدريجياً لتتمت
_ والله إنك شيطان البنت تستعد الآن لزواجها من إبن عمها وأنا ذاهبة لأساعدها
وكأن شيء لم يحدث اخذت تغلق الباب خلفها وهي خارجة بينما أخذ خالد يقف متحجراً بنظرة لاترف ولا تغض لا يعرف ماذا يقول لنفسه
وماذا يقول عن نفسه
فجأة أخذ يستجمع قواة ليفتح النافذة دون أي إحساس ربما كان ميتاً
ليلقي نظرة على الشارع وإذا بسالم محملا بالكثير من الأكياس في طريقه إلى المنزل
وبغير شعور أخذ ينادي
_ سالم يا سالم
نظر إليه سالم ببتسامته المعهوده
_ اهلا يا خالد ماذا أردت
ولكن خالد وجم لا يعرف ماذا يريد أن يقول فتدارك
_ كيف حالك؟
ضحك سالم وصاح ليسمعه خالد
_ اسمع يا شاعر كنت أريد أن اقول لك لا تنسى أن تشرفنا بحضورك عندنا
مناسبة سعيدة في الغد
_حاضر
أخذ يحدق إليه وهو يمتطي سلم منزلهم
وبحزن أخذ يخرج سيجارته وينفثها في الهواء
أخذ يسحب نارها إلى جوفه بعمق حتى يصارع بحرقتها حرقة النار التي تجتاح قلبه
توقف قليلا عن سحب الدخان حتى شعر بالنار تلدغ اطراف اصابعه وفي حركة لا ارادية قذف بالسيجارة واخذ يخرج إلى صديقه محمد وفعلا أخذه من يده ليركض به نحو شاطئ البحر
_ محمد ضاعت سلمى ضاعت مني
_ قلت لك تحدث ولكنك التزمت الصمت
_ولكنها خائنة
_ خالد هي لا تعلم لا تظلمها وتحملها ذنبا لم ترتكبها قد قتلك صمتك
_ ولكن أيام الطفولة تكفي الآتكفي يا محمد ؟
وأخذت دمعة تنحدر من أطراف عين خالد وتأخذ طريقها في الركض
_ لن أسمح بهذا الزواج
_ خالد أنت تبكي!! 00نعم أنت تبكي لا يا صاح لا لم يخلق البكاء من أجلك
_ أنا مهزوم مهزوم لا أعرف ماذا أفعل
_ لن تفعل شيء سوى النسيان
_ لن أنسى هل فهمت لن أنسى
_ ولكنك تحارب بلا قضية
_ بلا قضية يا محمد أنا أحارب بلا قضية
عم بينهما هدوء من نوع خاص أخذ بعده خالد يتجه نحو الشاطئ ليغرق أقدامه
ويصيح
_ الأرهابيون يحاربون بلا قضية والمنحرفون يحاربون بلا قضية وأنا اليوم أحارب وبلا قضية اللعنة عليكِ مدينة00 اللعنة!!
((( النهـــــــاية)))
في تلك المدينة الغارقة في الرطوبة ونسمات البحر المسافرة بالأفئدة نحو الخلود والإنتشائات السرمدية ثمة جسد ممتد منها غائص في ظلمته
وغارق في هروبه من كل شيء عدى الحب!!
