مشاهدة النسخة كاملة : السيرة النبوية العطرة
السيرة النبوية العطرة
أخواني ،،،،،،،،، أخواتي
للأسف الشديد ... يجهل الكثير من المسلمين كثيراً من المعلومات عن حبيبنا ورسولنا صلى لله عليه وسلم .
ولذلك سأبدأ منذ اليوم إن شاء الله نقل سلسلة من الحلقات التي تختص في سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم،،،،،،
راجياً من الله أن تكون (http://www.hikm4.com/vb/tags.php?tag=%CA%DF%E6%E4)هذه الحلقات في ميزان حسناتنا جميعا
((ملاحظة ))
أرجوا عدم التعليق
حفظكم الله
الحلقة الأولى (( مقدمة وتمهيد ))
الحلقة الثانية (( نسبه ، أسماءه ، طهارة نسبه ))
الحلقة الثالثة (( مولده ورضاعته ))
الحلقة الرابعة (( مبشرات في ليلة ميلاد الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ))
الحلقة الخامسة (( قبل البعثة ))
الحلقة السادسة (( بعثته ))
الحلقة السابعة (( دعوته ))
الحلقة الثامنة (( هجرته ))
الحلقة التاسعة (( تأسيس الدولة ))
الحلقة العاشرة (( الغزوات 1 ))
الحلقة الحادية عشرة (( الغزوات 2 ))
الحلقة الثانية عشرة (( الغزوات 3 ))
الحلقة الثالثة عشرة (( الغزوات 4 ))
الحلقة الرابعة عشرة (( الغزوات 5 ))
الحلقة الخامسة عشرة (( الغزوات 6 ))
الحلقة السادسة عشرة ((الوفاة 1 ))
الحلقة السابعة عشرة (( الوفاة 2 ))
الحلقة الثامنة عشرة (( الوفاة 3 ))
الحلقة التاسعة عشرة (( الوفاة 4 ))
الحلقة العشرون (( الوفاة 5 ))
الحلقة الحادية والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 1 )
الحلقة الثانية والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 2 )
الحلقة الثالثة والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 3 )
الحلقة الرابعة والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 4 )
الحلقةالخامسةوالعشرو ن : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 5 )
الحلقة السادسة والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 6 )
الحلقة السابعة والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 7 )
الحلقة الثامنة والعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 8 )
الحلقة التاسعةوالعشرون : كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 9 )
الحلقة الثلاثون : فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم
الحلقة الحادية والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 1 )
الحلقة الثانية والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 2 )
الحلقة الثالثة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 3 )
الحلقة الرابعة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 4 )
الحلقة الخامسة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 5 )
الحلقة السادسة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 6 )
الحلقة السابعة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 7 )
الحلقة الثامنة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 8 )
الحلقة التاسعة والثلاثون :أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم ( 9 )
الحلقة الأربعون : عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم
الحلقة الحادية والأربعون : صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم
الحلقة الثانية والأربعون :قيامه ، قراءته ، صومه ، زهده صلى الله عليه وسلم
الحلقة الثالثة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 1 )
الحلقة الرابعة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 2 )
الحلقة الخامسة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 3 )
الحلقةالسادسة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 4 )
الحلقة السابعة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 5 )
الحلقة الثامنة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 6 )
الحلقة التاسعة والأربعون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 7 )
الحلقة الخمسون : معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 8 )
الحلقة الحادية والخمسون: معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 9 )
الحلقة الثانية والخمسون: معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 10 )
الحلقة الثالثة والخمسون: معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 11 )
الحلقة الرابعة والخمسون: معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 12 )
الحلقة الخامسة والخمسون: البيت النبوي
الحلقة السادسة والخمسون:أقوال المنصفين ( 1 )
الحلقة السابعة والخمسون:أقوال المنصفين ( 2 )
الحلقة الثامنة والخمسون:أقوال المنصفين ( 3 )
الحلقة التاسعة والخمسون:حقوق النبي صلى الله عليه وسلم
الحلقة الستون : لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم
الحلقة الحادية والستون :خلاصة الفهم في باب التأسي برسول الله في الأمر والنهي
الحلقة الثانية والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (1)
الحلقة الثالثة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (2)
الحلقة الرابعة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (3)
الحلقة الخامسة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (4)
الحلقة السادسة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (5)
الحلقة السابعة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (6)
الحلقة الثامنة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (7)
الحلقة التاسعة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (8)
الحلقةالسبعون:الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (9)
الحلقة الحادية والسبعون : مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن
الحلقة الثانية والسبعون : كيف ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحلقة الثالثة والسبعون : على مستوى الفرد
الحلقة الرابعة والسبعون : على مستوى الأسرة والمجتمع
الحلقة الخامسة والسبعون : على مستوى قطاع التعليم
الحلقة السادسة والسبعون : على مستوى المؤسسات الخيرية
الحلقة السابعة والسبعون : على مستوى الدعاة وطلبة العلم
الحلقة الثامنة والسبعون : على مستوى الإنترنت
الحلقة التاسعة والسبعون : على مستوى المثقفين
الحلقة الثمانون : على مستوى الأغنياء والحكومات
الحلقة الحادية والثمانون : شبهات وردود (( 1 ))
الحلقة الثانية والثمانون : شبهات وردود (( 2 ))
الحلقة الثالثة والثمانون : شبهات وردود (( 3 ))
الحلقة الرابعة والثمانون : شبهات وردود (( 4 ))
الحلقة الخامسة والثمانون : شبهات وردود (( 5 ))
الحلقة السادسة والثمانون : شبهات وردود (( 6 ))
الحلقة السابعة والثمانون : لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام (( 1 ))
الحلقة الثامنة والثمانون : لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام (( 2 ))
الحلقة التاسعة والثمانون : لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام ((3 ))
الحلقة التسعون: لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام (( 4))
الحلقةالحادية و التسعون: لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام (( 5 ))
الحلقةالثانية و التسعون: لماذا ندرس سيرته عليه الصلاة والسلام (( 6 ))
الحلقة الثالثة والتسعون : صرخة قلم
الحلقة الرابعة والتسعون : بأبي وأمي أنت يارسول الله صلى الله عليك وسلم
الحلقة الخامسة والتسعون : دمعة على الحبيب صلى الله عليه وسلم
الحلقة السادسة والتسعون : شوق الحبيب
الحلقة السابعة والتسعون : رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحلقة الثامنة والتسعون : حراء بوابة السماء
الحلقة التاسعة والتسعون : أعظم انسان عرفته البشرية
صلى الله عليه وسلم
الحلقة الأولى
الحمد لله الذي أوضح لنا سبيل الهداية، وأزاح عن بصائرنا ظلمة الغواية،
والصلاة والسلام على النبي المصطفى والرسول المجتبى، المبعوث رحمة للعالمين،
وقدوة للمالكين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: إن من خير ما بذلت فيه الأوقات، و شغلت به الساعات هو دراسة السيرة النبوية العطرة،
والأيام المحمدية الخالدة، فهي تجعل المسلم كأنه يعيش تلك الأحداث العظام التي مرت بالمسلمين،
وربما تخيل أنه واحد من هؤلاء الكرام البررة التي قامت على عواتقهم صروح المجد ونخوة البطولة.
وفي السيرة يتعرف المسلم على جوانب متعددة من شخصية النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ،
وأسلوبه في حياته ومعيشته، ودعوته في السلم والحرب.
وفيها أيضاً: يتلمس المسلم نقاط الضعف والقوة؛ وأسباب النصر والهزيمة، وكيفية التعامل مع الأحداث وإن عظمت.
وبدراسة السيرة النبوية يستعيد المسلمون ثقتهم بأنفسهم، ويوقنون بأن الله معهم وناصرهم،
إن هم قامو بحقيقة العبودية، له والانقياد لشريعته: ( إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) [محمد:7]،
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ )[غافر:51].
( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )[الحج:40].
وهذه عبارة عن رؤوس أقلام وجمل يسيرة في سيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام،
قصد بها فتح الطريق أمام ناشئة المسلمين وشبيبتهم لدراسات أعمق لهذه السيرة النبوية الخالدة.
قال الله تعالى( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ )[الفتح:29].
الحلقة الثانية
نسبه صلى الله عليه وسلم :
هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. هذا هو المتفق عليه في نسبه صلى الله عليه وسلم واتفقوا أيضاً أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام.
أسمائه صلى الله عليه وسلم :
عن جبير بن مطعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لي أسماء، وأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدميَّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد ) [متفق عليه]. وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: ( أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة )[مسلم].
طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم :
اعلم رحمني الله وإياك أن نبينا المصطفى على الخلق كله قد صان الله أباه من زلة الزنا، فولد صلى الله عليه وسلم من نكاح صحيح ولم يولد من سفاح، فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم )[مسلم]، وحينما سأل هرقل أبا سفيان عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( هو فينا ذو نسب، فقال هرقل: كذلك الرسل تبعث في نسب قومها )[البخاري].
التعريف بأبويه – صلى الله عليه وسلم –
في مكة / قبل النبوة
أبو الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
1. اسمه: عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. راجع نسبه كاملاً – في موقعنا هذا - تحت عنوان " التعريف بالرسول"
فائدة: كان الزبير عم النبيّ - صلى الله عليه وسلم – وهو أكبر أعمامه - يرقِّص النبيّ - صلى الله عليه وسلم- وهو طفل، ويقول:
محمد بن عَبْــدَمِ عشـت بعـيش أنْعَـم
في دولة ومغنـم دام سجيس الأزلــم(1)
2. لقبه:
كان يلقب عبد الله بالذبيح.
فائدة: للقبه الذبيح قصة من أظرف القصص وأطرفها، وهذا عرضها باختصار حتى لا نبعد من ساحة الأنوار.
كانت زمزم قد طمرتها جُرهم عند مغادرتها مكة لظلمها وانهزامها، وكان ذلك منها نقمة على أهلها الذين حاربوها وطردوها. وظلت زمزم مطمورة إلى عهد(شيبة الحمد عبد المطلب)، فأري في المنام مكانها، وحاول إعادة حفرها، ومنعته قريش، ولم يكن له يومئذ من ولد يعينه على تحقيق مراده إلا الحارث فنذر لله تعالى إن رزقه عشرة من الولد يحمونه ويعينونه ذبح أحدهم، ولما رزقه الله عشرة من الولد وأراد أن يفي بنذره لربه فاقترع على أيهم يكون الذبح، فكانت القرعة على عبد الله، وهمَّ أن يذبحه عند الكعبة فمنعته قريش، وطلبوا إليه أن يرجع في أمره إلى عرافة بالمدينة تفتيه في أمر ذبح ولده. فأرشدته إلى أن يضع عشراً من الإبل وهي دية الفرد عندهم، وأن يضرب بالقداح على عبد الله وعلى الإبل، فإن خرجت على عبد الله الذبيح زاد عشراً من الإبل، وإن خرجت على الإبل فانحرها عنه فقد رضيها ربكم، ونجا صاحبكم!! فوصلوا إلى مكة وجيء بالإبل وصاحب القداح، وقام عبد المطلب عند هبل داخل مكة يدعو الله - عز وجل-، وأخذ صاحب القداح يضربها، وكلما خرجت على عبد الله زادوا عشراً من الإبل حتى بلغت مائة، كل ذلك وعبد المطلب قائم يدعو الله - عز وجل - عند هبل، فقال رجال قريش قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب فأبى إلا أن يضرب عنها القداح ثلاث مرات، ففعل فكانت في كل مرة تخرج على الإبل، وعندها رضي عبد المطلب ونحر الإبل، وتركها لا يُصدُّ عنها إنسان ولا حيوان، ونجَّى الله تعالى والحمد لله (لا لسواه) عبد الله والد رسول الله.
فهذا سبب لقب عبد الله بالذبيح، وهو أحب أولاد عبد المطلب العشرة إليه، وزاده حباً فيه هذه الحادثة العجيبة(2).
3. مولده:
ولد بمكة عام (81ق هـ - 53 ق هـ - 544- 571م)(3) .
4. تزويجه من آمنة بنت وهب الزهرية:
قال ابن إسحاق: فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر – وهو يومئذٍ سيد بني زهرة نسباً وشرفاً- فزوَّجه ابنته آمنة بنت وهْب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضع4.
5. وفاته:
اختلف في وفاته: هل توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- حَمْل، أو توفي بعد ولادته؟ على قولين:
أحدهما: أنه توفي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- حمل.
والثاني: أنه توفي بعد ولادته بسبعة أشهر(5).
وأكثر العلماء على أنه كان في المهد. ذكره الدولابي وغيره، وقيل ابن شهرين ذكره ابن أبي خيثمة. وقيل: أكثر من ذلك، ومات أبوه عند أخواله بني النَّجار. ذهب ليمتار لأهله تمراً، وقد قيل: مات أبوه، وهو ابن ثمانٍ وعشرين شهراً (6).
6. مكان وفاته:
ذهب عبد الله للتجارة في أرض غزة من فلسطين حيث توفي جده هاشم إلاَّ أن عبد الله عاد منها فمرض في طريق عودته ، فنزل عند أخواله من بني النجار فمات عندهم بالمدينة، وقبره معروف المكان إلى عهد قريب حيث أخفي لزيارة الجهال له، والاستشفاع به، ودعائه - والعياذ بالله -، وهذا لغلبة الجهل على المسلمين لقلة العلماء، وقلة الرغبة في طلب العلم7.
أم الرسول – صلى الله عليه وسلم -:
1. اسمها:
آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر8.
2. أمَّها:
برّة بنت عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
3. مولدها:
لم نجد لها تاريخاً.
4. زواجها من عبد الله:
لقد تزوج عبد الله آمنة زوَّجه بها والده عبد المطلب على إثر نجاته من الذبح وفاءً بالنذر، وبنى بها عبد الله وحملت منه بالحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم-9.
5. وفاتها:
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مع أمه آمنة بنت وهب، وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتاً حسناً، لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب.
وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنَّ أمَّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم - آمنة توفيت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- ابن ستِّ سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عديّ بن النَّجار، تُزيره إيّاهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة10.
وفاة أبوي النبوي - صلى الله عليه وسلم -:
وفاة عبد الله بن عبد المطلب:
لم يطل المقام بالفتى الشاب عبد الله بن عبد المطلب مع زوجته آمنة بنت وهب، فقد خرج في تجارة إلى الشام وترك الزوجة الحبيبة، وما دَرَى أنها علقت بالنسمة المباركة، وقضى الزوج المكافح مدة في تصريف تجارته، وهو يعدُّ الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها، وتهنأ به، وما إن فرغ حتى عاد، وفي أوبته عرَّج على أخوال أبيه عبد المطلب، وهم بنو النجار بالمدينة، فاتفق أن مرض عندهم، فبقي وعاد رفاقه، ووصل الركب إلى مكة، وعلم منهم عبد المطلب بخبر مرضه، فأرسل أكبر بنيه: الحارث ليرجع بأخيه بعد إبلاله وما أن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم أن عبد الله مات ودفن بها في دار النابغة من بني النجار، فرجع حزين النفس على فقد أخيه، وأعلم أباه بموت الغائب الذي لا يؤوب، وأثار النبأ الموجع الأحزان في نفس الوالد الشيخ المفجوع في فقد أحب أولاده إليه، وألصقهم بنفسه، وأثار الأسى والحرقة في نفس الزوجة التي كانت تحلم بأوبة الزوج الحبيب الغالي، وتشتاق إليه اشتياق الظمآن في اليوم الصائف القائظ إلى الشراب العذب الحلو البارد، وتبدد ما كانت تعلل به نفسها من سعادة وهناءة في كنف الزوج الفتى الوسيم، والذي كان مشغلة المجتمع القرشي والعربي حيناً من الزمان، فما مثله من فتى، وما مثله من زوج!! ولم يكن للجنين عند فقد الأب إلا شهران، وهذا هو الرأي ذكره شيخ كتاب السيرة ابن إسحاق، وتابعه عليه ابن هشام، وهو الرأي المشهور بين كتاب السير والمؤرخين وكان عمر عبد الله حينذاك ثماني عشرة سنة11.
رثاء آمنة لعبد الله:
وروي أن عبد الله لما توفي قالت آمنة ترثيه:
عفا جانب البطحـاء مــن آل هـاشـمٍ وجـاور لحداً خارجاً في الغمـائـم(12)
دعتــه المنـايـا دعــــوة فأجابهـا وما تركـت في النـاس مثـل ابن هاشم
عشيـة راحـوا يحملـون ســريــره تعـاوره أصحابـه فـي التـزاحـم
فإن تـك غالتـــه المنـون وريبــها فقـد كـان معطــاء كثـير التراحم(13)
وفاة آمنة بنت وهب:
لما بلغ النبيّ - صلى الله عليه وسلم- السادسة من عمره ارتأت أمَّه أن تذهب به إلى أخوال جده عبد المطلب بالمدينة من بني النجار، ليرى مكانة هؤلاء الأخوال الكرام، وقد كان لهذه الخؤولة اعتبارها لما هاجر فيما بعد إلى المدينة، وليقضيا حق الحبيب المغيَّب رمسه في تراب المدينة، وأغلب الظن أن تكون الأم حدَّثت ابنها بقصة أبيه، ومفارقته الدنيا وهو في شرخ شبابه، وأن الابن تاقت نفسه إلى البلد الذي حوى رُفات الأب.
وخرجت الأم والابن ومعهما أم أيمن بركة الحبشية جارية أبيه، ووصل الركب إلى المدينة. وكان المقام في دار النابغة من بني النجار، ومكثوا عندهم شهراً، وزاروا الحبيب الثاوي في قبره، وحرّكت الزيارة لواعج الشوق والأحزان في نفس الأم والابن، وانطبع معنى اليُتم في نفس النبيّ بعد أن كان لاهياً عنه.
وبعد أن قضوا حاجات النفس عاد الركب إلى مكة، وفي الطريق بين المدينة ومكة مرضت الأم، وحُمَّ القضاء، ودفنت بقرية (الأبواء)(14). وجلس الابن يذرف الدمع سخيناً على فراق أمه، التي كان يجد في كنفها الحب، والحنان، والسلوى، والعزاء عن فقد الأب، وهكذا شاء الله – سبحانه- للنبي - صلى الله عليه وسلم- ولما يجاوز السادسة أن يذوق مرارة فقد الأبوين. وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم- يذكر أموراً في زَوْرته تلك فقد نظر إلى دار بني النجار بعد الهجرة قائلاً: (هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله، وأحسنت العوم في بئر عدي بن النجار).
وكان النبيّ - صلى الله عليه وسلم- كلما مرَّ بقبر أمه زاره، ويبكي ويُبكي من حوله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه - قال: زار النبيّ - صلى الله عليه وسلم- قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله ، ثم قال: (استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت)(15).
وقال في الرحيق المختوم: رأت آمنة وفاء لذكرى زوجها الراحل أن تزور قبره بيثرب، فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ خمسمائة كليو متراً، ومعها ولدها اليتيم – محمد - صلى الله عليه وسلم- وخادمتها أم أيمن، وقيمها عبد المطلب، فمكث شهراً، ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذا يلاحقها المرض، ويلح عليها في أوائل الطريق، فماتت بالأبواء بين مكة والمدينة (16).
--------------------------------------------------------------------------------
1- السيرة النبوية لابن هشام م1 ص125.
2- هذا الحبيب يا محب/ الجزائري صـ(61-62). وذكره ابن هشام بالتفصيل في السيرة (1/174) وابن كثير في البداية والنهاية (1/227) دار البيان بيروت/ الطبعة الأولى.
3- الإعلام قاموس تراجم 4/235. ط/3.
4 - راجع: سيرة ابن هشام (1/179). الطبعة الرابعة - دار الكتاب العربي.
5- زاد المعاد(1/76). الطبعة السابعة والعشرون - مؤسسة الرسالة.
6- الروض(1/184) نقلاً من سيرة ابن هشام تعليق عمر تدمري (1/181). الطبعة الرابعة - دار الكتاب العربي.
7 - راجع : هذا الحبيب يا محب صـ(65).
8 - سيرة ابن هشام(1/127).
9 - راجع: هذا الحبيب يا محب، صـ(63). الطبعة الخامسة - مكتبة السوادي للتوزيع.
10 - سيرة ابن هشام (1/193).
11 - راجع : السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة للدكتور محمد أبو شهبة، صـ( 165- 166).
12- هي الأغطية، والمراد بها الأكفان التي لفَّ فيها.
13- السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة أبو شهبة (1/163-164).
14- فرية بين مكة والمدينة.
15- صحيح مسلم ، كتاب الجنائز، باب استئذان النبيّ صلى الله عليه وسلم ربه في زيارة قبر أمه (2/ 671) رقم (976). نقلاً من حاشية السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة (1/205- 206) دار القلم - الطبعة الأولى.
الحلقة الرابعة
مبشرات في ليلة ميلاد الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب (هواتف الجان):
حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي -
حدثني مخزوم بن هاني المخزومي، عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومائة سنة
قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى،
وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام (ج/ص: 2/ 328)
وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم،
فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، فتصبر عليه تشجعاً، ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته،
فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده قال:
أتدرون فيم بعثت إليكم؟
قالوا: لا، إلا أن يخبرنا الملك ذلك
فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران، فازداد غماً إلى غمه،
ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال الموبذان - وأنا أصلح الله الملك - قد رأيت في هذه الليلة رؤيا،
ثم قصَّ عليه رؤياه في الإبل فقال: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟
قال: حدث يكون في ناحية العرب - وكان أعلمهم من أنفسهم - فكتب عند ذلك:
من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد:
فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني
فلما ورد عليه قال له: ألك علم بما أريد أن أسألك عنه؟
فقال: لتخبرني، أو ليسألني الملك عما أحب،
فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم. فأخبره بالذي وجه به إليه فيه
قال: علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام، يقال له: سطيح
قال فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره
فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح،
فسلم عليه وكلمه فلم يرد إليه سطيح جواباً، فأنشأ يقول
أم فاد فاز لم به شأو العنن
أصم أم يسمع غطريف اليمن
أتاك شيخ الحي من آل سنن
يا فاصل الخطة أعيت من ومن
أزرق نهم الناب صرار الأذن
وأمه من آل ذئب بن حجن
رسول قيل العجم يسري للوسن
أبيض فضفاض الرداء والبدن
لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن
يجوب بي الأرض علنداة شزن
حتى أتى عاري الجآجي والقطن
ترفعني وجناً وتهوي بي وجن
كأنما حثحث من حضني ثكن
تلفه في الريح بوغاء الدمن
قال: فلما سمع سطيح شعره، رفع رأسه يقول:
عبد المسيح على جمل مشيح، أتى سطيح، وقد أوفى على الضريح،
بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلاً صعاباً،
تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها
يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة،
وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات،
وكلما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول: (ج/ص: 2/ 329)
لا يفزعنك تفريق وتغيير
شمر فإنك ماضي العزم شمير
فإن ذا الدهر أطوار دهارير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم
يخاف صولهم الأسد المهاصير
فربما ربما أضحوا بمنزلة
والهرمزان وشابور وسابور
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته
أن قد أقل فمحقور ومهجور
والناس أولاد علات فمن علموا
بدت تلهيهم فيه المزامير
ورب قوم لهم صحبان ذي أذن
فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
وهم بنو الأم إما إن رأوا نشباً
فالخير متبع والشر محذور
والخير والشر مقرونان في قرن
قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح
فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكاً، كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين،
وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، عن علي بن حرب الموصلي بنحوه
قلت: كان آخر ملوكهم الذي سلب منه الملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان،
وهو الذي انشق الإيوان في زمانه، وكان لأسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربعة وستون سنة،
وكان أول ملوكهم خيومرت بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح
أما سطيح هذا فقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه:
هو الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدي بن مازن بن الأزد ويقال:
الربيع بن مسعود، وأمه ردعا بنت سعد بن الحارث الحجوري وذكر غير ذلك في نسبه قال: وكان يسكن الجابية
ثم روي عن أبي حاتم السجستاني قال: سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا:
وكان من بعد لقمان بن عاد ولد في زمن سيل العرم وعاش إلى ملك ذي نواس، وذلك نحو من ثلاثين قرناً،
وكان مسكنه البحرين، وزعمت عبد القيس أنه منهم، وتزعم الأزد أنه منهم،
وأكثر المحدثين يقولون هو من الأزد ولا ندري ممن هو، غير أن ولده يقولون إنه من الأزد
وروي عن ابن عباس أنه قال: لم يكن شيء من بني آدم يشبه سطيحاً،
إنما كان لحماً على وضم، ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه،
وكان يطوى كما يطوى الثوب من رجليه إلى عنقه، ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه
وقال غيره: إنه كان إذا غضب انتفخ وجلس
ثم ذكر ابن عباس أنه قدم مكة فتلقاه جماعة من رؤسائهم منهم عبد شمس، وعبد مناف أبناء قصي، فامتحنوه في أشياء،
فأجابهم فيها بالصدق، فسألوه عما يكون في آخر الزمان فقال: خذوا مني ومن إلهام الله إياي:
أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم،
وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم، ويتبعون الردم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم
ثم قال: والباقي الأبد، والبالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد نبي مهتد، يهدي إلى الرشد، يرفض يغوث والفند،
يبرأ عن عبادة الضدد، يعبد رباً انفرد، ثم يتوفاه الله بخير دار محموداً من الأرض مفقوداً، وفي السماء مشهوداً (ج/ص: 2/ 330)
ثم يلي أمره الصديق، إذا قضى صدق، وفي رد الحقوق لا ********* ولا نزق،
ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، قد أضاف المضيف، وأحكم التحنيف،
ثم ذكر عثمان ومقتله، وما يكون بعد ذلك من أيام بني أمية ثم بني العباس، وما بعد ذلك من الفتن والملاحم، ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله
وقد قدمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن حين أخبره برؤياه قبل أن يخبره بها،
ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيير الدول، حتى يعود إلى سيف بن ذي يزن، فقال له:
أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟
قال: بل ينقطع
قال: ومن يقطعه؟
قال: نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي
قال: وممن هذا النبي؟
قال: من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر
قال: وهل للدهر من آخر؟
قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون
قال: أحق ما تخبرني؟
قال: نعم، والشفق والغسق والقمر إذا اتسق، إن ما أنبأتك عليه لحق، ووافقه على ذلك شق سواء بسواء بعبارة أخرى كما تقدم
ومن شعر سطيح قوله
ولا تلبسوا صدق الأمانة بالغدر
عليكم بتقوى الله في السر والجهر
إذا ما عرته النائبات من الدهر
وكونوا لجار الجنب حصناً وجنة
وروى ذلك الحافظ ابن عساكر
ثم أورد ذلك المعافي بن زكريا الجريري فقال: وأخبار سطيح كثيرة،
وقد جمعها غير واحد من أهل العلم والمشهور أنه كان كاهناً،
وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن نعته، ومبعثه وروي لنا بإسناد الله به أعلم،
أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سطيح فقال: نبي ضيعه قومه
قلت: أما هذا الحديث فلا أصل له في شيء من كتب الإسلام المعهودة، ولم أره بإسناد أصلاً
ويروي مثله في خبر خالد بن سنان العبسي، ولا يصح أيضاً، وظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح،
وفيها روائح التصديق، لكنه لم يدرك الإسلام كما قال الجريري،
فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنه قال لابن أخته: يا عبد المسيح
إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس،
فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت
ثم قضى سطيح مكانه، وكان ذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر- أو شية - أي أقل منه،
وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرض العراق، فالله أعلم بأمره وما صار إليه
وذكر ابن طرار الحريري أنه عاش سبعمائة سنة وقال غيره: خمسمائة سنة، وقيل: ثلاثمائة سنة، فالله أعلم
وقد روى ابن عساكر أن ملكاً سأل سطيحاً عن نسب غلام اختلف فيه،
فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح، فقال له الملك: يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا؟
فقال: إن علمي هذا ليس مني ولا بجزم ولا بظن، ولكن أخذته عن أخ لي قد سمع الوحي بطور سيناء
فقال له: أرأيت أخاك هذا الجني أهو معك لا يفارقك؟
فقال إنه ليزول حيث أزول، ولا أنطق إلا بما يقول
وتقدم أنه ولد هو وشق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر، ولدا في يوم واحد (ج/ص: 1/ 331) فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميدية، فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة وماتت من يومها وكان نصف إنسان
ويقال إن خالد بن عبد الله القسري من سلالته، وقد مات شق قبل سطيح بدهر
وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني النصراني فكان من المعمرين وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه،
وقال: هو الذي صالح خالد بن الوليد على .... وذكر له معه قصة طويلة، وأنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء،
لأنه لما أخذه قال: بسم الله وبالله، رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه أذى ثم أكله فعلته غشية
فضرب بيديه على صدره ثم عرق وأفاق رضي الله عنه وذكر لعبد المسيح أشعاراً غير ما تقدم
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عقبة بن مكرم،
حدثنا المسيب بن شريك، حدثنا محمد بن شريك، عن شعيب بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:
كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى: عيصاً من أهل الشام،
وكان متخفراً بالعاص بن وائل وكان الله قد آتاه علماً كثيراً، وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طيب ورفق وعلم،
وكان يلزم صومعة له، ويدخل مكة في كل سنة، فيلقى الناس ويقول: إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة، يدين له العرب، ويملك العجم،
هذا زمانه ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته، وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن،
ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف، إلا في طلبه
وكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد
فيقال له: فصفه
فيقول: لا
ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لاق من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يكون إليه من الأذى يوماً
ولما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتي عيصاً، فوقف في أصل صومعته ثم نادى: يا عيصاه
فناداه: من هذا؟
فقال: أنا عبد الله
فأشرف عليه فقال: كن أباه، فقد ولد المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين
قال: فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود؟
قال: فما سميته؟
قال: محمداً
قال: والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال نعرفه بها منها:
أن نجمه طلع البارحة، وأنه ولد اليوم، وأن اسمه محمد انطلق إليه فإن الذي كنت أخبركم عنه ابنك
قال: فما يدريك أنه ابني ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره؟
قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء فإنه حجة، وآية ذلك أنه الآن وجع، فيشتكي أياماً ثلاثة،
فيظهر به الجوع ثلاثاً ثم يعافى، فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد أحد حسده قط، ولم يبغ على أحد كما يبغي عليه،
إن تعش حتى يبدو مقاله، ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبر، وعلى ذلك فاحفظ لسانك ودار عنه
قال: فما عمره؟
قال: إن طال عمره وإن قصر لم يبلغ السبعين، يموت في وتر دونها من الستين في إحدى وستين، أو ثلاث وستين، في أعمار جل أمته
قال: وحمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشر المحرم،
وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل هكذا رواه أبو نعيم، وفيه غرابة (ج/ص: 2/ 332)
الحلقة الخامسة : قبل البعثة
المولد وأربعون عامًا قبل النبوة
المولـــد
ولـد سيـد المرسلـين صلى الله عليه وسلم بشـعب بني هاشـم بمكـة في صبيحـة يــوم الاثنين التاسع مـن شـهر ربيـع الأول،
لأول عـام مـن حادثـة الفيـل، ولأربعـين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان، ويوافق ذلك عشرين أو اثنين وعشرين من شهر أبريل سنة 571 م
حسبما حققه العالم الكبير محمد سليمان ـ المنصورفورى ـ رحمه الله .
وروى ابــن سعــد أن أم رســول الله صلى الله عليه وسلم قالــت :
لمــا ولـدتــه خــرج مــن فرجـى نــور أضــاءت لـه قصـور الشام. وروى أحمد والدارمى وغيرهمـا قريبـًا مـن ذلك.
وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس،
وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما.
وليس له إسناد ثابت، ولم يشهد له تاريخ تلك الأمم مع قوة دواعى التسجيل.
ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده،فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له.
واختار له اسم محمد ـ وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب ـ وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون.
وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى الله عليه وسلم بأسبوع ـ ثُوَيْبَة مولاة أبي لهب بلبن ابن لها يقال له:
مَسْرُوح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
في بني سعد
وكانت العادة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم ابتعادًا لهم عن أمراض الحواضر؛
ولتقوى أجسامهم، وتشتد أعصابهم، ويتقنوا اللسان العربى في مهدهم،
فالتمس عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم المراضع، واسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر،
وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وزوجها الحارث ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة.
وإخوته صلى الله عليه وسلم هناك من الرضاعة :
عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث
[وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها] وكانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان عمه حمزة بن عبد المطلب مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فأرضعت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة،
فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين، من جهة ثويبة ومن جهة السعدية.
ورأت حليمة من بركته صلى الله عليه وسلم ما قضت منه العجب، ولنتركها تروى ذلك مفصلًا :
قال ابن إسحاق : كانت حليمة تحدث :
أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء. قالت :
وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، قالت : فخرجت على أتان لى قمراء، ومعنا شارف لنا، والله ما تَبِضّ ُبقطرة،
وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديى ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه،
ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذَمَّتْ بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا،
حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه،
إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده،
فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيرى، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي:
والله ، إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا،
والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال : لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه وأخذته،وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره،
قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلى، فلما وضعته في حجرى أقبل عليه ثديأي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى،
وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك،
وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا،
فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة،
لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إنى لأرجو ذلك.
قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتانى، وحملته عليها معى، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شىء من حمرهم،
حتى إن صواحبى ليقلن لى: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أرْبِعى علينا،
أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله ، إنها لهي هي،
فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها،
فكانت غنمى تروح علىَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنـًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن،
ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم:
ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعًا لبنًا.
فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان،
فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا. قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا،
لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابني عندي حتى يغلظ،
فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا.
شق الصدر
وهكذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سعد،
حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق، وفي السنة الرابعة من مولده على قول المحققين
وقع حادث شق صدره، روى مسلم عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه،
فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك،
ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه ـ أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ـ ثم أعاده في مكانه،
وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعنى ظئره ـ فقالوا: إن محمدًا قد قتل،
فاستقبلوه وهو مُنْتَقِعُ اللون ـ أي متغير اللون ـ قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.
إلى أمه الحنون
وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين.
ورأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب،
فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدها اليتيم ـ محمد صلى الله عليه وسلم ـ وخادمتها أم أيمن،
وقيمها عبد المطلب، فمكثت شهرًا ثم قفلت، وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق،
ثم اشتد حتى ماتت بالأبْوَاء بين مكة والمدينة.
إلى جده العطوف
وعاد به عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد نَكَأ الجروح القديمة،
فَرَقَّ عليه رقة لم يرقها على أحد من أولاده، فكان لا يدعه لوحدته المفروضة، بل يؤثره على أولاده،
قال ابن هشام: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه،
لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه،
فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا،
ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.
ولثمانى سنوات وشهرين وعشرة أيام من عمره صلى الله عليه وسلم توفي جده عبد المطلب بمكة،
ورأى قبل وفاته أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.
إلى عمه الشفيق
ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده وقدمه عليهم واختصه بفضل احترام وتقدير،
وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله، وستأتي نبذ من ذلك في مواضعها.
يستسقى الغمام بوجهه
أخرج ابن عساكر عن جَلْهُمَة بن عُرْفُطَة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش:
يا أبا طالب، أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهَلُمَّ فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام،
كأنه شمس دُجُنَّة، تجلت عنه سحابة قَتْمَاء، حوله أُغَيْلمة، فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة،
ولاذ بأضبعه الغلام، وما في السماء قَزَعَة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغْدَوْدَق،
وانفجر الوادي، وأخصب النادي والبادي، وإلى هذا أشار أبو طالب حين قال:
وأبيضَ يُستسقى الغَمَام بوجهه ** ثِمالُ اليتامى عِصْمَةٌ للأرامل
بَحِيرَى الراهب
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة سنة ـ قيل: وشهرين وعشرة أيام ـ
ارتحل به أبو طالب تاجرًا إلى الشام، حتى وصل إلى بُصْرَى ـ وهي معدودة من الشام، وقَصَبَة لحُورَان،
وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلاد العربية التي كانت تحت حكم الرومان.
وكان في هذا البلد راهب عرف بَبحِيرَى، واسمه ـ فيما يقال: جرجيس، فلما نزل الركب خرج إليهم،
وكان لا يخرج إليهم قبل ذلك، فجعل يتخلّلهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا سيد العالمين،
هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له [أبو طالب و] أشياخ قريش:
[و] ما علمك [بذلك]؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة،
[وإنا نجده في كتبنا]، ثم أكرمهم بالضيافة، وسأل أبا طالب أن يرده، ولا يقدم به إلى الشام؛
خوفًا عليه من الروم واليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة.
حرب الفِجَار
وفي السنة العشرين من عمره صلى الله عليه وسلم وقعت في سوق عُكاظ حرب بين قريش ـ ومعهم كنانة ـ وبين قَيْس عَيْلان،
تعرف بحرب الفِجَار وسببها: أن أحد بني كنانة، واسمه البَرَّاض، اغتال ثلاثة رجال من قيس عيلان،
ووصل الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان، وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛
لمكانته فيهم سنا وشرفًا، وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائرة تدور على قيس.
ثم تداعى بعض قريش إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد.
فاصطلحوا على ذلك، ووضعوا الحرب، وهدموا ما كان بينهم من العداوة والشر.
وسميت بحرب الفجار؛ لانتهاك حرمة الشهر الحرام فيها،
وقد حضر هذه الحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز لهم النبل للرمي.
حلف الفضول
وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعدة في شهر حرام تداعت إليه قبائل من قريش:
بنو هاشم، وبنو المطلب،وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان التيمى؛
لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه،
وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، وشهد هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة:
(لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت).
وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها، ويقال في سبب هذا الحلف:
إن رجلًا من زُبَيْد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمى، وحبس عنه حقه،
فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار ومخزومًا، وجُمَحًا وسَهْمًا وعَدِيّا فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قُبَيْس،
ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال:
ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول،
فعقدوا الحلف ثم قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي.
حياة الكدح
ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه،
إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط،
ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شب،فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له،
لا يداري ولا يماري، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال: مرحبًا بأخي وشريكي.
وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق:
كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها،
وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها
من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا،
وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها،
وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام.
زواجه بخديجة
ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا،
وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى فيه صلى الله عليه وسلم
من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين،
وجدت ضالتها المنشودة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبى عليهم ذلك ـ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منبه،
وهذه ذهبت إليه صلى الله عليه وسلم تفاتحه أن يتزوج خديجة،
فرضى بذلك، وكلم أعمامه، فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه، وعلى إثر ذلك تم الزواج،
وحضر العقد بنو هاشم ورؤساء مضر، وذلك بعد رجوعه من الشام بشهرين، وأصدقها عشرين بَكْرة.
وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا،
وهي أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
وكل أولاده صلى الله عليه وسلم منها سوى إبراهيم،
ولدت له: أولًا القاسم ـ وبه كان يكنى ـ ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وعبد الله .
وكان عبد الله يلقب بالطيب والطاهر، ومات بنوه كلهم في صغرهم،
أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن،إلا أنهن أدركتهن الوفاة في حياته
صلى الله عليه وسلم سوى فاطمة رضي الله عنها، فقد تأخرت بعده ستة أشهر ثم لحقت به.
بناء الكعبة وقضية التحكيم
ولخمس وثلاثين سنة من مولده صلى الله عليه وسلم قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لأن الكعبة كانت رَضْمًا فوق القامة،
ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السلام، ولم يكن لها سقف،
فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي كان في جوفها، وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثرًا قديما ـ للعوادى التي أدهت بنيانها، وصدعت جدرانها،
وقبل بعثته صلى الله عليه وسلم بخمس سنين جرف مكة سيل عرم انحدر إلى البيت الحرام،
فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيبًا،
فلا يدخلون فيها مهر بغى ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابون هدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى،
فأخذ المعول وقال: الله م لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية الركنين، ولما لم يصبه شيء تبعه الناس في الهدم في اليوم الثاني،
ولم يزالوا في الهدم حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزأوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها.
فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بناء رومي اسمه: باقوم.
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه،
واستمر النزاع أربع ليال أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحرم،
إلا أن أبا أمية بن المغيرة المخزومى عرض عليهم أن يحكموا فيما شجر بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه،
وشاء الله أن يكون ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه،
هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه
وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه،
حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه، وهذا حل حصيف رضى به القوم.
وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع، وهي التي تسمى بالحجر والحطيم،
ورفعوا بابها من الأرض؛ لئلا يدخلها إلا من أرادوا، ولما بلغ البناء خمسة عشر ذراعًا سقفوه على ستة أعمدة.
وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريبًا، يبلغ ارتفاعه 15 مترًا،
وطول ضلعه الذي فيه الحجر الأسود والمقابل له 10 أمتار، والحجر موضوع على ارتفاع 1.50متر من أرضية المطاف.
والضلع الذي فيه الباب والمقابل له 12مترًا، وبابها على ارتفاع مترين من الأرض،
ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها، متوسط ارتفاعها 0.25مترًا ومتوسط عرضها 0.30 مترًا وتسمى بالشاذروان،
وهي من أصل البيت لكن قريشًا تركتها.
السيرة الإجمالية قبل النبوة
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات،
وكان طرازًا رفيعًا من الفكر الصائب، والنظر السديد،
ونال حظًا وافرًا من حسن الفطنة وأصالة الفكرة وسداد الوسيلة والهدف،
وكان يستعين بصمته الطويل على طول التأمل وإدمان الفكرة واستكناه الحق،
وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف الحياة وشئون الناس وأحوال الجماعات، فعاف ما سواها من خرافة،
ونأي عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجد حسنًا شارك فيه وإلا عاد إلى عزلته العتيدة،
فكان لا يشرب الخمر، ولا يأكل مما ذبح على النصب، ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا،
بل كان من أول نشأته نافرا من هذه المعبودات الباطلة،
حتى لم يكن شيء أبغض إليه منها، وحتى كان لا يصبر على سماع الحلف باللات والعزى.
ولا شك أن القدر حاطه بالحفظ، فعندما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متع الدنيا،
وعندما يرضى باتباع بعض التقاليد غير المحمودة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى برسالته،
قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة:
لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل،
فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع،
فضرب الله على أذنـى فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته،
ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة... ثم ما هممت بسوء).
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة،
فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجارة،
فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: (إزاري، إزاري) فشد عليه إزاره. وفي رواية: فما رؤيت له عورة بعد ذلك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز في قومه بخلال عذبة وأخلاق فاضلة، وشمائل كريمة،
فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عَرِيكة،
وأعفهم نفسًا وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وآمنهم أمانة حتى سماه قومه:
[الأمين] لما جمع فيه من الأحوال الصالحة والخصال المرضية،
وكان كما قالت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق.
الحلقة السادسة : بعثته صلى الله عليه وسلم
في غار حراء
لما تقاربت سنه صلى الله عليه وسلم الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السَّوِيق والماء، ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعدة نحو ميلين من مكة ـ وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وليكون انقطاعه عن شواغل الأرض وضَجَّة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة نقطة تحول لاستعداده لما ينتظره من الأمر العظيم، فيستعد لحمل الأمانة الكبرى وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ... دبر الله له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله .
جبريل ينزل بالوحي
ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل ـ بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ـ فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى الله عليه وسلم بحراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن.
وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلًا، وقد وافق 10 أغسطس سنة 610 م، وكان عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية، وستة أشهر، و12 يومًا، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر وعشرين يومًا.
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها.
أول ما بديء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ: قال: (ما أنا بقارئ)، قال: (فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، قلت: مـا أنـا بقـارئ، قـال: فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثـم أرسلـني فـقـال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)[العلق:1: 3])، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: (زَمِّلُونى زملونى)، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: (ما لي؟) فأخبرها الخبر، (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ـ وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي ـ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأي، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجيّ هم؟) قال:نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِىَ، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحى.
فَتْرَة الوحى
أما مدة فترة الوحى فاختلفوا فيها على عدة أقوال. والصحيح أنها كانت أيامًا، وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد ذلك. وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلاث سنوات أو سنتين ونصفًا فليس بصحيح.
وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم. ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة،وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا ـ أي لأول يوم من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت.
وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل وهو صلى الله عليه وسلم راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر.
أقول: فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحى؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحى كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحى كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحى نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم.
وقد بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوْفي بذِرْوَة جبل لكى يلقى نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفي بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.
جبريل ينزل بالوحي مرة ثانية
قال ابن حجر: وكان ذلك [أي انقطاع الوحي أيامًا]؛ ليذهب ما كان صلى الله عليه وسلم وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. قال: صلى الله عليه وسلم:
(جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جوارى هبطت [فلما استبطنت الوادي] فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أرشيئًا، فرفعت رأسى فرأيت شيئًا، [فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فَجُئِثْتُ منه رعبًا حتى هويت إلى الأرض] فأتيت خديجة فقلت: [زملوني، زملوني]، دثرونى، وصبوا على ماء باردًا)، قال: (فدثرونى وصبوا على ماء باردًا، فنزلت: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُر)[المدثر: 1: 5]) وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حمى الوحى بعد وتتابع.
وهذه الآيات هي مبدأ رسالته صلى الله عليه وسلم وهي متأخرة عن النبوة بمقدار فترة الوحى. وتشتمل على نوعين من التكليف مع بيان ما يترتب عليه:
النوع الأول: تكليفه صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والتحذير، وذلك في قوله تعالى: (قُمْ فَأَنذِر) فإن معناه: حذر الناس من عذاب الله إن لم يرجعوا عما هم فيه من الغى والضلال وعبادة غير الله المتعال، والإشراك به في الذات والصفات والحقوق و الأفعال.
النوع الثاني: تكليفه صلى الله عليه وسلم بتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى على ذاته، والالتزام بها في نفسه؛ ليحرز بذلك مرضاة الله ، ويصير أسوة حسنة لمن آمن بالله وذلك في بقية الآيات. فقوله:( وَرَبَّكَ فَكَبِّر) معناه: خصه بالتعظيم، ولا تشرك به في ذلك أحدًا. وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّر)المقصود الظاهر منه: تطهير الثياب والجسد، إذ ليس لمن يكبر الله ويقف بين يديه أن يكون نجسًا مستقذرًا. وإذا كان هذا التطهر مطلوبًا فإن التطهر من أدران الشرك وأرجاس الأعمال والأخـلاق أولـى بالطـلب، وقولــه: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر)معناه: ابتعد عن أسباب سخط الله وعذابه، وذلك بالتزام طاعته وترك معصيته. وقوله: (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِر)أي: لا تحسن إحسانًا تريد أجره من الناس أو تريد له جزاء أفضل في هذه الدنيا.
أما الآية الأخيرة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وبتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، ثم إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوى ـ في صوت الكبير المتعال ـ بانتداب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ)، كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح! قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب، والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة، وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل، والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.
إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى الله عليه وسلم من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم، بين الزعازع والأنواء، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا؛ لم يسترح ولم يسكن، ولم يعـش لنفسه ولا لأهله. قام وظل قائمًا على دعوة الله ، يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به، عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها، عبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى، عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا؛ لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد منذ أن سمع النداء العلوى الجليل، وتلقى منه التكليف ... صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحلقة السابعة
دعوته صلى الله عليه وسلم
النبــوة والدعــوة - العهـد المكـي
تنقسم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن شرفه الله بالنبوة والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الآخـر تمـام الامتياز، وهما:
1 ـ العهد المكي، ثلاث عشرة سنة تقريبًا.
2 ـ العهد المدني، عشر سنوات كاملة.
ثم يشتمل كل من العهدين على عدة مراحل، لكل مرحلة منها خصائص تمتاز بها عن غيرها، يظهر ذلك جليًا بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال العهدين.
ويمكن تقسيم العهد المكي إلى ثلاث مراحل:
1 ـ مرحلة الدعوة السرية، ثلاث سنوات.
2 ـ مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة، من بداية السنة الرابعة من النبوة إلى هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
3 ـ مرحلة الدعوة خارج مكة وفشوها فيهم، من أواخر السنة العاشرة من النبوة. وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى آخر حياته صلى الله عليه وسلم.
المرحلة الأولى: جهاد الدعوة إلي الله
ثلاث سنوات من الدعوة السرية
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول ما تقدم من آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ وحيث إن قومه كانوا جفاة لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجة لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، ولا أخلاق لهم إلا الأخذ بالعزة والأنفة، ولا سبيل لهم في حل المشاكل إلا السيف، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزها الرئيس، ضامنين حفظ كيانها، فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعوة في بدء أمرها سرية؛ لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.
الرعيل الأول
وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام أولًا على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحرى الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء ـ الذين لم تخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره ـ جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الإسلامى بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي بن أبي طالب ـ وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وصديقه الحميم أبو بكر الصديق. أسلم هؤلاء في أول يوم الدعوة. ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مألفًا محببًا سهلًا ذا خلق ومعروف،وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموى، والزبير بن العوام الأسدى، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي. فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام.
ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى، وامرأته أم سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون الجُمَحِىّ وأخواه قدامة وعبد الله ، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوى، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت التميمى، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الأموى، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي،
وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش.
ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش:
عبد الله بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الأسدي وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، صُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن فُهيرة.
وممن سبق إلى الإسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن:
أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
هؤلاء معروفون بالسابقين الأولين، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصل إلى مائة وثلاثين رجلًا وامرأة، ولكن لا يعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها.
الصلاة
ومن أوائل ما نزل من الأحكام الأمر بالصلاة، قال ابن حجر: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلى قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل فرض شىء قبل الصلوات الخمس من الصلوات أم لا؟ فقيل: إن الفرض كانت صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. انتهي. وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَهِيعَة موصولًا عن زيد ابن حارثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحى إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه بمعناه، وروى نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس: وكان ذلك من أول الفريضة.
وقد ذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأي أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات.
تلك هي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواه أخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحى يبين لهم جوانب شتى من التوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويصف لهم الجنة والنار كأنهما رأي عين، ويعظهم بمواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذى الأرواح، وتحدو بهم إلى جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشرى آنذاك.
وهكذا مرت ثلاثة أعوام، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم في المجامع والنوادى،إلا أنها عرفت لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحيانًا، واعتدوا على بعض المؤمنين، إلا أنهم لم يهتموا به كثيرًا حيث لم يتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم.
المرحلـة الثانية: الدعــوة جهــارًا
أول أمـر بإظهار الدعـوة
لما تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون، وتتحمل عبء تبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها نزل الوحى يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعالنة الدعوة، ومجابهة الباطل بالحسنى.
وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين)[الشعراء:214]، وقد ورد في سياق ذكرت فيه أولًا قصة موسى عليه السلام، من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل، وقصة نجاتهم من فرعون وقومه، وإغراق آل فرعون معه، وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى عليه السلام، خلال دعوة فرعون وقومه إلى الله .
وكأن هذا التفصيل جىء به مع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بجهر الدعوة إلى الله ؛ ليكون أمامه وأمام أصحابه مثال لما سيلقونه من التكذيب والاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة، وليكونوا على بصيرة من أمرهم منذ البداية.
ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السورة على ذكر مآل المكذبين للرسل، من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة ـ عدا ما ذكر من أمر فرعون وقومه ـ ليعلم الذين سيقومون بالتكذيب عاقبة أمرهم وما سيلقونه من مؤاخذة الله إن استمروا عليه، وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم وليس للمكذبين.
الدعـوة في الأقربين
ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا. فلما أراد أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بادره أبو لهب وقال: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: (الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له). ثم قال: (إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إنى رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا).
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله ، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعه ما بقينا.
على جبل الصفا
وبعد تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم هتف: (يا صباحاه)
وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم.
ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل: (يا بني فهر، يا بني عدى، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب).
فلما سمعوا قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش.
فلما اجتمعوا قال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادى بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِىَّ؟).
قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: (إنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، إنما مثلى ومثلكم كمثل رجل رأي العَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله)( أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو) (خشى أن يسبقوه فجعل ينادى: يا صباحاه)
ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله ، فخص وعم فقال:
(يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله ، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا.
يا بني كعب بن لؤى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا.
يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني قصى، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا.
يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا.
يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار.
يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإنى لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا، سلونى من مالى ماشئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا.
يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئًا.
يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ، لا أغنى عنك من الله شيئًا.
يا فاطمة بنت محمد رسول الله ، سلينى ما شئت من مالى، أنقذى نفسك من النار، فإنى لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنك من الله شيئًا.
غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها) أي أصلها حسب حقها.
ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب)[سورة المسد:1].
كانت هذه الصيحـة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتى من عند الله .
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين)[الحجر:94]، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله ، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ الله َ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ****** [الأعراف:59]،وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد.
وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد. وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون.
الحلقة الثامنة : هجـرة النبـي صلى الله عليه وسلم
بين تدبير قريش وتدبير الله سبحانه وتعالى
من طبيعة مثل هذا الاجتماع السرية للغاية، وألا يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات،
وتغاير العادات المستمرة، حتى لا يشم أحد رائحة التآمر والخطر،
ولا يدور في خلد أحد أن هناك غموضًا ينبئ عن الشر، وكان هذا مكرًا من قريش، ولكنهم ماكروا بذلك الله سبحانه وتعالى،
فخيبهم من حيث لا يشعرون. فقد نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامرة قريش،
وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة، وبين له خطة الرد على قريش
فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.
وذهب النبي صلى الله عليه وسلم في الهاجرة ـ حين يستريح الناس في بيوتهم ـ إلى أبي بكر رضي الله عنه ليبرم معه مراحل الهجرة،
قالت عائشة رضي الله عنها: بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة،
قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها،
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمى، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.، فاستأذن،فأذن له فدخل،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:
[أخرج مَنْ عندك].
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله . قال: [فأني قد أذن لى في الخروج]، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [نعم].
ثم أبرم معه خطة الهجرة، ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل.
وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى لم يشعر أحد بأنه يستعد للهجرة، أو لأي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش.
تطويق منزل الرسول صلى الله عليه وسلم
أما أكابر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في الإعداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة [دار الندوة] صباحًا،
واختير لذلك أحد عشر رئيسًا من هؤلاء الأكابر، وهم:
1ـ أبو جهل بن هشام.
2ـ الحَكَم بن أبي العاص.
3ـ عُقْبَة بن أبي مُعَيْط.
4ـ النَّضْر بن الحارث.
5ـ أُمية بن خَلَف.
6ـ زَمْعَة بن الأسود.
7ـ طُعَيْمة بن عَدِىّ.
8 ـ أبو لهب.
9ـ أبي بن خلف.
10ـ نُبَيْه بن الحجاج.
11ـ أخوه مُنَبِّه بن الحجاج.
وكان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل بعد صلاة العشاء،
ويخرج بعد نصف الليل إلى المسجد الحرام، يصلي فيه قيام الليل، فأمر عليًا رضي الله عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه،
ويتسجى ببرده الحضرمي الأخضر، وأخبره أنه لا يصيبه مكروه.
فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء، ونام عامة الناس جاء المذكورون إلى بيته صلى الله عليه وسلم سرًا،
واجتمعوا على بابه يرصدونه، وهم يظنونه نائمًا حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه، ونفذوا ما قرروا فيه.
وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنية، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء،
وقال مخاطبًا لأصحابه المطوقين في سخرية واستهزاء:
إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن،
وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل في
وقت خروجه صلى الله عليه وسلم من البيت،
فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن الله غالب على أمره،
بيده ملكوت السموات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجـار عليه، فقـد فعـل مـا خاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد:
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله ُ وَالله ُ خَيْرُ الْمَاكِرِين)[الأنفال:30].
الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته
وقد فشلت قريش في خطتهم فشلًا ذريعًا مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت،
واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسهم، وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو:
(وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون)[يس:9].
فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ومضى إلى بيت أبي بكر،
فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلًا حتى لحقا بغار ثَوْر في اتجاه اليمن.
وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل،
فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا.
قال: خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر على رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته،
قالوا: والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم.
ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا عليًا، فقالوا: والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا.
وقام علىٌّ عن الفراش، فسقط في أيديهم، وسألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا علم لي به.
من الدار إلى الغار
غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة،
الموافق 12/13 سبتمبر سنة 622م.
وأتى إلى دار رفيقه ـ وأمنّ الناس عليه في صحبته وماله ـ أبي بكر رضي الله عنه.
ثم غادر منزل الأخير من باب خلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشًا سَتَجِدُّ في الطلب،
وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالًا، فسلك الطريق الذي يضاده تمامًا،
وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن،
سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثَوْر وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق،
صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقيل: بل كان يمشى في الطريق على أطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه،
وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى انتهي به إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ بغار ثور.
إذ هما في الغار
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك،
فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقبًا فشق إزاره وسدها به، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه،
ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر،
ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: [ما لك يا أبا بكر؟] قال: لدغت، فداك أبي وأمي،
فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب ما يجده.
وكَمُنَا في الغار ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد. وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما.
قالت عائشة: وهو غلام شاب ثَقِف لَقِن، فيُدْلِج من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت،
فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام،
و [كان] يرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَة مولى أبي بكر مِنْحَة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء،
فيبيتان في رِسْل ـ وهو لبن مِنْحَتِهما ورَضيفِهما ـ حتى يَنْعِق بها عامر بن فُهَيْرَة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلاث،
وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليُعَفي عليه.
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة.
فأول ما فعلوا بهذا الصدد أنهم ضربوا عليًا، وسحبوه إلى الكعبة، وحبسوه ساعة، علهم يظفرون بخبرهما.
ولما لم يحصلوا من عليّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر،
فقالوا لها: أين أبوك؟ قالت: لا أدرى والله أين أبي؟ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحشًا خبيثًا ـ فلطم خـدها لطمـة طـرح منها قرطها.
وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين،
فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة [في جميع الجهات] تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة
قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، كائنًا من كان.
وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب،
وانتشروا في الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير عائدة.
وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال:
كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله ،
لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: [اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما]، وفي لفظ: [ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما].
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة.
في الطريق إلى المدينة
وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى،
تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة.
وكانا قد استأجرا عبد الله بن أُرَيْقِط الليثى، وكان هاديًا خِرِّيتًا ـ ماهرًا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش،
وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثَوْر بعد ثلاث ليال براحلتيهما،
فلما كانت ليلة الاثنين ـ غرة ربيع الأول سنة 1هـ / 16 سبتمبر سنة 622م ـ جاءهما عبد الله بن أريقط بالراحلتين،
وكان قد قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم عند مشاورته في البيت: بأبي أنت يا رسول الله ، خذ إحدى راحلتى هاتين،
وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن. وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بسُفْرَتِهما،
ونسيت أن تجعل لها عِصَامًا، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة، فإذا ليس لها عصام،
فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت: ذات النطاقين.
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَيْرة،
وأخذ بهم الدليل ـ عبد الله بن أريقط ـ على طريق السواحل.
وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربًا نحو الساحل،
حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس، اتجه شمالًا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر،
وسلك طريقًا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرًا.
وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الطريق،
قال: لما خرج بهما الدليل سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفَان،
ثم سلك بهما على أسفل أمَج، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قُدَيْدًا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الْخَرَّار،
ثم سلك بهما ثَنَّية الْمَرَّة، ثم سلك بهما لِقْفًا، ثم أجاز بهما مَدْلَجَة لِقْف،
ثم استبطن بهما مَدْلَجة مِجَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مِجَاح، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذى الغُضْوَيْن،
ثم بطن ذى كَشْر، ثم أخذ بهما على الْجَدَاجِد، ثم على الأجرد،
ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعدا مَدْلَجَة تِعْهِنَ، ثم على العَبَابيد، ثم أجاز بهما الفَاجَة، ثم هبط بهما الْعَرْج،
ثم سلك بهما ثنية العَائِر ـ عن يمين رَكُوبة ـ حتى هبط بهما بطن رِئْم، ثم قدم بهما على قُباء.
وهاك بعض ما وقع في الطريق
1ـ روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق،
لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة، لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده،
وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا بيدى، ينام عليه، وبسطت عليه فروة، وقلت: نم يا رسول الله ،
وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة،
يريد منها مثل الذي أردنا، فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة أو مكة. قلت: أفي غنمك لبن؟
قال: نعم. قلت: أفتحلب؟ قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقَذَى، فحلب في قعب كُثْبة من لبن،
ومعى إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم، يرتوى منها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه،
فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله ، فشرب حتى رضيت،
ثم قال: [ألم يأن للرحيل؟] قلت: بلى، قال: فارتحلنا.
2ـ وكان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفًا للنبى صلى الله عليه وسلم،
وكان شيخًا يعرف، ونبى الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول:
من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهدينى الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير.
3ـ وفي اليوم الثاني أو الثالث مر بخيمتى أم مَعْبَد الخزاعية،
وكان موقعهما بالمُشَلَّل من ناحية قُدَيْد على بعد نحو 130 كيلو مترًا من مكة، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى بفناء الخيمة،
ثم تطعم وتسقى من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء؟
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم، القِرَى والشاء عازب، وكانت سَنَةٌ شَهْباء.
فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: [ما هذه الشاة يا أم معبد؟]
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: [هل بها من لبن؟] قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال: [أتأذنين لى أن أحلبها؟] قالت: نعم بأبي وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ، فدعا بإناء لها يَرْبِض الرهط،
فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت،
وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها فارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلًا، فلما رأي اللبن عجب، فقال: من أين لك هذا؟
والشاة عازب، ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا،
قال: أني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صِفِيه لى يا أم معبد،
فوصفته بصفاته الكريمة وصفًا بديعًا كأن السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى الله عليه وسلم في أواخر الكتاب ـ
فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه،
ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وأصبح صوت بمكة عاليًا يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب العرش خير جزائه ** رفيقين حَلاَّ خيمــتى أم مَعْبَــدِ
هـمـا نزلا بالبِـــرِّ وارتحلا به ** وأفلح من أمسى رفيق محمــد
فيا لقُصَىّ مــا زَوَى الله عنكــم ** به من فعال لا يُحَاذى وسُــؤْدُد
لِيَهْنِ بني كعـب مكــان فَتاتِهــم ** ومقعدُهـا للمؤمنـين بَمْرصَـد
سَلُوا أختكم عن شاتهـا وإنائهـا ** فإنكم إن تسألوا الشـاة تَشْـهَـــد
قالت أسماء: ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه الأبيات،
والناس يتبعونه ويسمعون صوته ولا يرونه حتى خرج من أعلاها.
قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن وجهه إلى المدينة.
4ـ وتبعهما في الطريق سُرَاقة بن مالك. قال سراقة: بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومى بني مُدْلج،
أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، أني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة،
ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى، وهي من وراء أكَمَة، فتحبسها عَلَىَّ، وأخذت رمحى،
فخرجت به من ظهر البيت، فخَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرض، وخَفَضْتُ عاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها، فرَفَعْتُها تُقَرِّب بى حتى دنوت منهم،
فعَثَرَتْ بى فرسى فخررت عنها، فقمت، فأهويت يدى إلى كنانتى، فاستخرجت منها الأزلام،
فاستقسمت بها، أضُرُّهُمْ أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي ـ وعصيت الأزلام ـ تُقَرّبُ بي،
حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو لا يلتفت،
وأبو بكر يكثر الالتفات ـ سَاخَتْ يدا فرسى في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت،
فلم تَكَدْ تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام،
فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم،
ووقع في نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يَرْزَأني،
ولم يسألأني إلا أن قال: [أَخْفِ عنا]، فسألته أن يكتب لى كتاب أمْنٍ،
فأمر عامر بن فُهَيْرة، فكتب لى في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية عن أبي بكر قال: ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك بن جُعْشُم،
على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله ، فقال:(لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله َ مَعَنَا)[التوبة:40].
ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا.
وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما.
5 ـ وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم بُريْدَة بن الحُصَيْب الأسلمى ومعه نحو ثمانين بيتًا، فأسلم وأسلموا،
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فصلوا خلفه، وأقام بريدة بأرض قومه حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد.
وعن عبد الله بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتطير،
فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم، فلقى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: [ممن أنت؟]
قال: من أسلم، فقال: لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: [مِنْ بني مَنْ؟] قال: من بني سهم. قال: [خرج سهمك]
6ـ ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي أوْس تميم بن حَجَر أو بأبي تميم أوس بن حجر الأسلمى،
بقحداوات بين الجُحْفَة وهَرْشَى ـ بالعرج ـ وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره، فكان هو وأبو بكر على جمل واحد،
فحمله أوس على فحل من إبله، وبعث معهما غلامًا له اسمه مسعود،
وقال: اسلك بهما حيث تعلم من محارم الطريق ولا تفارقهما، فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة،
ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسعودًا إلى سيده، وأمره أن يأمر أوسًا أن يسم إبله في أعناقها قيد الفرس،
وهو حلقتان، ومد بينهما مدًا، فهي سمتهم. ولما أتى المشركون يوم أحد أرسل أوس غلامه مسعود بن هُنَيْدَة من العَرْج على قدميه
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بهم. ذكره ابن مَاكُولا عن الطبرى،
وقد أسلم بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان يسكن العرج.
7ـ وفي الطريق ـ في بطن رِئْم ـ لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وهو في ركب من المسلمين،
كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بياضًا.
النزول بقباء
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة،
فكانوا يغدون كل غداة إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم،
فلما أووا إلى بيوتهم أَوْفي رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه،
فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضِين يزول بهم السراب،
فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب،
هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح. وتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة.
قال ابن القيم: وسُمِعت الوَجْبَةُ والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدومه،
وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى ينزل عليه:
(فَإِنَّ الله َ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير)[التحريم:4].
قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف،
وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتًا،
فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحىى ـ وفي نسخة: يجىء ـ أبا بكر،
حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك.
وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها،
وقد رأي اليهود صدق بشارة حَبْقُوق النبي: إن الله جاء من التيمان، والقدوس من جبال فاران.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل: بل على سعد بن خَيْثَمَة، والأول أثبت.
ومكث على بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاثًا حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس،
ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهَدْم.
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء وصلى فيه،
وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس ـ يوم الجمعة ـ ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه،
وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة وهم حوله،
وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادى، وكانوا مائة رجل.
الدخول في المدينة
ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجمعة حتى دخل المدينة ـ ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم،
ويعبر عنها بالمدينة مختصرًا ـ وكان يومًا مشهودًا أغر، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح،
وتغنت بنات الأنصار بغاية الفرح والسرور:
طـلـع الـبــدر علـينا **مـن ثـنيــات الـوداع
وجـب الشـكـر علـينا ** مـــا دعــا لـلـه داع
أيـهـا المبـعـوث فـينا ** جـئـت بـالأمـر المطاع
والأنصار وإن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عليه،
فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته: هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم:
[خلوا سبيلها فإنها مأمورة]، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت،
ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها،
وذلك في بني النجار ـ أخواله صلى الله عليه وسلم ـ وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله، يكرمهم بذلك،
فجعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب الأنصارى إلى رحـله، فأدخله بيته،
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [المرء مع رحله]، وجـاء أسعد بن زرارة فأخـذ بزمام راحلته، فكانت عنــده.
وفي رواية أنس عند البخاري، قال نبى الله صلى الله عليه وسلم: [أي بيوت أهلنا أقرب؟]
فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله ، هذه دارى، وهذا بأبي. قال: [فانطلق فهيئ لنا مقيلًا]، قال: قوما على بركة الله .
وبعد أيام وصلت إليه زوجته سَوْدَة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن،
وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة،
وبقيت زينب عند أبي العاص، لم يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد بدر.
قالت عائشة: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله ، فكان بُطْحَان يجرى نَجْلًا، أي ماءً آجِنًا.
وقالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت:
يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول:
كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ** والموت أدنى من شِرَاك نَعْلِه
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شِعْرِى هل أبيتَنَّ ليلة ** بـوَادٍ وحـولى إذْخِرٌ وجَلِيـلُ
وهل أردْن يومــًا ميـاه مِجَنَّة ** وهل يَبْدُوَنْ لى شامة وطَفِيلُ
قالت عائشة: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: [الله م العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف،
كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء]. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
[الله م حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجُحْفَة].
وقد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم، فأرى في المنام أن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت بالمَهْيَعَة، وهي الجحفة.
وكان ذلك عبارة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة، وبذلك استراح المهاجرون عما كانوا يعانونه من شدة مناخ المدينة.
إلى هنا إنتهى بيان قسم من حياته صلى الله عليه وسلم بعد النبوة، وهو العهد المكي.
الحلقة التاسعة (تأسيس الدولة )
بناء مجتمع جديد
قد أسلفنا أن نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجار
كان يوم الجمعة [12 ربيع الأول سنة 1 هـ/ الموافق 27 سبتمبر سنة 622م]،
وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، وقال: [هاهنا المنزل إن شاء الله]،
ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب رضي الله عنه
بناء المسجد النبوي
وأول خطوة خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي،
واختار له المكان الذي بركت فيه ناقته صلى الله عليه وسلم، فاشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه،
وأسهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبِن والحجارة ويقول:
[اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَة]
وكان يقول:
[هذا الحِمَالُ لا حِمَال خَيْبَر ** هــذا أبـَــرُّ رَبَّنَا وأطْـهَر]
وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في العمل، حتى إن أحدهم ليقول:
لئن قَعَــدْنا والنبي يَعْمَل ** لـذاك مِــنَّا العَمَــلُ المُضَلَّل
وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غَرْقَد،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخَرِب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت،
وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة إلى بيت المقدس، وجعلت عضادتاه من حجارة،
وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعُمُده الجذوع، وفرشت أرضه بالرمال والحصباء،
وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع،
والجانبان مثل ذلك أو دونه، وكان أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع.
وبني بجانبه بيوتًا بالحجر واللبن، وسقفها بالجريد والجذوع،
وهي حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم، وبعد تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب.
ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته،
ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها،
وقاعدة لإدارة جميع الشئون وبث الانطلاقات، وبرلمان لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية.
وكان مع هذا كله دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم هناك دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.
وفي أوائل الهجرة شرع الأذان، تلك النغمة العلوية التي تدوى في الآفاق، وتهز أرجاء الوجود،
تعلن كل يوم خمس مرات بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتنفي كل كبرياء في الكون وكل دين في الوجود،
إلا كبرياء الله، والدين الذي جاء به عبده محمد رسول الله.
وقد تشرف برؤيته في المنام أحد الصحابة الأخيار عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم
وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، والقصة بكاملها مروية في كتب السنة والسيرة.
المؤاخاة بين المسلمين
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بجانب قيامه ببناء المسجد: مركز التجمع والتآلف،
قام بعمل آخر من أروع ما يأثره التاريخ، وهو عمل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار،
قال ابن القيم: ثم أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك،
وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الأرحام إلى حين وقعة بدر،
فلما أنزل الله عز وجل: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)[الأنفال: 75] رد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة.
وقد قيل: إنه أخي بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية... والثبت الأول،
والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخاة فيما بينهم، بخلاف المهاجرين مع الأنصار. اهـ.
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، وتسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يكون أساس الولاء والبراء إلا الإسلام.
وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة وإسداء الخير في هذه الأخوة، وملأت المجتمع الجديد بأروع الأمثال.
روى البخاري: أنهم لما قدموا المدينة أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع،
فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالى نصفين، ولى امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها،
فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع،
فما انقلب إلا ومعه فضل من أقِطٍ وسَمْنٍ، ثم تابع الغدو،
ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَهْيَمْ؟] قال: تزوجت. قال: [كم سقت إليها؟] قال: نواة من ذهب.
وروى عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبى صلى الله عليه وسلم:
اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: [لا]، فقالوا: فتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا.
وهذا يدلنا على ما كان عليه الأنصار من الحفاوة البالغة بإخوانهم المهاجرين، ومن التضحية والإيثار والود والصفاء،
وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكرم حق قدره، فلم يستغلوه ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أودهم.
وحقًا فقد كانت هذه المؤاخاة حكمةً فذةً، وسياسةً حكيمةً، وحلًا رشيدًا لكثير من المشاكل التي كان يواجهها المسلمون، والتي أشرنا إليها.
ميثاق التحالف الإسلامي
وكما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد هذه المؤاخاة بين المؤمنين،
قام بعقد معاهدة أزاح بها ما كان بينهم من حزازات في الجاهلية،
وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائرة، واستطاع بفضلها إيجاد وحدة إسلامية شاملة. وفيما يلى بنودها ملخصًا:
هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم:
1ـ إنهم أمة واحدة من دون الناس.
2ـ المهاجرون من قريش على رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم، وهم يَفْدُون عَانِيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وكل قبيلة من الأنصار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
3ـ وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
4ـ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين.
5ـ وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
6ـ ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر.
7ـ ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
8 ـ وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم.
9ـ وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
10ـ وإن سلم المؤمنين واحدة؛ لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
11 ـ وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
12 ـ وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن.
13 ـ وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول.
14 ـ وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
15 ـ وإنه لا يحل لمؤمن أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل.
16 ـ وإنكم مهما اختلفـتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله ـ عز وجل ـ وإلى محمـد صلى الله عليه وسلم.
أثر المعنويات في المجتمع
بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد مجتمع جديد،
كانت صورته الظاهرة بيانا وآثارًا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك الأمجاد بفضل صحبة النبي صلى الله عليه وسلم،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس،
والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة.
سأله رجل: أي الإسلام خير؟ قال: [تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف].
قال عبد الله بن سلام: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جئت، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب،
فكان أول ما قال: [يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام]
وكان يقول: [لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه]
ويقول: [المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده]
ويقول: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه]
ويقول: [المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله].
ويقول: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً] ويقول: [لا تباغضوا، ولا تحاسدون، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً،
ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام].
ويقول: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته،
ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة]
ويقول: [ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء].
ويقول: [ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه].
ويقول: [سِباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر]. وكان يجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويعدها شعبة من شعب الإيمان .
ويقول: [الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار].
ويقول: [أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُرى كساه الله من خُضر الجنة،
وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيم المختوم]
ويقول: [اتقوا الناء ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة].
وبجانب هذا كان يحث حثاً شديداً على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر فضائل الصبر والقناعة،
فكان يعد المسألة كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً في وجه السائل اللهم إلا إذا كان مضطراً.
كما كان يبين لهم ما في العبادات من الفضائل والأجر والثواب عند الله،
وكان يربطهم بالوحي النازل عليه من المساء ربطاً مؤثقاً،
فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه: لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة وتبعات الرسلة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر.
وهكذا هذب تفكيرهم، وربع معنوياتهم، وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلى القيم والأقدار،
حتى وصولا إلى أعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشر بعد الأنبياء.
يقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة،
أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة؛ وأبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً،
اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، وابتعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم،
فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم
كان يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة، ومن الكمالات المواهب،
والأمجاد والفضائل، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال بما جعتله تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى عليه النفوس،
فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي الله عنهم إلى امتثالها، وما يصدر من إرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى العمل به.
بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني في المدينة مجتمعاً جديداً أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ،
وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً تنفست له الإنسانية الصعداء، بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات.
وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام.
الحلقة العاشرة (( غزواته ..... 1 ))
فَصْلٌ [ الإِذْنُ بِالقِتالِ وَفَرْضُ الجِهادِ ]
وَلَمّا اسْتَقَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَدِينَةِ ، وَأَيّدَهُ اللّهُ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ . وَمَنَعَتْهُ أَنْصَارُ اللّهِ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ رَمَتْهُمْ الْعَرَبُ وَالْيَهُودُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدٍ وَشَمّرُوا عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ وَالْمُحَارَبَةِ .
وَاَللّهُ يَأْمُرُ رَسُولَهُ <96> وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْكَفّ وَالْعَفْوِ وَالصّفْحِ حَتّى قَوِيَتْ الشّوْكَةُ . فَحِينَئِذٍ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ تَعَالَى ( 22 : 39 ) أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . وَهِيَ أَوّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ ([1]) .
ثُمّ فُرِضَ عَلَيْهِمْ قِتَالُ مَنْ قَاتَلَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى ( 2 : 190 ) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ - الْآيَةَ . ثُمّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ كَافّةً فَقَالَ ( 9 : 37 ) وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافّةً - الْآيَةَ .
بَعْضُ خَصَائِصِ رَسُولِ اللّهِ
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُبَايِعُ أَصْحَابَهُ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا وَرُبّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ . وَرُبّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ . وَرُبّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ .
وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ .
وَبَايَعَهُمْ عَلَى التّوْحِيدِ وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ .
وَبَايَعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنْ لَا يَسْأَلُوا النّاسَ شَيْئًا . فَكَانَ السّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِهِمْ . فَيَنْزِلُ فَيَأْخُذَهُ وَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إيّاهُ ([2]) .
وَكَانَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ يَأْتُونَهُ بِخَبَرِ عَدُوّهِ . وَيَطّلِعُ الطّلَائِعَ وَيَبُثّ الْحَرْثَ وَالْعُيُونَ ، حَتّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ عَدُوّهِ شَيْءٌ .
وَكَانَ إذَا لَقَى عَدُوّهُ دَعَا اللّهَ وَاسْتَنْصَرَ بِهِ وَأَكْثَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ وَالتّضَرّعِ لَهُ .
وَكَانَ كَثِيرُ الْمُشَاوَرَةِ لِأَصْحَابِهِ فِي الْجِهَادِ .
وَكَانَ يَتَخَلّفُ فِي سَاقَتِهِمْ . فَيُزْجِي الضّعِيفَ وَيُرْدِفُ الْمُنْقَطِعَ .
وَكَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا ([3]) .
وَكَانَ يُرَتّبُ الْجَيْشَ وَالْمُقَاتِلَةَ وَيَجْعَلُ فِي كُلّ جَنْبَةٍ كُفُؤًا لَهَا . وَكَانَ يُبَارِزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ . وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْحَرْبِ عُدّتَهُ . وَرُبّمَا ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ([4]) .
وَكَانَ لَهُ أَلْوِيَةٌ ، وَكَانَ إذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا ثُمّ قَفَلَ ([5]) <97> وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُغِيرَ يَنْتَظِرُ . فَإِذَا سَمِعَ مُؤَذّنًا لَمْ يُغِرْ وَإِلّا أَغَارَ ([6]) .
وَكَانَ يَجِبُ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بُكْرَةً .
وَكَانَ إذَا اشْتَدّ الْبَأْسُ اتّقَوْا بِهِ ([7]) .
وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إلَى الْعَدُوّ .
وَكَانَ يُحِبّ الْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ .
وَيُنْهِي عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ([8]) .
وَيُنْهِي عَنْ السّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوّ ([9]) .
أَوّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللّهِ
وَأَوّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ - لِوَاءُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي السّنَةِ الْأُولَى ، بَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً يَعْرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنْ الشّامِ ، فِيهَا أَبُو جَهْلٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ حَتّى بَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفَوْا لِلْقِتَالِ فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيّ .
وَكَانَ مُوَادِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ . فَلَمْ يَقْتَتِلُوا .
سَرِيّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ
ثُمّ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي شَوّالٍ مِنْ تِلْكَ السّنَةِ فِي سَرِيّةٍ إلَى بَطْنِ رَابِغَ فِي سِتّينَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً . فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ رَابِغَ . فَكَانَ بَيْنَهُمْ الرّمْيُ . وَلَمْ يَسُلّوا السّيُوفَ . وَإِنّمَا كَانَتْ مُنَاوَشَةٌ .
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ أَوّلَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ ، ثُمّ انْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ وَقَدّمَ ابْنُ إسْحَاقَ سَرِيّةَ حَمْزَةَ .
سَرِيّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ
ثُمّ بَعَثَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ تِلْكَ السّنَةِ إلَى الْخَرّارِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ، يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ . وَعَهِدَ إلَيْهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْخَرّارَ ، وَكَانُوا عِشْرِينَ . فَخَرَجُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ يَسِيرُونَ بِاللّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنّهَارِ . حَتّى بَلَغُوا الْخَرّارَ ، فَوَجَدُوا الْعِيرَ قَدْ مَرّتْ بِالْأَمْسِ . ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ الثّانِيَةُ .
غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ
<98> فَغَزَا فِيهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ . وَكَانَتْ أَوّلَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِنَفْسِهِ . خَرَجَ فِي الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا . وَفِيهَا وَادَعَ بَنِي ضَمْرَةَ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَهُمْ وَلَا يَغْزُوَهُ وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ أَحَدًا .
غَزْوَةُ بُوَاطٍ
ثُمّ غَزَا بُوَاطًا فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ . خَرَجَ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . فَبَلَغَ بُوَاطًا - جَبَلًا مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ - فَرَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا .
خُرُوجُهُ لِطَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ
ثُمّ خَرَجَ فِي طَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ . وَقَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ ، فَاسْتَاقَهُ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَثَرِهِ حَتّى بَلَغَ سَفْوَانَ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ وَفَاتَهُ كُرْزٌ .
غَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ
ثُمّ خَرَجَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إلَى الشّامِ . وَخَرَجَ فِي ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَتَعَاقَبُونَهَا . فَبَلَغَ ذَاتَ الْعُشَيْرَةِ مِنْ نَاحِيَةِ يَنْبُعَ . فَوَجَدَ الْعِيرَ فَاتَتْهُ بِأَيّامٍ . وَهِيَ الّتِي خَرَجُوا لَهَا يَوْمَ بَدْرٍ لَمّا جَاءَتْ عَائِدَةً مِنْ الشّامِ . وَفِيهَا : وَادَعَ بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ .
بَعْثُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ
ثُمّ بَعَثَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ إلَى نَخْلَةَ فِي رَجَبٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كُلّ اثْنَيْنِ عَلَى بَعِيرٍ . فَوَصَلُوا إلَى نَخْلَةَ ، يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ كَتَبَ لَهُ كِتَابًا . وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ . فَلَمّا فَتَحَ الْكِتَابَ إذَا فِيهِ إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا ، فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ بِنَخْلَةَ بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ ، فَتَرَصّدْ قُرَيْشًا ، وَتَعَلّمْ لَنَا أَخْبَارَهَا ([10]).
<99> فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ لَا يَسْتَكْرِهُهُمْ فَقَالُوا : سَمْعًا وَطَاعَةً . فَلَمّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطّرِيقِ أَضَلّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرَهُمَا . فَتَخَلّفَا فِي طَلَبِهِ . وَمَضَوْا حَتّى نَزَلُوا نَخْلَةَ .
قَتْلُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيّ
فَمَرّتْ بِهِمْ عِيرُ قُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَتِجَارَةً فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيّ ، فَقَتَلُوهُ وَأَسَرّوا عُثْمَانَ وَنَوْفَلًا ابْنَيْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ مَوْلَى بَنِي الْمُغِيرَةِ . فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ نَحْنُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ . فَإِنْ قَاتَلْنَاكُمْ انْتَهَكْنَا الشّهْرَ الْحَرَامَ وَإِنْ تَرَكْنَاهُمْ اللّيْلَةَ دَخَلُوا الْحَرَمَ . ثُمّ أَجْمَعُوا عَلَى مُلَاقَاتِهِمْ . فَرَمَى أَحَدُهُمْ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ فَقَتَلَهُ وَأَسَرُوا عُثْمَانَ وَالْحَكَمَ . وَأَفْلَتَ نَوْفَلٌ . ثُمّ قَدِمُوا بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتّى عَزَلُوا مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسَ . فَكَانَ أَوّلُ خُمُسٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوّلُ قَتْلٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوّلُ أَسْرٍ . فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا فَعَلُوهُ . وَاشْتَدّ إنْكَارُ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ . وَزَعَمُوا : أَنّهُمْ وَجَدُوا مَقَالًا . فَقَالُوا قَدْ أَحَلّ مُحَمّدٌ الشّهْرَ الْحَرَامَ . وَاشْتَدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ حَتّى أَنَزَلَ اللّهُ ( 2 : 217 ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ الْآيَةَ . يَقُولُ سُبْحَانَهُ هَذَا الّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ - وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا - فَمَا ارْتَكَبْتُمُونَهُ مِنْ الْكُفْرِ بِاَللّهِ وَالصّدّ عَنْ سَبِيلِهِ وَبَيْتِهِ وَإِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ
مَعْنَى الْفِتْنَةِ
و " الْفِتْنَةُ " هُنَا الشّرْكُ كَقَوْلِهِ ( 2 : 193 ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَقَوْلِهِ ( 6 : 23 ) ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ أَيْ مَا تَكُنْ عَاقِبَةُ شِرْكِهِمْ وَآخِرَةُ أَمْرِهِمْ إلّا أَنْ أَنْكَرُوهُ وَتَبَرّءُوا مِنْهُ .
وَحَقِيقَتُهَا : الشّرْكُ الّذِي يَدْعُو إلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ( 85 : 10 ) إِنّ الّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ لَمْ يَتُوبُوا الْآيَةَ . فُسّرَتْ بِتَعْذِيبِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِحْرَاقِهِمْ بِالنّارِ لِيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ .
وَقَدْ تَأْتِي " الْفِتْنَةُ " وَيُرَادُ بِهَا : الْمَعْصِيَةُ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( 9 : 49 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي - الْآيَةَ . <100> وَكَفِتْنَةِ الرّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ وَكَالْفِتَنِ الّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .
وَأَمّا الّتِي يُضِيفُهَا اللّهُ لِنَفْسِهِ فَهِيَ بِمَعْنَى الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ .
وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى يَوْمَ الْفُرْقَانِ
فَلَمّا كَانَ فِي رَمَضَانَ بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَبَرَ الْعِيرِ الْمُقْبِلَةِ مِنْ الشّامِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فِيهَا أَمْوَالُ قُرَيْشٍ ُ فَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْخُرُوجِ إلَيْهَا ُ فَخَرَجَ مُسْرِعًا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَ عَشْرَةَ رَجُلًا . وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنْ الْخَيْلِ إلّا فَرَسَانِ فَرَسٌ لِلزّبَيْرِ وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ . وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا ُ يَعْتَقِبُ الرّجُلَانِ وَالثّلَاثَةَ عَلَى بَعِيرٍ . وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُمّ مَكْتُومٍ .
فَلَمّا كَانَ بِالرّوْحَاءِ رَدّ أَبَا لُبَابَةَ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ .
وَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ُ وَالرّايَةَ إلَى عَلِيّ وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ .
وَلَمّا قَرُبَ مِنْ الصّفْرَاءِ : بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وَعَدِيّ بْنَ أَبِي الزّغْبَاءِ يَتَحَسّسَانِ أَخْبَارَ الْعِيرِ .
وَبَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ مَخْرَجَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ . وَبَعَثَهُ حَثِيثًا إلَى مَكّةَ ُ مُسْتَصْرِخًا قُرَيْشًا بِالنّفِيرِ إلَى عِيرِهِمْ . فَنَهَضُوا مُسْرِعِينَ . وَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ سِوَى أَبِي لَهَبٍ . فَإِنّهُ عَوّضَ عَنْهُ رَجُلًا بِجُعْلٍ . وَحَشَدُوا فِيمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ . وَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا بَنِي عَدِيّ فَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ وَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( 8 : 47 ) بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فَجَمَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( 8 : 43 ) وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ .
وَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ خُرُوجُ قُرَيْشٍ : اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ . فَتَكَلّمَ الْمُهَاجِرُونَ ُ فَأَحْسَنُوا ثُمّ اسْتَشَارَهُمْ ثَانِيًا . فَتَكَلّمَ الْمُهَاجِرُونَ . ثُمّ ثَالِثًا . فَعَلِمَتْ الْأَنْصَارُ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ إنّمَا يَعْنِيهِمْ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : كَأَنّك تُعَرّضُ بِنَا يَا رَسُولَ اللّهِ - وَكَانَ إنّمَا يَعْنِيهِمْ لِأَنّهُمْ بَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ دِيَارِهِمْ - وَكَأَنّك تَخْشَى أَنْ <101> تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَنْصُرُوك إلّا فِي دِيَارِهِمْ . وَإِنّي أَقُولُ عَنْ الْأَنْصَارِ ُ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ . فَامْضِ بِنَا حَيْثُ شِئْت ُ وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْت ُ وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْت ُ وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت . وَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا شِئْت . وَمَا أَخَذْت مِنْهَا كَانَ أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت . فَوَاَللّهِ لَئِنْ سِرْت بِنَا حَتّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غُمْدَانَ لَنَسِيرَنّ مَعَك ُ وَوَاللّهِ لَئِنْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَك .
وَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ : إذَنْ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى ( 5 : 24 ) فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنْ نُقَاتِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْك ُ وَمِنْ خَلْفِك ُ وَعَنْ يَمِينِك وَعَنْ شِمَالِك . فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمْ . وَقَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا . فَإِنّ اللّهَ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ . وَإِنّي قَدْ رَأَيْت مَصَارِعَ الْقَوْمِ ([11]) .
وَكَرِهَ بَعْضُ الصّحَابَةِ لِقَاءَ النّفِيرِ وَقَالُوا : لَمْ نَسْتَعِدّ لَهُمْ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( 8 : 5 - 8 ) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقّ بَعْدَمَا تَبَيّنَ لِشُرَكَائِهِمْ - إلَى قَوْلِهِ - وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ .
وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَدْرٍ . وَخَفَضَ أَبُو سُفْيَانَ . فَلَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ . وَكَتَبَ إلَى قُرَيْشٍ : أَنْ ارْجِعُوا فَإِنّكُمْ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتُحْرِزُوا عِيرَكُمْ . فَأَتَاهُمْ الْخَبَرُ . فَهَمّوا بِالرّجُوعِ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى نَقْدَمَ بَدْرًا ُ فَنُقِيمَ بِهَا ُ نُطْعِمَ مَنْ حَضَرَنَا وَنَسْقِي الْخَمْرَ وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ . وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ . فَلَا تَزَالُ تَهَابُنَا أَبَدًا وَتَخَافُنَا .
فَأَشَارَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ عَلَيْهِمْ بِالرّجُوعِ فَلَمْ يَفْعَلُوا . فَرَجَعَ هُوَ وَبَنُو زُهْرَةَ . فَلَمْ يَزَلْ الْأَخْنَسُ فِي بَنِي زُهْرَةَ مُطَاعًا بَعْدَهَا .
وَأَرَادَ بَنُو هَاشِمٍ الرّجُوعَ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ الْعِصَابَةُ حَتّى نَرْجِعَ فَسَارُوا ُ إلّا طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . فَرَجَعَ .
وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ عَلَى مَاءِ أَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ . فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : إنْ رَأَيْت أَنْ نَسِيرَ إلَى قُلُبٍ - قَدْ عَرَفْنَاهَا - كَثِيرَةَ الْمَاءِ عَذْبَةً فَتَنْزِلُ عَلَيْهَا . وَنَغُورُ مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ ؟ وَأَنْزَلَ اللّهُ تِلْكَ اللّيْلَةَ مَطَرًا وَاجِدًا ُ صَلّبَ <102> الرّمَلَ . وَثَبّتَ الْأَقْدَامَ . وَرَبَطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ . وَمَشَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ . وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ . وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إنْ شَاءَ اللّه فَمَا تَعَدّى أَحَدٌ مِنْهُمْ مَوْضِعَ إشَارَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَلَمّا طَلَعَ الْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ُ جَاءَتْ تُحَادّك ُ وَتُكَذّبُ رَسُولَك . اللّهُمّ فَنَصْرُك الّذِي وَعَدْتنِي . اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاة وَقَامَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَنْصَرَ رَبّهُ وَبَالَغَ فِي التّضَرّعِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ . وَقَالَ اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي ُ اللّهُمّ إنّي أَنْشُدُك عَهْدَك وَوَعْدَك . اللّهُمّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ ([12]) .
فَالْتَزَمَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ حَسْبُك مُنَاشَدَتَك رَبّك ُ يَا رَسُولَ اللّهِ . أَبْشِرْ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُنْجِزَن اللّهُ لَك مَا وَعَدَك . وَاسْتَنْصَرَ الْمُسْلِمُونَ اللّهَ وَاسْتَغَاثُوهُ . فَأَوْحَى اللّهُ إلَى الْمَلَائِكَةِ ( 8 : 12 ) أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ وَأَوْحَى اللّهُ إلَى رَسُولِهِ ( 8 : 9 ) أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ بِكَسْرِ الدّالِ وَفَتْحِهَا . قِيلَ إرْدَافًا لَكُمْ . وَقِيلَ يُرْدِفُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ُ لَمْ يَجِيئُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً .
فَلَمّا أَصْبَحُوا أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فِي كَتَائِبِهَا . وَقَلّلَ اللّهُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ حَتّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ - لَمّا أَشَارَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بِالرّجُوعِ خَوْفًا عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ التّفَرّقِ وَالْقَطِيعَةِ إذَا قَتَلُوا أَقَارِبَهُمْ - إنّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهِ . وَلَكِنّهُ - يَعْنِي عُتْبَةَ - عَرَفَ أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكَلَةُ جَزُورٍ وَفِيهِمْ ابْنُهُ فَقَدْ تَخَوّفَكُمْ عَلَيْهِ . وَقَلّلَ اللّهُ الْمُشْرِكِينَ أَيْضًا فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا .
وَأَمَرَ أَبُو جَهْلٍ عَامِرَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ - أَخَا عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيّ - أَنْ يَطْلُبَ دَمَ أَخِيهِ . فَصَاحَ . وَكَشَفَ عَنْ اسْتِهِ يَصْرُخُ وَاعَمْرَاهُ وَاعَمْرَاهُ . فَحَمَى الْقَوْمُ . وَنَشِبَتْ الْحَرْبُ .
وَعَدّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفُوفَ . ثُمّ انْصَرَفَ وَغَفَا غَفْوَةً . وَأَخَذَ الْمُسْلِمِينَ النّعَاسُ ُ وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْرُسُهُ . وَعِنْدَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ُ <103> وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ . فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَثِبُ فِي الدّرْعِ . وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ( 54 : 45 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ
وَمَنَحَ اللّهُ الْمُسْلِمِينَ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ . فَتَنَاوَلُوهُمْ قَتْلًا وَأَسْرًا . فَقَتَلُوا سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ .
وَخَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ : يَطْلُبُونَ الْمُبَارَزَةَ . فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ُ فَقَالُوا : أَكْفَاءٌ كِرَامٌ . مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ . إنّمَا نُرِيدُ مِنْ بَنِي عَمّنَا . فَبَرَزَ إلَيْهِمْ حَمْزَةُ ُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِب ِ ُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَتَلَ عَلِيّ قِرْنَهُ الْوَلِيدَ . وَقَتَلَ حَمْزَةُ قِرْنَهُ شَيْبَةَ . وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ ضَرْبَتَيْنِ كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ . فَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ عَلَى قِرْنِ عُبَيْدَةَ فَقَتَلَاهُ . وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ قَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ . فَقَالَ لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيّا لَعَلِمَ أَنَا أَوْلَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ
وَنُسَلّمُهُ حَتّى نُصَرّعْ حَوْلَهُ
وَنُذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَمَاتَ بِالصّفْرَاءِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ( 22 : 19) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ الْآيَةَ . فَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَنَا أَوّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ([13]) .
وَلَمّا عَزَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْخُرُوجِ وَذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي كِنَانَةَ مِنْ الْحَرْبِ . فَتَبَدّى لَهُمْ إبْلِيسٌ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ . فَقَالَ ( 8 : 48) لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ . فَلَمّا تَعَبّئُوا لِلْقِتَالِ وَرَأَى الْمَلَائِكَةَ فَرّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَقَالُوا : إلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ ؟ فَقَالَ ( 8 : 48) إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ .
وَظَنّ الْمُنَافِقُونَ وَمِنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أَنّ الْغَلَبَةَ بِالْكَثْرَةِ فَقَالُوا ( 8 : 50 ) غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ فَأَخْبَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ أَنّ النّصْرَ إنّمَا هُوَ بِالتّوَكّلِ عَلَى اللّهِ وَحْدَهُ .
وَلَمّا دَنَا الْعَدُوّ : قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَعَظَ النّاسَ . وَذَكّرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِي الصّبْرِ وَالثّبَاتِ مِنْ النّصْرِ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَوْجَبَ الْجَنّةَ لِمَنْ يُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِهِ .
فَأَخْرَجَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرْنِهِ يَأْكُلُهُنّ . ثُمّ قَالَ لَئِنْ حَيِيت حَتّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إنّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ " فَرَمَى بِهِنّ وَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ .
<104> وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِلْءَ كَفّهِ تُرَابًا ُ فَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ . فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلًا مِنْهُمْ إلّا مَلَأَتْ عَيْنَيْهِ . فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( 8 : 17 ) وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمَى .
وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ اللّهُمّ أَقْطَعَنَا لِلرّحِمِ وَأَتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ .
وَلَمّا وَضَعَ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعَدُوّ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ - وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَاقِفٌ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْعَرِيشِ - رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَجْهِ سَعْدٍ الْكَرَاهِيَةَ . فَقَالَ كَأَنّك تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النّاسُ ؟ قَالَ أَجَلْ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللّهُ فِي الْمُشْرِكِينَ . وَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ
وَلَمّا بَرَدَتْ الْحَرْبُ وَانْهَزَمَ الْعَدُوّ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ ؟ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ مُعَوّذٌ وَعَوْفٌ - ابْنَا عَفْرَاءَ - حَتّى بَرَدَ . فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ ؟ فَقَالَ لِمَنْ الدّائِرَةُ الْيَوْمَ ؟ قَالَ لِلّهِ وَرَسُولِهِ . ثُمّ قَالَ لَهُ هَلْ أَخْزَاك اللّهُ يَا عَدُوّ اللّهِ ؟ قَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ ؟ فَاحْتَزّ رَأْسَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . ثُمّ أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ قَتَلْته ُ فَقَالَ " آللّهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ ؟ - ثَلَاثًا - ثُمّ قَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ . وَنَصَرَ عَبْدَهُ . وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ . انْطَلِقْ فَأَرِنِيهِ . فَانْطَلَقْنَا ُ فَأَرَيْته إيّاهُ . فَلَمّا وَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمّةِ ([14]) .
وَأَسَرَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيّا . فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ - وَكَانَ يُعَذّبُهُ بِمَكّةَ - فَقَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ ؟ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا . ثُمّ اسْتَحْمَى جَمَاعَةً مِنْ الْأَنْصَارِ .
وَاشْتَدّ عَبْدُ الرّحْمَنِ بِهِمَا ُ يَحْجِزُهُمَا مِنْهُمْ فَأَدْرَكُوهُمْ . فَشَغَلَهُمْ عَنْ أُمَيّةَ بِابْنِهِ عَلِيّ فَفَرَغُوا مِنْهُ ثُمّ لَحِقُوهُمَا . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ اُبْرُكْ . فَبَرَكَ وَأَلْقَى عَلَيْهِ عَبْدُ الرّحْمَنِ بِنَفْسِهِ . فَضَرَبُوهُ بِالسّيُوفِ مِنْ تَحْتِهِ حَتّى قَتَلُوهُ . وَأَصَابَ بَعْضُ السّيُوفِ رِجْلَ عَبْدِ الرّحْمَنِ . وَكَانَ أُمَيّةُ قَدْ قَالَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَنْ الْمُعَلّمُ فِي صَدْرِهِ بِرَيْشِ النّعَامِ ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ . قَالَ ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ .
<105> وَانْقَطَعَ يَوْمَئِذٍ سَيْفُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ . فَأَعْطَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَذْلًا مِنْ حَطَبٍ فَلَمّا أَخَذَهُ وَهَزّهُ عَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا ُ فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ بِهِ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ الرّدّةِ . وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ أَقْبَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى وَقَفَ عَلَى الْقَتْلَى . فَقَالَ بِئْسَ عَشِيرَةُ النّبِيّ كُنْتُمْ . كَذّبْتُمُونِي . وَصَدّقَنِي النّاسُ . وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ . وَأَخْرَجْتُمُونِي . وَآوَانِي النّاسُ . ثُمّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا حَتّى أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ - قَلِيبِ بَدْرٍ - ثُمّ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ُ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ُ وَيَا فُلَانُ وَيَا فُلَانُ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا ؟ فَإِنّي قَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تُخَاطِبُ مِنْ أَقْوَامٍ قَدْ جَيّفُوا ؟ فَقَالَ مَا أَنْتَ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ [ وَلَكِنَّهُم لا يَقْدِرونَ أَنْ يُجِيبُوا ] ([15]) .
ثُمّ ارْتَحَلَ مُؤَيّدًا مَنْصُورًا ُ قَرِيرَ الْعَيْنِ مَعَهُ الْأَسْرَى وَالْمَغَانِمُ . فَلَمّا كَانَ بِالصّفْرَاءِ قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَضَرَبَ عُنُقَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ . ثُمّ لَمَا نَزَلَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ : ضَرَبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ .
ثُمّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مُؤَيّدًا مَنْصُورًا . قَدْ خَافَهُ كُلّ عَدُوّ لَهُ بِالْمَدِينَةِ . فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْإِسْلَامِ .
وَجُمْلَةُ مَنْ حَضَرَ بَدْرًا : ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَ عَشْرَةَ رَجُلًا . وَاسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَ أُنَاسٌ قَدْ أَسْلَمُوا . فَلَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَبَسَهُمْ أَهْلُهُمْ بِمَكّةَ . وَفَتَنُوهُمْ فَافْتَتَنُوا . ثُمّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ إلَى بَدْرٍ . فَأُصِيبُوا فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ ( 4 : 97 ) إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ .
قَسْمُ غَنَائِمِ بَدْرٍ
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِالْغَنَائِمِ فَجُمِعَتْ فَاخْتَلَفُوا . فَقَالَ مَنْ جَمَعَهَا : هِيَ لَنَا . وَقَالَ مَنْ هَزَمَ الْعَدُوّ لَوْلَانَا مَا أَصَبْتُمُوهَا ، وَقَالَ الّذِينَ يَحْرَسُونَ رَسُولَ اللّهِ <106> صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَنْتُمْ بِأَحَقّ بِهَا مِنّا . قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ : فَنَزَعَهَا اللّهُ مِنْ أَيْدِينَا . فَجَعَلَهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى ( 8 : 1 ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ الْآيَاتِ .
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ نَبِيّهِ بْنِ وَهْبٍ . قَالَ " فَرّقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَسْرَى عَلَى أَصْحَابِهِ . وَقَالَ اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا فَكَانَ أَبُو عَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ مُصْعَبٌ شُدّ يَدَك بِهِ . فَإِنّ أُخْتَه ذَاتُ مَتَاعٍ . فَقَالَ أَبُو عَزِيزٍ يَا أَخِي ، هَذِهِ وَصِيّتُك بِي ؟ فَقَالَ مُصْعَبٌ إنّهُ أَخِي دُونَك . قَالَ عَزِيزٌ وَكُنْت مَعَ رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ قَفَلُوا ، فَكَانُوا إذَا قَدِمُوا طَعَامًا خَصّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ . لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيّاهُمْ بِنَا ، مَا يَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةٌ إلّا نَفَحَنِي بِهَا . قَالَ فَأَسْتَحِي فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمَا . فَيَرُدّهَا عَلَيّ مَا يَمَسّهَا .
أُسَارَى بَدْرٍ
وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فِي الْأَسْرَى ، وَهُمْ سَبْعُونَ . وَكَذَلِكَ الْقَتْلَى سَبْعُونَ أَيْضًا . فَأَشَارَ الصّدّيقُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِدْيَةٌ تَكُونُ لَهُمْ قُوّةً . وَيُطْلِقَهُمْ لَعَلّ اللّهَ يَهْدِيهِمْ لِلْإِسْلَامِ . فَقَالَ عُمَرُ لَا وَاَللّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ . وَلَكِنّي أَرَى أَنْ تُمَكّنَنَا ، فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ . فَإِنّ هَؤُلَاءِ أَئِمّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُ الشّرْكِ فَهَوَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ . فَقَالَ " إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَيَلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللّينِ وَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَيُشَدّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتّى تَكُونَ أَشَدّ مِنْ الْحِجَارَةِ . وَإِنّ مَثَلَك يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ ( 14 : 36 ) فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنّ مَثَلَك يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى ، إذْ قَالَ ( 5 : 118 ) إِنْ تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ الْآيَةَ . وَإِنّ مَثَلَك يَا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى ، قَالَ ( 10 : 88 ) رَبّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ . وَإِنّ مَثَلِك يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ ( 71 : 67 ) رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيّارًا ثُمّ قَالَ أَنْتُمْ الْيَوْمَ عَالَةٌ . فَلَا يَنْفَلِتَن مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِفِدَاءِ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى ( 8 : 67 مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ الْآيَتَيْنِ ([16])
قَالَ عُمَرُ فَلَمّا كَانَ مِنْ الْغَدِ غَدَوْت عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ - هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ - يَبْكِيَانِ . فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ <107> أَخْبِرْنِي مَا يُبْكِيك ؟ وَصَاحِبَك ؟ فَإِنْ وَجَدْت بُكَاءً بَكَيْت ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ تَبَاكَيْت لِبُكَائِكُمَا .
فَقَالَ أَبْكِي لِلّذِي عَرَضَ عَلَيّ أَصْحَابُك مِنْ الْغَدِ مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ . فَقَدْ عَرَضَ عَلَيّ عَذَابَهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ - لِشَجَرَةِ قَرِيبَةٍ مِنْهُ - وَقَالَ لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مَا سَلِمَ مِنْهُ إلّا عُمَرُ ([17]) .
وَقَالَ الْأَنْصَارُ له صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُرِيدُ أَنْ نَتْرُكَ لِابْنِ أُخْتِنَا الْعَبّاسِ فِدَاءَهُ فَقَالَ لَا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا ([18]) .
الحلقة الحادية عشرة (( غزواته 2 ))
ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ الثّالِثَةُ مِنْ الْهِجْرَةِ .
غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ
فَكَانَتْ فِيهَا غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ . وَكَانُوا مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ . فَنَقَضُوا الْعَهْدَ . فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً . فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَشَفَعَ فِيهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ . وَأَلَحّ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهِمْ . فَأَطْلَقَهُمْ لَهُ وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ . وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلَامٍ .
غَزْوَةُ أُحُد
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُد ٍ فِي شَوّالٍ .
وَذَلِك أَنّ اللّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمّا أَوْقَعَ بِقُرَيْشِ يَوْم َ بَدْرٍ ، وَتَرَأّسَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ لِذَهَابِ أَكَابِرِهِمْ أَخَذَ يُؤَلّبُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَيَجْمَعُ الْجُمُوعَ . فَجَمَعَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ آلَافٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَالْحُلَفَاءِ وَالْأَحَابِيشِ . وَجَاءُوا بِنِسَائِهِمْ لِئَلّا يَفِرّوا . ثُمّ أَقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ . فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ .
فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ . وَكَانَ رَأْيُهُ أَنْ لَا يَخْرُجُوا . فَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ السّكَكِ وَالنّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ وَوَافَقَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَي ّ - رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ - عَلَى هَذَا الرّأْيِ . فَبَادَرَ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَاءِ الصّحَابَةِ - مِمّنْ فَاتَهُ بَدْرٌ - وَأَشَارُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ بِالْخُرُوجِ . وَأَلَحّوا عَلَيْهِ .
فَنَهَضَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : اسْتَكْرَهَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْخُرُوجِ . ثُمّ قَالُوا : إنْ أَحْبَبْت أَنْ تَمْكُثَ بِالْمَدِينَةِ فَافْعَلْ فَقَالَ " مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوّهِ " .
<108> فَخَرَجَ فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُمّ مَكْتُومٍ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأَى رُؤْيَا : رَأَى " أَنّ فِي سَيْفِهِ ثُلْمَةً وَأَنّ بَقَرًا تُذْبَحُ . وَأَنّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ . فَتَأَوّلَ الثّلْمَةَ بِرَجُلِ يُصَابُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالْبَقَرَ بِنَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقْتَلُونَ وَالدّرْعُ بِالْمَدِينَةِ " فَخَرَجَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ " عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَالصّبْرِ عِنْدَ الْبَأْسِ إذَا لَقِيتُمْ الْعَدُوّ . وَانْظُرُوا مَاذَا أَمَرَكُمْ اللّهُ بِهِ فَافْعَلُوا " . فَلَمّا كَانَ بِالشّوْطِ - بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ - انْخَذَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ بِنَحْوِ ثُلُثِ الْعَسْكَرِ وَقَالَ عَصَانِي . وَسَمِعَ مِنْ غَيْرِي مَا نَدْرِي : عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَهُنَا أَيّهَا النّاسُ ؟
فَرَجَعَ وَتَبِعَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو - وَالِدُ جَابِرٍ - يُحَرّضُهُمْ عَلَى الرّجُوعِ . وَيَقُولُ " قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ ادْفَعُوا ، قَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمْ نَرْجِعْ " فَرَجَعَ عَنْهُمْ وَسَبّهُمْ . وَسَأَلَ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِحُلَفَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ . فَأَبَى ، وَقَالَ " مَنْ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ ؟ " . فَخَرَجَ بِهِ بَعْضُ الْأَنْصَارِ ، حَتّى سَلَكَ فِي حَائِطٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيّ مِنْ الْمُنَافِقِينَ - وَكَانَ أَعْمَى - فَقَامَ يَحْثُو التّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُ لَا أُحِلّ لَك أَنْ تَدْخُلَ فِي حَائِطِي ، إنْ كُنْت رَسُولَ اللّهِ . فَابْتَدَرُوهُ لِيَقْتُلُوهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَا تَقْتُلُوهُ فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ " .
وَنَفَذَ حَتّى نَزَلَ الشّعْبَ مِنْ أُحُدٍ ، فِي عُدْوَةِ الْوَادِي الدّنْيَا . وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى أُحُدٍ وَنَهَى النّاسَ عَنْ الْقِتَالِ حَتّى يَأْمُرَهُمْ .
فَلَمّا أَصْبَحَ يَوْمُ السّبْتِ تَعَبّأَ لِلْقِتَالِ . وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَارِسًا . وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الرّمَاةِ - وَكَانُوا خَمْسِينَ - عَبْدَ اللّهِ بْنَ جُبَيْرٍ . وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُفَارِقُوا مَرْكَزَهُمْ وَلَوْ رَأَوْا الطّيْرَ تَخْتَطِفُ الْعَسْكَرَ . وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْضَحُوا الْمُشْرِكِينَ بِالنّبْلِ لِئَلّا يَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ . وَظَاهَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ .
وَأَعْطَى اللّوَاءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، وَجَعَلَ عَلَى إحْدَى الْمُجَنّبَتَيْنِ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ <109> وَعَلَى الْأُخْرَى : الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو . وَاسْتَعْرَضَ الشّبَابَ يَوْمَئِذٍ . فَرَدّ مَنْ اسْتَصْغَرَ عَنْ الْقِتَالِ - كَابْنِ عُمَرَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَالْبَرَاءِ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَرَابَةَ الْأَوْسِيّ - وَأَجَازَ مَنْ رَآهُ مُطِيقًا .
وَتَعَبّأَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ . وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ . فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ . وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ .
وَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيْفَهُ إلَى أَبِي دُجَانَةَ .
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَدَرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَبُو عَامِرٍ - عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ - الْفَاسِقُ . وَكَانَ يُسَمّى الرّاهِبَ . وَهُوَ رَأْسُ الْأَوْسِ فِي الْجَاهِلِيّةِ . فَلَمّا جَاءَ الْإِسْلَامُ شَرَقَ بِهِ وَجَاهَرَ بِالْعَدَاوَةِ . فَذَهَبَ إلَى قُرَيْشٍ يُؤَلّبُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَوَعَدَهُمْ بِأَنّ قَوْمَهُ إذَا رَأَوْهُ أَطَاعُوهُ . فَلَمّا نَادَاهُمْ وَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ قَالُوا : لَا أَنْعَمَ اللّهُ بِك عَيْنًا يَا فَاسِقُ . فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرّ . ثُمّ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا . ثُمّ أَرْضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ .
وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ أَبُو دُجَانَةَ وَطَلْحَةُ وَحَمْزَةُ وَعَلِيّ ، وَالنّضْرُ بْنُ أَنَسٍ وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ بَلَاءً حَسَنًا . وَكَانَتْ الدّوْلَةُ أَوّلَ النّهَارِ لِلْمُسْلِمِينَ . فَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللّهِ وَوَلّوْا مُدْبِرِينَ . حَتّى انْتَهَوْا إلَى نِسَائِهِمْ . فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ الرّمَاةُ قَالُوا : الْغَنِيمَةَ الْغَنِيمَةَ . فَذَكّرَهُمْ أَمِيرُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَسْمَعُوا . فَأَخْلَوْا الثّغْرَ وَكَرّ فُرْسَانُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ خَالِيًا . فَجَاءُوا مِنْهُ وَأَقْبَلَ آخِرُهُمْ حَتّى أَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَأَكْرَمَ اللّهُ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ بِالشّهَادَةِ - وَهُمْ سَبْعُونَ - وَوَلّى الصّحَابَةُ .
وَخَلَصَ الْمُشْرِكُونَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ وَكَسَرُوا رُبَاعِيّتَهُ . وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَأَدْرَكَهُ الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ . فَحَالَ دُونَهُ نَحْوَ عَشَرَةٍ حَتّى قُتِلُوا . ثُمّ جَلَدَهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ حَتّى أَجْهَضَهُمْ عَنْهُ . وَتَرّسَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَيْهِ بِظَهْرِهِ وَالنّبْلُ يَقَعُ فِيهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرّكُ .
وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ . فَأُتِيَ بِهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَدّهَا بِيَدِهِ . فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ .
<110> وَصَرَخَ الشّيْطَانُ إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمَرّ أَنَسُ بْنُ النّضْرِ بِقَوْمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالُوا : قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ . ثُمّ اسْتَقْبَلَ النّاسَ وَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، فَقَالَ يَا سَعْدُ إنّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنّةِ مِنْ دُونِ أُحُدٍ . فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ . وَوَجَدَ بِهِ سَبْعُونَ جِرَاحَةً .
وَقَتَلَ وَحْشِيّ الْحَبَشِيّ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . رَمَاهُ بِحَرْبَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَبَشَةِ .
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ . فَكَانَ أَوّلَ مَنْ عَرَفَهُ تَحْتَ الْمِغْفَرِ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ . فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا رَسُولُ اللّهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ . فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . وَنَهَضُوا مَعَهُ إلَى الشّعْبِ الّذِي نَزَلَ فِيهِ .
فَلَمّا أَسْنَدُوا إلَى الْجَبَلِ أَدْرَكَهُ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ كَانَ يَزْعُمُ بِمَكّةَ أَنّهُ يَقْتُلُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا اقْتَرَبَ مِنْهُ طَعَنَهُ رَسُولُ اللّهِ " صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فِي تَرْقُوَتِهِ فَكَرّ مُنْهَزِمًا . فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ مَا بِك مِنْ بَأْسٍ . فَقَالَ وَاَللّهِ لَوْ كَانَ مَا بِي بِأَهْلِ ذِي الْمَحَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ . فَمَاتَ بِسَرِفَ . وَحَانَتْ الصّلَاةُ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسًا .
وَشَدّ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ . فَلَمّا تَمَكّنَ مِنْهُ حَمَلَ عَلَيْهِ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ حَنْظَلَةُ جَنْبًا . فَإِنّهُ سَمِعَ الصّيْحَةَ وَهُوَ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ - قَامَ مِنْ فَوْرِهِ إلَى الْجِهَادِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْمَلَائِكَةَ تُغَسّلُهُ
وَكَانَ الْأُصَيْرِمُ - عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ - يَأْبَى الْإِسْلَامَ . وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ . فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ : قَذَفَ اللّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِهِ لِلْحُسْنَى الّتِي سَبَقَتْ لَهُ . فَأَسْلَمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ . فَقَاتَلَ حَتّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ . فَلَمّا طَافَ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ وَجَدُوا الْأُصَيْرِمَ - وَبَهْ رَمَقٌ يَسِيرُ - فَقَالُوا : وَاَللّهِ إنّ هَذَا الْأُصَيْرِمَ . ثُمّ سَأَلُوهُ مَا الّذِي جَاءَ بِك ؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِك ، أَمْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ بَلْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ آمَنْت بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَسْلَمْت . <111> وَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ . فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ " وَلَمْ يُصَلّ لِلّهِ سَجْدَةً قَطّ ([19])
وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْجَبَلِ وَنَادَى : أَفِيكُمْ مُحَمّدٌ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ . فَقَالَ أَفِيكُمْ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ . فَقَالَ أَفِيكُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ .
فَقَالَ أَمّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كَفَيْتُمُوهُمْ . فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ يَا عَدُوّ اللّهِ إنّ الّذِينَ ذَكَرْتهمْ أَحْيَاءٌ وَقَدْ أَبْقَى اللّهُ لَك مَعَهُمْ مَا يَسُوءُك . ثُمّ قَالَ اُعْلُ هُبَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ " قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ " قُولُوا : اللّهُ أَعْلَى وَأَجَلّ " ثُمّ قَالَ لَنَا الْعُزّى ، وَلَا عُزّى لَكُمْ قَالَ " أَلَا تُجِيبُوهُ ؟ " قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ " قُولُوا : اللّهُ مَوْلَانَا . وَلَا مَوْلَى لَكُمْ " ([20]) ثُمّ قَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ . وَالْحَرْبُ سِجَالٌ فَقَالَ عُمَرُ لَا سَوَاءٌ قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ .
وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِمْ النّعَاسَ فِي بَدْرٍ وَفِي أُحُدٍ . وَالنّعَاسُ فِي الْحَرْبِ مِنْ اللّهِ . وَفِي الصّلَاةِ وَمَجَالِسِ الذّكْرِ مِنْ الشّيْطَانِ .
وَقَاتَلَتْ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَفِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللّهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ . كَأَشَدّ الْقِتَالِ وَمَا رَأَيْتهمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ([21])
وَمَرّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بِرَجُلِ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَهُوَ يَتَشَحّطُ فِي دَمِهِ - فَقَالَ يَا فُلَانُ أَشَعَرْت أَنّ مُحَمّدًا قُتِلَ ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : إنْ كَانَ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَغَ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَنَزَلَ ( 3 : 144 ) وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ الْآيَةَ .
وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ اخْتَبَرَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَظْهَرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ .
وَأَكْرَمَ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشّهَادَةِ . فَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ : إحْدَى وَسِتّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ ، أَوّلُهَا ( 3 : 121 - 180 ) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ الْآيَاتِ .
وَلَمّا انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ . وَقَالُوا : لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا ، أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ ثُمّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ . فَارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ .
<112> فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَنَادَى فِي النّاسِ بِالْمَسِيرِ إلَيْهِمْ وَقَالَ " لَا يَخْرُجُ مَعَنَا إلّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ " فَقَالَ لَهُ ابْنُ أُبَيّ : أَرْكَبُ مَعَك ؟ قَالَ لَا . فَاسْتَجَابَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ - عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الْقَرْحِ الشّدِيدِ - وَقَالُوا : سَمْعًا وَطَاعَةً . وَقَالَ جَابِرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُحِبّ أَنْ لَا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلّا كُنْت مَعَك . وَإِنّمَا خَلّفَنِي أَبِي عَلَى بَنَاتِهِ فَأْذَنْ لِي أَسِيرُ مَعَك . فَأَذِنَ لَهُ .
فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ فَرَجَعُوا إلَى مَكّةَ . وَشَرَطَ أَبُو سُفْيَانَ لِبَعْضِ الْمُشْرِكِينَ شَرْطًا عَلَى أَنّهُ إذَا مَرّ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يُخَوّفَهُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ أَنّ قُرَيْشًا أَجْمَعُوا لِلْكَرّةِ عَلَيْكُمْ لِيَسْتَأْصِلُوا بَقِيّتَكُمْ . فَلَمّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا ( 3 : 173 ) حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ الرّابِعَةُ . فَكَانَتْ فِيهَا وَقْعَةُ خَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ فِي صَفَرٍ .
وَقْعَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ
وَفِي هَذَا الشّهْرِ بِعَيْنِهِ مِنْ السّنَةِ الْمَذْكُورَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ . وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ . وَنَزَلَ فِيهَا سُورَةُ الْحَشْرِ . ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ الْخَامِسَةُ .
غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ
فَكَانَتْ فِيهَا غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ غَارّونَ . فَسَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّسَاءَ وَالنّعَمَ وَالشّاهَ . وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ السّبْيِ جُوَيْرِيّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، سَيّدُ الْقَوْمِ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ . فَكَاتَبَهَا ، فَأَدّى عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَزَوّجَهَا ، فَأَعْتَقَ الْمُسْلِمُونَ - بِسَبَبِ هَذَا التّزَوّجِ - مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . وَقَالُوا : أَصْهَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
قِصّةُ الْإِفْكِ
<113> وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَتْ قِصّةُ الْإِفْكِ . وَذَلِك أَنّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَهُ بِقُرْعَةِ - وَتِلْكَ كَانَتْ عَادَتُهُ مَعَ نِسَائِهِ - فَلَمّا رَجَعُوا : نَزَلَ فِي طَرِيقِهِمْ بَعْضُ الْمَنَازِلِ . فَخَرَجَتْ عَائِشَةُ لِحَاجَتِهَا ، ثُمّ رَجَعَتْ . فَفَقَدَتْ عِقْدًا عَلَيْهَا . فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ . فَجَاءَ الّذِينَ يُرَحّلُونَ هَوْدَجَهَا . فَحَمَلُوهُ . وَهُمْ يَظُنّونَهَا فِيهِ . لِأَنّهَا صَغِيرَةُ السّنّ . فَرَجَعَتْ - وَقَدْ أَصَابَتْ الْعِقْدَ - إلَى مَكَانِهِمْ . فَإِذَا لَيْسَ بِهِ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ . فَقَعَدَتْ فِي الْمَنْزِلِ وَظَنّتْ أَنّهُمْ يَفْقِدُونَهَا ، وَيَرْجِعُونَ إلَيْهَا . فَغَلَبَتْهَا عَيْنَاهَا . فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إلّا بِقَوْلِ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ : إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ وَكَانَ صَفْوَانُ قَدْ عَرّسَ فِي أُخْرَيَاتِ الْجَيْشِ لِأَنّهُ كَانَ كَثِيرَ النّوْمِ . فَلَمّا رَآهَا عَرَفَهَا - وَكَانَ يَرَاهَا قَبْلَ الْحِجَابِ - فَاسْتَرْجَعَ . وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَرَكِبَتْ وَمَا كَلّمَهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً . وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ إلّا اسْتِرْجَاعَهُ . ثُمّ سَارَ يَقُودُ بِهَا ، حَتّى قَدِمَ بِهَا . وَقَدْ نَزَلَ الْجَيْشُ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ . فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ النّاسُ تَكَلّمَ كُلّ مِنْهُمْ بِشَاكِلَتِهِ . وَوَجَدَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ عَدُوّ اللّهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ مُتَنَفّسًا . فَتَنَفّسَ مِنْ كَرْبِ النّفَاقِ وَالْحَسَدِ . فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الْإِفْكَ وَيَجْمَعُهُ وَيُفَرّقُهُ . وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَقَرّبُونَ إلَيْهِ به .
فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ : أَفَاضَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِي الْحَدِيثِ . وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلّمُ . ثُمّ اسْتَشَارَ فِي فِرَاقِهَا . فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَلِيّ بِفِرَاقِهَا ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أُسَامَةُ بِإِمْسَاكِهَا .
وَاقْتَضَى تَمَامُ الِابْتِلَاءِ أَنْ حَبَسَ اللّهُ عَنْ رَسُولِهِ الْوَحْيَ شَهْرًا فِي شَأْنِهَا ، لِيَزْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ إيمَانًا ، وَثَبَاتًا عَلَى الْعَدْلِ وَالصّدْقِ . وَيَزْدَادَ الْمُنَافِقُونَ إفْكًا وَنِفَاقًا وَلِتَتِمّ الْعُبُودِيّةُ الْمُرَادَةُ مِنْ الصّدّيقَةِ وَأَبَوَيْهَا ، وَتَتِمّ نِعْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَلِيَنْقَطِعَ رَجَاؤُهَا مِنْ الْمَخْلُوقِ وَتَيْأَسَ مِنْ حُصُولِ النّصْرِ وَالْفَرَجِ إلّا مِنْ اللّهِ .
فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعِنْدَهَا أَبَوَاهَا . فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ " يَا عَائِشَةُ إنْ كُنْت بَرِيئَةً فَسَيُبَرّئُك اللّهُ وَإِنْ كُنْت قَدْ أَلْمَمْت بِذَنْبِ فَاسْتَغْفِرِي . فَإِنّ الْعَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ . ثُمّ تَابَ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ " .
<114> قَالَتْ لِأَبِيهَا : أَجِبْ عَنّي رَسُولَ اللّهِ . قَالَ وَاَللّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللّهِ .
فَقَالَتْ لِأُمّهَا مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَتْ أُمّهَا مِثْلَ ذَلِكَ .
قَالَتْ فَقُلْت : إنْ قُلْت إنّي بَرِيئَةٌ - وَاَللّهُ يَعْلَمُ أَنّي بَرِيئَةٌ - لَا تُصَدّقُونِي . وَلَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا . إلّا أَبَا يُوسُفَ حَيْثُ قَالَ ( 12 : 18 ) فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
قَالَتْ فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَأَمّا أَنَا : فَعَلِمْت أَنّ اللّهَ لَا يَقُولُ إلّا الْحَقّ . وَأَمّا أَبَوَايَ فَوَاَلّذِي ذَهَبَ بِأَنْفَاسِهِمَا ، مَا أَقْلَعُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا خِفْت أَنّ أَرْوَاحَهُمَا سَتَخْرُجَانِ . فَكَانَ أَوّلَ كَلِمَةٍ قَالَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا اللّهُ يَا عَائِشَةُ فَقَدْ بَرّأَك .
فَقَالَ أَبَوَيّ قُومِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قُلْت وَاَللّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ " ([22]) . وَكَانَ حَسّانُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِمّنْ قِيلَ عَنْهُ إنّهُ يَتَكَلّمُ مَعَ أَهْلِ الْإِفْكِ فَقَالَ يَعْتَذِرُ إلَى عَائِشَةَ . وَيَمْدَحُهَا :
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَرَنّ بَرِيئَةً
وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ
كِرَامِ الْمَسَاعِي . مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذّبَةٌ قَدْ طَيّبَ اللّهُ خَيْمَهَا
طَهّرَهَا مِنْ كُلّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
لَئِنْ كَانَ مَا قَدْ قِيلَ عَنّي قُلْته
فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ ؟ وَوُدّي مَا حَيِيت ، وَنُصْرَتِي
لِآلِ رَسُولِ اللّهِ زَيْنُ الْمَحَافِلِ
وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَرْضَى أَنْ يَذْكُرَ حَسّانُ بِشَيْءِ يَكْرَهُهُ وَتَقُولُ إنّهُ الّذِي يَقُولُ
فَإِنّ أَبِي ، وَوَالِدَتِي ، وَعِرْضِي
لِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وَقَاءَ
فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْقِصّةِ أَوّلَ سُورَةِ النّورِ مِنْ قَوْلِهِ ( 24 : 1 - 26 ) الّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ .
غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ
<115> وَفِي هَذِهِ السّنَةِ - وَهِيَ سَنَةُ خَمْسٍ - كَانَتْ وَقْعَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوّالٍ . وَسَبَبُهَا : أَنّ الْيَهُودَ لَمّا رَأَوْا انْتِصَارَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، خَرَجَ أَشْرَافُهُمْ - كَسَلّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ - وَغَيْرِهِ إلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ يُحَرّضُونَهُمْ عَلَى غَزْوِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَوَعَدَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ النّصْرَ لَهُمْ . فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ . ثُمّ خَرَجُوا إلَى غَطَفَانَ : فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ ثُمّ طَافُوا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مَنْ اسْتَجَابَ .
فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ - وَقَائِدُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ - فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ . وَوَافَقَهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرّ الظّهْرَانِ ، وَبَنُو أَسَدٍ ، وَفَزَارَةُ وَأَشْجَعُ وَغَيْرُهُمْ . وَكَانَ مَنْ وَافَى الْخَنْدَقَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ .
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ . فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ الْعَدُوّ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ . فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَبَادَرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ . وَعَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ . وَكَانَ فِي حَفْرِهِ مِنْ آيَاتِ نُبُوّتِهِ مَا قَدْ تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهِ .
وَخَرَجَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ . فَلَمّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ الشّدّةِ وَالْجُوعِ . قَالَ
اللّهُمّ لَا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الْآخِرَةِ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ
نَحْنُ الّذِينَ بَايَعُوا مُحَمّدًا
عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَتَحَصّنَ بِالْجَبَلِ مِنْ خَلْفِهِ - جَبَلُ سَلْعٍ - وَبِالْخَنْدَقِ أَمَامَهُ . وَأَمَرَ بِالنّسَاءِ وَالذّرَارِيّ فَجُعِلُوا فِي آطَامِ الْمَدِينَةِ .
وَانْطَلَقَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَدَنَا مِنْ حِصْنِهِمْ فَأَبَى كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ . فَلَمْ يَزَلْ يُكَلّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ . فَلَمّا دَخَلَ الْحِصْنَ قَالَ جِئْتُك بِعِزّ الدّهْرِ . جِئْتُك بِقُرَيْشِ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ ، عَلَى قَادَتِهَا لِحَرْبِ مُحَمّدٍ قَالَ بَلْ جِئْتنِي <116> وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ جِئْتنِي بِجِهَامِ قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ . فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيَة شَيْءٌ .
فَلَمْ يَزَلْ حَتّى نَقَضَ الْعَهْدَ الّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَخَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ . وَسُرّ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَشَرَطَ كَعْبٌ عَلَى حُيَيّ أَنّهُمْ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمّدِ أَنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ فَيُصِيبُهُ مَا يُصِيبُهُمْ فَشَرَطَ ذَلِكَ وَوَفَى لَهُ .
وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ الْخَبَرُ . فَبَعَثَ إلَيْهِمْ السّعْدَيْنِ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ - وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِيَتَعَرّفُوا الْخَبَرَ . فَلَمّا دَنَوْا مَعَهُمْ وَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا يَكُونُ . وَجَاهَرُوهُمْ بِالسّبّ . وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَانْصَرَفُوا وَلَحّنُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَحْنًا .
فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اللّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ " .
وَاشْتَدّ الْبَلَاءُ وَنَجَمَ النّفَاقُ . وَاسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حَارِثَةَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّهَابِ إلَى الْمَدِينَةِ . وَقَالُوا ( 33 : 13) إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا
وَأَقَامَ الْمُشْرِكُونَ مُحَاصِرِينَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهْرًا . وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لِأَجْلِ الْخَنْدَقِ ، إلّا أَنّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ - مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ - أَقْبَلُوا نَحْوَ الْخَنْدَقِ . فَلَمّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا : إنّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا . ثُمّ تَيَمّمُوا مَكَانًا ضَيّقًا مِنْهُ وَجَالَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي السّبْخَةِ وَدُعُوا إلَى الْبَرَازِ . فَانْتَدَبَ لِعَمْرِو : عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَبَارَزَهُ . فَقَتَلَهُ اللّهُ عَلَى يَدَيْ عَلِيّ . وَكَانَ مِنْ أَبْطَالِ الْمُشْرِكِينَ .
وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ . وَلَمّا طَالَتْ هَذِهِ الْحَالُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُصَالِحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْحَارِثَ بْنَ عَوْفٍ - رَئِيسَيْ غَطَفَانَ - عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَيَنْصَرِفَا بِقَوْمِهِمَا . وَجَرَتْ الْمُفَاوَضَةُ عَلَى ذَلِكَ . وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّعْدَيْنِ . فَقَالَا : إنْ كَانَ اللّهُ أَمَرَك : فَسَمْعًا وَطَاعَةً . وَإِنْ كَانَ شَيْئًا تُحِبّ أَنْ تَصْنَعَهُ صَنَعْنَاهُ . وَإِنْ <117> كَانَ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا ، فَلَا . لَقَدْ كُنّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إلّا قُرًى أَوْ بِيَعًا . أَفَحِينَ أَكْرَمَنَا اللّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزّنَا بِك ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا ؟ وَاَللّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلّا السّيْفَ . فَصَوّبَ رَأْيَهُمَا .
وَقَالَ " إنّمَا هُوَ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ ، لَمّا رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ " .
ثُمّ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ - وَلَهُ الْحَمْدُ - صَنَعَ أَمْرًا مِنْ عِنْدِهِ خَذَلَ بِهِ الْعَدُوّ .
فَمِنْ ذَلِكَ أَنّ رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ - يُقَالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ - جَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ قَدْ أَسْلَمْت ، فَمُرْ بِي بِمَا شِئْت . فَقَالَ " إنّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ . فَخَذّلْ عَنّا مَا اسْتَطَعْت . فَإِنّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ " . فَذَهَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ - وَكَانَ عَشِيرًا لَهُمْ - فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِهِ . فَقَالَ إنّكُمْ قَدْ حَارَبْتُمْ مُحَمّدًا . وَإِنّ قُرَيْشًا إنْ أَصَابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا ، وَإِلّا انْشَمِرُوا قَالُوا : فَمَا الْعَمَلُ ؟ قَالَ لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتّى يُعْطُوكُمْ رَهَائِنَ . فَقَالُوا : قَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ . ثُمّ مَضَى إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُونَ وُدّي لَكُمْ وَنُصْحِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ إنّ الْيَهُودَ قَدْ نَدمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ وَإِنّهُمْ قَدْ أَرْسَلُوا إلَى مُحَمّدٍ أَنّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ رَهَائِنَ يَدْفَعُونَهَا إلَيْهِ ثُمّ يُمَالِئُونَهُ عَلَيْكُمْ فَإِنْ سَأَلُوكُمْ فَلَا تُعْطُوهُمْ . ثُمّ ذَهَبَ إلَى غَطَفَانَ . فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ .
فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ السّبْتِ مِنْ شَوّالٍ بَعَثُوا إلَى يَهُودَ إنّا لَسْنَا مَعَكُمْ بِأَرْضِ مُقَامٍ وَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ . فَاغْدُوَا بِنَا إلَى مُحَمّدٍ حَتّى نُنَاجِزَهُ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِمْ إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَصَابَ مِنْ قَبْلِنَا حِينَ أَحْدَثُوا فِيهِ . وَمَعَ هَذَا فَلَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ حَتّى تَبْعَثُوا لَنَا رَهَائِنَ .
فَلَمّا جَاءَهُمْ رُسُلُهُمْ قَالُوا : قَدْ صَدَقَكُمْ وَاَللّهِ نُعَيْمٌ . فَبَعَثُوا إلَيْهِمْ إنّا وَاَللّهِ لَا نَبْعَثُ إلَيْكُمْ أَحَدًا . فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ قَدْ صَدَقَكُمْ وَاَللّهِ نُعَيْمٌ . فَتَخَاذَلَ الْفَرِيقَانِ .
وَأَرْسَلَ اللّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنْ الرّيحِ فَجَعَلَتْ تُقَوّضُ خِيَامَهُمْ وَلَا تَدَعُ لَهُمْ قَدْرًا إلّا كَفَأَتْهَا ، وَلَا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ وَجُنْدًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُزَلْزِلُونَ بِهِمْ وَيُلْقُونَ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ كَمَا قَالَ اللّهُ ( 33 : 9 ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا . <118> وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ****** يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ . فَوَجَدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَقَدْ تَهَيّئُوا لِلرّحِيلِ . فَرَجَعَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِرَحِيلِهِمْ .
فَلَمّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْصَرَفَ عَنْ الْخَنْدَقِ ، رَاجِعًا وَالْمُسْلِمُونَ إلَى الْمَدِينَةِ . فَوَضَعُوا السّلَاحَ . فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ وَقْتَ الظّهْرِ فَقَالَ أَقَدْ وَضَعْتُمْ السّلَاحَ ؟ إنّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا ، انْهَضْ إلَى هَؤُلَاءِ - يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ - فَنَادَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلّيَن الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " ([23]) .
فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ سِرَاعًا ، حَتّى إذَا دَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ حُصُونِهِمْ قَالَ يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ هَلْ أَخْزَاكُمْ اللّهُ وَأَنْزَلَ بِكُمْ نِقْمَتَهُ ؟ ([24]) .
وَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتّى جَهَدَهُمْ الْحِصَارُ . وَقَذَفَ اللّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ . فَقَالَ لَهُمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ : إنّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا ، خُذُوا أَيّهَا شِئْتُمْ نُصَدّقُ هَذَا الرّجُلَ وَنَتّبِعُهُ . فَإِنّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنّهُ النّبِيّ الّذِي تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التّوْرَاةِ .
قَالُوا لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التّوْرَاةِ أَبَدًا .
قَالَ فَاقْتُلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَاخْرُجُوا إلَيْهِ مُصْلِتِي سُيُوفَكُمْ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ .
قَالُوا : فَمَا ضَرّ الْعَيْشِ بَعْدَ أَبْنَائِنَا وَنِسَائِنَا ؟
قَالَ فَانْزِلُوا اللّيْلَةَ . فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمّنُوكُمْ فِيهَا لِأَنّهَا لَيْلَةُ السّبْتِ - لَعَلّنَا نُصِيبُ مِنْهُمْ غُرّةً . قَالُوا : لَا نُفْسِدُ سَبْتَنَا . وَقَدْ عَلِمْت مَا أَصَابَ مَنْ اعْتَدَوْا فِي السّبْتِ . قَالَ مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ - مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمّهُ لَيْلَةً مِنْ الدّهْرِ حَازِمًا . ثُمّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَحَكّمَ فِيهِمْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُقْسَمُ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ . وَأَنْزَلَ اللّهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ صَدْرَ سُورَةِ الْأَحْزَابِ . وَذَكَرَ قِصّتَهُمْ فِي قَوْلِهِ ( 33 : 9 - 27 ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ - إلَى قَوْلِهِ - وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ السّادِسَةُ .
الحلقة الثانية عشر ة (( غزواته ... 3 ))
صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْحُدَيْبِيَةِ . وَعِدّةُ الصّحَابَةِ إذْ ذَاكَ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ . وَهُمْ أَهْلُ الشّجَرَةِ ، وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ . <119> خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِمْ مُعْتَمِرًا ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا . فَلَمّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلّدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَبَعَثَ عَيْنًا مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ . حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ أَتَاهُ عَيْنَهُ فَقَالَا : إنّي تَرَكْت كَعْبَ بْنَ لُؤَيّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيّ قَدْ جَمَعُوا جُمُوعًا ، وَهُمْ مُقَاتِلُوك ، وَصَادّوك عَنْ الْبَيْتِ .
حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ " .
فَمَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتّى إذَا هُوَ بِغَبَرَةِ الْجَيْشِ . فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا . وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا كَانَ فِي ثَنِيّةِ الْمِرَارِ ، الّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا : بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النّاسُ حَلْ حَلْ . فَقَالُوا : خَلَأْت الْقَصْوَاءَ فَقَالَ " مَا خَلَأْت الْقَصْوَاءَ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقِ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ . ثُمّ قَالَ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطّةً يُعَظّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللّهِ إلّا أَعْطَيْتهمْ إيّاهَا " .
ثُمّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ بِهِ . فَعَدَلَ حَتّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ ، عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ . فَلَمْ يَلْبَثْ النّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ . فَشَكَوْا إلَيْهِ . فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ . وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فَوَاَللّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرّيّ حَتّى صَدَرُوا عَنْهُ ([25]) .
وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ . فَأَحَبّ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلًا . فَدَعَا عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ لِي بِمَكّةَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيت ، فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ . فَإِنّ عَشِيرَتَهُ بِهَا ، وَإِنّهُ يُبَلّغُ مَا أَرَدْت . فَدَعَاهُ فَأَرْسَلَهُ إلَى قُرَيْشٍ ، وَقَالَ " أَخْبِرْهُمْ أَنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ وَإِنّمَا جِئْنَا عُمّارًا ، وَادْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ . فَيُبَشّرُهُمْ فِي الْفَتْحِ وَأَنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكّةَ حَتّى لَا يَتَخَفّى فِيهَا الْإِيمَانُ " .
فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ . فَمَرّ عَلَى قُرَيْشٍ . فَقَالُوا : إلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَدْعُوكُمْ إلَى اللّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ وَيُخْبِرُكُمْ أَنّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالِ . وَإِنّمَا جِئْنَا عُمّارًا . قَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ . فَانْفُذْ إلَى حَاجَتِك .
وَقَامَ إلَيْهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، فَرَحّبَ بِهِ . وَحَمَلَهُ عَلَى الْفَرَسِ ، وَأَرْدَفَهُ أَبَانٌ حَتّى جَاءَ مَكّةَ . <120> وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ خَلَصَ عُثْمَانُ مِنْ بَيْنِنَا إلَى الْبَيْتِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَا أَظُنّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ " قَالُوا : وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَقَدْ خَلَصَ ؟ قَالَ " ذَلِكَ ظَنّي بِهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتّى نَطُوفَ مَعَهُ " .
وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الصّلْحِ . فَرَمَى رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ . فَكَانَتْ مَعْرَكَةٌ . وَتَرَامَوْا بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ . وَصَاحَ الْفَرِيقَانِ وَارْتَهَنَ كُلّ مِنْهُمَا مَنْ فِيهِمْ .
وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ . فَدَعَا إلَى الْبَيْعَةِ . فَتَبَادَرُوا إلَيْهِ وَهُوَ تَحْتَ الشّجَرَةِ . فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَفِرّوا . فَأَخَذَ بِيَدِ نَفْسِهِ وَقَالَ " هَذِهِ عَنْ عُثْمَانَ " ([26]) .
وَلَمّا تَمّتْ الْبَيْعَةُ رَجَعَ عُثْمَانُ فَقَالُوا لَهُ اشْتَفَيْت مِنْ الطّوَافِ بِالْبَيْتِ . فَقَالَ بِئْسَمَا ظَنَنْتُمْ بِي . وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْت بِهَا سَنَةً وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَلّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا طُفْت بِهَا حَتّى يَطُوفَ . وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلَى الطّوَافِ فَأَبَيْت . فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولُ اللّهِ أَعْلَمُ بِاَللّهِ وَأَحْسَنُنَا ظَنّا .
وَكَانَ عُمَرُ أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْبَيْعَةِ وَهُوَ تَحْتَ الشّجَرَةِ ، فَبَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلّهُمْ . لَمْ يَتَخَلّفْ إلّا الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ .
وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ آخِذًا بِغُصْنِهَا يَرْفَعُهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَايَعَهُ أَبُو سِنَانٍ وَهْبُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيّ ، وَبَايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ فِي أَوّلِ النّاسِ وَوَسَطِهِمْ وَآخِرِهِمْ .
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرِ خُزَاعَةَ - وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ - فَقَالَ إنّي تَرَكْت ابْنَ لُؤَيّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيّ : قَدْ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ ، مَعَهُمْ الْعَوْذُ الْمَطَافِيلُ . وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادّوك عَنْ الْبَيْتِ . فَقَالَ " إنّا لَمْ نجئ لِقِتَالِ أَحَدٍ . وَإِنّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ . وَإِنّ قُرَيْشًا نَهَكَتْهُمْ الْحَرْبَ وَأَضَرّتْ بِهِمْ . فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتهمْ وَيُخَلّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النّاسِ . فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا ، وَإِلّا فَقَدْ جَمّوا ، وَإِنْ أَبَوْا إلّا الْقِتَالَ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْتُلَنّاهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي ، أَوْ لَيُنْفِذَن اللّهُ أَمْرَهُ " .
<121> قَالَ بُدَيْلٌ سَأُبَلّغُهُمْ مَا تَقُولُ . فَانْطَلَقَ حَتّى أَتَى قُرَيْشًا ، فَقَالَ إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرّجُلِ وَسَمِعْته يَقُولُ قَوْلًا . فَإِنْ شِئْتُمْ عَرَضْته عَلَيْكُمْ .
فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُحَدّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءِ . وَقَالَ ذَوُو الرّأْيِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْته يَقُولُ قَالَ سَمِعْته يَقُولُ كَذَا وَكَذَا .
فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إنّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ . فَقَالُوا : ائْتِهِ . فَأَتَاهُ . فَجَعَلَ يُكَلّمُهُ . فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ . فَقَالَ عُرْوَةُ أَيْ مُحَمّدُ ، أَرَأَيْت لَوْ اسْتَأْصَلْت قَوْمَك ، هَلْ سَمِعْت بِأَحَدِ مِنْ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَك ؟ وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى ، فَوَاَللّهِ إنّي لَأَرَى أَوْ شَابّا مِنْ النّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرّوا وَيَدْعُوك .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اُمْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ ، أَنَحْنُ نَفِرّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ ؟ .
قَالَ عُرْوَةُ مَنْ ذَا يَا مُحَمّدُ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ . قَالَ أَمَا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي - لَمْ أُجْزِك بِهَا - لَأَجَبْتُك .
وَجَعَلَ يُكَلّمُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَرْمُقُ أَصْحَابَهُ . فَوَاَللّهِ مَا انْتَخَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ . فَدَلّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ . وَإِذَا تَوَضّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ . وَإِذَا تَكَلّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ . وَمَا يَجِدُونَ إلَيْهِ النّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ .
فَرَجَعَ عُرْوَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاَللّهِ لَقَدْ وَفَدْت عَلَى الْمُلُوكِ - كِسْرَى ، وَقَيْصَرَ . وَالنّجَاشِيّ - وَاَللّهِ إنْ رَأَيْت مَلِكًا يُعَظّمُهُ أَصْحَابُهُ كَمَا يُعَظّمُ أَصْحَابَ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا . وَاَللّهِ مَا انْتَخَمَ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ . ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِجَمِيعِ مَا تَقَدّمَ ثُمّ قَالَ وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا .
قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ " دَعُونِي آتِهِ فَقَالُوا : ائْتِهِ . فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ " هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظّمُونَ الْبُدْنَ . فَابْعَثُوهَا لَهُ " فَفَعَلُوا وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبّونَ فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ . قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَصُدّوا عَنْ الْبَيْتِ . فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ . <122> فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ " .
فَفَالَ هَاتِ اُكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَك كِتَابًا . فَدَعَا الْكَاتِبَ وَهُوَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - فَقَالَ " اُكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ أَمّا الرّحْمَنُ فَمَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ وَلَكِنْ اُكْتُبْ " بِاسْمِك اللّهُمّ " كَمَا كُنْت تَكْتُبُ . فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاَللّهِ لَا نَكْتُبُهَا إلّا " بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ " فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اُكْتُبْ بِاسْمِك اللّهُمّ " ثُمّ قَالَ " اُكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاَللّهِ لَوْ نَعْلَمُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ مَا صَدَدْنَاك عَنْ الْبَيْتِ وَلَكِنْ اُكْتُبْ " مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ " فَقَالَ " إنّي رَسُولُ اللّهِ وَإِنْ كَذّبْتُمُونِي ، اُكْتُبْ مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ " ثُمّ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " عَلَى أَنْ تُخَلّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ . فَنَطُوفَ بِهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاَللّهِ لَا تُحَدّثُ الْعَرَبُ أَنّنَا أَخَذْنَا ضَغْطَةً وَلَكِنْ ذَاكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ . فَقَالَ سُهَيْلٌ " وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَك رَجُلٌ مِنّا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِك ، إلّا رَدَدْنَهُ إلَيْنَا " فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ " سُبْحَانَ اللّهِ كَيْفَ يُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا ؟ " .
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلَ مَكّةَ يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ حَتّى رَمَى بِنَفْسَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا أَوّلُ مَا أُقَاضِيك عَلَيْهِ أَنْ تَرُدّهُ إلَيّ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ " فَقَالَ إذًا وَاَللّهِ لَا أُصَالِحُك عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَأَجِزْهُ لِي " قَالَ مَا أَنَا بِمُجْتَزّهِ لَك . قَالَ " بَلَى فَافْعَلْ " قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ . قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ أُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْت مُسْلِمًا ؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا لَقِيت ؟ وَكَانَ قَدْ عُذّبَ فِي اللّهِ عَذَابًا شَدِيدًا - قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : " وَاَللّهِ مَا شَكَكْت مُنْذُ أَسْلَمْت إلّا يَوْمَئِذٍ . فَأَتَيْت النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَسْت نَبِيّ اللّهِ ؟ فَالَ . بَلَى . قُلْت : أَلَسْنَا عَلَى حَقّ وَعَدُوّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ قَالَ بَلَى . قُلْت عَلَامَ نُعْطِي الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا ؟ وَنَرْجِعُ وَلَمّا يَحْكُمُ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَعْدَائِنَا ؟ فَقَالَ إنّي رَسُولُ اللّهِ وَهُوَ نَاصِرِي . وَلَسْت أَعْصِيهِ . قُلْت . أَوَ لَسْت تُحَدّثُنَا : أَنّا نَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ بَلَى ، أَفَأَخْبَرْتُك أَنّك تَأْتِيهِ الْعَامَ ؟ قُلْت : لَا . قَالَ فَإِنّك آتِيهِ وَمُطّوّفٌ بِهِ . قَالَ فَأَتَيْت أَبَا بَكْرٍ . فَقُلْت لَهُ مِثْلَمَا قُلْت لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَرَدّ عَلَيّ كَمَا رَدّ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَوَاءً وَزَادَ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتّى نَمُوتَ .
فَوَاَللّهِ إنّهُ لَعَلَى الْحَقّ . فَعَمِلْت لِذَلِكَ أَعْمَالًا " . <123> فَلَمّا فَرَغَ مِنْ قَضِيّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ " قُومُوا فَانْحَرُوا . ثُمّ احْلِقُوا " قَالَ فَوَاَللّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتّى قَالَهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ . فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، قَامَ وَلَمْ يُكَلّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتّى نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ .
فَلَمّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا . وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا ، حَتّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمّا . ثُمّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ ( 60 : 10 ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ - حَتّى بَلَغَ - بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ فَطَلّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشّرْكِ .
وَفِي مَرْجِعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنَزَلَ اللّهُ سُورَةَ الْفَتْحِ ( 48 : 1 إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ - الْآيَةَ . فَقَالَ عُمَرُ أَوَ فَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ الصّحَابَةُ هَذَا لَك يَا رَسُولَ اللّهِ فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ ( 48 : 4 ، 5 ) هُوَ الّذِي أَنْزَلَ السّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ - الْآيَتَيْنِ إلَى قَوْلِهِ - فَوْزًا عَظِيمًا
وَلَمّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - مُسْلِمًا ، فَأَرْسِلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ وَقَالُوا : الْعَهْدَ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَك . فَدَفَعَهُ إلَى الرّجُلَيْنِ . فَخَرَجَا بِهِ حَتّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ . فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ .
فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِهِمَا : إنّي أَرَى سَيْفَك هَذَا جَيّدًا . فَقَالَ أَجَلْ . وَاَللّهِ إنّهُ لَجَيّدٌ لَقَدْ جَرّبْت بِهِ ثُمّ جَرّبْت فَقَالَ أَرِنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ . فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ . فَضَرَبَهُ حَتّى بَرَدَ . وَفَرّ الْآخَرُ . حَتّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ . فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا " فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ قُتِلَ وَاَللّهِ صَاحِبِي ، وَإِنّي لَمَقْتُولٌ .
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ قَدْ أَوْفَى اللّهُ ذِمّتَك ، قَدْ رَدَدْتنِي إلَيْهِمْ فَأَنْجَانِي اللّهُ مِنْهُمْ . فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَيْلَ أُمّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ " .
فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنّهُ سَيَرُدّهُ إلَيْهِمْ . فَخَرَجَ حَتّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ . وَتَفَلّتَ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ . فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ . فَلَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ - قَدْ أَسْلَمَ - إلّا لَحِقَ بِهِ .
حَتّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ . فَوَاَللّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرِ لِقُرَيْشِ خَرَجَتْ إلَى الشّامِ إلّا اعْتَرَضُوا لَهَا ، فَقَاتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ . فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تُنَاشِدُهُ اللّهَ وَالرّحِمَ لَمّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَمَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ .
غَزْوَةُ خَيْبَر
وَلَمّا <124> قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ ، مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ عِشْرِينَ يَوْمًا ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا . ثُمّ خَرَجَ إلَى خَيْبَرَ . وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ وَقَدِمَ أَبُو هَرِيرَةَ حِينَئِذٍ الْمَدِينَةَ مُسْلِمًا . فَوَافَى سِبَاعًا فِي صَلَاةِ الصّبْحِ . فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ فَقَالَ - وَهُوَ فِي الصّلَاةِ - وَيْلُ أَبِي فُلَانٍ لَهُ مِكْيَالَانِ إذَا اكْتَالَ بِالْوَافِي ، وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنّاقِصِ .
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : خَرَجْنَا إلَى خَيْبَرٍ . فَقَالَ رَجُلٌ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيّاتِكَ ؟ فَنَزَلَ يَحْدُو وَيَقُولُ
لَا هُمّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلّيْنَا
فَأَنْزِلَن سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبّتْ الْأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا
إنّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَبِالصّيَاحِ عَوّلُوا عَلَيْنَا
وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَنْ هَذَا السّائِقُ ؟ " قَالُوا : عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ . قَالَ " رَحِمَهُ اللّهُ " ([27]) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْلَا مَتّعْتنَا بِهِ ؟ .
قَالَ فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ . فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ . فَلَمّا تَصَافّوا خَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ -
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَبٌ
شَاكّي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلْهَبُ
فَنَزَلَ إلَيْهِ عَامِرٌ وَهُوَ يَقُولُ -
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي عَامِرٌ
شَاكّي السّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ . فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ فَعَضّهُ . فَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ - وَكَانَ سَيْفُهُ قَصْرًا - فَرَجَعَ إلَيْهِ سَيْفٌ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَمَاتَ .
قَالَ سَلَمَةُ فَقُلْت لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَعَمُوا أَنّ عَامِرًا حَبَطَ عَمَلُهُ فَقَالَ " كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إنّ لَهُ أَجْرَانِ - وَجَمَعَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ - إنّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ ، قَلّ عَرَبِيّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ " ([28]) . <125> وَلَمّا دَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ " قِفُوا " فَوَقَفَ الْجَيْشُ .
فَقَالَ " اللّهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ السّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَلْنَ وَرَبّ الرّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ . فَإِنّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا ، وَخَيْرَ مَا فِيهَا . وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرّ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَشَرّ أَهْلِهَا ، وَشَرّ مَا فِيهَا . أَقْدِمُوا بِاسْمِ اللّهِ " .
فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً . وَكَانَتْ أَرْضًا وَخْمَةً شَدِيدَةَ الْحَرّ . فَجَهَدَ الْمُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا . فَقَامَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهِمْ . فَوَعَظَهُمْ وَحَضّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ .
وَكَانَ فِيهِمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي رَجُلٌ أَسْوَدُ اللّوْنِ قَبِيحُ الْوَجْهِ مُنْتِنُ الرّيحِ لَا مَالَ لِي . فَإِنْ قَاتَلْت هَؤُلَاءِ حَتّى أُقْتَلَ أَدْخُلْ الْجَنّةَ ؟ قَالَ " نَعَمْ " فَتَقَدّمَ . فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ ، فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا رَآهُ " لَقَدْ حَسّنَ اللّهَ وَجْهَك ، وَطَيّبَ رِيحَك . وَكَثّرَ مَالَك " وَقَالَ " لَقَدْ رَأَيْت زَوْجَتَيْهِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ تَتَنَازَعَانِ جُبّةً عَلَيْهِ . وَتَدْخُلَانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبّتِهِ " .
فَافْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَلّمَ بَعْضَهَا ، ثُمّ تَحَوّلَ إلَى الْكَعْبَةِ ، وَالْوَطِيحِ ، وَالسّلَالِمِ . فَإِنّ خَيْبَرَ كَانَتْ جَانِبَيْنِ الْأَوّلُ الشّقّ وَالنّطَاةُ ، الّذِي اُفْتُتِحَ أَوّلًا . وَالثّانِي : مَا ذَكَرْنَا .
فَحَاصَرَهُمْ حَتّى إذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوهُ الصّلْحَ . وَنَزَلَ إلَيْهِ سَلّامُ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى حَقْنِ الدّمَاءِ وَعَلَى الذّرّيّةِ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ ، وَيُخَلّونَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ . وَعَلَى الصّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلْقَةِ إلّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ .
فَلَمّا أَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ قَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ مِنْكُمْ . فَدَعْنَا نَكُونُ فِيهَا . فَأَعْطَاهُمْ إيّاهَا ، عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِهَا وَزَرْعِهَا .
ثُمّ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، كُلّ سَهْمٍ مِائَةُ سَهْمٍ . فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتّمِائَةِ سَهْمٍ . نِصْفُهَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . وَالنّصْفُ الْآخَرُ قَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
الحلقة الثالثة عشرة (( غزواته ...4 ))
قُدُومُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَصَحْبِهِ مِنْ الْحَبَشَةِ
وَفِي <126> هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ . وَمَعَهُمْ الْأَشْعَرِيّونَ : أَبُو مُوسَى ، وَأَصْحَابُهُ .
قَالَ أَبُو مُوسَى بَلَغْنَا مَخْرَجَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ . فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إلَيْهِ - أَنَا وَأَخَوَانِ لِي - فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي . فَرَكِبْنَا سَفِينَةً . فَأَلْقَتْنَا إلَى النّجَاشِيّ ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا . فَأَقَمْنَا حَتّى قَدِمْنَا فَتْحَ خَيْبَرَ . وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لَنَا : سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ . فَدَخَلَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلَى حَفْصَةَ . فَدَخَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ وَعِنْدَهَا أَسْمَاءُ . فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ . قَالَ الْحَبَشِيّةُ هَذِهِ ؟ الْبَحْرِيّةُ هَذِهِ ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ نَعَمْ قَالَ سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ . نَحْنُ أَحَقّ بِرَسُولِ اللّهِ مِنْكُمْ . فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلّا وَاَللّهِ لَقَدْ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ . وَكُنّا فِي أَرْضِ الْبَعْدَاءِ الْبَغْضَاءِ . وَذَلِكَ فِي ذَاتِ اللّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَاَيْمُ اللّهِ لَا أُطْعِمُ طَعَامًا ، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتّى أَذْكُرَ مَا قُلْت لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَلَمّا جَاءَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ . فَقَالَ مَا قُلْت لَهُ ؟ قَالَتْ قُلْت لَهُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ لَيْسَ بِأَحَقّ بِي مِنْكُمْ . لَهُ لِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ - يَا أَهْلَ السّفِينَةِ - هِجْرَتَانِ ([29])
فَكَانَ أَبُو مُوسَى وَأَصْحَابُ السّفِينَةِ يَأْتُونَهَا أَرْسَالًا ، يَسْأَلُونَهَا عَنْ الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
مُحَاصَرَةُ رَسُولِ اللّهِ بَعْضَ الْيَهُودِ بِوَادِي الْقُرَى
ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ خَيْبَرَ إلَى وَادِي الْقُرَى وَكَانَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْيَهُودِ ، وَانْضَافَ إلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ .
فَلَمّا نَزَلُوا اسْتَقْبَلَتْهُمْ يَهُودُ بِالرّمْيِ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ . فَقُتِلَ مُدَعّمٌ - عَبْدٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ الْجُذَامِيّ وَهَبَهُ لِرَسُولِ اللّهِ فَقَالَ النّاسُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ . فَقَالَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " كَلّا ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ . إنّ الشّمْلَةَ الّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْقِسْمَةُ لِتَشْتَعِلَ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ <127> النّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكِ أَوْ شِرَاكَيْنِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ ، أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ ([30]) .
فَعَبّأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَصَفّهُمْ ثُمّ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا . وَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ . فَبَرَزَ إلَيْهِ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ فَقَتَلَهُ . ثُمّ بَرَزَ آخَرُ فَبَرَزَ إلَيْهِ عَلِيّ فَقَتَلَهُ . حَتّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا . فَقَاتَلَهُمْ حَتّى أَمْسَوْا . ثُمّ غَدَا عَلَيْهِمْ . فَلَمْ تَرْتَفِعْ الشّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ حَتّى افْتَتَحَهَا عَنْوَةً . وَأَصَابُوا أَثَاثًا وَمَتَاعًا كَثِيرًا . فَقَسَمَهُ فِي أَصْحَابِهِ .وَتَرَكَ الْأَرْضَ وَالنّخْلَ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَعَامَلَهُمْ عَلَيْهَا . وَلَمّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ رَدّ الْمُهَاجِرُونَ إلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ مِنْ النّخِيلِ
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا لَمّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا : الْآنَ نَشْبَعُ مِنْ التّمْرِ
بَعْثُ سَرِيّةٍ إلَى الْحُرُقَاتِ
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَرِيّةً إلَى الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ . فَلَمّا دَنَوْا مِنْهُمْ بَعَثَ الْأَمِيرُ الطّلَائِعَ . فَلَمّا رَجَعُوا بِخَبَرِهِمْ أَقْبَلَ حَتّى دَنَا مِنْهُمْ لَيْلًا ، وَقَدْ هَدَءُوا ، ثُمّ قَامَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ . ثُمّ قَالَ " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ تُطِيعُونِي وَلَا تَعْصُونِي ، وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي . فَإِنّهُ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ . ثُمّ رَتّبَهُمْ . فَقَالَ يَا فُلَانُ أَنْتَ فُلَانٌ وَيَا فُلَانُ أَنْتَ وَفُلَانٌ لَا يُفَارِقُ كُلّ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ وَزَمِيلَهُ وَإِيّاكُمْ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَقُولُ . أَيْنَ صَاحِبُك ؟ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي . فَإِذَا كَبّرْت فَكَبّرُوا . وَجَرّدُوا السّيُوفَ . ثُمّ كَبّرُوا وَحَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً . وَأَحَاطُوا بِالْقَوْمِ وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ اللّهِ
عُمْرَةُ الْقَضِيّة ِ
فَلَمّا كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ السّنَةِ السّابِعَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُعْتَمِرًا عُمْرَةَ الْقَضِيّةِ . حَتّى إذَا بَلَغَ يَأْجَجَ وَضَعَ الْأَدَاةَ كُلّهَا ، إلّا الْجُحَفَ وَالْمِجَانّ وَالنّبْلَ وَالرّمَاحَ . وَدَخَلُوا بِسِلَاحِ الرّاكِبِ - السّيُوفِ - وَبَعَثَ <128> جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ يَخْطُبُهَا . فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبّاسِ . فَزَوّجَهُ إيّاهَا .
فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَكْشِفُوا عَنْ الْمَنَاكِبِ وَيَسْعَوْا فِي الطّوَافِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوّتَهُمْ - وَكَانَ يُكَايِدُهُمْ بِكُلّ مَا اسْتَطَاعَ - فَوَقَفَ أَهْلُ مَكّةَ - الرّجَالَ وَالنّسَاءَ وَالصّبْيَانَ - يَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ . وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
خَلّوا فَكُلّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهِ
قَدْ أَنَزَلَ الرّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ
فِي صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ
بِأَنّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهِ
يَا رَبّ إنّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
إنّي رَأَيْت الْحَقّ فِي قَبُولِهِ
الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَأَقَامَ بِمَكّةَ ثَلَاثًا . ثُمّ أَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى . فَصَاحَ حُوَيْطِبٌ نُنَاشِدُك اللّهَ وَالْعَقْدَ لَمّا خَرَجْت مِنْ أَرْضِنَا . فَقَدْ مَضَتْ الثّلَاثُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا رَافِعٍ فَأَذِنَ بِالرّحِيلِ
ثُمّ دَخَلَتْ السّنَةُ الثّامِنَةُ . فَكَانَتْ فِيهَا
غَزْوَةُ مُؤْتَةَ
وَسَبَبُهَا : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ بِكِتَابِ إلَى مَلِكِ الرّومِ - أَوْ بُصْرَى - فَعَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسّانِيّ . فَقَتَلَهُ - وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولٌ غَيْرُهُ - فَاشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَبَعَثَ الْبُعُوثَ . وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَقَالَ " إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النّاسِ وَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ " ([31])
فَتَجَهّزُوا . وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ .
فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ . وَدَعَ النّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ . فَبَكَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ . فَقَالُوا مَا يُبْكِيك ؟ فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا بِي حُبّ الدّنْيَا وَلَا صُبَابَةٌ بِكُمْ . وَلَكِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النّارَ ( 16 : 71 ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا وَلَسْت <129> أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدُورِ بَعْدَ الْوُرُودِ ؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ صَحِبَكُمْ اللّهُ وَدَفَعَ عَنْكُمْ . وَرَدّكُمْ إلَيْنَا صَالِحِينَ . فَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ
لَكِنّنِي أَسْأَلُ الرّحْمَنَ مَغْفِرَةً
وَضَرْبَةَ ذَاتِ فُرْعٍ تَقْذِفُ الزّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجَهّزَةً
بِحَرْبَةِ تَنْفُذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتّى يُقَالَ إذَا مَرّوا عَلَى جَدّتِي :
يَا أَرْشَدَ اللّهُ مِنْ غَازٍ . وَقَدْ رَشَدَا
ثُمّ مَضَوْا حَتّى نَزَلُوا مَعَانَ . فَبَلَغَهُمْ أَنّ هِرَقْلَ بِالْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ الرّومِ وَانْضَمّ إلَيْهِ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ وَبَلِيّ وَغَيْرِهِمْ مِائَةُ أَلْفٍ .
فَأَقَامُوا لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ .
وَقَالُوا : نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللّهِ فَنُخْبِرُهُ . فَإِمّا أَنْ يُمِدّنَا ، وَإِمّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَشَجّعَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَقَالَ وَاَللّهِ إنّ الّذِي تَكْرَهُونَ لِلّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشّهَادَةَ . وَمَا نُقَاتِلُ النّاسَ بِقُوّةِ وَلَا كَثْرَةٍ وَمَا نُقَاتِلُهُمْ إلّا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمَنَا اللّهُ بِهِ فَانْطَلَقُوا فَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا ظَفَرٌ . وَإِمّا شَهَادَةٌ .
فَمَضَى النّاسُ حَتّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ الْجُمُوعُ . فَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مُؤْتَةَ . ثُمّ اقْتَتَلُوا عِنْدَهَا وَالرّايَةُ فِي يَدِ زَيْدٍ . فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلْ بِهَا حَتّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ . فَأَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا . حَتّى إذَا أَرْهَقَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهَا . ثُمّ قَاتَلَ حَتّى قُطِعَتْ يَمِينُهُ . فَأَخَذَ الرّايَةَ بِيَسَارِهِ فَقُطِعَتْ يَسَارُهُ . فَاحْتَضَنَ الرّايَةَ حَتّى قُتِلَ . وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً .
رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . ثُمّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ . فَتَقَدّمَ بِهَا ، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ
أُقْسِمُ بِاَللّهِ لَتُنْزِلُنّهُ
لَتَنْزِلَن أَوْ لَتُكْرِهَنهُ
يَا ظَالِمًا قَدْ كُنْت مُطْمَئِنّهْ
إنْ أَجْلَبَ النّاسُ وَشَدّوا الرّنّةَ
مَالِي أَرَاك تَكْرَهِينَ الْجَنّةَ ؟
وَيَقُولُ أَيْضًا
يَا نَفْسُ إنْ لَمْ تُقْتَلِي تَمُوتِي
هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلّيْت
وَمَا تَمَنّيْت فَقَدْ أُعْطِيت
إنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيت
<130> ثُمّ نَزَلَ فَأَتَاهُ فَنَادَاهُ ابْنُ عَمّ لَهُ بِعِرْقِ مِنْ لَحْمٍ . فَقَالَ شُدّ بِهَذَا صُلْبَك ، فَإِنّك لَقِيت فِي أَيّامِك هَذِهِ مَا لَقِيت . فَأَخَذَهَا فَانْتَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمّ سَمِعَ الْخَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النّاسِ . فَقَالَ وَأَنْتَ فِي الدّنْيَا ؟ فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ وَتَقَدّمَ . فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ .
ثُمّ أَخَذَ الرّايَةَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ . فَدَافَعَ الْقَوْمُ وَخَاشَى بِهِمْ ثُمّ انْحَازُوا ، وَانْصَرَفَ النّاسُ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَجَدْنَا مَا بَيْنَ صَدْرِ جَعْفَرٍ وَمَنْكِبِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْهُ تِسْعِينَ جِرَاحَةً .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ كُنْت يَتِيمًا لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ . فَخَرَجَ بِي فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ مُرْدِفِي عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ . فَوَاَللّهِ إنّهُ لَيَسِيرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ إذْ سَمِعْته وَهُوَ يَنْشُدُ شِعْرًا :
إذَا أَدّيْتنِي وَحَمَلْت رَحْلِي
مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحُسَامِ
فَشَأْنُك فَانْعُمِي ، وَخَلَاك ذَمّ
وَلَا أَرْجِعُ إلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي
بِأَرْضِ الشّامِ مُسْتَنْهِي الثّوَاءِ
وَرَدّك كُلّ ذِي نَسَبٍ قَرِيبٍ
إلَى الرّحْمَنِ مُنْقَطِعِ الْإِخَاءِ
هُنَالِكَ لَا أُبَالِي طَلْعَ بَعْلٍ
وَلَا نَخْلٍ أَسَافِلُهَا وَرَائِي
قَالَ فَبَكَيْت . فَخَفَقَنِي بِالسّوْطِ وَقَالَ مَا عَلَيْك يَا لُكَعُ أَنْ يَرْزُقَنِي اللّهُ الشّهَادَةَ وَتَرْجِعُ بَيْنَ شُعْبَتَيْ الرّحْلِ .
الحلقة الرابعة عشرة (( غزواته 5 ))
غَزْوَةُ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ
وَكَانَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ .
وَسَبَبُهَا : أَنّ بَكْرًا عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ فِي مَائِهِمْ " الْوَتِيرِ " فَبَيّتُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ . وَكَانَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ " أَنّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ فَعَلَ " فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ ، وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ إنّ بَنِي بَكْرٍ وَثَبُوا عَلَى خُزَاعَةَ لَيْلًا بِمَاءِ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ ، قَرِيبًا مِنْ مَكّةَ . وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ <131> بِالسّلَاحِ . وَقَاتَلَ مَعَهُمْ بَعْضُهُمْ مُسْتَخْفِيًا لَيْلًا ، حَتّى لَجَأَتْ خُزَاعَةُ إلَى الْحَرَمِ .
فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ لِنَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ قَائِدَهُمْ - يَا نَوْفَلُ إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ إلَهَك إلَهَك . فَقَالَ كَلِمَةً عَظِيمَةً لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ . يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ . فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ . أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ ؟
فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ ، حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ . فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا
حِلْفُ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمُوا وُلْدًا وَكُنّا وَالِدًا
ثُمّتْ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدًا
فَانْصُرْ هَدَاك اللّهُ نَصْرًا أَيّدًا
وَادْعُ عِبَادَ اللّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ قَدْ تَجَرّدَا
أَبْيَضُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَسْمُو صَعِدَا
إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبَدَا
إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُؤَكّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدًا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْت أَدْعُو أَحَدًا
وَهُمْ أَذَلّ وَأَقَلّ عَدَدًا
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدًا
وَقَتَلُونَا رُكّعًا وَسُجّدًا
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " نُصِرْت يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ " .
ثُمّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ ، حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلنّاسِ " كَأَنّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ . بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ . وَقَدْ رَهّبُوا لِلّذِي صَنَعُوا " .
ثُمّ قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ . فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ . فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَوَتْهُ عَنْهُ . فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي : أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ ، أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي ؟ قَالَتْ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ . فَقَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَك بَعْدِي شَرّ . ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَكَلّمَهُ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا . ثُمّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلّمَهُ فِي أَنْ يُكَلّمَ النّبِيّ <132> صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ . ثُمّ أَتَى عُمَرُ فَقَالَ أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ ؟ وَاَللّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ .
ثُمّ دَخَلَ عَلَى عَلِيّ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ - وَالْحَسَنُ غُلَامٌ يَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهَا - فَقَالَ يَا عَلِيّ ، إنّك أَمَسّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا وَإِنّي جِئْت فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَن خَائِبًا . اشْفَعْ لِي إلَى مُحَمّدٍ . فَقَالَ قَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلّمَهُ فِيهِ - فَقَالَ لِفَاطِمَةَ هَلْ لَك أَنْ تَأْمُرِي ابْنَك هَذَا ، فَيُجِيرُ بَيْنَ النّاسِ . فَيَكُونُ سَيّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ ؟ فَقَالَتْ مَا يَبْلُغُ ابْنِي ذَلِكَ . وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إنّي رَأَيْت الْأُمُورَ قَدْ اشْتَدّتْ عَلَيّ فَانْصَحْنِي .
قَالَ وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُغْنِي عَنْك . وَلَكِنّك سَيّدُ بَنِي كِنَانَةَ فَقُمْ وَأَجِرْ بَيْنَ النّاسِ ثُمّ الْحَقْ بِأَرْضِك .
فَقَالَ أَوَتَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنّي شَيْئًا ؟ قَالَ لَا ، وَاَللّهِ مَا أَظُنّهُ وَلَكِنْ مَا أَجِدُ لَك غَيْرَ ذَلِكَ .
فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إنّي قَدْ أَجَرْت بَيْنَ النّاسِ . ثُمّ رَكِبَ بَعِيرُهُ . وَانْصَرَفَ عَائِدًا إلَى مَكّةَ . فَلَمّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا : مَا وَرَاءَك ؟ قَالَ جِئْت مُحَمّدًا فَكَلّمْته ، فَوَاَللّهِ مَا رَدّ عَلَيّ شَيْئًا ، ثُمّ جِئْت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ . فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا . ثُمّ جِئْت عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ، فَوَجَدْته أَدْنَى الْعَدُوّ - يَعْنِي : أَعْدَى الْعَدُوّ ثُمّ جِئْت عَلِيّا فَوَجَدْته أَلْيَنَ الْقَوْمِ وَقَدْ أَشَارَ عَلَيّ بِكَذَا وَكَذَا . فَفَعَلْت . قَالُوا : فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمّدًا ؟ قَالَ لَا . قَالُوا : وَيْلَك ، وَاَللّهِ إنّ زَادَ الرّجُلِ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِك .
وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ بِالْجَهَازِ وَقَالَ اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ ، حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا
فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى قُرَيْشٍ كِتَابًا ، يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَدَفَعَهُ إلَى سَارَةَ - مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ - فَجَعَلْته فِي رَأْسِهَا . ثُمّ فَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا . وَأَتَى الْخَبَرُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ السّمَاءِ . فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا وَالزّبَيْرَ إلَى الْمَرْأَةِ فَأَدْرَكَاهَا بِرَوْضَةِ خَاخٍ . فَأَنْكَرَتْ . فَفَتّشَا رَحْلَهَا . فَلَمْ يَجِدَا فِيهِ شَيْئًا فَهَدّدَاهَا . فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا . فَأَتَيَا بِهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَدَعَا <133> حَاطِبًا . فَقَالَ " مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟ " فَقَالَ لَا تَعْجَلْ عَلَيّ يَا رَسُولَ اللّهِ . وَاَللّهِ إنّي لَمُؤْمِنٌ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا ارْتَدَدْت وَلَا بَدّلْت ، وَلَكِنّي كُنْت امْرِئِ مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ ، لَسْت مِنْ أَنْفُسِهِمْ . وَلِي فِيهِمْ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَوَلَدٌ . وَلَيْسَ لِي فِيهِمْ قَرَابَةٌ يَحْمُونَهُمْ . وَكَانَ مَنْ مَعَك لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَهُمْ . فَأَحْبَبْت أَنْ أَتّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا . قَدْ عَلِمْتُ أَنّ اللّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمّ لَهُ أَمْرَهُ . فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ . فَإِنّهُ قَدْ خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَدْ نَافَقَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيك يَا عُمَرُ ؟ لَعَلّ اللّهَ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ . فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ([32]) .
فَذَرَفَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَمَى اللّهُ الْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ ، لَكِنّهُمْ عَلَى وَجَلٍ . فَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَتَجَسّسُ هُوَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ .
وَكَانَ الْعَبّاسُ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا . فَلَقِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْجُحْفَةِ . فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ الظّهْرَانِ نَزَلَ عِشَاءً فَأَمَرَ الْجَيْشَ فَأَوْقَدُوا النّيرَانَ . فَأَوْقَدَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ نَارٍ . فَرَكِبَ الْعَبّاسُ بَغْلَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَخَرَجَ يَلْتَمِسُ لَعَلّهُ يَجِدُ بَعْضَ الْحَطّابَةِ أَوْ أَحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا . لِيَخْرُجُوا يَسْتَأْمِنُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً .
قَالَ فَوَاَللّهِ إنّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا ، إذْ سَمِعْت كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلٍ يَتَرَاجَعَانِ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ مَا رَأَيْت كَاللّيْلَةِ نِيرَانًا قَطّ وَلَا عَسْكَرًا .
قَالَ يَقُولُ بُدَيْلٌ هَذِهِ وَاَللّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ .
قَالَ يَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ خُزَاعَةُ أَقَلّ وَأَذَلّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا .
فَقُلْت : أَبَا حَنْظَلَةَ ؟ فَعَرَفَ صَوْتِي ، فَقَالَ أَبَا الْفَضْلِ ؟ قُلْت : نَعَمْ قَالَ مَا لَك ، فِدَاك أَبِي وَأُمّي ؟ قَالَ قُلْت : هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاَللّهِ قَالَ فَمَا الْحِيلَةُ ؟
قُلْت : وَاَللّهِ لَئِنْ ظَفَرَ بِك لَيَضْرِبَن عُنُقَك . فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتّى آتِيهِ بِك ، فَأَسْتَأْمِنُهُ لَك . فَرَكِبَ خَلْفِي . وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ فَجِئْت بِهِ . فَكُلّمَا مَرَرْت <134> بِنَارِ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ فَإِذَا رَأَوْنَا قَالُوا : عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ . حَتّى مَرَرْت بِنَارِ عُمَرَ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ وَقَامَ إلَيّ . فَلَمّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ قَالَ عَدُوّ اللّهِ ؟ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَمْكَنَ اللّهُ مِنْك بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ .
ثُمّ خَرَجَ يَشْتَدّ نَحْوَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَرَكَضَتْ الْبَغْلَةُ فَسَبَقَتْهُ وَاقْتَحَمَتْ عَنْهَا . فَدَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ . قَدْ أَمْكَنَ اللّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ . فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ أَجَرْته .
فَلَمّا أَكْثَرَ عُمَرُ قُلْت : مَهْلًا يَا عُمَرُ . فَوَاَللّهِ لَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْت هَذَا . قَالَ مَهْلًا يَا عَبّاسُ . فَوَاَللّهِ لَإِسْلَامُك كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ . وَمَا بِي إلّا أَنّي عَرَفْت أَنّ إسْلَامَك كَانَ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اذْهَبْ بِهِ يَا عَبّاسُ إلَى رَحْلِك . فَإِذَا أَصْبَحْت فَأْتِنِي بِهِ . فَفَعَلْت . ثُمّ غَدَوْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ أَنْ تَعْلَمَ أَنّ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ؟ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك وَاَللّهِ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنّي شَيْئًا بَعْدُ . قَالَ وَيْحَك يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَك أَنْ تَعْلَمَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ ؟ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك ، أَمّا هَذِهِ فَفِي النّفْسِ حَتّى الْآنَ مِنْهَا شَيْءٌ .
فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ وَيْحَك . وَأَسْلِمْ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَك . قَالَ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ فَأَسْلَمَ .
فَقَالَ الْعَبّاسُ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ، قَالَ نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ .
فَلَمّا ذَهَبَ لِيَنْصَرِفَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا عَبّاسُ احْبِسْهُ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ حَتّى تَمُرّ بِهِ جُنُودُ اللّهِ فَيَرَاهَا فَخَرَجْت حَتّى حَبَسْته . وَمَرّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا . حَتّى مَرّ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ - لِكَثْرَةِ <135> الْحَدِيدِ وَظُهُورِهِ فِيهَا - فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، لَا يُرَى مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ . فَقَالَ سُبْحَانَ اللّهِ يَا عَبّاسُ . مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قُلْت : هَذَا رَسُولٌ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ - قَالَ مَا لِأَحَدِ بِهَؤُلَاءِ طَاقَةٌ .
وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ . فَلَمّا مَرّ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ . الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ . الْيَوْمَ أَذَلّ اللّهُ قُرَيْشًا فَذَكَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ كَذَبَ سَعْدٌ . وَلَكِنّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمٌ تُعَظّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ الْيَوْمَ أَعَزّ اللّهُ قُرَيْشًا ثُمّ نَزَعَ اللّوَاءَ مِنْ سَعْدٍ . وَدَفَعَهُ إلَى قَيْسٍ ابْنِهِ . وَمَضَى أَبُو سُفْيَانَ . فَلَمّا جَاءَ قُرَيْشًا صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ . هَذَا مُحَمّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ . قَالُوا : قَاتَلَك اللّهُ وَمَا تُغْنِي عَنّا دَارُك " ؟ قَالَ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ .
وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَعْلَاهَا ، وَأَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَدَخَلَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا ، وَقَالَ إنْ عَرَضَ لَكُمْ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا ، حَتّى تُوَافُونِي عَلَى الصّفَا . فَمَا عَرَضَ لَهُمْ أَحَدٌ إلّا أَنَامُوهُ .
وَتَجَمّعَ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ ، وَسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو ، بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا . وَكَانَ حَمَاسُ بْنُ قَيْسٍ يُعِدّ سِلَاحًا قَبْلَ مَجِيءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَاَللّهِ مَا يَقُومُ لِمُحَمّدِ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ . فَقَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَخْدُمَك بَعْضَهُمْ ثُمّ قَالَ
إنْ يَقْبَلُوا الْيَوْمَ فَمَالِي عِلّةٌ
هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَإِلّهْ
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ الْقِتْلَة
ثُمّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ . فَلَمّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ فَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اثْنَيْ عَشَرَ ثُمّ انْهَزَمُوا فَدَخَلَ حَمَاسٌ عَلَى امْرَأَتِهِ . فَقَالَ ؟
أَغْلِقِي عَلَيّ بَابِي . فَقَالَتْ أَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ ؟ فَقَالَ <136>
إنّك لَوْ شَهِدْت يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ
إذْ فَرّ صَفْوَانُ وَفَرّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدُ قَائِمٌ كَالْمُؤْتِمَهْ
وَاسْتَقْبَلْنَا بِالسّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطُنُ كُلّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيت خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ
لَمْ تَنْطِقِي بِاللّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَدَخَلَ مَكّةَ .
فَبَعَثَ الزّبَيْرَ عَلَى إحْدَى الْمُجَنّبَتَيْنِ . وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْأُخْرَى . وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ عَلَى الْحُسّرِ . فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي كَتِيبَتِهِ وَقَدْ وَبِشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا ، وَقَالُوا : نُقَدّمُ هَؤُلَاءِ . فَإِذَا كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنّا مَعَهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَاهُ الّذِي سَأَلْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ " فَقُلْت : لَبّيْكَ يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ . وَلَا يَأْتِينِي إلّا أَنْصَارِيّ فَهَتَفْت بِهِمْ فَجَاءُوا ، فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ أَتَرَوْنَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ ؟ - ثُمّ قَالَ بِيَدَيْهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى - اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا ، حَتّى تُوَافُونِي عَلَى الصّفَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَانْطَلَقْنَا . فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ إلّا قُتِلَ ([33]) .
وَرَكَزَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْحَجُونِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْفَتْحِ . ثُمّ نَهَضَ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ حَتّى دَخَلَ الْمَسْجِدُ فَأَقْبَلَ إلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ . ثُمّ طَافَ بِالْبَيْتِ . وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَحَوْلَ الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتّونَ صَنَمًا . فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِالْقَوْسِ وَيَقُولُ جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إنّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا جَاءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ وَالْأَصْنَامُ تَتَسَاقَطُ عَلَى وُجُوهِهَا .
وَكَانَ طَوَافُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا يَوْمَئِذٍ فَاقْتَصَرَ عَلَى الطّوَافِ .
فَلَمّا أَكْمَلَهُ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ . فَأَمَرَ بِهَا فَفُتِحَتْ فَدَخَلَهَا . فَرَأَى فِيهَا الصّوَرَ وَرَأَى صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ فَقَالَ قَاتَلَهُمْ اللّهُ وَاَللّهِ إنْ اسْتَقْسَمَا بِهَا قَط ([34]) وَأَمَرَ بِالصّوَرِ فَمُحِيَتْ . ثُمّ أُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ فَاسْتَقْبَلَ الْجِدَارَ الّذِي يُقَابِلُ الْبَابَ . حَتّى إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَقَفَ وَصَلّى هُنَاكَ . ثُمّ دَارَ فِي الْبَيْتِ وَكَبّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَوَحّدَ اللّهَ . ثُمّ فَتَحَ الْبَابَ وَقُرَيْشٌ قَدْ مَلَأَتْ الْمَسْجِدَ صُفُوفًا ، يَنْظُرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ بِهِمْ ؟ فَأَخَذَ بِعِضَاتَيْ الْبَابِ وَهُمْ تَحْتَهُ . فَقَالَ لا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلَا كُلّ مَأْثَرَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دَمٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ إلّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ <137> الْحَاجّ أَلَا وَقَتْلَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ - السّوْطُ وَالْعَصَا - فَفِيهِ الدّيَةُ مُغَلّظَةٌ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّ اللّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيّةِ وَتَعَظّمَهَا بِالْآبَاءِ . النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ( 49 : 13 ) يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ثُمّ قَالَ " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ بِكُمْ ، قَالُوا : خَيْرًا ، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ . قَالَ فَإِنّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ ([35])
ثُمّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ - وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السّقَايَةِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْك . فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ؟ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ هَاكَ مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ ، الْيَوْمَ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ
وَأَمَرَ بَلَالًا أَنْ يَصْعَدَ عَلَى الْكَعْبَةِ فَيُؤَذّنَ - وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتّابُ بْنُ أُسَيْدٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ - فَقَالَ عَتّابٌ لَقَدْ أَكْرَمَ اللّهُ أُسَيْدًا أَنْ لَا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَقَالَ الْحَارِثُ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّهُ مُحِقّ لَاتّبَعْته . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَا أَقُولُ شَيْئًا ، لَوْ تَكَلّمْت لَأَخْبَرَتْ عَنّي هَذِهِ الْحَصْبَاءُ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ " قَدْ عَلِمْت الّذِي قُلْتُمْ " ثُمّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ . فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتّابٌ نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ . وَاَللّهِ مَا اطّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا . فَنَقُولُ أَخْبَرَك .
ثُمّ دَخَلَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَارَ أُمّ هَانِئٍ فَاغْتَسَلَ . وَصَلّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ صَلَاةَ الْفَتْحِ وَكَانَ أُمَرَاءُ الْإِسْلَامِ إذَا فَتَحُوا بَلَدًا صَلّوْا هَذِهِ الصّلَاةَ .
وَلَمّا اسْتَقَرّ الْفَتْحُ أَمّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ كُلّهُمْ إلّا تِسْعَةَ نَفَرٍ فَإِنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي سَرْحٍ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدُ الْعُزّى بْنُ خَطَلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ نُفَيْلٍ وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَهَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَقَيْنَتَانِ لِابْنِ خَطَلٍ وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ .
فَأَمّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَجَاءَ فَارّا إلَى عُثْمَانَ . فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَبِلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ رَجَاءَ أَنْ يَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَيَقْتُلَهُ .
<138> وَأَمّا عِكْرِمَةُ . فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ أَنْ هَرَبَ وَعَادَتْ بِهِ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ .
وَأَمّا ابْنُ خَطَلٍ ، وَمَقِيسٌ وَالْحَارِثُ وَإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ فَقُتِلُوا .
وَأَمّا هَبّارٌ فَفَرّ ثُمّ جَاءَ فَأَسْلَمَ . وَحَسُنَ إسْلَامُهُ . وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسَارَةَ وَلِإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ . فَأَسْلَمَتَا .
فَلَمّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ خَطِيبًا . فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمّ قَال أَيّهَا النّاسُ إنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ . فَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، أَوْ يُعَضّدَ بِهَا شَجَرَةً . فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا لَهُ إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ . وَلَمْ يَأْذَنْ لَك . وَإِنّمَا أُحِلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ([36])
وَهَمّ فَضَالَةُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوّحِ اللّيْثِيّ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَطُوفُ . فَلَمّا دَنَا مِنْهُ قَالَ " أَفَضَالَةُ ؟ " قَالَ نَعَمْ فَضَالَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ مَاذَا تُحَدّثُ بِهِ نَفْسَك ؟ قَالَ لَا شَيْءَ . كُنْت أَذْكُرُ اللّهَ فَضَحِكَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ قَالَ اسْتَغْفِرْ اللّهَ ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَسَكَنَ قَلْبُهُ وَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ وَاَللّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتّى مَا مِنْ خَلْقِ اللّهِ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيّ مِنْهُ قَالَ فَضَالَةُ فَرَجَعْت إلَى أَهْلِي . فَمَرَرْت بِامْرَأَةِ كُنْت أَتَحَدّثُ إلَيْهَا ، فَقَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ . فَقَالَ لَا . وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ
قَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ . فَقُلْت : لَا
يَأْبَى الْإِلَهُ عَلَيْك وَالْإِسْلَامُ
لَوْ قَدْ رَأَيْت مُحَمّدًا وَقَبِيلَهُ
بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكْسَرُ الْأَصْنَامُ
لَرَأَيْت دِينَ اللّهِ أَضْحَى بَيّنًا
وَالشّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ
وَفَرّ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ . فَاسْتَأْمَنَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ رَسُولَ اللّهِ لِصَفْوَانَ فَلَحِقَهُ . وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ فَرَدّهُ . وَاسْتَأْمَنَتْ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ لِزَوْجِهَا عِكْرِمَةَ ، فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ فَرَدّتْهُ .
ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ الْخُزَاعِيّ فَجَدّدَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ .
<139> وَبَثّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَرَايَاهُ إلَى الْأَوْثَانِ الّتِي حَوْلَ مَكّةَ . فَكُسِرَتْ كُلّهَا ، مِنْهَا اللّاتِ ، وَالْعُزّى ، وَمَنَاةَ . وَنَادَى مُنَادِيهِ بِمَكّةَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدَعُ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إلّا كَسَرَهُ
هَدْمُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَنَمَ سُوَاعٍ
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى سُوَاعٍ - وَهُوَ لِهُذَيْلٍ - قَالَ فَأَتَيْته وَعِنْدَهُ السّادِنُ فَقَالَ مَا تُرِيدُ ؟ قُلْت : أَهْدِمَهُ قَالَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ قُلْت : لِمَ ؟ قَالَ تُمْنَعُ . قُلْت : حَتّى الْآنَ أَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ ؟ وَيْحَك . وَهَلْ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ ؟ فَدَنَوْت مِنْهُ فَكَسَرْته . وَأَمَرْت أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خِزَانَتِهِ . فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا . فَقُلْت لِلسّادِنِ كَيْفَ رَأَيْت ؟ قَالَ أَسْلَمْت لِلّهِ .
بَعْثُ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ لِهَدْمِ مَنَاةَ
ثُمّ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْأَشْهَلَيّ الْأَنْصَارِيّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى مَنَاةَ . وَكَانَتْ عِنْدَ قُدَيْدٍ بِالْمُشَلّلِ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَغَسّانَ وَغَيْرِهِمْ .
فَخَرَجَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا ، حَتّى انْتَهَى إلَيْهَا . وَعِنْدَهَا سَادِنُهَا ، فَقَالَ مَا تُرِيدُ ؟ قَالَ هَدْمَهَا . قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ . فَأَقْبَلَ سَعْدٌ يَمْشِي إلَيْهَا ، وَتَخْرُجُ إلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ ثَائِرَةُ الرّأْسِ تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَتَضْرِبُ صَدْرَهَا . فَقَالَ لَهَا السّادِنُ مَنَاةُ دُونَك بَعْضُ عُصَاتِك .
فَضَرَبَهَا سَعْدٌ فَقَتَلَهَا ، وَأَقْبَلَ إلَى الصّنَمِ فَهَدَمَهُ . وَلَمْ يَجِدُوا فِي خِزَانَتِهَا شَيْئًا .
غَزْوَةُ حُنَيْنٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : لَمّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِالْفَتْحِ جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّصْرِيّ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٍ كُلّهَا .
فَلَمّا أَجَمَعَ مَالِكٌ السّيْرَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاقَ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيّهُمْ . فَلَمّا نَزَلَ بِأَوْطَاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ . وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةَ الْجُشَمِيّ <140> وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إلّا رَأْيُهُ وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرّبًا .
فَقَالَ بِأَيّ وَادٍ أَنْتُمْ ؟ قَالُو : بِأَوْطَاسَ . قَالَ نِعْمَ مَجَالُ الْجِيلِ لَا حَزْنٌ ضَرْسٌ وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ . مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ . وَيُعَارَ الشّاءِ ؟ قَالُوا : سَاقَ مَالِكٌ مَعَ النّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ .
قَالَ أَيْنَ مَالِكٌ ؟ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ إنّك أَصْبَحْت رَئِيسَ قَوْمِك . وَإِنّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيّامِ . فَلِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ . قَالَ رَاعِي ضَأْنٍ وَاَللّهِ وَهَلْ يَرُدّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ إنّهَا إنْ كَانَتْ لَك : لَمْ يَنْفَعْك إلّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ . وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك : فُضِحْت فِي أَهْلِك وَمَالِك . ثُمّ قَالَ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ ؟ قَالُوا : لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ . قَالَ غَابَ الْحَدّ وَالْجَدّ ، لَوْ كَانَ يَوْمُ عِلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ يَغِيبُوا . وَلَوَدِدْت أَنّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ . فَمَنْ شَهِدَهَا ؟ قَالُوا عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ . قَالَ ذَانِكَ الْجِذْعَانُ مِنْ عَامِرٍ لَا يَنْفَعَانِ وَلَا يَضُرّانِ . يَا مَالِكٌ إنّك لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ الْبَيْضَةِ - بَيْضَةِ هَوَازِنَ - إلَى نُحُورِ الْخَيْلِ شَيْئًا . ارْفَعْهُمْ إلَى مُمْتَنِعِ بِلَادِهِمْ وَعَلْيَاءِ قَوْمِهِمْ . ثُمّ أَلْقِ الصّبَا عَلَى مُتُونِ الْجِيلِ . فَإِنْ كَانَتْ لَك : لَحِقَ بِك مَنْ وَرَاءَك . وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك : أَلْقَاك ذَاكَ وَقَدْ أَحْرَزْت أَهْلَك وَمَالَك .
قَالَ وَاَللّهِ لَا أَفْعَلُ إنّك قَدْ كَبِرْت وَكَبُرَ عَقْلُك ، وَاَللّهِ لِتُطِيعَنّي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ ، أَوْ لَأَتّكِئَن عَلَى هَذَا السّيْفِ حَتّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا ذِكْرٌ أَوْ رَأْيٌ .
قَالُوا : أَطَعْنَاك . فَقَالَ دُرَيْدٌ هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ يَفُتْنِي .
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ
أَخُبّ فِيهَا وَأَضَعْ
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزّمَعْ
كَأَنّهَا شَاةُ صَدَعْ
ثُمّ قَالَ مَالِكٌ إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ ثُمّ شُدّوا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ .
<141> ثُمّ بَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَفَرّقَتْ أَوْصَالُهُمْ مِنْ الرّعْبِ وَالْهَلَعِ . فَقَالَ لَهُمْ وَيْلَكُمْ مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ . وَاَللّهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى . فَوَاَللّهِ مَا رَدّهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ .
وَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ . وَأَمَرَهُ أَنْ يُدَاخِلَهُمْ حَتّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ . فَانْطَلَقَ . فَدَاخَلَهُمْ حَتّى عَلِمَ مَا هُمْ عَلَيْهِ . فَأَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ .
فَلَمّا أَرَادَ الْمَسِيرَ ذَكَرَ لَهُ أَنّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ - فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا أُمَيّةَ أَعِرْنَا سِلَاحَك هَذَا ، نَلْقَ فِيهِ عَدُوّنَا غَدًا " فَقَالَ أَغَضَبًا يَا مُحَمّدُ ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ ، حَتّى نُؤَدّيهَا إلَيْك فَأَعْطَاهُ مِائَة دِرْعٍ بِمَا يَكْفِيهَا السّلَاحُ . فَخَرَجَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَمَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ ، وَعَشَرَةُ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الّذِينَ فَتَحَ اللّهُ بِهِمْ مَكّةَ . فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . وَاسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ عَلَى مَكّةَ .
فَلَمّا اسْتَقْبَلُوا وَادِي حُنَيْنٍ ، انْحَدَرُوا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ فِي عِمَايَةِ الصّبْحِ . قَالَ جَابِرٌ وَكَانُوا قَدْ سَبَقُونَا إلَيْهِ فَكَمَنُوا فِي شِعَابِهِ وَمَضَايِقِهِ . قَدْ تَهَيّئُوا . فَوَاَللّهِ مَا رَاعَنَا إلّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدّوا عَلَيْنَا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَانْشَمَرَ النّاسُ رَاجِعِينَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ . وَانْحَازَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاتَ الْيَمِينِ ثُمّ قَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ هَلُمّوا إلَيّ أَنَا رَسُولُ اللّهِ أَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ
وَبَقِيَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ فَاجْتَلَدَ النّاسُ . فَوَاَللّهِ مَا رَجَعَتْ النّاسُ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتّى وَجَدُوا الْأَسْرَى عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
وَكَانُوا حِينَ رَأَوْا كَثْرَتَهُمْ قَالُوا " لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلّةٍ " فَوَقَعَ بِهِمْ مَا وَقَعَ ابْتِلَاءٌ مِنْ اللّهِ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا وَقَعَتْ الْهَزِيمَةُ تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغَنِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ ، وَصَرَخَ حَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ أَلَا بَطَلَ السّحَرُ الْيَوْمَ . فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ - وَكَانَ بَعْدُ مُشْرِكًا - اُسْكُتْ فَضّ اللّهُ فَاك . فَوَاَللّهِ لَأَنْ يُرِبْنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يُرِبْنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ
<142> وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحُجَبِيّ . قَالَ " لَمّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قُلْت : أَسِيرُ مَعَ قُرَيْشٍ إلَى هَوَازِنَ ، لَعَلّي أُصِيبُ مِنْ مُحَمّدٍ غُرّةً . فَأَكُونُ أَنَا الّذِي قُمْت بِثَأْرِ قُرَيْشٍ وَأَقُولُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَحَدٌ إلّا تَبِعَهُ مَا اتّبَعْته أَبَدًا .
فَلَمّا اخْتَلَطَ النّاسُ اقْتَحَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ وَأَصْلَتَ السّيْفَ فَدَنَوْت أُرِيدُ مَا أُرِيدُ وَرَفَعْت سَيْفِي حَتّى كِدْت أُسَوّرُهُ . فَرَفَعَ لِي شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ كَالْبَرْقِ كَادَ أَنْ يُمَحّشْنِي . فَوَضَعْت يَدِي عَلَى بَصَرِي خَوْفًا عَلَيْهِ . فَالْتَفَتَ إلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَنَادَانِي يَا شَيْبُ ، اُدْنُ " فَدَنَوْت ، فَمَسَحَ صَدْرِي . قَالَ " اللّهُمّ أَعِذْهُ مِنْ الشّيْطَانِ فَوَاَللّهِ لَهُوَ كَانَ سَاعَتَئِذٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي وَنَفْسِي . ثُمّ قَالَ اُدْنُ فَقَاتِلْ فَتَقَدّمْت أَمَامَهُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي . اللّهُ يَعْلَمُ أَنّي أُحِبّ أَنْ أَقِيَهُ بِنَفْسِي . لَوْ لَقِيت تِلْكَ السّاعَةَ أَبِي لَأَوْقَعْت بِهِ السّيْفَ . فَجَعَلْت أَلْزَمَهُ فِيمَنْ لَزِمَهُ حَتّى تَرَاجَعَ النّاسُ وَكَرّوا كَرّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ . وَقُرّبَتْ بَغْلَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَاسْتَوَى عَلَيْهَا . وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَثَرِهِمْ حَتّى تَفَرّقُوا فِي كُلّ وَجْهٍ . وَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مُعَسْكَرِهِ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ . فَدَخَلْت عَلَيْهِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ غَيْرِي ، حُبّا لِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ وَسُرُورًا بِهِ فَقَالَ يَا شَيْبُ ، الّذِي أَرَادَ اللّهُ لَك ، مِنْ الّذِي أَرَدْت لِنَفْسِك " . قَالَ الْعَبّاسُ إنّي لَمَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُنْت امْرِئِ جَسِيمًا شَدِيدَ الصّوْتِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ رَأَى مِنْ النّاسِ إلَيّ أَيّهَا النّاسُ أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ فَلَمْ أَرَ النّاسَ يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ . فَقَالَ " أَيْ عَبّاسٌ اهْتِفْ بِأَصْحَابِ السّمُرَةِ " فَنَادَيْت : يَا أَصْحَابَ السّمُرَةِ يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ . فَكَانَ الرّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَرُدّ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ . فَيَأْخُذُ سِلَاحَهُ وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ وَيُخَلّي سَبِيلَهُ وَيَؤُمّ الصّوْتَ فَأَتَوْا مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ لَبّيْكَ لَبّيْكَ . حَتّى إذَا اجْتَمَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ مِائَةٌ اسْتَقْبَلُوا النّاسَ فَاقْتَتَلُوا . فَكَانَتْ الدّعْوَةُ أَوّلًا " يَا لَلْأَنْصَارِ يَا لَلْأَنْصَارِ " ثُمّ خَلَصَتْ الدّعْوَةُ " يَا لَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج ِ " وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ثُمّ أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَصَيَاتٍ . فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْقَوْمِ ثُمّ قَالَ انْهَزِمُوا ، وَرَبّ مُحَمّدٍ . فَمَا هُوَ إلّا أَنْ رَمَاهُمْ فَمَا زِلْت أَرَى حَدّهُمْ كَلِيلًا ، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا <143>
وَلَمّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَوْا الطّائِفَ ، وَمِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ . وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسَ . وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَثَرِ مَنْ تَوَجّهَ نَحْوَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ فَهَزَمَهُمْ اللّهُ تَعَالَى . وَقُتِلَ أَبُو عَامِرٍ . فَأَخَذَ الرّايَةَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ . فَلَمّا بَلَغَ الْخَبَرُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ا للّهُمّ اغْفِرْ لِأَبِي عَامِرٍ . وَاجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِك
وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّبْيِ وَالْغَنَائِمِ أَنْ يُجْمَعَ . وَكَانَ السّبْيُ سِتّةَ آلَافِ رَأْسٍ وَالْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَالْغَنَمُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ شَاةٍ وَأَرْبَعَةُ آلَافِ أُوقِيّةٍ فِضّةً .
فَاسْتَأْنَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقْدَمُوا مُوَالِينَ مُسْلِمِينَ بِضْعَةَ عَشَرَ لَيْلَةً . ثُمّ بَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا : وَأَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوّلَ النّاسِ . فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . وَأَرْبَعِينَ أُوقِيّةً . وَأَعْطَى ابْنَهُ يَزِيدَ مِثْلَ ذَلِكَ . وَأَعْطَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ مِثْلَ ذَلِكَ . وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . ثُمّ سَأَلَهُ مِائَةً أُخْرَى فَأَعْطَاهُ .
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَصْحَابَ الْمِائَةِ وَأَصْحَابَ الْخَمْسِينَ .
ثُمّ أَمَرَ يَزِيدَ ثَابِتٌ بِإِحْصَاءِ الْغَنَائِمِ وَالنّاسِ ثُمّ فَضّهَا عَلَى النّاسِ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودٍ لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ <144> لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِل الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ . وَجَدَتْ الْأَنْصَارُ فِي أَنْفُسِهِمْ . حَتّى كَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ وَاَللّهِ رَسُولُ اللّهِ قَوْمَهُ . فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ . فَقَالَ " فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَنَا إلّا مِنْ قَوْمِي ، قَالَ " فَاجْمَعْ لِي قَوْمَك فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ " فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ . فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا . وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ . فَلَمّا اجْتَمَعُوا ، أَتَاهُ سَعْدٌ . فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ . ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ : مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ ؟ وَجَدّةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا . فَهَدَاكُمْ اللّهُ بِي ؟ وَعَالّةٌ فَأَغْنَاكُمْ اللّهُ بِي ؟ وَأَعْدَاءٌ . فَأَلّفَ اللّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي ؟ " . قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ . ثُمّ قَالَ أَلَا تُجِيبُونِي ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ . قَالُوا : بِمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ وَلِلّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ . قَالَ " أَمَا وَاَللّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدّقْتُمْ أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك . أَوَجَدْتُمْ عَلَيّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ لُعَاعَةً مِنْ الدّنْيَا ، تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا لِيُسَلّمُوا ، وَوَكّلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ ؟ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ أَنْتُمْ بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرِئِ مِنْ الْأَنْصَارِ . وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَوَادِيًا ، وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا وَوَادِيًا ، لَسَلَكَتْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ وَوَادِيَهَا ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنّاسُ دِثَارٌ اللّهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ " .
قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللّهِ قَسْمًا وَحَظّا . ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَفَرّقُوا
وَقَدِمَتْ الشّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ - أُخْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الرّضَاعَةِ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ . أَنَا أُخْتُك ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ . وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ " إنْ أَحْبَبْت فَعِنْدِي مَكْرُمَةٌ وَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ أُمَتّعَك وَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِك " فَقَالَتْ بَلْ تُمَتّعُنِي ، وَتَرُدّنِي إلَى قَوْمِي . فَفَعَلَ وَأَسْلَمَتْ . فَأَعْطَاهَا ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً وَنَعْمَاءَ وَشَاءً
الْمَنّ عَلَى سَبْيِ هَوَازِنَ
وَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَسَأَلُوهُ أَنْ يُمَنّ عَلَيْهِمْ السّبْيَ وَالْأَمْوَالَ فَقَالَ إنّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ ، وَإِنّ أَحَبّ الْحَدِيثِ إلَيّ أَصْدَقُهُ . فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ ؟ فَقَالُوا : مَا كُنّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا . فَقَالَ " إذَا صَلّيْت الْغَدَاةَ فَقُومُوا ، فَقُولُوا إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَبِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ أَنْ يَرُدّ إلَيْنَا سَبْيَنَا " . فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغَدَاةَ قَامُوا ، فَقَالُوا ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِب ِ : فَهُوَ لَكُمْ وَسَأَسْأَلُ لَكُمْ النّاسَ . فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا . وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا . وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا . فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ الْعَبّاسُ وَهَنْتُمُونِي . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ جَاءُوا مُسْلِمِينَ . وَقَدْ اسْتَأْنَيْت بِسَبَبِهِمْ وَقَدْ خَيّرْتهمْ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَبْنَاءِ وَالنّسَاءِ شَيْئًا : فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَرُدّهُ فَسَبِيلُ ذَلِكَ . وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقّهِ فَلْيَرُدّهُ عَلَيْهِمْ . وَلَهُ بِكُلّ فَرِيضَةٍ سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ مَا يَفِيءُ اللّهُ عَلَيْنَا " فَقَالَ النّاسُ قَدْ طَيّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ " إنّا لَا نَعْرِفُ مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ مِمّنْ لَمْ يَرْضَ فَارْجِعُوا حَتّى يَرْفَعُ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ . فَرُدّوا عَلَيْهِمْ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَكَسَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّبْيَ قِبْطِيّةً قِبْطِيّةً <145>
فَصْلٌ [ الحكم المستفاد من غزوة حنين ]
لَمّا تَمّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَتْحُ مَكّةَ : اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللّهِ أَنْ أُمْسِكَ قُلُوبَ هَوَازِنَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِتَكُونَ غَنَائِمُهُمْ شُكْرَانًا لِأَهْلِ الْفَتْحِ وَلِيُظْهِرَ حِزْبَهُ عَلَى الشّوْكَةِ الّتِي لَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهَا . فَلَا يُقَاوِمُهُمْ أَحَدٌ بَعْدُ مِنْ الْعَرَبِ . وَأَذَاقَ الْمُسْلِمِينَ أَوّلًا مَرَارَةَ الْكِسْرَةِ مَعَ قُوّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطَمْئِنَ رُءُوسًا رُفِعَتْ بِالْفَتْحِ وَلَمْ تَدْخُلْ حَرَمَهُ كَمَا دَخَلَهُ رَسُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلَى فَرَسِهِ حَتّى إنّ ذَقْنَهُ لَيَكَادُ يَمَسّ قُرْبُوسَ سُرُجِهِ تَوَاضُعًا لِرَبّهِ . وَلِيُبَيّنَ سُبْحَانَهُ - لِمَنْ قَالَ " لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلّةٍ " - إنّ النّصْرَ إنّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ وَأَنّ مَنْ يُخَذّلْهُ فَلَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُهُ . وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ الّذِي تَوَلّى نَصْرَ دِينِهِ لَا كَثْرَتُكُمْ . فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ أَرْسَلَ إلَيْهَا خَلْعَ الْجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النّصْرِ ( 9 : 26 ) ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا <146> وَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ خِلَعَ النّصْرِ إنّمَا تُفِيضُ عَلَى أَهْلِ الِانْكِسَارِ ( 28 : 6 ) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ .
الحلقة الخامسة عشر ة (( غزواته ... 6 ))
غَزْوَةُ الطّائِفِ
وَلَمّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إلَى الطّائِفِ - وَكَانَتْ فِي شَوّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ - بَعَثَ الطّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو إلَى ذِي الْكَفّيْنِ - صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدّوْسِيّ - يَهْدِمَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِدّ قَوْمَهُ يُوَافِيهِ بِالطّائِفِ . فَخَرَجَ سَرِيعًا . فَهَدَمَهُ وَجَعَلَ يَحْثُو النّارَ فِي وَجْهِهِ وَيَقُولُ
يَا ذَا الْكَفّيْنِ لَسْت مِنْ عُبّادِكَا
مِيلَادُنَا أَكْبَرُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنّي حَشَوْت النّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَانْحَدَرَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ سِرَاعًا . فَوَافَوْا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالطّائِفِ بَعْدَ مَقْدِمِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيّامٍ - وَقَدِمَ بِدَبّابَةِ وَمَنْجَنِيقٍ .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : لَمّا انْهَزَمُوا مِنْ أَوْطَاسٍ دَخَلُوا حِصْنَهُمْ وَتَهَيّئُوا لِلْقِتَالِ . وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ . وَعَسْكَرَ هُنَاكَ . فَرَمَوْا الْمُسْلِمِينَ بِالنّبْلِ رَمْيًا شَدِيدًا ، كَأَنّهُ رَجُلٌ جَرَادٌ حَتّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةِ . وَقُتِلَ مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا . فَارْتَفَعَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطّائِفِ الْيَوْمَ . فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا . وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ الْمَنْجَنِيقَ - وَهُوَ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ - وَأَمَرَ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ . فَوَقَعَ النّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّي أَدَعُهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ
وَنَادَى مُنَادِيهِ " أَيّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إلَيْنَا : فَهُوَ حُرّ " فَخَرَجَ مِنْهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ بْنُ مَسْرُوحٍ ، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَفَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ .
وَلَمْ يَأْذَنْ فِي فَتْحِ الطّائِفِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَذِنَ بِالرّحِيلِ فَضَجّ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا : نَرْحَلُ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاغْدُوَا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوَا ، فَأَصَابَهُمْ جِرَاحَاتٌ .
فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللّهُ " فَسُرّوا بِذَلِكَ وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَضْحَكُ
<147> فَلَمّا ارْتَحَلُوا وَاسْتَقَلّوا قَالَ قُولُوا : آيِبُونَ تَائِبُونَ ، عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ وَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ اُدْعُ اللّهَ عَلَى ثَقِيفٍ ، فَقَالَ اللّهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ
ثُمّ خَرَجَ إلَى الْجِعِرّانَةِ . فَدَخَلَ مِنْهَا إلَى مَكّةَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةِ فَقَضَاهَا . ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَصْلٌ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوك َ فِي رَمَضَانَ . وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ .
وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ اتّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ . فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاع فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ . وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبّبًا مُطَاعًا .
فَخَرَجَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ . فَلَمّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عَلِيّةٍ - وَقَدْ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ - رَمَوْهُ بِالنّبْلِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ . فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لَهُ مَا تَرَى فِي دَمِك ؟ فَقَالَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللّهُ بِهَا ، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللّهُ إلَيّ . فَلَيْسَ فِيّ إلّا مَا فِي الشّهَدَاءِ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ . فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ . فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ
ثُمّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ مَقْتَلِ عُرْوَةَ شَهْرًا . ثُمّ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ . وَرَأَوْا أَنّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ، وَقَدْ أَسْلَمُوا وَبَايَعُوا . فَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلًا ، كَمَا أَرْسَلُوا عُرْوَةَ .
فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ . فَأَبَى ، وَخَشِيَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ كَمَا صُنِعَ بِعُرْوَةِ فَقَالَ لَسْت فَاعِلًا حَتّى تُرْسِلُوا مَعِي رِجَالًا . فَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ . فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَزَلُوا قَنَاةً ، أَلْفَوْا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، فَاشْتَدّ لِيُبَشّرَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقُدُومِهِمْ . فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ أَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللّهِ لَا تَسْبِقْنِي <148> إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَكُونَ أَنَا أُحَدّثُهُ فَفَعَلَ . ثُمّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى أَصْحَابِهِ . فَرَوّحَ الظّهْرَ مَعَهُمْ . وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَلَمْ يَفْعَلُوا إلّا بِتَحِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ . فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبّةً فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ .
وَكَانَ فِيمَا سَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَ لَهُمْ اللّاتِ لَا يَهْدِمَهَا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ فَأَبَى . فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً فَيَأْبَى حَتّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا . فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمّى . وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ - فِيمَا يَظْهَرُونَ - أَنْ يَسْلَمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوّعُوهُمْ بِهَدْمِهَا ، حَتّى يَدْخُلَهُمْ الْإِسْلَامُ . فَأَبَى إلّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَهْدِمَانِهَا .
فَلَمّا أَسْلَمُوا أَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ - وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا - وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ مِنْ أَحْرِصْهُمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الدّينِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ .
فَلَمّا تَوَجّهُوا رَاجِعِينَ بَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، حَتّى إذَا قَدِمُوا الطّائِفَ أَرَادَ الْمُغِيرَةُ أَنْ يَقْدَمَ أَبَا سُفْيَانَ فَأَبَى ، وَقَالَ اُدْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك . وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ . فَلَمّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ . وَقَامَ دُونَهُ بَنُو مُغِيثٍ خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى ، كَمَا فَعَلَ بِعُرْوَةِ وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا . فَلَمّا هَدَمَهَا أَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيّهَا وَأَرْسَلَ بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ .
مَافِي غَزْوَةِ الطّائِفِ مِنْ الْفِقْهِ
فِيهَا مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ . وَنَسْخُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ .
وَفِيهَا : أَنّهُ لَا يَجُوزُ إبْقَاءُ مَوَاضِعِ الطّوَاغِيتِ وَالشّرْكِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا يَوْمًا وَاحِدًا . فَإِنّهَا شَعَائِرُ الْكُفْرِ . وَهِيَ أَعْظَمُ الْمُنْكَرَاتِ وَهَكَذَا حُكْمُ الْمَشَاهِدِ الّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ الّتِي اُتّخِذَتْ أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَكَذَلِكَ الْأَحْجَارُ وَالْأَشْجَارُ الّتِي تُقْصَدُ لِلتّعْظِيمِ وَالتّبَرّكِ وَالنّذْرِ لَهَا . وَكَثِيرٌ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ اللّاتِ وَالْعُزّى ، أَوْ أَعْظَمَ شِرْكًا عِنْدَهَا ، وَبِهَا .
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الطّوَاغِيتِ يَعْتَقِدُ أَنّهَا تُخْلِفُ وَتَرْزُقُ وَتُمِيتُ وَتُحْيِي . وَإِنّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَهَا مَا يَفْعَلُهُ إخْوَانُهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْيَوْمَ عِنْدَ طَوَاغِيتِهِمْ فَاتّبَعَ هَؤُلَاءِ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ . وَغَلَبَ الشّرْكُ عَلَى أَكْثَرِ النّفُوسِ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَخَفَاءِ الْعِلْمِ وَغَلَبَةُ التّقَالِيدِ . وَصَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا ، وَالْمُنْكَرُ <149> مَعْرُوفًا ، وَالسّنّةُ بِدْعَةٌ وَالْبِدْعَةُ سُنّةٌ وَنَشَأَ فِي ذَلِكَ الصّغِيرِ وَهَرِمَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ . وَطُمِسَتْ الْأَعْلَامُ . وَاشْتَدّتْ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ .
وَلَكِنْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعِصَابَةِ الْمُحَمّدِيّةِ بِالْحَقّ قَائِمِينَ وَلِأَهْلِ الشّرْكِ وَالْبِدَعِ مُجَاهَدِينَ إلَى أَنْ يَرِثَ اللّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . وَفِيهَا : صَرَفَ الْإِمَامُ الْأَمْوَالَ الّتِي تَصِيرُ إلَى هَذِهِ الْمَشَاهِدِ مِنْ عَابِدِيهَا . فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي الْجِهَادِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ أَوْقَافُهَا تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .
فَصْلٌ حَوَادِثُ سَنَةِ تِسْعٍ
وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَة ، وَدَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ بَعَثَ الْمُصَدّقِينَ يَأْخُذُونَ الصّدَقَاتِ مِنْ الْأَعْرَابِ .
وَفِيهَا : بَعَثَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى صَنَمِ طَيّئّ لِيَهْدِمَهُ . فَشَنّوا الْغَارّةَ عَلَى مَحَلّةِ آلِ حَاتِمٍ مَعَ الْفَجْرِ . فَهَدَمُوهُ وَمَلَئُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ السّبْيِ وَالنّعَمِ وَالشّاءِ . وَفِي السّبْيِ سُفَانَةُ أُخْتُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ ، وَهَرَبَ عَدِيّ إلَى الشّامِ . وَوَجَدَ فِي خِزَانَتِهِ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ وَثَلَاثَةَ أَدْرُعٍ . وَقَسَمَ عَلَيّ الْغَنَائِمَ فِي الطّرِيقِ وَلَمْ يُقْسِمْ السّبْيَ مِنْ آلِ حَاتِمٍ حَتّى قَدِمَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ .
قَالَ عَدِيّ : مَا كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ أَشَدّ كَرَاهَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنّي ، حِينَ سَمِعْت بِهِ . وَكُنْت رَجُلًا شَرِيفًا نَصْرَانِيّا . وَكُنْت أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ . وَكُنْت فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ . فَقُلْت لِغُلَامِ لِي رَاعٍ لِإِبِلِي : اُعْدُدْ لِي مِنْ إبِلِي أَجْمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا . فَإِذَا سَمِعْت بِجَيْشِ مُحَمّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنّي . فَأَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ مَا كُنْت صَانِعًا إذَا غَشِيَتْك خَيْلُ مُحَمّدٍ فَاصْنَعْ الْآنَ . فَإِنّي قَدْ رَأَيْت رَايَاتٍ فَسَأَلْت عَنْهَا ؟ فَقَالُوا : هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمّدٍ . قُلْت : قَرّبْ لِي أَجْمَالِي . فَاحْتَمَلْت بِأَهْلِي وَوَلَدِي ، ثُمّ قُلْت : أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنْ النّصَارَى بِالشّامِ وَخَلّفْت بِنْتًا لِحَاتِمِ فِي الْحَاضِرَةِ . فَلَمّا قَدِمْت الشّامَ أَقَمْت بِهَا ، وَتُخَالِفُنِي خَيْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَبَايَا مِنْ طَيّئّ .
<150> وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَرَبِي إلَى الشّامِ . فَمَرّ بِهَا . فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ غَابَ الْوَافِدُ . وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ . مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ فَمُنّ عَلَيّ مَنّ اللّهُ عَلَيْك . فَقَالَ مَنْ وَافِدُك ؟ قَالَتْ عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ الّذِي فَرّ مِنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ ؟ - وَكَرّرْت عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ - قَالَتْ فَمَنّ عَلَيّ وَسَأَلْته الْحُمْلَانَ فَأَمَرَ لَهَا بِهِ وَكَسَاهَا وَحَمَلَهَا وَأَعْطَاهَا نَفَقَةً .
فَأَتَتْنِي . فَقَالَتْ لَقَدْ فَعَلَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوك يَفْعَلُهَا . ائْتِهِ رَاكِبًا أَوْ رَاهِبًا ، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ . قَالَ فَأَتَيْته ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ . فَقَالَ الْقَوْمُ هَذَا عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ - وَجِئْت بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ - فَأَخَذَ بِيَدَيّ - وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللّهُ يَدَهُ فِي يَدَيّ - فَقَامَ إلَيّ فَلَقِيت امْرَأَةً وَمَعَهَا صَبِيّ . فَقَالَا : إنّ لَنَا إلَيْك حَاجَةً . فَقَامَ مَعَهُمَا حَتّى قَضَى حَاجَتَهُمَا . ثُمّ أَخَذَ بِيَدَيّ حَتّى أَتَى دَارَهُ . فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةَ وِسَادَةً . فَجَلَسَ عَلَيْهَا ، وَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ . فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمّ قَالَ مَا يُفِرّك ؟ أَيُفِرّك أَنْ يُقَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إلَهٍ سِوَى اللّهِ ؟ فَقُلْت : لَا . فَتَكَلّمَ سَاعَةً . ثُمّ قَالَ أَيُفِرّك أَنْ يُقَالَ اللّهُ أَكْبَرُ ؟ وَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرُ مِنْ اللّهِ ؟ قُلْت : لَا ، قَالَ فَإِنّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ . وَالنّصَارَى ضَالّونَ فَقُلْت : فَإِنّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ . فَرَأَيْت وَجْهَهُ يَنْبَسِطُ فَرَحًا .
ثُمّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْت عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ . وَجَعَلْت آتِيهِ طَرَفَيْ النّهَارِ . فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنْ صُوفٍ مِنْ هَذِهِ الثّمَارِ فَصَلّى ثُمّ قَامَ . فَحَثّ بِالصّدَقَةِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَيّهَا النّاسُ ارْضَخُوا مِنْ الْفَضْلِ وَلَوْ بِصَاعِ وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ وَلَوْ بِقَبْضَةِ وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرّ جَهَنّمَ - أَوْ النّارَ - وَلَوْ بِتَمْرَةِ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةِ طَيّبَةٍ . فَإِنّ أَحَدَكُمْ لَاقٍ اللّهَ فَقَائِلٌ لَهُ أَقُولُ لَكُمْ أَلَمْ أَجْعَلْ لَك مَالًا وَوَلَدًا ؟ فَيَقُولُ بَلَى ، فَيَقُولُ أَيْنَ مَا قَدّمْت لِنَفْسِك ؟ فَيَنْظُرُ قُدّامَهُ وَخَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ . فَلَا يَجِدُ شَيْئًا يَقِي بِهِ وَجْهَهُ حَرّ جَهَنّمَ لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَكَلِمَةٌ طَيّبَةٌ . فَإِنّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْفَاقَةَ . فَإِنّ اللّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتّى تَسِيرَ الظّعِينَةُ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحِيرَةِ ، مَا تَخَافُ عَلَى مَطِيّتِهَا السّرّقُ . <151> فَجَعَلَتْ أَقُولُ فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيّئّ ؟ .
قِصّةُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرٍ إلَى أَخِيهِ كَعْبٍ يُخْبِرُهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكّةَ مِمّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ وَأَنّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ - ابْنُ الزّبَعْرَى ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ - قَدْ هَرَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ . فَإِنْ كَانَ لَك فِي نَفْسِك حَاجَةٌ فَطِرْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَإِنّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إلَى نَجَائِبِك . وَكَانَ قَدْ قَالَ -
أَلَا بَلّغَا عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً
فَهَلْ لَك فِيمَا قُلْت ؟ وَيْحَك . هَلْ لَكَا ؟
فَبَيّنْ لَنَا ، إنْ كُنْت لَسْت بِفَاعِلِ
عَلَى أَيّ شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ دَلّكَا ؟
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا
عَلَيْهِ . وَلَمْ تَلْقَ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ . فَلَسْت بِآسِفِ
وَلَا قَائِلٍ إمّا عَثَرْت : لَعَالَكَا
سَقَاك بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً
وَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلّكَا
فَلَمّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَقَاك بِهَا الْمَأْمُونُ ، صَدَقَ وَاَللّهِ . وَإِنّهُ لَكَذُوبٌ أَنَا الْمَأْمُونُ وَلَمّا سَمِعَ عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ قَالَ أَجَلْ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمّهُ .
ثُمّ قَالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرٍ : -
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا ، فَهَلْ لَك فِي الّتِي
تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا ، وَهِيَ أَحْزَمُ ؟
إلَى اللّهِ - لَا الْعُزّى وَلَا اللّاتِ - وَحْدَهُ
فَتَنْجُو إذَا كَانَ النّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو ، وَلَيْسَ بِمُفْلَتِ
مِنْ النّاسِ إلّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ
فَدِينُ زُهَيْرٍ - وَهُوَ لَا شَيْءَ - دِينُهُ
وَدِينٌ أَبِي سُلْمَى عَلَيّ مُحَرّمُ
فَلَمّا بَلَغَ كَعْبًا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ . وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بَدَا ، قَالَ قَصِيدَتَهُ الّتِي مَدَحَ فِيهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ .
فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعْرِفَةٌ . فَغَدَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَ لِي أَنّهُ قَامَ فَجَلَسَ إلَيْهِ - وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَعْرِفُهُ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَك تَائِبًا مُسْلِمًا ، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُك بِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَا كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ
فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو : أَنّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي وَعَدُوّ اللّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ . فَقَالَ دَعْهُ عَنْك ، فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمّا كَانَ عَلَيْهِ فَغَضِبَ كَعْبٌ عَلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَتَكَلّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلّا بُجَيْرٌ . فَقَالَ قَصِيدَتُهُ الّتِي أَوّلُهَا : -
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُول
وَمِنْهَا : -
أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضِ لَا يُبَلّغُهَا
إلّا الْعِتَاقُ النّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ
إلَى أَنْ قَالَ
تَسْعَى الْغُوَاةُ جَنَابَيْهَا ، وَقَوْلُهُمُو :
إنّك يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلّ صَدِيقٍ كُنْت آمُلُهُ
لَا أُلْهِيَنك . إنّي عَنْك مَشْغُولُ
فَقُلْت : خَلّوا سَبِيلِي . لَا أَبَا لَكُمُو
فَكُلّ مَا قَدّرَ الرّحْمَنُ مَفْعُولُ
نُبّئْت أَنّ رَسُولَ اللّهِ أَوْعَدَنِي
وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا ، هَدَاك الّذِي أَعْطَاك نَافِلَةَ الْ
قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظُ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذْنِي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ . وَلَمْ
أُذْنِبْ وَإِنْ كَثُرَتْ فِيّ الْأَقَاوِيلُ
إلَى أَنْ قَالَ
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
وَصَارِمٌ مِنْ سُيُوفِ اللّهِ مَسْلُولُ
فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ
بِبَطْنِ مَكّةَ - لَمّا أَسْلَمُوا - زُولُوا
زَالُوا . فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ
عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالَ الزّهْرِ يَعْصِمُهُمْ
ضَرْبٌ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ
شَمّ الْعَرَانِينُ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُو
مِنْ نَسْجِ دَاوُد فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمُو
قَوْمًا ، وَلَيْسُوا مَجَازِيعَا إذَا نِيلُوا
لَا يَقَعُ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهُمُو
وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
<153> قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو : فَلَمّا قَالَ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلَ وَإِنّمَا عَنَانَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارَ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ : -
مَنْ سَرّهُ كَرْمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِ الْأَنْصَارِ
وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ
إنّ الْخِيَارَ هُمُو بَنِي الْأَخْيَارِ
الذّائِذِينَ النّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ
بِالْمَشْرَفِيّ وَبِالْقَنَا الْخِطَارِ
وَالْبَائِعِينَ نَفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ
يَوْمَ الْهِيَاجِ وَفِتْنَةِ الْكُفّارِ
وَالنّاظِرِينَ بِأَعْيُنِ مُحْمَرّةٍ
كَالْجَمْرِ غَيْرُ كَلَيْلَةِ الْإِبْصَارِ
وَالْبَاذِلِينَ نَفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ
لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وكِرَارِ
يَتَطَهّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ
بِدِمَاءِ مَنْ عَلَقُوا مِنْ الْكُفّارِ
قَوْمٌ إذَا خَوَتْ النّجُومُ فَإِنّهُمْ
لِلطّارِقِينَ النّازِلِينَ مَقَارِي
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَتْ فِي زَمَانِ عُسْرَةٍ مِنْ النّاسِ وَجَدْبٍ مِنْ الْبِلَادِ حِينَ طَابَتْ الثّمَارُ - فَالنّاسُ يُحِبّونَ الْمَقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَلّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلّا وَرّى بِغَيْرِهَا ، إلّا مَا كَانَ مِنْهَا ، فَإِنّهُ جَلّاهَا لِلنّاسِ لِبُعْدِ الشّقّةِ وَشِدّةِ الزّمَانِ .
فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ - وَهُوَ فِي جَهَازِهِ - لِلْجَدّ بْنِ قَيْسٍ هَلْ لَك فِي جَلّادِ بَنِي الْأَصْفَرِ ؟ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَتَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنّي ؟ فَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ أَشَدّ عَجَبًا بِالنّسَاءِ مِنّي ، وَإِنّي أَخْشَى إنْ رَأَيْت نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ فَقَالَ " قَدْ أَذِنْت لَك فَفِيهِ نَزَلَتْ ( 9 : 49 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي - الْآيَةَ .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا تَنْفِرُوا فِي الْحُرّ فَنَزَلَ ( 9 : 81 ) وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّا - الْآيَةَ .
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ . فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ <154> الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا . وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا ، وَأَقْتَابِهَا وَعُدّتِهَا ، وَأَلْفِ دِينَارٍ عَيْنًا
وَجَاءَ الْبَكّاءُونَ - وَهُمْ سَبْعَةٌ - يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ
وَقَامَ عُلْبَةُ بْنُ يَزِيدَ فَصَلّى مِنْ اللّيْلِ وَبَكَى . ثُمّ قَالَ اللّهُمّ إنّك أَمَرْت بِالْجِهَادِ وَرَغّبَتْ فِيهِ ثُمّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوّى بِهِ مَعَ رَسُولِك ، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِك مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنّي أَتَصَدّقُ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ بِكُلّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا : مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ النّاسِ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فِي هَذِهِ اللّيْلَةِ ؟ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ، ثُمّ قَالَ أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ ؟ فَلَمْ يَقُمْ . فَقَامَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَبَشَرٌ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزّكَاةِ الْمُتَقَبّلَةِ
وَجَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذِنَ لَهُمْ فَلَمْ يَعْذُرْهُمْ .
وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ . فَلَمّا سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَخَلّفَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَتَخَلّفَ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا ارْتِيَابٍ مِنْهُمْ الثّلَاثَةُ - كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ : وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ . وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ - وَأَبُو خَيْثَمَةَ السّالِمِيّ ، وَأَبُو ذَرّ . ثُمّ لَحِقَاهُ . وَشَهِدَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ النّاسِ وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ . وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصِ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَلّفَ عَلِيّا عَلَى أَهْلِهِ . فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ مَا خَلّفَهُ إلّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفّفًا مِنْهُ . فَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَلَحِقَ بِهِ بِالْجُرُفِ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنّك مَا خَلّفْتنِي إلّا اسْتِثْقَالًا ، فَقَالَ كَذَبُوا ، وَلَكِنّي خَلّفْتُك لِمَا تَرَكْت وَرَائِي ، فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِك . أَوَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ؟ إلّا أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي فَرَجَعَ .