إنه شارع هارون الرشيد أو ( شارع السوق الكبير) كما تعارف سكانه بمناداته00
شارع طويل ممتد 00تتصاف المنازل عن يمينه وشماله مكللة بالأشجار الطويلة الخضراء التي تزيد من ظلمة ذاك الشارع من جهة وتمنحه نسمات باردة ورطبة من جهة أخرى
يمتد ويمتد حتى ينتهي بسوق كبير جداً يزوره الناس من كل أنحاء المدينة
في ساعات النهار حتى إذا جنى الليل خيّل لمرتاده أنه مهجور منذ قرون بعيدة00
الساعة الثالة بعد منتصف الليل00لاشيء يجرء على إختراق حرمة الصمت في ذلك الشارع00
وكأنما هو جسد ميت إلا من بعض الأضواء الخافتة القادمة من شرفات المنازل ذات الثلاث طوابق التي تأخذ من ذالك الشارع الكثير من طبائعه وصفاته00
ولكن هناك في أطراف الشارع ثمة أصوات أقدام تتسلل في تحدٍ عجيب
تبدأ بحياء ثن تعلو وتعلو 00حتى تصارع الصمت بموجة من اللكمات القاتلة00
_ أشعر بصداع رهيب
_ لا بأس00 لعل الصداع حركة تجديد تخرج بها من كآبة الرتابة
تفرقع ضحكة عالية من (محمد) ثم يخفض صوته كأنما يريد أن يقول شيء ولكنه يصمت فيسترسل (خالد)
_ لو إمتلكت بعض النضج في تفكيرك لفرحت كثيراً بمصائبك
جحظ محمد بنظره قائلاً
_يا أخي أتعبني السهر لا أحتاج في هذا الوقت بالذات إلى فلسفتك ونظرتك الحكيمة
تبسم خالد وتمتم وكأنما يخاطب نفسه
_ إذن الصمت كالعادة حسناً سأسكت
وأفترق الصديقان على الصمت00
أخذ خالد يعلو في سلم منزلهم مترنحاً أو ربما راقصاً يتبسم للحيطان بزهاء أو ربما بخجل00وفي أفكاره الكثير والكثير من المقترحات لوالده حتى ينجو بنفسه وأسرته من هذا الحي اللعين!!
ثم ترتفع منه ضحكة مجنونة
_جزاك الله شراً يا حسن حتى إضاءة الدرج بخلت بها على السكان
ثم وبصوت متعب
_قاتل الله البخل وأهله
أخيراً بعد عناء السلالم يرى فراشه الوثير بغطائه الساحر يرتمي عليه كالسكران00ليغط في نومٍ لا يسبقه أدنى تفكير
لم يفت على وقت نومه ساعة 00حتى استيقظ على أصوات عالية وصراخ قادم من سلم المنزل نفض غطائه بسرعة وأخذ يركض فإذا بأمه
_ ماذا حدث؟
_ منزل جارتنا خديجة إقتحمه لص إذهب وأعنهم إنها مسكينة وزوجها رجل طيب
فتح الباب على الأصوات المتعالية من الأعلى والأسفل ومن المنزل المقابل لهم
_حرامي
_ لص
_ أمسكوه
_هل هرب؟
_ نعم حاولنا الإمساك به دون جدوى
أخذ خالد يدخل بين الزحام من النساء والرجال والأصوات تتعالى أكثر وأكثر
صاح بأعلى صوته
_ أرجوكم بعض الهدوء00 ماذا حدث؟
فإذا بخديجة في عبائتها تبكي بصوت مخنوق
_ كنت أريد أن أفتح الباب لزوجي وقت رجوعه من عمله الليلي فإذا باللص يقف أمامي
جحظ خالد بعينيه قائلا
_ هكذا أمامكِ ومن دون أي مقدمات!!
فأكملت وكأنها لم تسمعه
_ زوجي ركض خلفه ولم يعد00
إلتفت خالد ورمقها بنظرة خبثٍ
_في المرة القادمة حين يسطو على منزلكم لص حاولي الإكتفاء بإخبار زوجكِ ليقوم بواجبه دون إيقاظ البناية كاملة
نظر الجميع إليه بدهشة وأخذ خالد دون مبالاة بالتوجه إلى منزلهم وضرب الباب بقوة صارخاً
_ (ملعون أبوك حارة)
إلتفت الجميع إلى خديجة فإذا بها تنظر نحوهم ثم تلتفت إلى باب منزل خالد صارخة في غضب
_ لم أطلب مساعدتك أيها الحقير القذر!!
أخذ خالد يفتح نافذة حجرته بعد أن أغلق بابها ليخرج سيجارته ويشعلها
بهدووء وينفث دخانها بكثافة رهيبة وهو يتأمل شارع حارتهم 00 أخذ صداه يخاطب الشارع
_ نعم يا شارعنا 00نعم يا شارعنا 00رغم صمتك إلا أنك تبتلع في جوفك الكثير والكثير من الصيحات والأحداث 00 لايشعر بمرارتها إلا أنا00
قذف سيجارته وأخذ ينظر ملتفتاً نحو المرآة 00وجهه الأسمر وشاربه الخفيف وملامحه الحادة ونظراته البعيدة المدى وأخيراً عاد ليرتمي على فراشه
إستيقض من نومه العميق على أصوات البعة وهم يهمون بالذهاب إلى السوق الكبير 00قفز من فراشه نحو الطاولة كأنما يبحث عن شيء ما في عجل
ولكنه لم يعثر عليه00 أخيراً توجه بعد أن غسل وجهه في عجل نحو الأسفل
أخذ خالد يقف أمام المنزل00وباعة الخضار يمرون أمامه نحو السوق
_ أهلا عم حسن صباح الخير
ولكن العم حسن لا يرد عليه بل يلتفت بعينيه وكأنه يطلب الخلاص
_ إلا يا عم حسن هل ما زلت تصر أن الطماطم التي تبيعها أجود أنواع الطماطم في العالم
ولكن العم حسن يتمتم
_ أصبحنا وأصبح الملك لله
ثم ترتفع ضحة شاردة من إحدى النوافذ يلتفت العم حسن يثوبه البالي القديم نحو النافذه فإذا بمحمد
_ بل يدعي أنها تفاح وليست طماطم
وتنتشر الضحكات بين خالد ومحمد
فيصرخ خالد في سخرية
_ سأرفع عليه يا محمد قضية إحتكار
يضحك محمد ثم يتمتم مغيرا موضوع الحوار
إنتظرني ٍانزل لك حالاً
_ ايييييييه دنيااااا
نزل محمد مسرعا نحو خالد
_ إلى أين يا محمد
يفرقع ضحكة عالية بينما يجحظ خالد
_ هل هناك مكان غير القهوة؟
_ المهم عندي موضوع أريد الحديث معك عنه
_ موضوع خديجة جارتكم
يرمقه خالد بنظرة تعجب ولؤم ثم يقول بملل
_ لا يا أخي موضوع آخر
_ إذا في القهوة
وصل الرفيقان إلى القهوة الواقعة في الجهة المقابلة للسوق مباشرة
قهوة الضباب كما يسميها أغلب روادها من الباعة أخذ خالد يتمتم
_ يقال أن هذه القهوة كان يجلس بها الفراعنة
ضحك محمد حتى كاد يسقط
_ هل كان في جده فراعنة
يضحك خالد بمكر
_ نعم كان في جده فراعنة العم عيسى من سلالة الفرعنة؟
يضحك محمد
_ خبر جديد حسبته من سلالة الديناسورات
يضحكان وتترامى من المقاعد بعض الضحكات الفضولية
وإذا بالعم عيسى بملابس رثة كبقية أهل السوق يمتاز بضحكة صفراء
وبسمرة قاتمة كما يمتاز بالحديث دون حدود عن كل نساء الحارة
بل وبالتلفظ بما تحت السرة 00
همس خالد
_ جاء التنين
فيضحك كل الجلوس
واذا بالعم عيسى في غضب
_ يا ولد الزانية
يضحك خالد
_ استغفر الله العظيم
يتمتم محمد
_ لا تسكت يا خالد قم واضربه
_ لالا لن أضربه أخشى أن أخلصه من الحياة دعه يموت في بطئ