وَدَخَلَ أَبُو خَيْثَمَةَ إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارّ بَعْدَ مَا سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّامًا ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطٍ قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا ، وَبَرّدَتْ لَهُ مَاءً وَهَيّأَتْ لَهُ طَعَامًا . فَلَمّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إلَى <155> امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ فِي الضّحّ وَالرّيحِ وَالْحَرّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ ؟ مَا هَذَا بِالنّصْفِ ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَهَيّئَا لِي زَادًا ، فَفَعَلَتَا . ثُمّ قَدّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَدْرَكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ .
وَقَدْ كَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الجُمَحِيّ أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ فِي الطّرِيقِ فَتَرَافَقَا ، حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ ، قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لَهُ إنّ لِي ذَنْبًا . فَلَا عَلَيْك أَنْ تَتَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَفَعَلَ . حَتّى إذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ قَالَ النّاسُ رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ وَاَللّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ . فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ . فَقَالَ لَهُ " أَوْلَى لَك يَا أَبَا خَيْثَمَةَ " فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ لَهُ خَيْرًا ، وَدَعَا لَهُ
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا مَرّ بِالْحَجَرِ - مِنْ دِيَارِ ثَمُودَ - قَالَ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذّبِينَ إلّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ وَقَالَ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا ، وَلَا تَتَوَضّئُوا مِنْهُ لِلصّلَاةِ وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُهْرِيقُوا الْمَاءَ وَأَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الّتِي كَانَتْ تَرُدّهَا النّاقَةَ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ قَالَ " انْطَلَقْنَا حَتّى قَدِمْنَا تَبُوكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَتَهُبّ عَلَيْكُمْ اللّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ . فَلَا يَقُمْ أَحَدٌ مِنْكُمْ . فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدّ عِقَالَهُ . فَهَبّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ . فَحَمَلَتْهُ الرّيحُ حَتّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيّئّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَصْبَحَ النّاسُ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ . فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَعَا اللّهَ . فَأَرْسَلَ اللّهُ سَحَابَةً . فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنْ الْمَاءِ .
ثُمّ سَارَ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ جَعَلُوا يَقُولُونَ تَخَلّفَ فُلَانٌ فَيَقُولُ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللّهُ بِكُمْ ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللّهُ مِنْهُ <156> وَتَلَوّمَ عَلَى أَبِي ذَرّ بَعِيرَهُ . فَلَمّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمّ خَرَجَ يَتّبِعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاشِيًا .
وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذّ الرّجُلُ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُنْ أَبَا ذَرّ فَلَمّا تَأَمّلُوهُ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ وَاَللّهِ أَبُو ذَرّ . فَقَالَ رَحِمَ اللّهَ أَبَا ذَرّ . يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ عَنْ أُمّ ذَرّ قَالَتْ " لَمّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرّ الْوَفَاةُ بَكَيْت ، فَقَالَ مَا يُبْكِيك ؟ فَقُلْت : وَمَا لِي لَا أَبْكِي ، وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُك كَفَنًا ; وَلَا يَدَانِ لِي فِي تَغْيِيبِك ؟ فَقَالَ أَبْشِرِي وَلَا تَبْكِي ، فَإِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لِنَفَرِ - وَأَنَا فِيهِمْ لَيَمُوتَن رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النّفَرِ أَحَدٌ إلّا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ فَأَنَا ذَلِكَ الرّجُلُ فَوَاَللّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كُذّبْت - فَأَبْصِرِي الطّرِيقَ . فَكُنْت أَشْتَدّ إلَى الْكَثِيبِ أَتَبَصّرُ ثُمّ أَرْجِعُ فَأُمَرّضُهُ فَبَيْنَا أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا أَنَا بِرِجَالِ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنّهُمْ الرّخَمُ تَخُدّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ قَالَتْ فَأَشَرْت إلَيْهِمْ . فَأَسْرَعُوا إلَيّ حَتّى وَقَعُوا عَلَيّ . فَقَالُوا : يَا أُمّةَ اللّهِ مَا لَك قُلْت : امْرِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ تُكَفّنُونَهُ قَالُوا : مَنْ هُوَ ؟ قُلْت : أَبُو ذَرّ قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قُلْت : نَعَمْ فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمّهَاتِهِمْ وَأَسْرَعُوا إلَيْهِ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ . فَقَالَ لَهُمْ أَبْشِرُوا ، فَإِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - ثُمّ قَالَ وَإِنّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لِي وَلِامْرَأَتِي لَمْ أُكَفّنْ إلّا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي ، أَوْ لَهَا . فَإِنّي أَنْشُدُكُمْ اللّهَ أَنْ لَا يُكَفّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا ، أَوْ بَرِيدًا أَوْ نَقِيبًا . وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النّفَرِ أَحَدٌ إلّا وَقَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إلّا فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالَ يَا عَمّ أَنَا أُكَفّنُك فِي رِدَائِي هَذَا . وَفِي ثَوْبَيْنِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمّي ، قَالَ فَأَنْتَ تُكَفّنُنِي ، فَكَفّنَهُ الْأَنْصَارِيّ ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ فِي نَفَرٍ كُلّهِمْ يَمَانٌ
وَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى تَبُوكَ ، أَتَاهُ صَاحِبُ أَيْلَةَ ، فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَا وَأَذْرَحَ ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا . فَهُوَ عِنْدَهُمْ .
ثُمّ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ ، وَقَالَ لِخَالِدِ " إنّك تَجِدُهُ يَصِيدُ <157> الْبَقَرَ " فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ - وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ - فَبَانَتْ الْبَقَرُ تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ . فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ هَلْ رَأَيْت مِثْلَ هَذَا قَطّ ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ . قَالَتْ فَمَنْ يَتْرُكُ مِثْلَ هَذِهِ ؟ قَالَ لَا أَحَدَ . ثُمّ نَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ . فَلَمّا خَرَجُوا ، تَلَقّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ . وَقَدِمَ بِهِ خَالِدٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ . وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ . فَرَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ بِتَبُوكَ بِضْعَةَ عَشَرَ لَيْلَةً . ثُمّ انْصَرَفَ إلَى الْمَدِينَةِ .
قَالَ وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّمِيمِيّ : أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدّثُ قَالَ " قُمْت مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَرَأَيْت شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاتّبَعْتهَا أَنْظُرُ إلَيْهَا . فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَإِذَا عَبْدُ اللّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ - وَالْبِجَادُ الْكِسَاءُ الْأَسْوَدُ - الْمُزَنِيّ قَدْ مَاتَ وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حُفْرَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدْلِيَانِهِ إلَيْهِ . وَهُوَ يَقُولُ أَدْلِيَا إلَيّ أَخَاكُمَا . فَأَدْلِيَاهُ إلَيْهِ . فَلَمّا هَيّأَهُ لِشِقّهِ قَالَ اللّهُمّ إنّي قَدْ أَمْسَيْت رَاضِيًا عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ " قَالَ يَقُولُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : " يَا لَيْتَنِي كُنْت صَاحِبَ الْحُفْرَةِ
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ تَبُوكَ ، حَتّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ . وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ أَتَوْهُ - وَهُوَ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا بَنَيْنَا مَسْجِدًا لَذِي الْعِلّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ . وَإِنّا نُحِبّ أَنْ تُصَلّيَ فِيهِ . فَقَالَ إنّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ ، وَلَوْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ
فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ ، جَاءَهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ مِنْ السّمَاءِ . فَدَعَا مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ وَمَعْنُ بْنُ عَدِيّ . فَقَالَ انْطَلِقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَرّقَاهُ " فَخَرَجَا مُسْرِعِينَ حَتّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ - وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ - فَقَالَ لِمَعْنِ أَنْظِرْنِي حَتّى أَخْرُجَ إلَيْك بِنَارِ مِنْ أَهْلِي . فَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنْ النّخْلِ . فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا . ثُمّ خَرَجَا يَشْتَدّانِ حَتّى دَخَلَاهُ وَفِيهِ أَهْلُهُ فَحَرّقَاهُ وَهَدَمَاهُ وَأَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ ( 9 : 107 - 110 ) وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ - إلَى قَوْلِهِ - وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِي الْآيَةِ هُمْ أَنَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو <158> عَامِرٍ الْفَاسِقُ ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَعِدّوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ . فَإِنّي ذَاهِبٌ إلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرّومِ ، فَآتِ بِجُنْدِ مِنْ الرّومِ ، فَأَخْرَجَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ . فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالُوا : إنّا قَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا . وَنُحِبّ أَنْ تُصَلّيَ فِيهِ وَتَدْعُو بِالْبَرَكَةِ . فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ ( 9 : 108 ) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا - إلَى قَوْلِهِ - لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ يَعْنِي الشّكّ إِلّا أَنْ تَقَطّعَ قُلُوبُهُمْ يَعْنِي بِالْمَوْتِ .
وَلَمّا دَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ ، خَرَجَ النّاسُ لَتَلَقّيه ، وَالنّسَاءُ وَالصّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا
مِنْ ثَنِيّاتِ الْوَدَاعِ
وَجَبَ الشّكْرُ عَلَيْنَا
مَا دَعَا لِلّهِ دَاعٍ
وَكَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِنَفْسِهِ . وَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهَا سُورَةَ بَرَاءَةٌ .
وَكَانَتْ تُسَمّى فِي زَمَانِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَعْدَهُ " الْمُبَعثِرةَ " لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرِ الْمُنَافِقِينَ وَخَبَايَا قُلُوبِهِمْ .
وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ : كَانَتْ قِصّةُ تَخَلّفِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمُرَارَةَ بْنِ الرّبِيعِ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ الْوَاقِفِيّ . مِمّنْ شَهِدُوا بَدْرًا . وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ فِي التّخَلّفِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَلَمّا عَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ، جَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَحْلِفُونَ أَنّهُمْ كَانُوا مَعْذُورِينَ . فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَرْجَأَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ حَتّى أَنَزَلَ اللّهُ فِي شَأْنِهِمْ وَفِي تَوْبَتِهِمْ - وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ الْمُؤْمِنِينَ - ( 9 : 117 - 119 ) لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا الْآيَتَيْنِ خَلّفَهُمْ اللّهُ وَأَخّرَ تَوْبَتَهُمْ لِيُمَحّصَهُمْ وَيُطَهّرَهُمْ مِنْ ذَنْبِ تَأَخّرِهِمْ . لِأَنّهُمْ كَانُوا مِنْ الصّادِقِينَ .
-------------------------------------------
([1]) أَخرَجَهُ : التِّرمذيّ (بِرَقْمِ : 3171 و3172) والنَّسائِي 6/2 وأحمَد 1/216 وابنُ حِبَّان
(بِرَقْمِ : 4710) والحاكم 3/7-8 مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاْ بِنَحوهِ .
([2]) أَخرَجَهُ : مُسلِم (بِرَقْمِ : 1043) والنَّسائِي 1/229 وابن ماجةَ (بِرَقْمِ : 2867) وأَحمَد 6/27 وابنُ حِبَّانَ (بِرَقْمِ : 3385) من حديث عَوفِ بنِ مالِك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([3]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 2757 وغيره) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2769 و3318 و3319) من حديثِ كَعب بنِ مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([4]) أَخرَجَهُ : أبو داودَ (بِرَقْمِ : 2590) وابن ماجةَ (بِرَقْمِ : 2806) وأحمد 3/449 مِن حدبثِ السَّائِبِ بن يَزيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قال البُوصَيري : (إِسنادُهُ صَحيحٌ على شَرطِ البُخارِي) .
([5]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 2976) مِن حديثِ أنَس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([6]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 610) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 382) من حديثِ أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([7]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 4316) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1776) مِن حديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([8]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3014) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1744) مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([9]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 2990) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1869) مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([10]) سِيرَةُ ابنِ كَثيرٍ 2/366 .
([11]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3925 و4609) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1779 و2874) مِن حديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([12]) أَخرَجَهُ : مُسلِم (بِرَقْمِ : 1763) مِن حديثِ عُمر بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([13]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3965 وغيرُهُ) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 3033) مِن حديثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([14]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3962 وغيرهُ) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1800) مِن حديثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([15]) أَخرَجَهُ : البُخاريّ (بِرَقْمِ : 3976) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2874) مِن حديثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([16]) أَخرَجَهُ : أَحمدُ (بِرَقْمِ : 3632) وَأبُو يَعلَى (بِرَقْمِ : 5187) والطَّبرَانِي (بِرَقْمِ : 10258) مِن حديثِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([17]) أَخرَجَهُ : مُسلِم (بِرَقْمِ : 1763) مِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاْ .
([18]) أَخرَجَهُ : البُخاريّ (بِرَقْمِ : 2537 و3048 و4018) مِن حديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([19]) أَخرَجَهُ : أحمد 5/428-429 من حديث أبي هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([20]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3039 وغيره) مِن حديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([21]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 4054) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2306) من حديثِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([22]) جُزءٌ مِن حديثِ البُخاريّ (بِرَقْمِ : 4757) .
([23]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 947 و4119) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1770) مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([24]) أَخرَجَهُ : الحاكمُ 3/34-35 مِن حديثِ عائِشَةِ ؛ وصَحَّحَهُ وَسَكَتَ الذَّهَبِي .
([25]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 2731 و2732) من حديثِ الْمِسوَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
([26]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3130 و3698 وَغَيرُهُ) من حديثِ ابنِ عُمَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([27]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 6331) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1802) من حديثِ سَلمة بنِ الأَكوعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([28]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 4196) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1802)مِن حديثِ سَلمة بنِ الأَكوعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([29]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3136 و3876 وغيره) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2502-2503) من حديثِ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([30]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 4234) ومُسلم (بِرَقْمِ : 115) من حديثِ أَبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([31]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 4260 و4261) من حديثِ من حديثِ ابن عُمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([32]) أَخرَجَهُ : البُخاري (بِرَقْمِ : 3007) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 2494) من حديثِ عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
([33]) أَخرَجَهُ : مُسلِم (بِرَقْمِ : 1780) .
([34]) البُخاري (بِرَقْمِ : 3352) .
([35]) أَبو داودَ (بِرَقْمِ : 4547 و4548) والنَّسائي 8/40-42 وابن ماجة (بِرَقْمِ : 2627 و2628) وأحمد 2/164 و166 .
([36]) البُخاري (بِرَقْمِ : 2434) ومُسلِم (بِرَقْمِ : 1355)
الحلقة السادسة عشرة (( وفاته 1))
سبب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
ثبت في الصحيحين أن يهودية سمَّت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شاة ، فأكل منها لُقمة ثم لَفَظَهَا، وأكل معه ثلاثة منهم بِشر بن البراء ، والتي قامت بذلك زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم ، وقد احتجم على كاهله ، وأمر مَنْ أكل منها فاحتجم فمات بعضهم .
وهناك خلاف في الاقتصاص منها ، كما أن هناك خلافًا في كيفية أكل النبي منها ، هل مضغها ثم لفظها ، أو ابتلعها ، وبقي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هذه الحادثة ثلاث سنوات حتى قال في وجعه الذي مات فيه " ما زلتُ أجد من الأَكْلَة التي أكلت من الشاة يوم خيبر ، فهذا أوان انقطاع الأبهر مني " .
قال الزهري : فتوفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيدًا (زاد المعاد ـ خيبر) والأبهر عِرْق مستبطن بالصلب مُتصل بالقلب ، إذا انقطع مات صاحبه فكان ابن مسعود وغيره يرون أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مات شهيدًا من السُّم الذي تناوله في خيبر .
يقول الزرقاني في شرح المواهب اللدنية " ج8 ص260 " : ومن المعجزة أنه لم يُؤثر فيه في وقته ؛ لأنهم قالوا : إن كان نبيًّا لم يضره ، وإن كان مَلَكا استرحنا منه فلمَّا لم يُؤثر فيه تقينوا نبوته حتى قيل : إن اليهودية أسلمت ، ثم نقض عليه بعد ثلاث سنوات لإكرامه بالشهادة .
وحادث السُّم رواه البخاري بطوله في الجزية باب " إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يُعفى عنهم " وذكره في الطب بطوله أيضًا في باب " ما يذكر في سم النبي صلى الله عليه وسلم " واختصره في غزوة خيبر في باب " الشاة التي سُمَّت للنبي " وقيل: إنها أخبرته بأنها مسمومة ، فقال لأصحابه : ارفعوا أيديكم ، وكان الذي حَجَمَه هو أبو هند أو أبو طيبة .
هذا مُجمل ما جاء في هذه الحادثة من الروايات عن وضع السُّم للرسول ، وأنه مات متأثرًا به فمات شهيدًا أو غير شهيد، فمقام النبوة لا يعدله مقام ، ويكفي أن الله نجاه من السم القاتل لساعته ، فكان معجزة تُصدق رسالته ، والموت مكتوب عليه كما هو مكتوب على غيره ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (سورة الزمر : 30) .
حجة الوداع
في اليوم التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة النبوية، وقف نبي الهدى في بطن الوادي وهو على ناقته القصواء، وحوله أربعين ألفاً من الصحابة[1]، ما بين راكب وواقف حتى بلغوا مد البصر، وفيهم ربيعة بن أمية بن خلف[2] الذي كان يصرخ في الناس بقول رسول الله . فكانت هذه الخطبة البليغة التي افتتحها بقرب أجله :
أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بـهذا الموقف أبداً.
إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وكان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب،فإنه موضوع كله.
فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله.
وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس اللهم اشهد .. اللهم اشهد .. اللهم اشهد.
وبعد أن فرغ النبي من إلقاء الخطبة نزل عليه قوله تعالى:
{اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا****** [المائدة:3] .
وعندما سمعها عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان[3].
بهذه الخطبة البليغة قرر رسول الله قواعد الإسلام، وهدم قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه، وأوصاهم بالنساء خيراً، وبشر الأمة بأنها لن تضل أبداً ما دامت معتصمة بكتاب الله. ثم أخبرهم بأنه مسؤول عنهم عند ربهم، بل واستنطقهم فقالوا بلسان واحد: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت[4].
* * *
وخطب النبي يوم النحر -عاشر ذي الحجة- حين ارتفع الضحى، وهو على بغلة شهباء، والناس بين قائم وقاعد.
وأعاد في خطبته هذه بعض ما كان ألقاه أمس، ثم زاد عليها :
أيها الناس {إنما النسيء زيادة في الكفر يُضل به الذين كفروا يُحلونه عاماً ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيُحلوا ما حرم الله****** [التوبة:37] .
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
كانت قبيلة مضر إحدى القبائل العربية التي تحافظ على حرمة شهر رجب أشد من سائر العرب، ولكن هذه المحافظة ليست لله وحده، وإنما هي عادة توارثوها عن آبائهم، فنالوا بذلك حظ الدنيا، حيث أُضيف لقبهم إلى شهر رجب، بينما القبائل الأخرى لا تستحله ولكنهم يتحايلون على توقيته.
واستمر الرسول في خطبته هذه قائلاً :
أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى. فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا.
"وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض.
ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد. فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع[5].
لقد اكتمل الدين وأتم الله الشريعة الخالدة. حتى الآداب التي تعلمها الصحابة من نبيهم قد بلغت قمتها، فقد كانوا قبل ذلك يقدموا بين يدي الله ورسوله حتى أنزل الله فيهم قرآناً {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله****** [الحجرات:1] فهاهم اليوم، يوم اكتمال الدين عندما سألهم نبيهم أي شهر هذا؟ لم يجب أحدٌ منهم وهم يعلمون أنه الشهر الحرام. بل أجابوا جميعاً إجابة التأدب مع نبيهم :
الله ورسوله أعلم.
ثم كرر عليهم السؤال للمرة الثانية والثالثة، ورغم معرفتهم بالإجابة إلا أنهم أجابوا جميعاً :
الله ورسوله أعلم.
حتى قال :
أليس ذا الحجة؟ .. أليست البلدة؟ .. أليس يوم النحر؟
قلنا: بلى .. بلى .. بلى.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] على أقل تقدير وقيل بلغوا مائة ألف.
[2] السيرة النبوية لابن هشام، 4/605.
[3] صحيح البخاري 5/148.
[4] زاد المعاد، 2/233.
[5] صحيح لبخاري، 5/148
الحلقة السابعة عشر ة
(( وفاته صلى الله عليه وسلم 2 ))
دنو الأجل
وفي شهر صفر من السنة الحادية عشرة خرج النبي إلى أُحد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف.
وفي يوم التاسع والعشرين من شهر صفر. قال رسول الله لمولاة أبي مويهبة :
يا أبا مويهبة، إني قد أُمرت أن استغفر لأهل البقيع، فانطلق معي.
فلما وقفا بين أظهرهم قال :
السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنىء لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شرّ من الأولى.
ثم ألتفت على مولاه وقال :
يا أبا مويهبة، إني قد أُوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة.
فما كاد ينتهي من قوله حتى بادره أبا مويهبة محرضاً له على الدنيا قائلاً :
بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة.
ولكن مراد رسول الله من هذا الدنيا لا يزيد عن تبليغ رسالة ربه ثم تركها. فقال رسول الله :
لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة[1].
ثم استغفر لأهل البقيع.
فلما رجع -وهو في الطريق- أخذه صداع في رأسه، واتقدت الحرارة، حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه.
فلما دخل بيته وجد عائشة رضي الله عنها قد ألم بها وجع في رأسها وتقول :
وارأساه.
فقال لها رسول الله :
أنا والله يا عائشة وارأساه.
فحاول الرسول أن يُلمّح لعائشة أن إذا مات أن تقوم بتغسيله وتكفينه فقال :
ما ضرك لو مُتِّ قبلي، فقمتُ عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك؟
ولكنها رضي الله عنها لم تفهم مراده فأخذت تجاذبه الحديث في موضوع آخر فقالت :
والله لكأني بك، لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك[2].
فإما أن تكون غيرة النساء حالت بين ذلك، وإما أنها حاولت أن تخفف وطأة الألم عليه لأنه أخبرها بأن ما يعانيه من شدة الألم أعظم مما تعانيه هي كما في قوله : أنا والله يا عائشة وارأساه.. فما كان منه بعد أن استمع إلى مداعبة عائشة إلا أن تبسم من قولها.
وقد صلى النبي بالناس وهو مريض أحد عشر يوماً، وجميع أيام المرض كانت ثلاثة أو أربعة عشر يوماً.
* * *
كان الرسول القدوة الحسنة والنموذج الأمثل في التعليمات والوصايا التي علّم به الأمة، ومن ذلك وصيته للنساء فعندما ثقل به المرض جعل يسأل أزواجه:
أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟
وكان المراد من سؤاله هذا انتظار يوم عائشة، لأنه كان يحبها أكثر من غيرها. وهذه المحبة قد عذره الله عليها، ولهذا قال ذات يوم :
اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك[3].
أما العدل بين الزوجات فلم يتهاون به .
وكان زوجاته يعرفن محبته لعائشة فأذَنّ له أن يكون حيث شاء، فانتقل إلى عائشة، يمشي بين الفضل بن عباس وعلى بن أبي طالب، عاصباً رأسه تخط قدماه على الأرض حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوع من حياته[4].
وكان الرسول إذا اشتكى في أيام صحته نفث على نفسه بالمعوذات ومسح بيده مكان الألم. فلما اشتكى في وجعه الذي توفي فيه لم يتمكن -بأبي هو وأمي- من مداوة نفسه. فكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله ، ثم تنفث وتمسح بيده على جسده.
إن تخفيف الآلام والمتاعب من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم يكن مقصوراً على نبينا فحسب. بل كان على سائر المسلمين. ففي ذات ليله عندما سقطت قلادتها وتعذر وجود الماء. وأصبح رسول الله ليلقطها، فأصبح الناس ليس معهم ماء، فأنزل الله {فتيمموا صعيداً طيباً****** [النساء: 42]. فكان ذلك من سببها[5].
وفي يوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة، اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع وغمي، ثم أفاق فقال:
أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس[6].
فأجلسوه في مخضب لحفصة بنت عمر، وصبوا عليه الماء، حتى طفق يقول :
حسبكم حسبكم[7].
لقد حرص نبينا على أن يدلنا على كل خير حتى وهو يصارع آلام المرض، بأبي هو وأمي. لقد كان بإمكانه أن يقول : أهريقوا عليّ ماء. فيسارع من حوله بإحضار الماء وصبه عليه. هذا الماء الذي قال الله فيه {وجعلنا من الماء كل شيء حي****** [الأنبياء:30] . ولكن أراد أن ينتفع الناس من بعده، فحدد مواصفات هذا الماء الذي يخفف الآلام. أولاً أنها سبع قرب تبركاً بهذا العدد كما في أحاديث الاستشفاء. ثانياً أن تلك القرب لم تُحلل أوكيتهن أي لا تذهب بركته بسبب توزيعه كما في حديث "يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع قال : فلعلكم تفترقون قالوا : نعم. قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه"[8]. وثالثاً كما في رواية أخرى من آبار شتى[9] أي من مصادر متعدد وليست من مصدر واحد.
وبعد ذلك أحس بخفة ونشاط، فدخل المسجد -وهو معصوب الرأس- حتى جلس على المنبر، وخطب الناس -والناس مجتمعون حوله- فقال :
لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد[10].
* * *
وفي ذات يوم من أيام مرض رسول الله كان جماعة من الأنصار قد جلسوا يذكرون مجلس رسول الله منهم ويبكون، فمر عليهم أبو بكر والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، فقالا : ما يبكيكم؟ قالوا : ذكرنا مجلس النبي منا. فدخل أبو بكر على رسول الله فأخبره.
وكان رسول الله يحب الأنصار، فهم الذين آووه ونصروه، وقدموا ما يملكون من مال وأنفس إلى الله. فلما سمع مقالة أبي بكر في الأنصار تناول حاشية برد وعصب بها رأسه، ثم تحامل على جسده المثقل بالمرض وخرج إلى الناس وصعد المنبر، وكان صعوده الأخير، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي[11]، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم[12].
وبينما رسول الله ينصح أمته ويدلهم على الخير ويحذرهم عن الشر، بدأ يخبرهم عن قُرب وفاته، فكان مما قال :
إن عبداً خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده.
فلما سمع أبو بكر هذه المقولة أغرورقت عيناه من الدمع وأجهش بالبكاء ثم قال :
فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
فتعجب الصحابة من مقولة أبي بكر، إذ عبّر عن ذلك أبي سعيد الخدري حيث قال في نفسه :
ما يُبكي هذا الشيخ، إن يكن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله؟.
ومع مرور الأيام عرف أبو سعيد الخدري الحكمة من بكاء أبي بكر إذ قال :
فكان رسول الله هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا[13].
فما كاد أبو بكر أن ينتهي من كلامه حتى بادره رسول الله قائلاً :
على رسلك يا أبا بكر.
ثم أشار إلى أصحابه وقال :
انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد، فسدوها إلا بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحداً كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه[14].
وإني لو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً،ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده[15].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] السيرة النبوية لابن هشام، 4/642. مسند الإمام أحمد، 3/488،489.
[2] السيرة النبوية لابن هشام، 4/643.
[3] سنن أبي داود، رقم الحديث 1822.
[4] صحيح البخاري، 5/164.
[5] سير أعلام النبلاء، 2/180.
[6] صحيح البخاري، كتاب الوضوء،
[7] السيرة النبوية لابن هشام، 4/649.
[8] سنن ابن ماجة، رقم 3286.
[9] السيرة النبوية لابن هشام، /649.
[10] صحيح البخاري، 5/162.
[11] كرشي : أي مددي الذي استمد بهم. وعيبتي : أي جماعتي الذين أطلعهم على سري وأثق بهم وأعتمد عليهم. [لسان العرب لابن منظور، 12/69]
[12] صحبح البخاري، 4/273. السيرة النبوية لابن هشام، 4/649.
[13] صحيح البخاري، كتاب الصلاة، 137.
[14] السيرة النبوية لابن هشام، 4/649.
[15] السيرة النبوية لابن هشام، 4/650.
الحلقة الثامنة عشر ة
(( وفاته صلى الله عليه وسلم 3 ))
اشتداد المرض
وفي يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام، اشتد برسول الله الوجع. وكان ابن عباس يبكي عندما يذكر يوم الخميس ويقول : يوم الخميس، وما يوم الخميس اشتد برسول الله وجعه. فقال :
هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده.
وفي البيت رجال فيهم عمر فقال عمر:
قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبكم كتاب الله.
فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله :
قوموا عني[1].
لقد اتضح حدوث اللغط والاختلاف في الأمة إلى قيام الساعة، فمنهم من يرى الأخذ بالرخصة -كما فعل عمر عندما رأى الوجع على رسول الله - حتى لا يُحملوا الأمة ما لا تُطيق. ومنهم من يرى الأخذ بالعزيمة حتى ولو غلب الوجع على الأمة.
وأوصى ذلك اليوم بثلاث :
أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالثة، أونسيها[2].
والنبي مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم -يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام- وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب، فقرأ فيها بالمرسلات عرفا[3].
وبينما الرسول راقداً عند عائشة إذا بصوت بلال ينادي لصلاة العشاء : الله أكبر الله أكبر .. فلما انتهى الأذان ألتفت إلى عائشة رضي الله عنها وقال :
ضعوا لي ماء في المخضب.
قالت عائشة : ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال:
أصلى الناس؟
فأجاب من كان عنده :
لا يارسول الله، وهم ينتظرونك.
فكرر الرسول :
ضعوا لي ماء في المخضب.
ففعلوا للمرة الثانية والثالثة وفي كل مرة يغتسل ثم يغمى عليه حينما يريد أن ينوء. فلم يتمكن حتى قال:
مروا أبا بكر فليصل بالناس.
فلما علمت عائشة رضي الله عنها أن أباها سوف يخلف رسول الله في الصلاة، خشيت أن يتشاءم الناس من أبي بكر، فحاولت مراجعته عدة مرات، لعله يعدل. وهذا ما صرحت به لاحقا. لكن رسول الله أصر أن يكون خليفته في الصلاة أبي بكر، فأعاد قائلاً :
مروا أبا بكر فليصل بالناس.
فلما رأت أم المؤمنين أن لا مناص من ذلك. اتخذت لذلك عذرا لعله يكون مناسب ليعدل الرسول عن أبي بكر. فأوعزت إلى حفصه أن تقول له:
يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر.
فلم يجد إلا أن يصفهن قائلاً:
مة، إنكن لأنتن صواحب يوسف.
ثم اعاد كلمته الأولى:
مروا أبا بكر فليصل بالناس[4].
وكان عبد الله بن زمعة بن الأسود -أخ سودة بنت زمعة إحدى أمهات المؤمنين- في بيت رسول الله، فعندما خرج إلى الصلاة دعاه بلال إلى الصلاة وقال :
مروا من يصلي بالناس.
وكان أبوبكر غائباً، فلم يجد عبد الله إلا أن قال لعمر :
قم يا عمر فصلّ بالناس.
فلما كبر، سمع رسول الله صوت عمر، وكان صوت عمر مجهراً، فقال رسول الله :
فأين أبو بكر؟
يأبى الله ذلك والمسلمون.
يأبى الله ذلك والمسلمون[5].
وفي يوم الأحد وجد النبي من نفسه خفة، فخرج لصلاة الظهر يتهادى بين رجلين ورِجلاه تخطان في الأرض، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأوما إليه بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى يسار أبي بكر، فكان الرسول يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً، وكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ، ويقتدي بالناس بصلاة أبي بكر.
* * *
لقد بدأت طلائع توديع الرسول للحياة منذ وقت مبكر. فعندما بعث معاذ إلى اليمن قال له :
يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا[6].
وفي حجة الوداع في يوم عرفة قال :
أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً.
وقال وهو عند جمرة العقبة:
خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا.
ونزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، وأنه نُعيت إليه نفسه.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح البخاري 5/159.
[2] صحيح البخاري 5/159.
[3] صحيح البخاري 5/159.
[4] صحيح البخاري، كتاب الأذان، 197. السيرة النبوية لابن هشام، 4/652.
[5] السيرة النبوية لابن هشام، 4/652.
[6] البداية والنهاية، 5/90
الحلقة التاسعة عشرة
(( وفاته صلى الله عليه وسلم 4 ))
يوم الوفاة
وفي يوم الإثنين وبينما الصحابة في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي بهم، أراد أن يطمئن إلى حالهم في الصلاة خلف إمامهم، وأن تقر عينه برؤيتهم في صفوف منتظمة قبل أن يفارقهم، فتحامل على نفسه حتى وقف على قدميه، ومد يده إلى السترة ليرفعها ويرى الناس.
وبينما المسلمون على تلك الحال من الخشوع والانتظام؛ إذا بالستر من حجرة عائشة ينكشف أمامهم ويظهر لهم وجه رسول الله تعلوه ابتسامة مشرقة. فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم فرحاً برسولهم الذي تخلف عنهم ثلاثة فروض، وقد عبر أنس بن مالك رضي الله عنه بهذا المشهد حين قال:
وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله فأشار إليهم بيده رسول الله أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر[1].
ومما قاله أنس أيضاً :
وما رأيت رسول الله أحسن هيئة منه تلك الساعة[2].
فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة. فلما اطمأن على حال المسلمين وهم خلف إمامهم في صفوف منتظمة تبسم تبسم الرضى وضحك مسروراً، ثم أشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة وأرخى الستر.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي فاطمة رضي الله عنها، فلما جاءت ورأت أباها ممتداً على الأرض لم تتمكن قواه أن تحمله. وكان من عادته إذا رأى فاطمة هب واقفاً وقبل ما بين عينيها ثم أجلسها مكانه. لكنه في هذا المرة اكتفى بإرسال نضرة إليها. فلما رأته على تلك الحال انكبت عليه تقبله وقد تساقطت الدموع من على خدها وهي تقول:
واكرب أباه.
فأخذ عليه السلام يلاطفها ويخفف من وطأتها وهو يقول:
ليس على أبيك كرب بعد اليوم[3].
وبينما يتحدث إلى فاطمة ويسارها بشئ إذا بها تبكي. فلم تلبث حتى دعاها وسارها مرة أخرى فضحكت. فلما سألتها عائشة فيما بعد عن هذا التحول السريع من البكاء إلى الفرح أجابت:
سارني النبي أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه، فبكيت. ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت[4].
ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرا، ودعا أزواجه فوعظهنّ وذكرهنّ.
ودخل عليه أسامة بن زيد، فلما رأه رسول الله جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليه، فعرف أسامة أنه يدعو له.[5]
فلما انتهى من موعظة زوجاته ووصيته بالحسن والحسين؛ اشتد عليه المرض، وظهر أثر السم الذي أكله بخيبر حيث أوقف الله جلت قدرته أثر السم خلال تلك السنين حتى يُبلغ النبي دعوته ويكمل الدين. فلما حان يوم وفاته أمر الله السم أن يُحدث أثره وعلى الأبهر أن ينقطع حتى قال عليه الصلاة السلام:
يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري[6] من ذلك السم[7].
ولم يكتف بمشهد الصحابة في الصلاة بل أكد على أهمية الصلاة حتى آخر وصية في حياته حيث قال:
الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم.
الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم.
الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم[8].
كان الرسول مستنداً على عائشة، وكانت عائشة تفتخر بهذا النعمة التي منّ الله بها عليها فكانت تقول:
إن من نعم الله عليّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري[9].
فدخل عليها عبد الرحمن بن أبي بكر وفي يده السواك. فلما رأت عائشة السواك بيده. ألتفت إلى رسول الله فرأته يرمق أخاها بنظراته. فعرفت أنه يحب السواك. وكانت رضي الله عنها أعرف نساءه بأحواله حتى من خلال نظراته وهذا ما جعله يطمئن إليها ويقضي بقية أيامه عندها. حتى جعل الله وفاته في يوم عائشة . فقالت لرسول الله :
آخذه لك؟
فأشار برأسه أن نعم.
فأخذت السواك من أخيها ثم أعطتها لرسول الله فاشتد عليه. فقالت:
ألينه لك؟
فأشار برأسه أن نعم.
فلينته، فاخذ يستن، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول:
لا إله إلا الله، إن للموت سكرات.
ثم نصب يده فجعل يقول :
في الرفيق الأعلى[10].
فأخذت عائشة تمعن النظر إليه وهو يستن بها كأحسن ما كان مستناً. وبينما هو كذلك إذا ببصره يشخص نحو السقف، وشفتاه تتحرك. فأصغت عائشة إليه فإذا هو يقول:
مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اعفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى. اللهم الرفيق الأعلى[11].
ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.
مات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير[12].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] صحيح البخاري، 5/164.
[2] السيرة النبوية لابن هشام، 4/653.
[3] صحيح البخاري، 5/167.
[4] صحيح البخاري، 5/160.
[5] السيرة النبوية لابن هشام، 4/651.
[6] الأبهر: عرق في الظهر، يقال هو الوريد في العنق. إذا انقطع مات صاحبه. [لسان العرب، 1/517].
[7] صحيح البخاري، 5/158.
[8] سنن ابن ماجة، رقم الحديث 2697.
[9] صحيح البخاري، 5/164.
[10] صحيح البخاري، 5/164.
[11] صحيح البخاري، 5/160،167.
[12] صحيح البخاري، 5/168.
الحلقة العشرون
((وفاته صلى الله عليه وسلم 5 ))
بعد الوفاة
تسرب خبر وفاة رسول الله في أرجاء المدينة، وأظلمت نواحيها، وتذكر أنس بن مالك رضي الله عنه يوم الهجرة يوم دخول رسول الله إلى المدينة، وقارنه بهذا اليوم الذي مات فيه، فقال:
ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله [1].
ولما علمت فاطمة بوفاة أبيها قالت:
يا أبتاه، أجاب رباً دعاه .. يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه .. يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه[2].
أما عمر بن الخطاب لما بلغه الخبر أخذ يتوعد ويقول:
إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإنه ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله مات[3].
لقد كان هذا التصرف من عمر راجعاً إلى اجتهاد منه رضي الله عنه كما قال في اليوم الذي يليه : أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله و لا في عهد عهده إلى رسول الله ، ولكنني كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا[4].
أما أبا بكر فقد كان غائباً عند زوجة له في موضع قريباً من المدينة يدعى "السنح"، وكان قد استأذن رسول الله بعد صلاة الفجر من يوم الإثنين عندما بدأ له الرسول في صحة جيدة، فقال :
يا نبي الله. إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة (زوجته)، أفأتيها؟
فأذن له قائلاً:
نعم.
وبينما أبو بكر في موضعه بالسنح، إذا بسالم بن عبيد يأتيه مسرعاً فزعاً يجهش بالبكاء. فتفرس أبو بكر هيئته ثم قال:
لعل نبي الله توفي؟
فلم يستطيع سالماً أن يُصرّح بالإجابة واكتفى بقوله:
إن عمر بن الخطاب قال: لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا.
فما أن بلغ الخبر أبي بكر أخذ بيد سالم وانطلق مسرعاً ولم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه حتى كاد يمس وجهه، حتى استبان أنه توفي فقبله وبكى، ثم قال:
بأبي أنت وأمي، ، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً[5].
ثم رد الثوب على وجهة.
فقال الذين من حوله:
يا صاحب رسول الله. أتوفي رسول الله؟
فأجاب الصديق بقوله :
نعم.
قالوا:
هل يصلى عليه؟
نعم يجئ نفرٌ منكم فيكبرون فيدعون ويذهبون حتى يفرغ الناس.
فعلموا أنه كما قال. قالوا:
يا صاحب رسول الله، أين يدفن؟
حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبضه إلا في موضع طيب، فعرفوا أنه كما قال.
وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر ثم خرج وعمر يكلم الناس. فأشار بيده إلى عمر قائلاً:
على رسلك يا عمر فأنصت.
فأبى عمر رضي الله عنه إلا أن يسترسل في الكلام والوعيد. فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس يكلمهم، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر.
كانت جموع الناس تعبر إلى أبي بكر. وكانت العيون كلها متجهة إليه كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين). [آل عمران: 144].
فلما سمع الناس تلك المقولة العظيمة، والآية الكريمة، استعادوا ذاكرتهم إلى الوراء وتذكروا وقت نزولها على رسول الله وكأنهم يسمعونها لأول مرة فأخذوا يرددونها في أفواههم.
أما عمر بن الخطاب فقد بقي واقفاً في مكانه .. حاول أن يكمل وقوفه على الأرض إلا أنه لم يشعر بالقوة الكافية ليفعل فقال في نفسه :
والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقِرتُ حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي قد مات[6].
لقد بقيت جنازة الرسول حتى يوم الثلاثاء. لانشغال الصحابة عنها حتى اختيار أبا بكر خليفة عليهم، لأن أمر الخلافة من الأمور التي لا تقبل التأجيل أو التعطيل مهما كلف الثمن. إذ كيف يبقى المسلمون بدون حاكم يسوس قضاياهم.
فلما كان يوم الثلاثاء غسلوا رسول الله من غير أن يجردوه من ثيابه،
قالت عائشة :
لما أرادوا غسل النبي قالوا : ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره فكلمهم مكلمٌ من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن غسلوا رسول الله وعليه ثيابه، فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم.
عندئذ تذكرت عائشة رضي الله عنها مراد رسول الله من قوله :
ما ضرك لو مُتِّ قبلي، فقمتُ عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك؟
فقالت رضي الله عنها :
لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه[7].
وقد شارك في غسله العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، والفضل وقثم ابنى العباس، وشقران مولى رسول الله ، وأسامة بن زيد، وأوس بن خولي. فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعلي يغسله، وأوس أسنده إلى صدره[8].
ثم كفنوه في ثلاثة أثواب. أدرجوه فيها إدراجاً.
واختلفوا في موضع دفنه، فما من خلاف حدث بينهم إلا حرصاً منهم تنفيذ تعاليم نبيهم. فقال أبو بكر:
إني سمعت رسول الله يقول: ما قُبض نبي إلا دفن حيث يقبض، فرفع فراشه الذي توفي عليه، فحفر تحته.
ولما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يُضّرح كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي يحفر لأهل المدينة، فكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وللآخر اذهب إلى أبي طلحة. اللهم خِر لرسول الله ، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله [9].
يا سبحان الله لقد قدر الله أن يكون قبره موافقاً لقبور الأنصار كما كانت حياته موافقه لاختيار الأنصار. فالأنصار الذين بايعوا رسول الله في بيعة العقبة الثانية وطلبوا أن يكون الرسول معهم بعد أن يُظهره الله كما قال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال (يعني اليهود) حبالاً، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ، ثم قال:
بل الدم بالدم والهدم بالهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم[10].
وقد أكّد لهم رسول الله وقوفه معهم بعد عزوة حنين عندما أعطى الغنائم للمهاجرين وترك الأنصار حتى كثر منهم القالة، فجمعهم ووضح لهم الحكمة من التقسيم ثم ختم قوله :
لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت أمراً من الأنصار[11].
ودخل الناس الحجرة أرسالاً عشرة فعشرة، يصلون على رسول الله ولا يؤمهم أحد، وصلى عليه أولاً أهل عشيرته، ثم المهاجرون، ثم الإنصار، وصلت عليه النساء بعد الرجال، ثم صلى عليه الصبيان. ولم يؤم الناس على رسول الله أحد[12].
وبينما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جالسة مع النساء في ليلة الإربعاء؛ إذا بصوت المساحي تعلو في جوف الليل فعلمن بدفن النبي .
فلما دُفن رسول الله قالت فاطمة لأنس بن مالك :
يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب[13].
--------------------------------------------------------------------------------
[1] شرح السنة للبغوي، 14/50.
[2] صحيح البخاري، 5/167.
[3] السيرة النبوية لابن هشام، 4/655.
[4] صحيح البخاري، رقم الحديث 7219.
[5] السيرة النبوية لابن هشام، 4/656.
[6] صحيح البخاري، 5/166.
[7] سنن أبي داود، رقم الحديث 3141.
[8] السيرة النبوية لابن هشام، 4/662.
[9] السيرة النبيوة لابن هشام، 4/663.
[10] السيرة النبيوة لابن هشام، 1/442.
[11] صحيح البخاري، 4/268.
[12] السيرة النبيوة لابن هشام، 4/663.
[13] صحيح البخاري، 5/167.
الحلقة الحادية والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام
( 1 )
* لونه:
عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما على وجه الأرض رجل رآه غيري قال: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا. رواه مسلم.
وعن أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم. رواه البخاري ومسلم، والأزهر: هو الأبيض المستنير المشرق، وهو أحسن الألوان.
وعن أبي الطفيل رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مليحًا مقصدًا. رواه مسلم.
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب. رواه البخاري ومسلم.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أبيض مشربًا بياضه حمرة. رواه أحمد والترمذي والبزار وابن سعد وأبو يعلى والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
* وجهه:
كان الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام أسيَل الوجه، مسنون الخدين ولم يكن مستديرًا غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة، وهو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحًا كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه.
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي إسحاق قال: سُئل البراء أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. رواه البخاري.
وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان( مقمرة)، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر".
* جبينه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين"، (الأسيل: هو المستوي)، أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان صلى الله عليه وسلم أجلى الجبهة، إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع في فلق الصبح، أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءوا جبينه كأنه ضوء السرج المتوقد يتلألأ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم واسع الجبهة. رواه البيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر.
* عيناه:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أكحل العينين أهدب الأشفار إذا وطئ بقدمه وطئ بكلّها ليس له أخمص إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة" البيهقي وحسنه الألباني.
وكان صلى الله عليه وسلم "إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين وليس بأكحل"، رواه الترمذي.
وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم العينين، هَدِبُ الأشفار، مشرب العينين بحمرة. رواه أحمد وابن سعد والبزار. ومعنى مشرب العينين بحمرة: أي عروق حمراء رقاق.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين وليس بأكحل صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي وأحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني في الكبير.
* أنفه:
يحسبه من لم يتأمله أشمًا ولم يكن أشمًا وكان مستقيمًا، أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف).
* خـدّاه:
عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياض خده"، أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح.
قال يزيد الفارسي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميل دوائر الوجه. رواه أحمد.
* رأسه :
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس. رواه أحمد والبزار وابن سعد.
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الهامة. رواه الطبراني في الكبير والترمذي في الشمائل.
* فمه وأسنانه:
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضليع الفم.. قال شعبة: قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم. رواه مسلم.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان وسيمًا أشنب أبيض الأسنان مفلج (متفرق الأسنان) بعيد ما بين الثنايا والرباعيات، أفلج الثنيَّتين (أي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت) إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه".