ضحك محمد بينما خالد يستجمع توازنه للخروج التفت محمد نحو العم عيسى وهو يحملق فيه كأنما يحاول إكتشافه ثم تمتم
_ يا عم عيسى كم عمرك؟
ضحك العم عيسى راداً
_ إسئل أمك هي أدرى كانت لي معها قصة حب قديمة
أخذ محمد كأس الشاي ليقذفه بجوار رأس العم عيسى
بينما استجمع خالد ضحكته حتى لا تظهر ثم قال بصوت عالٍ
_ يا عم عيسى وجدت صورتك ضمن الإرهابيين المطلوب القبض عليهم
يضحك الجميع
ثم يرد العم عيسى
_ يعني أخيراً ظهرت صورتي في الجرائد
أخذ خالد يهم بالقيام ممسكاً بيد محمد الشاب الوسيم المعروف بكثرة
علاقاته الماجنة فنهض محمد مستجيباً وهو يتمتم
_ إلى أين؟
_ شاطئ البحر
فتصاعدت ضحة ساخرة من العم عيسى
_ يا خالد ماذا تريد أن تفعل بمحمد؟
تجاهل خالد الحديث بينما كظم محمد غضبه ثم عاد مسترسلاً
_ ماذا عساكم تجدون في البحر لاشيء كل شيء في هذا البلد حرام
كل شيء في هذا البلد ممنوع
جائت صعقة الكلمات على نفس خالد بشكل فضيع وكأنها تناديه لإخراج غضبه
فألتفت نحو العم عيسى ومن ثم قلب بصره بين الجالسين
_ يا للأسف الإرهابيون يقولون بأن البلد غائصة في المحرمات ويفجرون من أجل ذلك 00وأنتم ترددون أن البلد محروم من كل شيء وتدعون إلى خروج النساء00 ويضيع في الزحام هذا الوطن
جحظ العم عيسى والجلوس في صمت الغير فاهمين بينما تبسم محمد وهويسحب خالد من يده إلى خارج القهوة
_ يا إبني أنت في قهوة ولست في مؤتمر يحتاجون سنوات ليفهموا ما تقول فأكثرهم تعليما لم يتجاوز السادسة إبتدائي
نظر خالد بأسى
_ هل تحتاج الوطنية والسلام إلى دراسة؟
نظر إليه محمد بأسى
_ احياناً ياخالد تحتاج أحياناً
ثم وهم على قرابة من الشاطئ الذي يحد حارتهم من الجهة الغربية
أخذ محمد يستنشق هواء البحر الرطب ويستشعر الشمس الساطعة على رأسه
_ ما الموضوع يا خالد؟
تبسم خالد
_ الموضوع باختصار ( سلمى)
ضحك محمد
_ مالجديد؟
_ لاشيء
_إذن؟
_ لاشيء أردت الحديث فحسب
ضحك محمد متجاهلا الموضوع
_ما قصة اللص الذي سطى على منزل خديجة؟
_ لست أدري غير الموضوع؟
_ هل عرفتم اللص؟
قال خالد بتذمر
_ لا كالعادة
ضحك محمد وأخذت ضحكته تعلو تدريجياً إلتفت إليه خالد كالمتسائل
فتمتم محمد بهدوء بعد أن أوقف الضحك إلا عن إبتسامة خفيفة
_ إنه أنا
_ يابن ال00
_ ابن ماذا؟
_ أنت أنت؟
_ أنا أنا
ضحك خالد مرددا
_ حسبي الله ونعم الوكيل
_ كان حضور زوجها مفاجئة غير متوقعة كنت أنتظر منها أن تخبئني فإذا بها تصرخ حرامي لص
ضحك خالد حتى احتاج للجلوس
_ العاهرة هل شعرت بخوف؟
_ لا أبداً بل شعرت بروعة المغامرة
وقف خالد أمام الشاطئ بهدوء والتفت نحو محمد
_ كيف أصل إلى سلمى؟
_ كلمها
نظر إليه بغضب
_ كلمها بهذه السهولة؟