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين، إذا تكلم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه. رواه الدرامي والترمذي في الشمائل. وأفلج الثنيتين أي متفرق الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت.
* سمعه:
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟". فقال رجل: أنا. قال: "فمتى مات هؤلاء؟". قال: ماتوا على الإشراك. فقال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها. فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". رواه مسلم.
* صوته:
عن أم معبد رضي الله عنها، قالت: كان في صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم صهل. رواه الطبراني في الكبير والحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، قالت: إني كنت لأسمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي. يعني قراءته في صلاة الليل. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم والطبراني.
* ريقه:
لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف، ومن ذلك أن ريقه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل وغذاء وقوة وبركة ونماء... فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرئ من ساعته!
جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها، فقال صلى الله عليه وسلم: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه.
فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرئ كأنه لم يكن به وجع...
وعن يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة... فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيت حتى الساعة"، أخرجه البخاري.
وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده قال: "أصيبت عين أبي ذر يوم أحد فبزق فيها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أصح عينيه"، أخرجه البخاري.
* عنقه ورقبته:
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة"، أخرجه ابن سعد في الطبقات والبيهقي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان أحسن عباد الله عنقًا، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر"، أخرجه البيهقي وابن عساكر.
* منكِباه:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري مسلم.
والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافيًا للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين.
* كفاه:
عن أنس أو جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضخم الكفين لم أر بعده شبهًا له. أخرجه البخاري.
لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه ممتلئة لحمًا، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة.
وعن أنس رضي الله عنه قال: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه البخاري ومسلم.
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء... وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه، فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك. أخرجه البخاري.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جونة عطار. أخرجه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا نَعُد الآيات بَركة، وأنتم تَعُدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقَلَّ الماء، قال عليه الصلاة والسلام: اطلبوا لي فضلة من ماء. فأدخَل يده في الإناء وقال: حَيّ على الطَّهور المبارك، والبركة من الله. ويقول ابن مسعود: لقد رأيتُ الماء ينبع من بين أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يُؤكل"، رواه البخاري.
عن إياس بن سلمة، حدثني أبي، قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً إلى أن قال: ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء.. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة" فولوا مدبرين. أخرجه مسلم.
* صَدره:
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء البطن والصدر، عريض الصدر. رواه الطبراني والترمذي في الشمائل.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عريض الصدر ممسوحة، كأنه المرايا في شدتها واستوائها، لا يعدو بعض لحمه بعضًا، على بياض القمر ليلة البدر، موصول ما بين لبته إلى سرته شعر منقاد كالقضيب، لم يكن في صدره ولا بطنه شعر غيره. رواه ابن نعيم وابن عساكر والبيهقي.
* ساقاه:
عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه"، أخرجه البخاري في صحيحه.
* قدماه:
قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين (الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع) مسيح القدمين (أي ملساوين ليس في ظهورهما تكسر) وسشن الكفين والقدمين (أي غليظ الأصابع والراحة) رواه الترمذي في الشمائل والطبراني.
وكان http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء في وصف سيدنا إبراهيم عليه السلام: "ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به". صحيح البخاري.
وكان أبو جهم بن حذيفة القرشي العدوي الصحابي الجليل، يقول: ما رأيت شبهًا كشبه قدم النبي صلى الله عليه وسلم بقدم إبراهيم التي كنا نجدها في المقام.
* قامته وطوله:
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. رواه البخاري ومسلم.
* مشيته:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما رأيتُ شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنَّما الأرض تطوى له، إنَّا لَنُجهد أنفسنا وإنَّه غير مكترث".
وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى تَكَفَّأ ( أي مال يميناً وشمالاً ومال إلى قصد المشية ) ويمشي الهُوَينا (أي يُقارِب الخُطا).
وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى، مشى مجتمعًا ليس فيه كسل"، (أي شديد الحركة، قوي الأعضاء غير مسترخ في المشي) رواه أحمد.
* التفاته:
كان صلى الله عليه وسلم إذا التفت التفت معًا أي بجميع أجزائه فلا يلوي عنقه يمنة أو يسرة إذا نظر إلى الشيء لما في ذلك من الخفة وعدم الصيانة وإنّما كان يقبل جميعًا ويُدبِر جميعًا لأن ذلك أليَق بجلالته ومهابته هذا بالنسبة للالتفات وراءه، أمّا لو التفت يمنة أو يسرة فالظاهر أنه كان يلتفت بعنقه الشريف.
* خاتم النبوة:
هو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية أنه كان أحمر، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، وورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه وسلم الأيسر.
1- عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، غُدة حمراء مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.
* رائحته:
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشا تكفأ، وما مسحت ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت مسكاً ولا عنبرًا أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن أنس أيضًا قال: "دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال (أي نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا وهو أطيَب الطيب"، رواه مسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه، وإذا وضع يده على رأس صبي فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان بريحه على رأسه.
يقول جابر بن سمرة: ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقًا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، وقد كنت صبيًا - فمسح خدي فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جونة عطار.
* كلامه:
قال الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى****** (النجم 1-4).
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي، لذلك كان يقول لعبد الله بن عمرو: :اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق".
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، فبينما أنا نائم رأيتني أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي" مسند الإمام أحمد.
وكان كلامه صلى الله عليه وسلم بَيِّن فَصْل ظاهر يحفظه من جَلَس إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: "كان يُحَدِّث حديثاً لو عَدَّه العادُّ لأحصاه".
"وكان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً لِتُعقَل عنه" رواه البخاري.
* ضحكه:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضحك إلا تَبَسُّماً، وكنتَ إذا نظرتَ إليه قُلتَ أكحل العينين وليس بأكحل"، حسن رواه الترمذي.
- وعن عبد الله بن الحارث قال: "ما رأيتُ أحداً أكثر تبسمًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُحَدِّث حديثاً إلا تبَسَّم وكان مِن أضحك الناس وأطيَبَهم نَفسًا".
وكان صلى الله عليه وسلم إذا ضحك بانت نواجذه أي أضراسه من غير أن يرفع صوته، وكان الغالب من أحواله التَّبَسُّم.
يقول خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلاً، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيراً له واقتداءً به.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر. رواه عبد الرزاق في مصنفه.
* خاتمه:
كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، نقش عليه من الأسفل إلى الأعلى "محمد رسول الله"، وذلك لكي لا تكون كلمة "محمد" صلى الله عليه وسلم فوق كلمة "الله" سبحانه وتعالى.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له: إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا عليه ختم، فاصطنع خاتمًا، فكأني أنظر إلى بياضه في كفه"، رواه الترمذي في الشمائل والبخاري ومسلم.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورِق (أي من فضة) فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ويد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس" وأريس بفتح الهمزة وكسر الراء، هي بئر بحديقة من مسجد قباء.
الحلقة الثانية والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 2 )
* وصف أم معبد:
قالت أم معبد الخزاعية في وصف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لزوجها، حين مر بخيمتها مهاجرًا:
رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق لم تعبه تجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشعاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطح، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن، ربعة، لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود، محشود، لا عابس ولا مفند.
* وصف علي بن أبي طالب:
قال علي رضي الله عنه وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد، وكان ربعة من القوم، لم يكن بالجعد القطط، ولا بالسبط، وكان جعداً رَجلاً، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في الوجه تدوير، وكان أبيض مشرباً، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، دقيق المسربة، أجرد، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
* وصف هند بن أبي هالة:
كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه -لا بأطراف فمه- ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئاً، ولم يكن يذم ذواقاً -ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها - سماح - وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه. يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره.
يتفقد أصحابه - ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره الذي يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن - لا يميز لنفسه مكاناً - إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين. يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم -لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب.
كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه قد ترك نفسه من ثلاث الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ.
* وصف عمرو بن العاص:
عن ابن شُمَاسَةَ المهَرِيِّ قال حضرنا عمرو ابن العاص فذكر لنا حديثاً طويلاً فيه: "وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيقُ أن أملأ عيني منهُ إجلالاً له، ولو سئلتُ أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه".
وصلى اللهم على خير الأنام سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمً
الحلقة الثالثة والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 3 )
صفة حوض الرسول صلى الله عليه وسلم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حوضي مسيرة شهر ، ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه فلا يظمأ أبداً) .
(كيزان : جمع كوز وهو الإبريق) .
باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم
54ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، وَأَبُو تُمَيْلَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقَمِيصُ
55ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقَمِيصُ
56ـ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُهُ ، الْقَمِيصُ
قَالَ : هَكَذَا ، قَالَ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، فِي حَدِيثِهِ : عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَهَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَأَبُو تُمَيْلَةَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَنْ أَمِّهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ
57ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ بُدَيْلٍ يَعْنِي ابْنَ مَيْسَرَةَ الْعُقَيْلِيَّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ، قَالَتْ : كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الرُّسْغِ
58ـ حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُشَيْرٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ لِنُبَايِعَهُ ، وَإِنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ ، أَوْ قَالَ : زِرُّ قَمِيصِهِ مُطْلَقٌ قَالَ : فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ ، فَمَسَسْتُ الْخَاتَمَ
59ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ وَهُوَ يَتَّكِئُ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَلَيْهِ ثَوْبٌ قِطْرِيٌّ ، قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ ، فَصَلَّى بِهِمْ
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ : سَأَلَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، أَوَّلَ مَا جَلَسَ إِلَيَّ ، فَقُلْتُ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ مِنْ كِتَابِكَ ، فَقُمْتُ لأُخْرِجَ كِتَابِي فَقَبَضَ عَلَى ثَوْبِي ثُمَّ ، قَالَ : أَمْلِهِ عَلَيَّ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لا أَلْقَاكَ ، قَالَ : فَأَمْلَيْتُهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَخْرَجْتُ كِتَابِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ
60ـ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ
61ـ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، نَحْوَهُ
62ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَلْبَسُهُ الْحِبَرَةُ
63ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ
قَالَ سُفْيَانُ : أُرَاهَا حِبَرَةً
64ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ ، مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِنْ كَانَتْ جُمَّتُهُ لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ
65ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ
66ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، عَنْ جَدَّتَيْهِ دُحَيْبَةَ ، وَعُلَيْبَةَ ، عَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ ، قَالَتْ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَّتَيْنِ ، كَانَتَا بِزَعْفَرَانٍ ، وَقَدْ نَفَضَتْهُ وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ
67ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : عَلَيْكُمْ بِالْبَيَاضِ مِنَ الثِّيَابِ ، لِيَلْبِسْهَا أَحْيَاؤُكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ، فَإِنَّهَا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ
68ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : الْبَسُوا الْبَيَاضَ ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ
69ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ غَدَاةٍ ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْودَ
70ـ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ، ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ
ـ باب ماجاء في تختم رسول الله صلى الله عليه وسلم
95 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيُّ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالا : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ
96 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، نَحْوَهُ
97 ـ حدثنا أحمد بن منيع , حدثنا يزيد بن هارون , عن حماد بن سلمة , قَالَ رأيت ابن أبي رافع يتختم في يَمِينِهِ وقَالَ عَبْدِ اللهِ بن جعفر : كان رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتختم فِي يَمِينِهِ
98 ـ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ
99 ـ حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ
100 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الصَّلتِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ ، وَلا إِخَالُهُ إِلا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ
101 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيان ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ ، وَجَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ، وَنَهَى أَنْ يَنْقُشَ أَحَدٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْ مُعَيْقِيبٍ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ
102 ـ حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد , حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل , عن جَعْفَرٍ بن محمد , عن أبيه , قَالَ : كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما
103 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَهُوَ ابْنُ الطَّبَّاعِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ
104 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْمُحَارِبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، فَكَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَمِينِهِ ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَطَرَحَهُ صلى الله عليه وسلم ، وَقَالَ : لا أَلْبَسُهُ أَبدًا فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ
ـ باب ما جاء في عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم
114 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ (ح) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ
115 ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ
116 ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى ، قَالا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرُو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، خَطَبَ النَّاسَ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ
117 ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، إِذَا اعْتَمَّ ، سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ .
قَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ .
قَالَ عُبَيْدُ اللهِ : وَرَأَيْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمًا يَفْعَلانِ ذَلِكَ
118 ـ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ ، وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ
ـ باب ما جاء في صفة إزار رسول الله صلى الله عليه وسلم
119 ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، قَالَ : أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ ، كِسَاءً مُلَبَّدًا ، وَإِزَارًا غَلِيظًا ، فَقَالَتْ : قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فِي هَذَيْنِ
120 ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَمَّتِي ، تُحَدِّثُ عَنْ عَمِّهَا ، قَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمشِي بِالْمَدِينَةِ ، إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ : ارْفَعْ إِزَارَكَ ، فَإِنَّهُ أَتْقَى وَأَبْقَى فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ ، قَالَ : أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ
121 ـ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، يَأْتَزِرُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، وَقَالَ : هَكَذَا كَانَتْ إِزْرَةُ صَاحِبِي ، يَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
122 ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ نَذِيرٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، بِعَضَلَةِ سَاقِي أَوْ سَاقِهِ ، فَقَالَ : هَذَا مَوْضِعُ الإِزَارِ ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَأَسْفَلَ ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَلا حَقَّ لِلإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ
الحلقة الرابعة والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 4 )
باب ما جاء في تعطر رسول الله صلى الله عليه وسلم
216ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَاحِدٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُخْتَارِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا
217ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، لا يَرُدُّ الطِّيبَ ، وَقَالَ أَنَسٌ : إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ
218ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ثَلاثٌ لا تُرَدُّ : الْوَسَائِدُ ، وَالدُّهْنُ ، وَاللَّبَنُ
219ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ ، وَخَفِيَ لَوْنُهُ ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ
220ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنِ الطُّفَاوِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ
221ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالا : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ ، عَنْ حَنَانٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمُ الرَّيْحَانَ فَلا يَرُدُّهُ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ
222ـ حَدَّثَنَا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمذاني , حدثني أبي , عن بيان , عن قيس بن أبي حازم , عن جرير بن عبد الله قَالَ :عرضت بين يدى عمر بن الخطاب , فألقى جرير رداءه , ومشى في إزار , فقال له : خذ رداءك , فقال للقوم : ما رأيت رجلاً أحسن صورة من جرير , إلا ما بلغنا من صورة يوسف عليه السلام .
باب ما جاء في أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم
137 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ ثَلاثًا
قَالَ أَبُو عِيسَى : وَرَوَى غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ : يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ
138 ـ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلالُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلاثَ
139 ـ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الصُّدَائِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ يَعْنِي الْحَضْرَمِيَّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : أَمَّا أَنَا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا
140 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ , نَحْوَهُ
141 ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ ، الثَّلاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ
142ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سُلَيْمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ مِنَ الْجُوعِ
ـ باب ما جاء في صفة خبز رسول الله صلى الله عليه وسلم
143ـ حدثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ، يُحَدِّثُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
144ـ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ ، يَقُولُ : مَا كَانَ يَفْضُلُ عَنِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُبْزُ الشَّعِيرِ
145ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَبِيتُ اللَّيَالِيَ الْمُتَتَابِعَةَ طَاوِيًا هُوَ وَأَهْلُهُ ، لا يَجِدُونُ عِشَاءً وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ ، خُبْزَ الشَّعِيرِ
146ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ ؟ يَعْنِي الْحُوَّارَى فَقَالَ سَهْلٌ : مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَعَالَى ، فَقِيلَ لَهُ : هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟
قَالَ : مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ قِيلَ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ ؟
قَالَ : كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طَارَ ، ثُمَّ نَعْجِنُهُ
147ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : مَا أَكَلَ نَبِيُّ اللهِ عَلَى خِوَانٍ ، وَلا فِي سُكُرَّجَةٍ ، وَلا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَالَ : فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ : فَعَلامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ ؟ قَالَ : عَلَى هَذِهِ السُّفَرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ : يُونُسُ هَذَا الَّذِي رَوَى عَنْ قَتَادَةَ هُوَ يُونُسُ الإِسْكَافُ
148ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَدَعَتْ لِي بِطَعَامٍ وَقَالَتْ : مَا أَشْبَعُ مِنْ طَعَامٍ فَأَشَاءُ أَنْ أَبْكِيَ إِلا بَكِيتُ قَالَ : قُلْتُ لِمَ ؟ قَالَتْ : أَذْكُرُ الْحَالَ الَّتِي فَارَقَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الدُّنْيَا ، وَاللَّهِ مَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ
149ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ
150ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مَا أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى خِوَانٍ ، وَلا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ
ـ ما جاء في إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم
151ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فِي حَدِيثِهِ : نِعْمَ الإِدَامُ أَوِ الأُدْمُ الْخَلُّ
152ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، يَقُولُ : أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئِتُمْ ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم ، وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ
153ـ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : نِعْمَ الإِدَامُ الأُدْمُ : الْخَلُّ
154ـ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئًا فَحَلَفْتُ أَنْ لا آكُلَهَا
قَالَ : ادْنُ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ
155ـ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَفِينَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَحْمَ حُبَارَى
156ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ الْقَاسِمِ التَّمِيمِيِّ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : فَقَدَّمَ طَعَامَهُ وَقَدَّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمَ دَجَاجٍ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى ، قَالَ : فَلَمْ يَدْنُ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : ادْنُ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنْهُ ، فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا ، فَقَذِرْتُهُ فَحَلَفْتُ أَنْ لا أَطْعَمَهُ أَبَدًا
157ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، يُقَالُ : لَهُ عَطَاءٌ ، عَنْ أَبِي أَسِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : كُلُوا الزَّيْتَ ، وَادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ
158ـ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ
قَالَ أَبُو عِيسَى : وكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَضْطَرِبُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَرُبَّمَا أَسْنَدَهُ ، وَرُبَّمَا أَرْسَلَهُ
159ـ حَدَّثَنَا السِّنْجِيُّ وَهُوَ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ السِّنْجِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ عُمَرَ
160ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالا : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الدُّبَّاءُ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ ، أَوْ دُعِيَ لَهُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ ، فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ
161ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ دُبَّاءً يُقَطَّعُ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : نُكَثِّرُ بِهِ طَعَامَنَا
162ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ ، قَالَ أَنَسُ : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ
163ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ
164ـ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، جَنْبًا مَشْوِيًّا ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ ، وَمَا تَوَضَّأَ
165ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ
166ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأُتِيَ بِجَنْبٍ مَشْوِيٍّ ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ ، فَحَزَّ لِي بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : فَجَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ ، فَقَالَ : مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ ؟ ، قَالَ : وَكَانَ شَارِبُهُ قَدْ وَفَى ، فَقَالَ لَهُ : أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ أَوْ قُصُّهُ عَلَى سِوَاكٍ
167ـ حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَحْمٍ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا
168ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ زُهَيْرٍ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ ، قَالَ : وَسُمَّ فِي الذِّرَاعِ ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْيَهُودَ سَمُّوهُ
169ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ : طَبَخْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قِدْرًا ، وَقَدْ كَانَ يُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ ، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ ، ثُمَّ قَالَ : نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ ، فَنَاوَلْتُهُ ، ثُمَّ قَالَ : نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَكَمْ لِلشَّاةِ مِنْ ذِرَاعٍ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي الذِّرَاعَ مَا دَعَوْتُ
170ـ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ ، مِنْ بَنِي عَبَّادٍ يُقَالَ لَهُ : عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا كَانَتِ الذِّرَاعُ أَحَبَّ اللَّحْمِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَكِنَّهُ كَانَ لا يَجِدُ اللَّحْمَ إِلا غِبًّا ، وَكَانَ يَعْجَلُ إِلَيْهَا ، لأَنَّهَا أَعْجَلُهَا نُضْجًا
171ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ شَيْخًا ، مِنْ فَهْمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : إِنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الظَّهْرِ
172ـ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمَؤَمَّلِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ
173ـ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ ثَابِتٍ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أُمِّ هَانِئِ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : أَعِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ فَقُلْتُ : لا ، إِلا خُبْزٌ يَابِسٌ ، وَخَلٌّ فَقَالَ : هَاتِي ، مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أُدُمٍ فِيهِ الخل
174ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ :
فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ
175ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِيُّ أَبُو طُوَالَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ
176ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، تَوَضَّأَ مِنْ أَكْلِ ثَوْرِ أَقِطٍ ، ثُمَّ رَآهُ أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ ، ثُمَّ صَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
177ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِهِ ، وَهُوَ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ
178ـ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي فَائِدٌ ، مَوْلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ جَدَّتِهِ سَلْمَى ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَابْنَ جَعْفَرٍ أَتَوْهَا فَقَالُوا لَهَا : اصْنَعِي لَنَا طَعَامًا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَيُحْسِنُ أَكْلَهُ فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ لا تَشْتَهِيهِ الْيَوْمَ ، قَالَ : بَلَى اصْنَعِيهِ لَنَا قَالَ : فَقَامَتْ فَأَخَذَتْ مِنْ شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ ، ثُمَّ جَعَلَتْهُ فِي قِدْرٍ ، وَصَبَّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ زَيْتٍ ، وَدَقَّتِ الْفُلْفُلَ ، وَالتَّوَابِلَ ، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَتْ : هَذَا مِمَّا كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَيُحْسِنُ أَكْلَهُ
179ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : أَتَانَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فِي مَنْزِلِنَا ، فَذَبَحْنَا لَهُ شَاةً ، فَقَالَ : كَأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّا نُحِبُّ اللَّحْمَ وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ
180ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ سمعَ جَابِرًا (ح) قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَنَا مَعَهُ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ ، فذَبَحَتْ لَهُ شَاةً ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، وَأَتَتْهُ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلظُّهْرِ ، وَصَلَّى ، صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَأَتَتْهُ بِعُلالَةٍ مِنْ عُلالَةِ الشَّاةِ ، فَأَكَلَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
181ـ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ ، عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَمَعَهُ عَلِيٌّ ، وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ ، قَالَتْ : فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ وَعَلِيٌّ مَعَهُ يَأْكُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لِعَلِيٍّ : مَهْ يَا عَلِيُّ ، فَإِنَّكَ نَاقَةٌ ، قَالَتْ : فَجَلَسَ عَلِيٌّ ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ ، قَالَتْ : فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ : مِنْ هَذَا فَأَصِبْ فَإِنَّ هَذَا أَوْفَقُ لَكَ
182ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي فَيَقُولُ : أَعِنْدَكِ غَدَاءٌ ؟ فَأَقُولُ : لا قَالَتْ : فَيَقُولُ : إِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ : فَأَتَانِي يَوْمًا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّهُ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ ، قَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قُلْتُ : حَيْسٌ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا ، قَالَتْ : ثُمَّ أَكَلَ
183ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الأَسْلَمِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الأَعْوَرِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً وَقَالَ : هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ ، وأكل
184 ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعْجِبُهُ الثُّفْلُ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ : يَعْنِي مَا بَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ
ـ باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم
197ـ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ
198ـ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيُّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ
199ـ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ حُمَيْدًا ، أَوْ قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، قَالَ وَهْبٌ : وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَجْمَعُ بَيْنَ الْخِرْبِزِ وَالرُّطَبِ
200ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ الْبِطِّيخَ بِالرُّطَبِ
201ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا ، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ ، قَالَ : ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ
202ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُخْتَارِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، قَالَتْ : بَعَثَنِي مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وَعَلَيْهِ أَجْرٌ مِنْ قِثَّاءِ زُغْبٍ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْقِثَّاءَ ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ وَعِنْدَهُ حِلْيَةٌ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ، فَمَلأَ يَدَهُ مِنْهَا فَأَعْطَانِيهِ
203ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، قَالَتْ : أَتيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ ، وَأَجْرِ زُغْبٍ ، فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا أَوْ قَالَتْ : ذَهَبًا
الحلقة الخامسة والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 5 )
صفة نوم رسول الله
254ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ ، وَقَالَ : رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ
255ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ، مِثْلَهُ وَقَالَ : يَوْمَ تَجْمَعُ عِبَادَكَ
256ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانًا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
257ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، أُرَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ فَنَفَثَ فِيهِمَا ، وَقَرَأَ فِيهِمَا : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَبْدَأُ بِهِمَا رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ
258ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيلٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، نَامَ حَتَّى نَفَخَ ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ، فَأَتَاهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ
259ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا ، فَكَمْ مِمَّنْ لا كَافِيَ لَهُ وَلا مُؤْوِي
260ـ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ
ـ باب ماجاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم
328ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ ، حَشْوُهُ لِيفٌ
329ـ حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَيْمُونٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سُئِلَتْ عَائِشَةُ ، : -
وَسُئِلَتْ حَفْصَةُ ، مَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِكِ ؟ قَالَتْ : مِسْحًا نَثْنِيهِ ثَنِيَّتَيْنِ فَيَنَامُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، قُلْتُ : لَوْ ثَنَيْتَهُ أَرْبَعَ ثَنْيَاتٍ ، لَكَانَ أَوْطَأَ لَهُ ، فَثَنَيْنَاهُ لَهُ بِأَرْبَعِ ثَنْيَاتٍ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ، قَالَ : مَا فَرشْتُمْ لِيَ اللَّيْلَةَ قَالَتْ : قُلْنَا : هُوَ فِرَاشُكَ ، إِلا أَنَّا ثَنَيْنَاهُ بِأَرْبَعِ ثَنْيَاتٍ ، قُلْنَا : هُوَ أَوْطَأُ لَكَ ، قَالَ : رُدُّوهُ لِحَالَتِهِ الأُولَى ، فَإِنَّهُ مَنَعَتْنِي وَطَاءَتُهُ صَلاتيَ اللَّيْلَةَ
كلامه وسكوته صلى الله عليه وسلم
1ـ كان صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق وأعذبهم كلامًا وأسرعهم أداءً وأحلاهم منطقًا.
2ـ وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابَهُ.
3ـ وكان يتكلم بجوامع الكلم، وبكلام مفصلٍ يَعُدُّهُ الْعَادُّ، ليس بِهَذٍّ مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات
هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم في مَشْيهِ وَجُلُوسِهِ
1ـ كان إذا مشى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا؛ كأنما ينحط من صبب، وكان أسرعَ الناس مشيةً وأحسنها وأسكنها.
2ـ وكان يمشي حافيًا ومتنعلاً.
3ـ وكان يركب الإبل والخيل، والبغال والحمير، وركب الفرس مسرجة تارة، وعريًا تارة، وكان يُرْدِفُ خلفه وأمامه.
4ـ وكان يجلس على الأرض وعلى الحصير وعلى البساط.
5ـ وكان يَتَّكِئُ على الوسادة، وربما اتَّكَأَ على يساره، وربما اتَّكَأَ على يمينه.
6ـ وكان يجلس القرفصاء، وكان يستلقي أحيانًا، وربما وضع إحدى رجليه على الأخرى، وكان إذا احتاج تَوَكَّأَ على بعض أصحابه من الضَّعف.
7ـ ونهى أن يقعد الرجلُ بين الظل والشمس.
8ـ وكره لأهل المجلس أن يخلوَ مجلسُهم من ذكر الله، وقال: ((من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ..)) والترة: الحسرة. [صحيح أبي داود].
9ـ وقال: ((من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك)) [صحيح الترمذي].
الحلقة السادسة والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 6 )
اختياره للألفاظ والأسماء
كان يتخير في خطابه ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاءِ وَالْفُحْشِ.
ـ وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك، وأن يستعمل اللفظ المكروه في حق من ليس من أهله، فمنع أن يقال للمنافق: سيد، ومنع تسمية أبي جهل: بأبي الحكم، وأن يقال للسلطان: ملك الملوك أو خليفة الله.
ـ ونهى عن سب الدهر، وقال: ((إن الله هو الدهر)) [ق].
ـ وأرشد من مسه شيء من الشيطان أن يقول: باسم الله، ولا يلعنه أو يسبه ولا يقول: تعس الشيطان، ونحو ذلك.
ـ وكان يستحب الاسم الحسن، وأمر إذا أبردوا إليه بريدًا أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وكان يأخذ المعاني من أسمائها، ويربط بين الاسم والمسمى.
ـ وقال: ((أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث، وهمام، وأقبحها: حرب ومرة)) [م].
ـ وغير اسم ((عاصية))، وقال: ((أنت جميلة))، وغير اسم ((أصرم)): بـ((زرعة))، ولما قدم المدينة واسمها ((يثرب)) غيره: بـ((طيبة)).
ـ وكان يكني أصحابه، وربما كنى الصغير، وكنى بعض نسائه.
ـ وكان من هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم تكنية من له ولد، ومن لا ولد له، وقال: ((تسموا باسمي، ولا تكنُّوا بكنيتي)) [ق].
ـ ونهى أن يهجر اسم العشاء ويغلب عليها اسم العتمة، ونهى عن تسمية العنب كَرْمًا، وقال: ((الكَرْمُ: قلبُ المؤمن)) [ق]، ونهى أن يقال: مطرنا بنوء كذا و: ما شاء الله وشئت، وأن يحلف بغير الله، ومن الإكثار من الحلف، وأن يقول في حلفه: هو يهودي ونحوه إن فعل كذا، وأن يقول السيد لمملوكه: عبدي وأمتي، وأن يقول الرجل: خبثت نفسي، أو تعس الشيطان، وعن قول: اللهم اغفر لي إن شئت.
ـ ونهى عن سب الدهر، وعن سبِّ الريح، وَسَبِّ الحمى، وَسَبِّ الديك، ومن الدعاء بدعوى الجاهلية؛ كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها، ومثل ذلك التعصب للمذهب، والطريقة والمشايخ.
باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم
24ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ
25ـ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ لَهُ شَعَرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ ، وَدُونَ الْوَفْرَةِ
26ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قَطَنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرْبُوعًا ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمِنْكَبَيْنِ ، وَكَانَتْ جُمَّتُهُ تَضْرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ
27ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لأَنَسٍ : كَيْفَ كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : لَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ ، وَلا بِالسَّبْطِ ، كَانَ يَبْلُغُ شَعَرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ
28ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَتْ : قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قَدْمَةً ، وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ
29ـ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ شَعَرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ
30ـ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ نُ للّعَبْدِ اَهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسْدِلُ شَعَرَهُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْوَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يُسْدِلُونَ رُؤُوسَهُمْ ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ
31ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ الْمَكِّيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، قَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَا ضَفَائِرَ أَرْبَعٍ
- باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم
32- حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ، حدثنا مَعْن بن عيسى ، حدثنا مالك بن أنس ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ
33ـ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ هُوَ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ، ثَوْبُ زَيَّاتٍ
34ـ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ ، وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ ، وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ
35ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنِ التَّرَجُّلِ ، إِلا غِبًّا
36ـ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي الْعَلاءِ الأَوْدِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يَتَرَجَّلُ غِبًّا
باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم
37ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانَ شَيْبًا فِي صُدْغَيْهِ وَلَكِنْ أَبُو بَكْرٍ ، خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
38ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى ، قَالا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مَا عَدَدْتُ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلِحْيَتِهِ ، إِلا أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ
39ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ شَيْبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فَقَالَ : كَانَ إِذَا دَهَنَ رَأْسَهُ لَمْ يُرَ مِنْهُ شَيْبٌ ، وَإِذَا لَمْ يَدْهِنْ رُئِيَ مِنْهُ شَيْءٌ
40ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِنَّمَا كَانَ شَيْبُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ
41ـ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللهِ ، قَدْ شِبْتَ ، قَالَ : شَيَّبَتْنِي هُودٌ ، وَالْوَاقِعَةُ ، وَالْمُرْسَلاتُ ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
42ـ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، نَرَاكَ قَدْ شِبْتَ ، قَالَ : قَدْ شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا
43ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ أَبِي رِمْثَةَ التَّيْمِيِّ ، تَيْمِ الرَّبَابِ ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، وَمَعِي ابْنٌ لِي ، قَالَ : فَأَرَيْتُهُ ، فَقُلْتُ لَمَّا رَأَيْتُهُ : هَذَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ ، وَلَهُ شَعَرٌ قَدْ عَلاهُ الشَّيْبُ ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ
44ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : قِيلَ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : أَكَانَ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْبٌ ؟ قَالَ : لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، شَيْبٌ إِلا شَعَرَاتٌ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، إِذَا ادَّهَنَ وَارَاهُنَّ الدُّهْنُ
باب ما جاء في كُحل رسول الله صلى الله عليه وسلم
49ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ، ثَلاثَةً فِي هَذِهِ ، وَثَلاثَةً فِي هَذِهِ
50ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْهَاشِمِيُّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالإِثْمِدِ ، ثَلاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ ، وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، فِي حَدِيثِهِ : إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا عِنْدَ النَّوْمِ ، ثَلاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ
51ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ
52ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدُ ، يَجْلُو الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ
53ـ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : عَلَيْكُمْ بِالإِثْمِدِ ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ ، وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ
الحلقة السابعة العشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 7 )
ذكر فراشه - صلى الله عليه وسلم
عن عائشة-رضي الله عنها- قالت (كان ضجاع النبي-صلى الله عليه وسلم-الذي ينام عليه بالليل من أدم محشواً لِيفاً). صحيح مسلم( 4/ 208) رقم ( 1761) - كتاب اللباس- باب التواضع في اللباس.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت (دخَلت عليَّ امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مثنية فانطلقت فبعثت إليّ بفراش فيه صوف، فدخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: ما هذا؟ فقلت: إنّ فلانة الأنصارية دخلت فرأت فراشك، فبعثت إليّ بهذا فقال: رُدّيه، قالت: فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، قالت: حتى قال لي ذلك ثلاث مرات. فقال: رُديه يا عائشة، فو الله لو شئت لأجْرى الله عليَّ جبال الذهب والفضة. قالت: فرددتها). رواه الطبري المعجم الكبير، (6/141) ورواه ابن سعد في الطبقات عن سعيد بن سليمان، عن عبَّاد بن عبَّاد المهلبي، به (1/465).
ون عائشة- رضي لله عنها - قالت (كان وسادُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي يتكيء عليه من أدَمٍ، حشوه ليفٌ). صحيح مسلم ( 3/ 1650) رقم ( 2083) - كتاب اللباس والزينة –باب التواضع في اللباس والاقتصار على الغليظ منه واليسير في اللباس والفراش وغيرها.
سئلت حفصة - رضي الله عنها - ما كان فراش رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: مِسْح ( أي كساء خشن يعد للفراش من صوف، والمسح البلاس والمسح الكساء من شعر (لسان العرب) نثنيه ثنتين، فينامُ عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو نثنيه بأربع ثنيات، فلما أصبح قال: (ما فرشتموني الليلة؟ قالت: قلنا: هو فراشك، إلا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك. قال: رُدوه لحاله الأولى، فإنه منعني وطأته صلاتي الليلة). رواه الطبراني في المعجم الصغير،(1/222) وأخرجه الترمذي في الشمائل برقم (322).
وعن ميمونة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم-قالت: (كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يُصلي في مرطٍ (المروط مرط وهو كساء من صوف أو خزٍ أوغيره) بَعضه علي وبعضه عليه، وأنا حائض). سنن البيهقي(2/239)
وروى الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان له بساط يسمى الكِنَّ، وكانت له عباة تسمى النمرة. وكانت له ركوة تسمى الصادرة، وكانت له مرآة تسمى المرآة، وكان له مقراض يسمى الجامع، وكان له قضيب يسمى الممشوق). رواه الطبراني في المعجم الصغير،(11/111).
ذكر لحافه - عليه الصلاة والسلام -:
روى البخاري عن هشام عن أبيه قال: (كان الناس يتحرون الهدايا في يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث ما كان أو حيث ما دار, قالت: فذكرت ذلك أم سلمة لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-.قالت: فأعرض عني. قالت: فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عني, فلما كان في الثالثة ذكرت له ذلك, فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة, فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها). البخاري- الفتح (7/ 134) رقم ( 3775) كتاب فضائل الصحابة – باب فضل عائشة.
وعن عائشة - رضي الله عنها- قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وعليه طَرَف اللّحاف وعلى عائشة - رضي الله عنها- طرفه ثم يصلي). مسند أحمد (6/32).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول : ( خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليه ملحفة متعطفاً بها على منكبيه وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام, فمن ولي منكم أمراً يضر فيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ) البخاري- الفتح -كتاب المناقب – باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم.
في ذكر كرسيه وسريره - صلى الله عليه وسلم -:
عن أبي رفاعة-رضي الله عنه – قال أتيت النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو جالس على كرسي خلْت قوائمه حديداً). صحيح مسلم (2/ 597) رقم ( 876) كتاب الجمعة - باب حديث التعليم في الخطبة.
وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: (أعدلتمونا بالكلْب والحمار؟ لقد رأيتني مضطجعة على السرير فيجيء النبي- صلى الله عليه وسلم-فيتوسط السّرير فيصلي، فأكره أن أسنحه فأنسل من قبل رجلي السّرير حتى أنسلّ من لحافي). البخاري – الفتح ( 1/ 692) رقم ( 508) – كتاب الصلاة – باب الصلاة إلى السرير.
وعن أنس-رضي الله عنه – قال دخلت على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وهو على سرير مَرْمول بشريط تحت رأسه وسادة من أدَم، وحشوها ليف ما بين جلده وبين السرير ثوب). البخاري- الفتح ( 10/ 314) رقم ( 5843) كتاب اللباس - باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم – يتجوز من اللباس والبسط.
وعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: (كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرير مشبك بالبَردي، عليه كساء أسود). صحيح ابن حبان(2/479).
وروى أبو الشيخ عن عمر بن مهاجر قال: (كان متاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند عمر بن عبد العزيز في بيت ينظر إليه كل يوم، وكانت إذا اجتمعت إليه الوفود أدخلهم ليروا تلك المتاع فيقول: هذا ميراث من أكرمكم الله تعالى، وأعزكم به، قال: وكان سريراً مَرْمُول بشريط ومِرْقعة من أدم محشوة بليف وجفنه وقدحاً، وقطيفة صوف، ورحىً، وكنانة، فيها أسهم وكان في القطيفة أثر عَرَق رأسه، فأصيب رجل فطلبوا أن يغسلوا بعض ذلك العرق فيسقط به فذكر ذلك لعمر فسقط فبرأ). سبل الهدى والرشاد (7/354). وحلية الأولياء(5/327).
قال محمد بن عمر اجتمع أصحابنا بالمدينة لا يختلفون أن سرير النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى ألواحه عبد الله بن إسحاق الإسحاقي من موالي معاوية ابن أبي سفيان، اشترى ألواحه بأربعة آلاف درهم). راجع: تركة النبي- صلى الله عليه وسلم- ص(105).
ذكر قطيفته - صلى الله عليه وسلم -: قطيفته وحصيره
عن أم سلمة-رضي الله عنها- قالت بينا أنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- مضطجعة في خميصة إذ حِضْتُ فانسللت فأخذت ثياب حيضتي. قال: أنفستي؟ قلت: نعم .فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة). البخاري، الفتح(1/ 48) رقم ( 298) كتاب الحيض -باب من سمى النفاس حيضاً.
وعن أنس- رضي الله عنه-قال: (حجّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رَحْل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم). سنن ابن ماجه (2/965)،كتاب المناسك،باب الحج على الرحل.
ذكر حصيره - صلى الله عليه وسلم -:
عن أنس بن مالك- رضي الله عنه-يقولأن النبي-صلى الله عليه وسلم-نُضح له طَرَف حصير فصلى ركعتين). البخاري – الفتح ( 2/ 185) رقم ( 670)كتاب الأذان – هل يصلي الإمام بمن حضر وهل يخطب يوم الجمعة .
وعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يدخل بيت أم سُليم فتبسط له الخمرة. فيصلي فيه عليها). مسند أحمد رقم (6/334)، والطبراني في المعجم الكبير، (24/13).
وعن عائشة-رضي الله عنها قالت كان لنا حصير نبسطها بالنهار ونتحجرُها علينا بالليل). رواه أحمد في مسنده رقم ( 23186).
وعن المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- أن النبي-صلى الله عليه وسلم-كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة). سنن أبي داود – كتاب الصلاة – باب الصلاة على الحصير.
سيوفه - صلى الله عليه وسلم-:
كان له تسعة سيوف، منها: ذو الفقار، والقلعى، والبتار، والحتف، والمخدم، والرسوب، والقضيب، وهو أول سيف تقلد به -عليه الصلاة والسلام-.
وكان له سيف آخر تركه له والده. راجع: غاية السؤل في سيرة الرسول (58).
وقال في سبل الهدى والرشاد وله من السيوف إحدى عشر سيفاً:
الأول: المأثور – وهو أول سيف ملكه، ورثه من أبيه، وقدم به المدينة، وهو الذي يقال: إنه من عمل الجنّ.
وروى ابن سعد عن عبد المجيد بن سهْل قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة في الهجرة بسيف كان لأبي (قُثَم) مأثور يعني أباه.
الثاني: ذو الفقار، كان وسطها مثل الفقرات غنمه يوم بدر، وكانت للقاضي ابن حُنبَّه السهمي- وكان لا يكاد يفارقه في حروبه، وكان قائمته، وقبضته، وذؤابته، وبكراتُه، ونُصله، من فضة.
الثالث والرابع والخامس: أصابهم من سلاح بني قينقاع.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد بن المعلّى قال: أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: قلعَّية: وسيف يدعى البتار، والبتار القاطع، وسيف يدعى الحتف، روى ابن سعد عن مجاهد وزياد بن أبي مَرْيم قالا: كان سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحتف له قَرْن.
السادس والسابع: أصابهم من صنم لطيء.
روى ابن سعد عن مروان بن أبي سعيد المعلى قال: كان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيف يدعى المخِدم، وسيف يدعى رسوباً أصابهما من الفلس( صنم لطيء).
الثامن: العضب: أرسل إليه به سعد بن عبادة - رضي الله عنه - عند توجهه إلى بدر.
التاسع: القضيب: أصابه من سلاح بني قينقاع.
العاشر: الصَّمصامة: كانت لعمرو بن مَعْدي كرب الزبيدي، فوهبها خالد بن سعد بن العاص بن أميه بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي استعمله - صلى الله عليه وسلم - وكانت مشهورة عند العرب.
الحادي عشر: اللُحيف وقد نظم بعض ذلك الحافظ أبو الفتح من قصيدة في ديوانه فقال:
وإِذَا هَـزَّ حُسَـاماً هَـزَّهُ حَتْـفَ الكُمَاة
مِن قَضِيبٍ وَرَسُوبِ رَأْسٍ في الضَّرَبَاتِ
أَبْيــضُ البتار قـدَّ حـدَّ البَاتــرَات
خِلتَ لَمْعَ البـَرْقِ يَبْدو مِنْ سَنَاءِ الفَقَراتِ
وَالنَارِ المْخِدَمِ المَاضي لَهيبُ الجَمَرات
وَبِما الحَتْفِ والعَضْبِ ظُهور المُعْجِزَات
راجع/ سبل الهدى والرشاد (7/363-364).
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدرٍ، وهو الذي رأى فيه الرُّؤيا يوم أحدٍ) سنن الترمذي –(4/ 110) رقم(1561) كتاب السير عن رسول الله – باب في النفل.
وعن أنس - رضى الله عنه – قال كانت قبعة سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فضةً). الجامع الصحيح للترمذي ( 4/ 173) كتاب الجهاد – باب ما جاء في السيوف.
وعن أنس بن مالك-رضي الله عنه-: أن سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حنفياً (نسبة إلى بني حنيفة قبيلة مسيلمة وكانوا معروفين بصناعة السيوف).رواه الترمذي (4/ 172) رقم ( 1691) – كتاب الجهاد – باب ما جاء في السيوف وحليتها).
قوسه ونبله - صلى الله عليه وسلم -:
عن ابن عباس- رضي الله عنه-قال: (كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يخطبهم يوم الجمعة في السفر، متوكئاً على قوس قائماً). صحيح سنن أبي داود( 1/ 204) رقم ( 971)- كتاب الصلاة-باب الرجل يخطب على قوس.
قال أبو هريرة-رضي الله عنه-أقبل رَسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-إلى الحجر فاستلمه ثم طافَ بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت، وفي يد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قوسُ، وهو آخذٌ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل******.سورة الإسراء، من الآية 81. صحيح مسلم ( 3/ 1405) رقم ( 1780)- كتاب الجهاد- باب فتح مكة).
وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص - رضى الله عنه - قال: نثل لي النبي - صلى الله عليه وسلم - كنانته يوم أحد، فقال: (ارم فِداك أبي وأمي) البخاري- الفتح ( 7/ 415) رقم ( 4055) – كتاب المغازي- باب إذا همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما.
قال ابن أبي سبرة عن مروان بن أبي سعيد قال: (كانت للنبي-صلى الله عليه وسلم-قوس تُدعَى الكتوم من نبع كُسرت يوم أُحُد، أخذها قتادة بن النعمان).تركة النبي-صلى الله عليه وسلم- ص(103).
قال صاحب عيون الأثر: وكان له من القسيّ خمس: 1. الروحاء. 2. الصفراء: من نبع، 3-البيضاء من شوحط، أصابهما من بني قينقاع. 4-الزوراء. 5-الكتوم؛ لانخفاض صوتهما إذا رمى عنها.
وكانت له جعبة: وهي الكنانة، يجمع فيها نبله، ومنطلقه: من أديم مبشور، ثلاث حِلَقها وأبزيمها وطرفها فضة. راجع: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير (2/416).
قال صاحب سبل الهدى والرشاد قسيه ست ذكر منها ما ذكره صاحب عيون الأثر الخمسة والسادس هو/ السَّداس: ذكرها جماعة وأسقطها غيرهم من السيوف.
وروى ابن ماجه عن علي-رضي الله تعالى عنه-قال: (كان بيد رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قوس عربية، فرأى رجلاً بيده قوس فارسيه، فقال: (ما هذه القناة؟ عليكم بهذه وأشباهها، ورماح القنا فإنما يؤيد الله بكم الدين، ويمكن لكم في البلاد). سنن ابن ماجه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه ( 229) رقم( 562- 286) كتاب الجهاد – باب السلاح.
وروى ابن أبي شيبة عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال كنا مع رسول الله في غزوة فأصابتنا حاجة شديدة وأصبنا غنماً فانتهبنا قبل أن نقسم وإن قدُورنا لتغلي، فأتانا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يمشي على قوسه نحونا، فكفأها بقوسه، وقال: (ليست النهبة بأحل من الميتة). سنن أبي داود-كتاب الجهاد – باب النهي عن النهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض.
الحلقة الثامنة والعشرون
الرسول كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 8 )
ذكر حربته ( صلى الله عليه وسلم ) وعنزته
عن ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كانت تركز له الحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها. والنَّاس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر فمن ثم اتخذها الأمراء). البخاري – الفتح ( 1/ 685) رقم ( 498) – كتاب الصلاة – باب الصلاة إلى الحربة.
وعن الحكم سمعت أبا جُحيفة-رضي الله عنه – قال خرج رسول الله(صلى الله عليه وسلم)بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلّى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة). البخاري – الفتح ( 1/ 3) رقم ( 187) – كتاب الوضوء – باب استعمال فضل وضوء الناس.