_ واسهل من ذلك
_ سأكلمها
نظر إليه محمد وكأنه لم يكن متوقعا هذا الرد
_ ستكلمها؟
ولكن خالد لم يرد عليه بل إكتفى بالركض نحو منزلهم بينما محمد يناديه
_ خالد00 خالد 00يا خالد
ذهب خالد ليترك محمد مكانه
أخذ يركض نحو منزلهم بسرعه يدخل مع شارع السوق ومن ثم يصعد نحو السلالم حتى وصل إلى باب منزلهم ولكنه إصطدم برجل يقف أمام منزلهم رجل بدين أقرب إلى أن يكون دائري قصير القامة ذا سمرة واضحة ولحية طويلة فقال خالد بضيق
_ لا يوجد إجار يا عم حسن
_ أهلا خالد أخبر أباك قل له أن حسن عند الباب
فبملل شديد
_ قلت لا يوجد إجار تعال في وقت آخر
_ أبوك وعدني في هذا الوقت
_ أبي لم يعد أحد
_ يا ولد أخبر أباك
_ ولد أنا ولد
فقام يدفعه بغضب نحو السلالم
_ لا يوجد مال يعني لا يوجد يا أخي أنت لاتشبع
أخذ الرجل يمشي منحو الاسفل متفاديا دفع خالد
_ أنت يا قليل التربيه سأجعل أبك يعلقك من قدميك
أخذ خالد يتنهد
_ لو رأيتك ثانية قذفت بك من النافذة
دخل خالد نحو حجرته وفتح النافذة أخذ يحملق في النافذة المجاورة لمنزلهم لعل ( سلمى ) تظهر ولكن دون فائدة كلما رأى حركة في نافذتهم إهتز وأستعد للتلويح وقد كان صغر عرض الشارع مساعدا له في الحيث معها 00
فجأة فُتحت النافذة وإذا به يرتعش شعر بقلبه يهوي نحو قدميه
تماسك ليستطيع الحديث وإذا بأخيها (سالم) يظهر مبتسما
_ اهلا خالد
ولكن خالد لم يبتسم بل نظر بفتور
_ اهلا اهلا
_ هل تصاحبني إلى القهوة؟
_لالا ذهبت مع محمد تستطيع الذهاب
تبسم سالم بوجه جميل مشرق
_ لك ما أردت
وأخذ يغلق النافذة ولكنه عاد ليفتحها ثانية نظر إليه خالد مستفهما فقال
_ إلا يا خالد ما أخبار قصائدك ألست شاعرنا؟
زمم خالد عن شفتيه في ضجر
_ بعتها لسوق الخضار
ضحك سالم وبلطف
_ أراك على خير
وأغلق النافذة00بينما أخذ خالد يغلق نافذته ويضرب بيده على النافذه بغضب
_ منك أم من قدري يا هذا؟ ملعونه حاره وملعون حظ
أخرج سيجارة من جيبه فتح النافذة ليشعلها وما بدأ بإشعالها حتى رأى
سالم يخرج من باب المنزل واذا بسلمى تفتح النافذة وتهوي برأسها نحو الأسفل لينتثر شعر غزير وهي تنادي
_ لاتنسى طلبات المنزل يا سالم
عاد خالد إلى الخلف حتى لا يلتفت إليه سالم وأخذ يحدق مشدوهاً
بينما رد سالم
_ أغلقي النافذة لن أنسى
أغلقت سلمى النافذة بينما قذف خالد سيجارته ليرتمي على سريره مشلول الاراده
يستجمع الصورة التي رئاها كثيراً ولكن في كل نظرة يصاب بالجلطة فيها
لا يفيق منها إلى متأخراً
ثمة أنامل مخلوقة من لؤلؤ وثمة شعر يستوطن به الظلام ثمة ملاك طاهر يسكن بالقرب منه يعشقها حدّ الجنون يصيبه الصرع عندما يراها كيف يحدثها؟ بل كيف يقف أمامها بل وبل أخذ يستيقض قليلا قليلا
ليطوي كل مافي ذاكرته ويخبئه في قلبه ويستدير ناهضا نحو محمد
هو من يملك الخلاص من هذا المأزق هو الذي يريحه من هذا العذاب الملح أخذ يهوي من السلم ويمشي متجهاً نحو نهاية الشارع يبحث عن صديقه ولكن ثمة صوت جميل يناديه إنه صوت سالم من القهوى يرتفع
_ خالد00خالد
_ ماذا تريد؟
_ أردت الحديث معك
_ أنا مستعجل
_ ثواني فقط
أخذ خالد يدخل ليأخذ مقعده بجوار سالم وإذا بالعم عيس يهم بالحديث ولكن خالد يسبقه بالكلام
_ أنت بالذات لا أريد سماع صوتك
فتمتم سالم
_ عيب يا خالد هذا مثل أبيك
_ سالم هل أتيت بي لتعلمني الأخلاق
_ ولكن00
_ ولكن ماذا هذا رجل سفيه وأنت أعلم بذلك مني
_ عموما مزاجك اليوم ليس صافياً ولم أتي بك لهذا؟
_ إذن لماذا؟
_ لنتحدث؟
_عن ماذا؟
_ عن كل شيء أحب الحديث معك عن الأدب عن السياسة عما تشاء؟
_ كلها أحاديث لاتجلب فائدة ولا تدفع مضرة
_ ولكنك شاعر؟
_ الشعر كلام
_ بل عاطفة
_ ثم إن البلد تمر بقلاقل وفتن؟
ضحك خالد في سخريه
_ وهل خالد من سيدفع هذه الفتن
_ولكن لك رأي
_ سالم ماذا تريد؟
_ أريد رأيك كلمتك هل أنت مع أو ضد
_ لا رأي عندي
واخذ خالد ينهض دافعا الكرسي وخارجا نحو منزلهم وفي نفسه الحديث الكثير عن سلمى وكأنه لم يعد يريد أن يجد محمد
أخذ يصعد نحو السلالم بهدوء حتى وصل إلى باب منزلهم ومن ثم إلى حجرته00 فتح النافذة وأخذ ينظر ينتظر عازما الحديث مع سلمى دون أدنى تردد00 ولكنها لم تظهر انتظر وطال انتظاره دون جدوى
أخذ يلتف نحو طاولة بها بعض الأوراق وجهاز تسجيل نظر نحو الجهاز وكأنه وصل إلى فكرة شيطانية إستلم في عجل (شريط تسجيل) وأدخله
في الجهاز وأخذ يسجل 00
صمت قليلا أخذ يحرك شعره قليلاً يستجمع هدوئه ثم بدأ يقول
سلمى00
عمري الآن عشرون سنة
عشرون 00قد لا أكون كبيراً
ولكنني مررت بالكثير من المخاوف
بالكثير من الحروب
ربما عاندني قدري كثيراً
عاندني مع أبي00
عاندني مع هذه الحارة
عاندني كثيرا كثيرا
ولكنه لم يعاندني مثلما عاندني حين أردت أن أبوح لكٍ بحبي
قاتلني
أشعر كل شيء يجري عكس ما أريد
لم أستطع مرة الوقوف
أمام جمالك
لم أستطع أن أتحدى حدة نظرات عينيكِ
أو مصارعة أمواجها
لم يكتب لي أن أكتشف ظلمة شعركِ
أو حتى إقتناص نظرة إلى شفتيك
فعلا تعبت وحارت طرقي
الآن أنا أقول
أقول لكِ وللكون
أني أحبكِ بجون
أحبكِ بكل معنى للغرق
بكل نبض للحرب الدامية بيني وبين قدري
فعلا أحبكِ000
أتمنى أن تعطيني بعضا منكِ
جزئ من نبضكِ
أي شيء أي شيء
فأنا غارق حتى النهاية
تحياتي
خالد
أخذ يقلب بصره في جهاز التسجيل ليوقفه ويأخذ مكانه لينام من تعب التفكير وفعلا بعد طول محاولات سرقه النوم من نفسه في وقت لم يعتد أن ينام فيه
نام خالد قرابة الساعتين ليستيقض على نداء امه
_ خالد أنا ذاهبه إلى بيت عمك عبدالله
شعر برعشة وبشيء ينهضه من نومه وفرحة جارية في عروقه بيت عبدالله وأخذ في ضحكة مداراة وبصدى نفسه
_ نعم عمي وعم أبي وجدي أيظا
وبضحكة أخرى واضحة وضوح الشمس وبسرعة في حديثه حتى لايغالبه التردد
_ بيت العم عبدالله فرصة يا أمي
_ ماهي الفرصة يابني؟
_ أخطبي لي سلمى
ضحكت الأم بصوت مرتفع على غير عادتها وأخذ خالد يضحك معها فقد تحدث بجرئة غير معتادة بدأت الأم تطوي ضحكتها الطويلة تدريجياً لتتمت
_ والله إنك شيطان البنت تستعد الآن لزواجها من إبن عمها وأنا ذاهبة لأساعدها
وكأن شيء لم يحدث اخذت تغلق الباب خلفها وهي خارجة بينما أخذ خالد يقف متحجراً بنظرة لاترف ولا تغض لا يعرف ماذا يقول لنفسه
وماذا يقول عن نفسه
فجأة أخذ يستجمع قواة ليفتح النافذة دون أي إحساس ربما كان ميتاً
ليلقي نظرة على الشارع وإذا بسالم محملا بالكثير من الأكياس في طريقه إلى المنزل
وبغير شعور أخذ ينادي
_ سالم يا سالم
نظر إليه سالم ببتسامته المعهوده
_ اهلا يا خالد ماذا أردت
ولكن خالد وجم لا يعرف ماذا يريد أن يقول فتدارك
_ كيف حالك؟
ضحك سالم وصاح ليسمعه خالد
_ اسمع يا شاعر كنت أريد أن اقول لك لا تنسى أن تشرفنا بحضورك عندنا
مناسبة سعيدة في الغد
_حاضر
أخذ يحدق إليه وهو يمتطي سلم منزلهم
وبحزن أخذ يخرج سيجارته وينفثها في الهواء
أخذ يسحب نارها إلى جوفه بعمق حتى يصارع بحرقتها حرقة النار التي تجتاح قلبه
توقف قليلا عن سحب الدخان حتى شعر بالنار تلدغ اطراف اصابعه وفي حركة لا ارادية قذف بالسيجارة واخذ يخرج إلى صديقه محمد وفعلا أخذه من يده ليركض به نحو شاطئ البحر
_ محمد ضاعت سلمى ضاعت مني
_ قلت لك تحدث ولكنك التزمت الصمت
_ولكنها خائنة
_ خالد هي لا تعلم لا تظلمها وتحملها ذنبا لم ترتكبها قد قتلك صمتك
_ ولكن أيام الطفولة تكفي الآتكفي يا محمد ؟
وأخذت دمعة تنحدر من أطراف عين خالد وتأخذ طريقها في الركض
_ لن أسمح بهذا الزواج
_ خالد أنت تبكي!! 00نعم أنت تبكي لا يا صاح لا لم يخلق البكاء من أجلك
_ أنا مهزوم مهزوم لا أعرف ماذا أفعل
_ لن تفعل شيء سوى النسيان
_ لن أنسى هل فهمت لن أنسى
_ ولكنك تحارب بلا قضية
_ بلا قضية يا محمد أنا أحارب بلا قضية
عم بينهما هدوء من نوع خاص أخذ بعده خالد يتجه نحو الشاطئ ليغرق أقدامه
ويصيح
_ الأرهابيون يحاربون بلا قضية والمنحرفون يحاربون بلا قضية وأنا اليوم أحارب وبلا قضية اللعنة عليكِ مدينة00 اللعنة!!
((( النهـــــــاية)))