قال الصالحي الشامي: وعدد الحراب خمس:
الأولى: حربة يقال لها النبعة. روى الطبراني عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: (كان لرسول(صلى الله عليه وسلم)حربة تسمى النَّبعاء) الطبراني في المعجم الكبير، (11/111).
الثانية: البيضاء، وهي أكبر من الأولى.
الثالثة: العَنَزة، وهي صغيرة شبه العُكازة يمشي بها بين يديه في الأعياد، حتى تركز أمامه، فتتخذ سترة يصلي إليها وكان يمشي بها أحياناً.
وروى بن أبي شيبة عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تغرز له العنزة ويصلي إليها). قال عبد الله: وهي الحربة.
الرابعة: السهد.
الخامسة: القمرة.
روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: (كان لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)حربة تسمى القمرة)
انظر سبل الهدى الرشاد (7/365-366).
ذكر منائحه ( صلى الله عليه وسلم ):
عن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه - قال: (كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق، فأتينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فلم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة، فأوتينا بقناع فيه تمر، والقناع الطّبق، وأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا، ثم أكلنا، فلم نلبث أن جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقال: (هل أكلتم شيئاً؟ هل أمر لكم بشيء؟) فقلنا: نعم، فلم نلبث أن دفع الراعي غنمه إلى المراح فإذا شاة تيعر، فقال: هيه يا فلان ما وَلَّدت؟) قال: بَهْمَة قال: (فاذبح لنا مكانها شاة) ثم انحرف إلي فقال: (لا تحسبن أن من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا وَلَّّد الراعي بَهْمة ذبحنا مكانها شاة). سنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 1/ 29) رقم ( 129) - كتاب الطهارة -في الاستنثار.
وروى ابن سعد عن إبراهيم بن عبد، قال كانت منائح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغنم عشراً.
الأولى: عَجْوة. الثانية: زَمْزم. الثالثة: سُقيا. الرابعة: بَرَكة. الخامسة: وَرْسَة.
السادسة: إطْلال. السابعة: إطْراق. الثامنة: قُمْرة. التاسعة: غَوثَة أو غَوْثيّة.
قال ابن الأثير: كانت له(صلى الله عليه وسلم)شاة تسمى غَوْثة، وقيل غيثة، وعنَزْ تسمى اليُمن.
وروى ابن سعد عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: كانت لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)أعنُزُ صنائح ترعاهن أم أيمن.راجع سبل الهدى والرشاد (7/412-413).
وروى أيضاً عن محمد بن عبد الله الحصين قال كانت ترعى منائح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بأحد وتروح كل ليلة على البيت الذي يدور فيه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) منها شاة تسمى قمراً، ففقدها يوماً، فقال: (ما فعلت؟) فقالوا: ماتت يا رسول الله، قال: (ما فعلتم بإهابها؟) قالوا: ميتة، قال: (دباغها طَهورها) أخرجه ابن سعد في طبقاته (1/496).
ذكر لقاحه ( صلى الله عليه وسلم ):
روى ابن مسعود عن معاوية بن عبد الله بن أبي رافع قال: (كانت لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)لِقاح وهي التي أغار عليها القوم بالغابة وهي عشرون لقحة، وكانت التي يعيش بها أهل محمد(صلى الله عليه وسلم)يراح إليه كل ليلة بقربتين من لبن، وكان فيها لقائح لها غرز كما في الهدى خمس وأربعون، لكن المحفوظ من أسمائهن سنذكره.
الأولى: الحناء. الثانية: السَّمراء. الثالثة: العرِيس. الرابعة: السَعْدية. الخامسة: البَعوم، بالباء الموحدة، والعين المعجمة.
يراح إليه لبنهن كل ليلة، وكان فيها غلام لرسول الله(صلى الله عليه وسلم)يسمى يساراً، فاستاقها العرنيون وقتلوا يساراً ونحروا الحِناء.
السادسة: الرِّياء.
السابعة: بَرْدة كانت تحلب كما تحلب لِقْحتان غزيرتان، أهداها له الضحاك بن سُفيان الكلابي.
الثامنة: الحُفْدة.
التاسعة: صُهْرة أرسل بها سعد بن عُبادة من نَعَم بن عقيل.
العاشرة: الشقراء أو الرَّياء ابتاعها بسوق النَّبط من بني عامر، وقيل: كانت له لقحة تدعى سورة.
وروى ابن سعد عن أم سلمة-رضي الله عنها- قالت كان عيشنا مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم)لَقَائح بالغابة، كان قد فرقها على نسائه، فكانت لي منها لقمة تسمى العريس فكان لنا منها ما شئنا من اللبن، وكانت لعائشة لقيحة تسمى السَّمراء غزيرة، ولم تكن كلقحتي، فقرب راعيهن اللَّقاح إلى مرعى الغابة تصيب من أثلها وطِرْفائها فكانت تروح على أبياتنا، فتؤتى بها فيْحلبان فيأخذ لقحة يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أغزر منها بمثل لبنها أو أكثر). انظر سبل الهدى و الرشاد (7/7/408).
سواك النبي (عليه الصلاة والسلام)
السواك لغة :
هو بكسر السين على الأفصح، ويُطلق على الآلة والفعل، وساك الشيء سوكاً: دلكه، ويُقال: ((جاءت الغنم تساوك هزلاً، أي: يحكُ بعضها بعضاً) قال ابن فارس: (والسواك مأخوذ من تساوكت الإبل إذا اضطربت أعناقها من الهزل).
واسم العود: سواك ومسواك يُذكر ويؤنث. قال أبو زيد: (جمعه سُوك مثل: كتاب وكُتُب).
السواك في الشرع :
الآلة: هو ما تدلّك به الأسنان من العيدان وغيرها.
الفعل: استعمال عود أو غيره في الفم، لإذهاب التغيير ونحوه، وتطييب الفم.
( انظر مجلة الحكمة العدد الثامن شوال 1416هـ مقال للأخ/ صدام عبد القادر حسين ص74.)
قلت: كان من هديه (عليه الصلاة والسلام) أيضاً وزيادة على ما مضى من اهتمامه بتزيين نفسه، وتطييبها، والاهتمام بنظافة ملابسه وشعره، واعتنائه به فهو أطهر خلق الله عز وجل على الإطلاق قلباً وقالباً إضافة إلى ذلك كله كان له اهتمام خاص بما يتعلق بشأن السواك والتسوك لعلمه عليه الصلاة والسلام أنه سببٌ لتطهير الفم، وموجبٌ لرضا الله على فاعله، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عنه (السواك مطهرةٌ للفم مرضاة للرب)) النسائي-كتاب الطهارة-باب الترغيب في السواك (1-2/17) برقم 5
وكان عليه الصلاة والسلام شديد المواظبة عليه حتى أنه قال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) البخاري-كتاب الجمعة-باب السواك يوم الجمعة (2/435) برقم 887 . وفي رواية لأحمد (لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء). المسند-كتاب مسند المكثرين-باب باقي المسند السابق .
قال بعض الفقهاء :
اتفق العلماء على أنه سُنة مؤكدة لحث الشارع عليه ومواظبته، وترغيبه وندبه إليه.
(انظر الفقه الإسلامي وأدلته د/ وهبة الزحيلي (1/300).
وكان من هديه ( عليه الصلاة والسلام ) استخدام السواك في كثير من الأوقات ومن آكدها:
1. عند الصلاة: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم): ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) البخاري-كتاب الجمعة-باب السواك يوم الجمعة (2/435) برقم 887 .
2. عند الوضوء: الحديث السابق: وفي رواية: (عند كل وضوء). المسند-كتاب مسند المكثرين-باب باقي المسند السابق .
3. عند القيام من النوم: عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) إن قام من الليل يشوصُ فاه بالسواك. البخاري-كتاب الوضوء-باب السواك (1/424) برقم 245 .
4. عند تغيير الرائحة: ودليله حديث حذيفة السابق، ولأن الإنسان إذا نام ينطبق فوه فتتغير رائحته، والسواك مشروع لإزالة رائحة الفم وتطييبه.
5. عند دخول البيت: عن شريح قال: قلت لعائشة- رضي الله عنها- بأي شيءٍ كان يبدأ ( صلى الله عليه وسلم) إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك). مسلم-كتاب الطهارة-باب السواك (1/220) برقم 253 .
6. عند الانصراف من صلاة الليل: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يُصلي بالليل ركعتين ركعتين). ثم ينصرف فيستاك. أنظر صحيح ابن ماجة 1 برقم 234 الألباني
7. عند قراءة القرآن والذكر عموماً: عن عليٍ رضي الله عنه قال: (إنّ أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك). صحيح ابن ماجة 1 برقم 326 الألباني .
8. عند الصوم : عن عامر بن ربيعة - رضي الله عنه - قال: ( رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) ما لا أحصي يستاك وهو صائم). الحديث ضعيف أنظر تمام المنه للألباني برقم 38 في كل وقت وفي أي لحظة : لعموم الأحاديث الواردة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم) منها :
9. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) قال : ( السواك مطهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب). النسائي-كتاب الطهارة-باب الترغيب في السواك (1-2/17) برقم 5
10. وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله( صلى الله عليه وسلم) قال أكثرتُ عليكم في السواك ). البخاري-كتاب الجمعة-باب السواك يوم الجمعة (2/435) برقم 888
كان من هديه ( صلى الله عليه وسلم ) أن يبدأ بالسواك بالشق الأيمن :
11. عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ( كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يُعجبه التيامُن في تنعله وترجله، وطهوره وفي شأنه كله ). البخاري-كتاب الوضوء-باب التيمن في الوضوء والغسل (1/324) برقم 168
كان من هديه أيضاً غسل السواك بالماء ليزيل ما عليه :-
12. عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يُعطيني السواك أغسله ، فأبدأ به فأستاك ، ثم أغسله ، ثم أدفعه إليه . أنظر صحيح أبي داود برقم 42 الألباني
وفي ختام هذا المبحث نذكر لك أخي القارئ الكريم وننقل لك بعضاً من فوائد السواك علها تكون لنا دافعاً لمحبة هذه السُنة العظيمة المهجورة...
يقول الدكتور/ عبد العزيز عبد الرحيم :
توصل البحث إلى أن خلاصات السواك تقضي علىخمس وعشرين نوعاً من الميكروبات القاطنة في الفم.
(المصدر السابق مجلة الحكمة).
يقول الدكتور/ وهبة الزحيلي : ذكر العلماء من فوائد السواك ما يلي :
1. أنه يطهر الفم.
2. يرضي الرب
3. يبيض الأسنان
4. يطيب النكهة
5. يسوي الظهر
6. يشد اللَّثة
7. يبطئ الشيب.
8. يُصفي الخلقة.
9. يُذكي الفطنة
10. يُضاعف الأجر ويسهل النزع ويذكر الشهادة عند الموت، ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين فضيلة ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله. ( انظر الفقه الإسلامي وأدلته – وهبة الزحيلي (1/305) )
ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لما يلي :
- لمنع نخر الأسنان.
- لمنع القلح ( الطبقة الصفراء على الأسنان )
- التهابات اللثة والفم.
- منع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية والهضمية.
- منع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن وشراسة الأخلاق. ( انظر المصدر السابق )ا.هـ
والله الموفق والمعين
منبر الرسول
جاء في الصحيح أن مسجد النبيِّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كان مسقوفًا على جذوع من نخل، وكان النبيّ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صُنِع له المنبر فكان عليه سمعنا لذلك الجِذع صوتًا كصوت العشار، وللنسائيّ: اضطربتْ تلك السّارية فحنتْ كحَنين الناقة الخَلوج، أي التي انتُزِعَ ولدُها، ولأحمد وابن ماجه: فلمّا جاوز الجِذع خار حتى تصدّع وانشقّ، وفيه: فأخذ أبي بن كعب ذلك الجِذع لما هُدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بَلِيَ وعاد رفاتًا. وعند الدارمي: فأمر به صلّى الله عليه وسلّم أن يُحفَر له ويُدْفَن. ولابن زبالة: تحت المنبر، وقيل عن يساره وقيل شرقيّه، وقيل في موضعه الذي كان فيه.
وجاء في مسند الدارمي أن النبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ كان إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتّكأ على الجِذع، فبصر به رجل ورد المدينة فقال: لو أعلم أن محمدًا يخمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسًا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام . فبلغ النبيَّ، صلّى الله عليه وسلّم، فقال:" ائتوني به " فأتوه فأمره أن يصنع له المَراقيَ الثلاث والأربع، وهي الآن في مسجد المدينة، فوجد النبي صلّى الله عليه وسلم في ذلك راحة.
وبعد أن ذكر السمهودي هذا الكلام في كتابه خلاصة الوفا " ص162 وما بعدها، قال في ص164: وأشهر الأقوال أن الذي صنع المنبر" باقوم" الذي بنى الكعبة لقريش، وقيل غيره، وذكر بعض أهل السير أنه كان يخطب على منبر من طين، وأن الصحابة صنعوا له مقعدًا من طين يجلس عليه ليعرفه الناس الوافدون إليه، وكان يخطب عليه، وكان ذلك في أول الهجرة، وفي قصة الإفك عبارة:" ورسول الله قائم على المنبر". وذكر ابن سعد أن المنبر كان سنة سبع وأن ابن النّجار جزَم أنه كان سنة ثمانٍ، كما ذكر آراء في أنه كان درجتين أو ثلاثة، يجلس الرسول على الثالثة ويضع رجله على الثانية، فلما وَلِيَ أبو بكر كان يَجلس على الثانية ويضع رجله على الدّرجة السُّفلَى وجاء عمر فجلس على الأولى ووضع رجله على الأرض، ولما جاء عثمان فعل ذلك ستّ سنوات ثم علا إلى موضع النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فلمّا وَلِيَ معاوية جعل للمنبر ستَّ درجات زيادة على الثلاثة، ولما قدِم المهدي الخليفة العباسي إلى المدينة استشار الإمام مالِكًا أن يعيده إلى ما كان عليه أيّام الرسول فلم يوافق. وكان ذلك سنة 160 هـ، واحترق المسجد سنة 654هـ واشتركت مصر في تعميره. وفي عهد الملك الظاهر بيبرس البندقداري كملت عمارة المسجد، ومن بعده الناصر قَلاوون. وأرسل الظاهر منبرًا عدد درجاته تسعٌ، كما أرسل من بعده منابر أخرى. " انظر الزرقاني على المواهب اللدنية ج 1 ص 371 ".
كما بنى أهل المدينة من الآجر والنورة بسبب حريق بالمسجد حتّى سنة 688هـ فبنى الأشرف قايتباي منبرًا من الرخام، وتَوالي التّغيير على مدى الأزمان، ولم يعد للمنبر النبوي ذي الدرجات الثلاث أثر، واستمر الناس يخطُبون على المنابر الجديدة ولم ينكر عليهم أحد.
إن أصل اتِّخاذ المنبر كان لظهور الخطيب أمام الناس، وكلما ارتفع أمكن أن يسمع صوته بوضوح، وظهرت في مصر وغيرها منابر عالية في مساجدَ واسعةٍ يجتمع فيها الآلاف الذين لا يكاد البعيد منهم عن المنبر يسمع من يتحدّث، وكان يخطب عليها كِبار الشيوخ والعلماء، ومنبر المسجد الأزهر نفسه له درجات كثيرة، وما سمعنا مثل الصيحة في السنوات الأخيرة التي ترمي المنابر العالية بأنّها بدعة، وبالتالي ضلالة، مع أنه لم يرد نهي عنها وليست من العبادات التي يُتقرَّب بها إلى الله.
وأرى أن رفع المنابر إذا كان لإبلاغ الصوت هو الوسيلة الوحيدة في الماضي فإن مكبِّرات الصوت أغنتْ عن ذلك، وليس أثر المنبر في السامعين وفي تبليغ الدعوة مرتبطًا بعدد درجاته بقدر ارتباطه بصحة المعلومات والحكمة في إيصالها للسامعين.
وإذا كان ارتفاع المنابر لإسماع الناس بدعة فلماذا لا يكون استعمال مكبِّر الصوت بدعة أيضًا وهو لم يكن على عهد النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والسلف الصالح ؟
أرجو أن نفهم الدين فهما صحيحًا، وألاّ نتسرع بإصدار أحكام لا تخدم الدين بقدر ما تُسيء إليه.
الحلقة التاسعة والعشرون
كأنك تراه عليه الصلاة والسلام ( 9 )
المبحث الأول: ذكر ناقته ( صلى الله عليه وسلم ):
عن أنس قال:
كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تُسَمَّى العَضْباء وكانت لا تُسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبق فشق ذلك على المسلمين، فقال: ما لكم، فقالوا: سُبقت العضباء، فقال: إنه حقُ على الله عز وجل ألاّ يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعته). البخاري- الفتح ( 6/ 86) رقم ( 2872) – كتاب الجهاد والسير – باب ناقة النبي (صلى الله عليه وسلم).
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال أقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان بن طلة حتى أناخ عند البيت ... الحديث) البخاري – الفتح – كتاب المغازي -باب حجة الوداع.
وعن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: ( كنت رديف النبي (صلى الله عليه وسلم) على جمل أحمر). مسند أحمد –رقم ( 21030) مسند الأنصار- حديث معاذ بن جبل .
عن عكرمة بن عمار قال أخبرني الهرماس بن زياد الباهلي قال أبصرت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب الناس على ناقته العضباء بمنى). سنن أبي داود،كتاب المناسك، باب من قال خطب يوم النحر رقم(1954)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود( 1/ 368)رقم ( 1721).
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر - رضى الله عنه - فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آذن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجّ، فخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة، فصَّلى ركعتين في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد) صحيح مسلم –( 2/ 868) رقم ( 1218) كتاب الحج- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم).
وعن قدامة بن عمار الكلابي - رضى الله عنه – قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمي الجمرة على ناقةٍ صهباء ( الصهبة والصهوبة احمرار الشعر فالذكر أصهب والأنثى صهباء) لا ضربُ، ولا طرد ولا إليك) أخرجه الدارمي في كتاب المناسك (2/62) وغيره, وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر تخريجه في كتاب (الأنوار في شمائل النبي المختار) (2/605).
وعن يزيد بن أبي عبيد قال سمعتُ سَلَمة بن الأكوع - رضى الله عنه - يقول: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح (اللقاح هي الإبل) النبي(صلى الله عليه وسلم) ترعى بذي مرد، قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عفوف فقال: أخذت لقاحُ رسول الله(صلى الله عليه وسلم)قلت: من أخذها؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات يا صباحاه قال: فأسمعت بين لابتي المدينة، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يسقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت رامياً، وأقول: أنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع، وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة.
قال: وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث إليهم الساعة، فقال: "يا ابن الأكوع ملكت فأسجح" (أسجح والإسجاح: حسن العفو) قال: ثم رجعنا فيردفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته حتى دخلنا المدينة). البخاري – الفتح- ( 6/ 189) رقم 3041) -كتاب الجهاد – باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته يا صباحاه حتى يسمع الناس .
عن حميد قال سمعت أنساً يقول كانت ناقة النبي يقال لها العضباء). البخاري – الفتح ( 6/ 86)رقم ( 2871)-كتاب الجهاد والسير باب ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبي كاهل -رضي الله تعال عنه- قال رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يخطب بالناس يوم عيد على ناقة حسناء، وحبشي آخذ بخطامها). سنن ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ( 1/ 216) رقم ( 1063) -كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها- باب ما جاء في الخطبة في العيدين.
ومن الإبل القصواء، قيل: وهي التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم يكن بها عضب ولا جدع، وإنما سُميتا بذلك. وقيل: كان بأذنها عضب، فسميت به، وهل العضباء والجدعاء واحدة، أو اثنتان؟ فيه خلاف.. وغنم يوم بدر جملاً مهرياً لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة، فأهداه يوم الحديبية ليغيظ به المشركين). زاد المعاد/ 1/134-135) مؤسسة الرسالة ( الطبعة السابعة والعشرون).
قال الشيخ/ محمد ابن الحاج حسن الآلاني الكردي في قصيدته:
والناقة القصواء مع مهرية
***
ومائة الغنم مع شويهية
انظر كتاب/ رفع الخفاء بشرح ذات الشفاء للآلاني الكردي (2/48) مكتبة النهضة العربية الطبعة الأولى/ تحقيق حمدي السلفي- صابر الزيباري.
وعن قدامة بن عبد الله العامري قال رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رمى الجمرة يوم النحر على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك). سنن ابن ماجه، و صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2/ 178) رقم ( 2461). الحج والعمرة والزيارة.
والصهباء: الشقرا.
قال ابن كثير: (وكان له ( صلى الله عليه وسلم ) من النوق: العضباء – والجدعاء- والقصواء) وروي عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال: إنما كان له ناقة واحدة موصوفة بهذه الصفات الثلاث، وهذا غريب جداً حكاه النووي.
المرجع: الفصول في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير (124) دار الكتب العلمية/ الطبعة الأولى.
المبحث الثاني: ذكر بغلته - صلى الله عليه وسلم-:
عن ابن عباس - رضى الله عنه – قال شهدت مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم)يوم حنين، أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله(صلى الله عليه وسلم)فلم نفارقه، ورسول الله(صلى الله عليه وسلم)على بغلةٍ له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفارُ، ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)يركض بغلته قبل الكفار. قال عبّاس: وأنا آخذ بعنان بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): (أي عباس نادِ أصحاب السمرة), فقال عباس: وكان رجلاً صيتاً- فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة؟ قال: فوا الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي؛ عطفة البقر على أولادها فقال: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار فنظر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، قال: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: (انهزموا ورب محمد), فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرَى حدهم كيلاً، وأمرهم مدبراً).صحيح مسلم (3/ 1398) رقم ( 1775) كتاب الجهاد والسير- باب غزوة حنين.
وعن عكرمة عن إياس عن أبيه قال لقد قدت بنبي الله(صلى الله عليه وسلم)والحسن والحسين على بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي(صلى الله عليه وسلم)هذا قدامه وهذا خلفه). صحيح مسلم ( 4/ 1882) رقم ( 2423) كتاب فضائل الصحابة –باب فضائل الحسن والحسين.
وأما البغال فثلاثة: الدلدل، وهي أول بغلة ركبت في الإسلام، وفضة، وهبها له أبوبكر، والأيلية.راجع: " غاية السؤل في سيرة الرسول" (56).
وكانت له بغلة يقال لها الدُّلدُل. أهداها له المقوقس، وحضر بها يوم حنين، وقد عاشت بعده - صلى الله عليه وسلم - حتى كان يُحس لها الشعير لما سقطت أسنانها، وكانت عند علي، ثم بعده عند عبد الله بن جعفر. راجع الفصول في سيرة الرسول (125).
وكانت له بغلة أهداها له المقوقس شهبا، يقال لها: دُلدل، مع حمار يقال له: عفير، وبغلة يقال لها: فضة، أهداها له فروة الجذامي، مع حمار يقال له يعفور، فوهب البغلة لأبي بكر، وبغلة أخرى.
قال أبو حميد الساعدي: غزونا تبوك فجاء رسول الله ابنُ العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأهدى له بردة، وكتب له ببحرهم). مسلم كتاب الفضائل -باب في معجزات النبي (4/ 1785). رقم (1392).
وقال ابن سعد: وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببغلة وجبة سندس. وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح وهو ضعيف. ويقال: إن كسرى أهدى له بغلة، وهذا بعيد لأنه لعنه الله مزق كتاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ). راجع: السيرة النبوية للإمام الذهبي (المستقاة من تاريخ الإسلام) 360.
الحيف والضرسُ ثم سبحة
***
بغاله فدلــدل وفضة
(دلدل) بدالين مضمومين أهداها له(صلى الله عليه وسلم)المقوقس، وكانت شهباء. وقد كبرت حتى زالت أضراسها، وكان علي-رضي الله عنه-يركبها بعده(صلى الله عليه وسلم)وروي أن عثمان-رضي الله عنه-كان يركبها ثم يركبها الحسن، ثم الحسين ثم محمد ابن الحنفية حتى عميت من الكبر.
(وفضة) أهداها فروة الجذامي.
(وأيلة) أي بغلة منسوبة إلى أيلة بفتح الهمزة بلد بين مصر وينبع، ونسبت إليها؛ لأنها أهداها له-صلى الله عليه وسلم -صاحب أيلة، وكانت شهباء، وله بغلة أخرى أهداها له صاحب دومة الجندل، وأخرى من عند النجاشي، فكان يركبها. راجع/ رفع الخفاء شرح ذات الشفاء (46).
وعن البراء-رضي الله عنه–قال قال له رجل: يا أبا عمارة وليتم يوم حنين, قال: لا والله ما ولى النبي-صلى الله عليه وسلم–ولكن ولى سرعان الناس, فلقيهم هوازن بالنبل والنبي(صلى الله عليه وسلم) على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبي يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). البخاري- الفتح ( 6/ 88) رقم ( 2874)-كتاب الجهاد والسير- باب بغلة النبي البيضاء.
وذكر صاحب عيون الأثر عدداً من البغال هي كالتالي:
بغلة شهباء: يقال لها دلدل.
بغلة: يقال لها فضة.
بغلة: أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة.
بغلة: بعث بها صاحب دومة الجندل.
بغلة: قيل أهداها له كسرى.
بغلة: أهداها النجاشي.
فهذه ست.
راجع عيون الأثر (2/422) دار ابن كثير, الطبعة الأولى.
وقد ماتت بغلة الدلدل بينبع (وهو مضارع نبع: حِصن وقرية غنّاء على يمين ر ضوى لمن كان منحدراً من أهل المدينة إلى البحر ليلة من ر ضوى) والدلدُل: عظيم القنافِذ. والدُّلدُل: الاضطراب وقد تدلدل الشيء: أي تحرك متدلياً.
بغلته السابعة: تسمى حِمارة شامية).
وعن أبي إسحاق قال : سمعت عمرو بن الحارث قال : ( ما ترك النبي (صلى الله عليه وسلم ) إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضاً تركها صدقة). البخاري- الفتح ( 6/ 88) رقم ( 2873)-كتاب الجهاد والسير –باب بغلة النبي البيضاء .
راجع/ سبل الهدى والرشاد (7/403-405).
المبحث الثالث: ذكر حماره - صلى الله عليه وسلم -:
عن معاذ - رضى الله عنه – قال كنت رِدْف النبي (صلى الله عليه وسلم) على حمار يقال له عُفَيْر). البخاري- الفتح- ( 6/ 69) رقم ( 2856)كتاب الجهاد- باب اسم الفرس والحمار.
وعن معاذ-رضي الله عنه–قال كنت ردف النبي (صلى الله عليه وسلم)على حمارٍ يقال له عفَيْر، فقال: (يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يُعذب من لا يشرك به شيئاً) فقلت: يا رسول الله أفلا أبشرُ به الناس، فقال: لا تبشرهم فيتكلوا). صحيح مسلم- (1/ 58)رقم (30)-كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة .
وعن أنس - رضى الله عنه – قال قيل للنبي (صلى الله عليه وسلم): لو أتيت عبد الله بن أبيّ. فانطلق إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سنخة ( المتغيرة الريح) فلمّا أتاه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: إليك عني والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجُل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أطيب ريحاً منك) صحيح مسلم, (3/ 1422) رقم ( 1798)-كتاب الجهاد –باب في دعاء النبي وصبره على أذى لمنافقين.
وقد ذكر صاحب كتاب سبل الهدى والرشاد بعض حُمر النبي(صلى الله عليه وسلم).
الأول: عُفير، بضم العين المهملة، وفتح الفاء، وقيل بالغين المعجمة، قال النووي والحافظ: وهو غلط، مأخوذ من العُفرة، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك لكون العُفرةَ حمرة يخالطها بياض، أهداه له المقوقس قال ابن عبدوس: كان أخضر، قال أبو محمد الدمياطي: عُفير تصغير عَفر مرخماً مأخوذ من العفرة، وهو لون التراب، كما قال في تصغير أسود أُسيود، وتصغيره غير مرخم أُعيقر كأسود.
وروى ابن أبي شيبة، والبخاري، والبرقي عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال: كنت رِدْف رسول الله - صلى الله عليه وسلم – على حمار يقال له عُفير، وكان يُسمى تشبيهاً في عَدْوه باليعفور، وهو الظبي، وقيل: الخُشَيْف: ولد البقرة الوحشية أيضاً، العفير من الظباء التي يعلوا بياضها حمرة وهو أضعف الظباء عدواً، وعفير أهداه له المقوقس، وأما يعفور فأهداها له فروة ابن عمرو الجذامي. ويقال: إن حمار المقوقس يعفور، وحمار فروة عفير.
الثاني: يعفور بسكون العين المهملة وضم الفاء، وهو اسم ولد الظبي، سمي بذلك لسرعته أهداه له فروة بن عمرو الجذامي.
روى ابن سعد عن زامِل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو الجُذامي لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حماره يعفوراً، ويقال: بل أهدى الأول، وأهدى المقوقس الثاني، قال الحافظ: وهو عُفير المتقدم، قال محمد بن عمر: نفق يعفور منصرف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من حجة الوداع، وذكر السهيلي أن اليعفور طرح نفسه في بئر يوم مات النبي - صلى الله عليه وسلم - فمات.
الثالث: حمار أعطاه له سعد بن عُبادة - رضي الله عنه - وذكر أبو زكريا بن منده في كتاب أسامي من أردفه ( صلى الله عليه وسلم ) من طريق عمرو بن سرجيس.
الرابع: حمار أعطاه له بعض الصحابة.
روى عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يمشي إذ جاء رجل معه حمار، فقال: يا رسول الله اركب فتأخر الرجل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا، أنت أحق بصدر دابتك مني إلا أن تجعله لي) قال: فإني قد جعلته لك، قال: فركب) رواه أحمد 5/353).
راجع: سبل الهدى والرشاد (405-406).
الحلقة الثلاثون
فضائله صلى الله عليه وسلم
* فضائله *
1- قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا)(الأحزاب 45، 46).
2- (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(الأحزاب: 40).
3- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(الأنبياء: 107).
4- وقال صلى الله عيه وسلم: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة" صحيح مسلم.
5- وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شفيع في الجنة، لم يُصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن نبيًا من الأنبياء ما صدقه من أمته إلا رجل واحد" صحيح مسلم.
6- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيام، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع" صحيح مسلم.
7- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" رواه الترمذي وابن ماجه وهو حديث حسن صحيح.
8- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون لـه، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين" رواه البخاري ومسلم.
9- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري: دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور أضاءت لها منه قصور الشام". رواه أحمد والطبراني والبيهقي وصححه ابن حبان
(لمنجدل: ملقى على الأرض).
الحلقة الحادية والثلاثون
أخلاقه صلى الله عليه وسلم ( 1 )
أخلاقه صلى الله عليه وسلم :
كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأصدقهم لهجة، وألينهم طبعاً، وأكرمهم عشرة، قال تعالى: ( إنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ )[القلم:4].
وكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأعف الناس وأكثرهم تواضعاً، وكان صلى الله عليه وسلم
أشد حياء من العذراء في خدرها، يقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة ولا يأكلها، ولا يغضب لنفسه،
وإنما يغضب لربه، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد، ولا يدُّ ما حضر، ولا يتكلف ما لم يحضره،
وكان لا يأكل متكئاً ولا على خوان، وكان يمر به الهلال ثم الهلال ثم الهلال،
وما يوقدفي أبياته صلى الله عليه وسلم نار، وكان صلى الله عليه وسلم يجالس الفقراء والمساكين
ويعود المرضى ويمشي في الجنائز.
وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً، ويضحك من غير قهقهة،
وكان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله، وقال:
( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )[الترمذي وصححه الألباني]،
قال أنس بن مالك رضي الله عنه:
خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلت كذا!!.
وما زال صلى الله عليه وسلم يلطف بالخلق ويريهم المعجزات، فانشق له القمر، ونبع الماء من بين أصابعه،
وحنَّ إليه الجذع، وشكا إليه الجمل، وأخبر بالغيوب فكانت كما قال.
الحلقة الثانية والثلاون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 2 )
باب ماجاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم
343ـ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَارِجَةَ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَقَالُوا لَهُ : حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : مَاذَا أُحَدِّثُكُمْ ؟ كُنْتُ جَارَهُ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا ، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا ، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا ، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
344ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ ، يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ أَبُو بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ عُمَرُ ؟ فَقَالَ : عُمَرُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَا خَيْرٌ أَوْ عُثْمَانُ ؟ فَقَالَ : عُثْمَانُ ، فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَصَدَقَنِي فَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ
345ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ ، لِمَ صَنَعْتَهُ ، وَلا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ ، لِمَ تَرَكْتَهُ ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا ، وَلا مَسَسْتُ خَزًّا وَلا حَرِيرًا ، وَلا شَيْئًا كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ ، وَلا عِطْرًا كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم
346ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَحَمْدُ بْنُ عَبْدَةَ هُوَ الضَّبِّيُّ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، قَالا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سَلْمٍ الْعَلَوِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ ، قَالَ : وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لا يكَادُ يُواجِهُ أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ ، فَلَمَّا قَامَ ، قَالَ لِلْقَوْمِ : لَوْ قُلْتُمْ لَهُ يَدَعُ هَذِهِ الصُّفْرَةَ
347ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجَدَلِيِّ وَاسْمُهُ عَبْدُ بْنُ عَبْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَاحِشًا ، وَلا مُتَفَحِّشًا وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ ، وَلا يَجْزِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ
348ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلا ضَرَبَ خَادِمًا َوِلا امْرَأَةً
349ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلَمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ ، مَا لَمْ يُنْتَهَكْ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ تَعَالَى شَيْءٌ ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ شَيْءٌ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا ، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ ، إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا
350ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتِ : اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَنَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ ، فَأَلانَ لَهُ الْقَوْلَ ، فَلَمَّا خَرَجَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ
351ـ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ ، وَيُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : قَالَ الْحُسَيْنُ : سَأَلْتُ أَبي عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فِي جُلَسَائِهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، دَائِمَ الْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ ، لَيِّنَ الْجَانِبِ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلا غَلِيظٍ ، وَلا صَخَّابٍ وَلا فَحَّاشٍ ، وَلا عَيَّابٍ وَلا مُشَاحٍ ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لا يَشْتَهِي ، وَلا يُؤْيِسُ مِنْهُ رَاجِيهِ وَلا يُخَيَّبُ فِيهِ ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلاثٍ : الْمِرَاءِ ، وَالإِكْثَارِ ، وَمَا لا يَعْنِيهِ ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلاثٍ : كَانَ لا يَذُمُّ أَحَدًا ، وَلا يَعِيبُهُ ، وَلا يَطْلُبُ عَوْرتَهُ ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ ، كَأَنَّمَا عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ ، وَيَقُولُ : إِذَا رَأَيْتُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ يِطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ ، وَلا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلا مِنْ مُكَافِئٍ وَلا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعُهُ بِنَهْيٍ أَوْ قِيَامٍ
352ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ، يَقُولُ : مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ : لا
353ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عِمْرَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، حَتَّى يَنْسَلِخَ ، فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ
354ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، لا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ
355ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الْمَدِينِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَا عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ ، فَإِذَا جَاءَنِي شَيْءٌ قَضَيْتُهُ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، قَدْ أَعْطَيْتُهُ فَمَّا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَ عُمَرَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنْفِقْ وَلا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ الْبِشْرَ لِقَوْلِ الأَنْصَارِيِّ ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُ
356ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ وَأَجْرٍ زُغْبٍ ، فَأَعْطَانِي مِلْءَ كَفِّهِ حُلِيًّا وَذَهَبًا
357ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا
الحلقة الثالثة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 3 )
من حلم النبي صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).
2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه بُرد نجراني غلظ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجذبه بردائه جبذة شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد أثرت بها حاشية البُرد من شدة جبذته ، قال ، يا محمد ، مُر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضحك ، ثم أمر له بعطاء .
3- وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبدالقيس (إن فيك لخصلتين يحبهما الله : الحلم والأناة) .
4- نزل النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه ، ثم نام ، فاستيقظ وعنده رجل وهو لا يشعر به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن هـذا اخترط سيقي ، فقال : من يمنعك ؟ قلت : الله ، فشام السيف ، فها هو ذا جالس ، ثم لم يعاقبه . (واللفظ للبخاري مختصراً - اخترط سيفي : سله من غمده ، فشام السيف : أعاده لغمده) .
الغضب وعلاجه :
1- قال الله تعالى : {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ****** .
2- وقال الله تعالى : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
3- وعن عائشة قالت : ( ...... وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله بها) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (من كظم غيظاً وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، حتى يخبره في أي الحور شاء) .
4- وقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصُرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عن الغضب) .
5- جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أوصني ولا تكثر عليّ ، لعلي أحفظ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تغضب .
6- وعن سليمان بن صُرد قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحن عنده جلوس ، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً ، قد احمر وجهه .
النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" .
الصحابة للرجل : ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم .
الرجل الغاضب : إني لست بمجنون .
7- وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
قال : الصبر عند الغضب ، والعفو عند الإساءة ، فإذا فعلوا عصمهم الله ، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم .
8- وقال صلى الله عليه وسلم : (إذا غضب أحدكم وهو قائم ، فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب ، وإلا فليضطجع) .
العفو عند الخصام :
1- عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلاً شتم أبا بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يتعجب ويبتسم ، فلما أكثر رد عليه بعض قوله ، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقام فلحقه أبوب بكر :
أبو بكر : يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت .
الرسول صلى الله عليه وسلم : كان معك ملك يرد عليه ، فلما رددت عليه وقع الشيطان (أي حضر) ، يا أبا بكر : ثلاث كلهن حق :
ما من عبد ظُلم بمظلمة ، فيغضي ([i]) عنها الله عز وجل ، إلا أعز الله بها نصره ، وما فتح رجب باب عطية ([ii]) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة ، وما فتح رجب باب مسألة ([iii]) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة) .
2- وقال صلى الله عليه وسلم : (المستبان ما قالا ، فعل البادئ ما لم يعتد المظلوم) .
دل الحديث على جواز مجازاة من ابتدأ الإنسان بالأذية أو السب بمثله ، وأن إثم ذلك عائد على البادئ ، لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب ، إلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام،فيختص به إثم عدوانه ، لأنه إنما أذن في مثل ما عوقب به .
قال تعالى : (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
وعدم المجازاة والصبر والاحتمال أفضل ، كما مر في حديث أبي هريرة الأول .
3- وقال صلى الله عليه وسلم : (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) .
ومعناه أن الله يبغض من كان شديد المراء الذي يحج صاحبه ، وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك ، لإظهار خلل فيه ، لغير غرض سوى تحقير قائله ، وإظهار مزيتك عليه .
--------------------------------------------------------------------------------
([i]) يعفو عنها .
([ii]) أي باب صدقة يعطيها لغيره .
([iii]) أي يسأل الناس المال .
من رفق الرسول صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).
الحديث الأول : عن انس رضي الله عنه قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد .
أصحاب الرسول : ( يصيحون به) مه مه (أي أترك) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : لا تزرموه دعوه ( لا تقطعوا بوله) .
يترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله ثم يدعو الرسول الأعرابي .
الرسول للأعرابي : إن المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول والقذر ، إنما هي لذكر الله ، والصلاة ، وقراءة القرآن .
الرسول (لأصحابه) : إنما بعثتم ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ، صبوا عليه دلواً من الماء .
الأعرابي : اللهم أرحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً .
الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد تحجرت واسعاً ( أي ضيقت واسعاً) .
الحديث الثاني : وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال : بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا عطس رجل من القوم (أي المصلين)
معاوية (للعاطس) : يرحمك الله .
المصلون : ينظرون لي منكرين .
معاوية يخاطبهم : وأثكل أماه ، ما شأنكم تنظرون إليّ ؟ .
المصلون يضربون بأيديهم على أفخاذهم ليسكت فسكت عندما رآهم يصمتونه حتى انتهت الصلاة .
معاوية يمدح الرسول : بأي هو وأمي : ما رأيـت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ، فوالله ما كهرني ، ولا ضربني ، ولا شتمني (كهرني : قهرني) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير ، وقراءة القرآن .
معاوية : يا رسول الله ، إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالإسلام ، وإن منا رجالاً يأتون الكهان (الذي يدعون علم الغيب) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : فلا تأتهم .
معاوية : ومنا رجال يتطيرون (يتشاءمون) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : ذاك شئ يجدونه في صدورهم ، فلا يصدنهم (أي لا يمنعهم ذلك عن وجهتهم ، فإن ذلك لا يؤثر نفعاً ولا ضراً) .
الحديث الثالث : وعن عائشة قالت : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم :
اليهود : السام عليكم (الموت عليك) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : وعليكم .
عائشة : السام عليكم ، ولعنكم الله وغضب عليكم .
الرسول صلى الله عليه وسلم : مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش .
عائشة : أو لم تسمع ما قالوا ؟
الرسول : أو لم تسمعي ما قلت : رددت عليهم فيستجاب لي ، ولا يستجاب لهم فيّ .
وفي رواية لسلم : ( لاتكوني فاحشة ، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش)
أحاديث الرفق :
1- قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على سواه) .
2- وقال صلى الله عليه وسلم ، لعائشة : (عليكم بالرفق ، وإياك والعنف ، والفحش ، إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه ، ولا ينزع من شئ إلا شانه) (أي عابه) .
3- وقال صلى الله عليه وسلم : (يا عائشة إرفقي ، فإن الله إذا أراد بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق) .
4- وقال صلى الله عليه وسلم : (من يُحرم الرفق ، يُحرم الخير كله) .
5- وقال صلى الله عليه وسلم : ( مـن أعطى حظه من الرفق ، فقد أُعطي حظه من الخير ، ومن حُرم حظه من الرفق ، فقد حُرم حظه من الخير) .
6- كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم : إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره ، قال : بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا .
7- وقال صلى الله عليه وسلم : إني لأدخل في الصلاة ، وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه (أتجوز : لا أطيل ، وجد أمه : حزن أمه) .
الحلقة الرابعة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 4 )
باب ماجاء في تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم
330ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ
331ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ، فَقَالَ : اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ شِئْتِ ، أَجْلِسْ إِلَيْكِ
332ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الأَعْوَرِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ ، وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بَحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ ، وَعَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ
333ـ حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، يُدْعَى إِلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَالإِهَالَةِ السَّنِخَةِ ، فَيُجِيبُ وَلَقَدْ كَانَ لَهُ دِرْعٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ ، فَمَا وَجَدَ مَا يَفُكُّهَا حَتَّى مَاتَ
334ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : حَجَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ ، وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ ، لا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا ، لا رِيَاءَ فِيهِ ، وَلا سُمْعَةَ
335ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ
336ـ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ ، يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللهِ ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، قَالَ : سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ ، وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، : -
قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ يَصْنَعُ فِيهِ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرِنُ لِسَانُهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ ، وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلا يُنَفِّرُهُمْ ، وَيُكْرِمُ كَرَيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ ، وَيُحَذِّرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَخُلُقَهُ ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ، وَيُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُقَوِّيهِ ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّيهِ ، مُعْتَدِلُ الأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ، لا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا ، لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ ، لا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلا يُجَاوِزُهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً ، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً قَالَ : فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يَقُومُ وَلا يَجَلِسُ ، إِلا عَلَى ذِكْرٍ ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ ، جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ ، وَيَأْمُرُ بِذَلِكَ ، يُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ ، لا يَحْسَبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ فَاوَضَهُ فِي حَاجَةٍ ، صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفُ عَنْهُ ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلا بِهَا ، أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ عِلْمٍ وَحِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَأَمَانَةٍ وَصَبْرٍ ، لا تُرْفَعُ فِيهِ الأَصْوَاتُ ، وَلا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ ، وَلا تُثَنَّى فَلَتَاتُهُ ، مُتَعَادِلِينَ ، بَلْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ بِالتَّقْوَى ، مُتَوَاضِعِينَ يُوقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ ، وَيَرْحَمُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ ، وَيَحْفَظُونَ الْغَرِيبَ
337ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَزِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلتُ ، وَلوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لأَجَبْتُ
338ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ برَاكِبِ بَغْلٍ وَلا بِرْذَوْنٍ
339ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ الْعَطَّارُ ، قَالَ : سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ، قَالَ : سَمَّانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُوسُفَ ، وَأَقْعَدَنِي فِي حِجْرِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي
340ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ وَهُوَ ابْنُ صَبِيحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، حَجَّ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ ، كُنَّا نَرَى ثَمَنَهَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ لا سُمْعَةَ فِيهَا وَلا رِيَاءَ
341ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَجُلا خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَرَّبَ مِنْهُ ثَرِيدًا عَلَيْهِ دُبَّاءُ ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَأْخُذُ الدُّبَّاءَ ، وَكَانَ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ ، قَالَ ثَابِتٌ : فَسَمِعْتُ أَنَسًا ، يَقُولُ : فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ ، أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءُ ، إِلا صُنِعَ
342ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، قَالَتْ : قِيلَ لِعَائِشَةَ : مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ ، يَفْلِي ثَوْبَهُ ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ
--------------------------------------------------------------------------------
من تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم :
--------------------------------------------------------------------------------
1- قال الله تعالى : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ****** .
2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحسن الناس خُلقاً ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير ، وهـو فطيم ، كان إذا جاءنا ، قال : يا أبا عمير ، ما فعل النغير؟ النغير كان يعلب به (طائر يشبه العصفور) .
3- وعن الأسود بن يزيد النخعي رحمه الله قال : سألت عائشة رضي الله عنها : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت : يكون في مهنة ([i]) أهله ، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج للصلاة .
4- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن كانت الأمة ([ii]) لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق به حيث شاءت .
5- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهيته لذلك .
6- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبدالله ورسوله) .
(الإطراء : الزيادة في المدح) .
7- كان يزور الأنصار ويُسلم على صبيانهم ، ويمسح رؤوسهم .
8- كان لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه ، وسكت .
9- كان يأتي ضعفاء المسلمين ، ويزورهم ، ويعود مرضاهم ، ويشهد جنائزهم .
10- كان يتخلف في المسير ، فيُزجى الضعيف ، ويُردف ويدعو لهم .
(يزجي : يسوق الضعيف ليلحق بأهله ، يُردف : يُركب خلفه) .
11- كان يكثر الذكر ، ويقل اللغو ، ويطيل الصلاة ، ويقصر الخطبة ، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمضي مع الأرملة والمسكين ، والعبد ، حتى يقضي له حاجته .
( لا يأنف : لا يمتنع) .
12- كان يجلس على الأرض ، ويأكل على الأرض ، ويعقل الشاة .
13- كان لا يدفع عنه الناس ولا يضربوا عنه .
14- كان لا يرد الطيب .
15- كان يلاعب زينب بنت أم سلمة ، ويقول : ( يا زوينب ، يا زوينب مراراً) .
16- عن جابر رضي الله عنه قال : أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر يمشيان .
17- وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم .
18- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ، وقالت : كان بشراً من البشر يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ويخدم نفسه .
19- وعن أنس قال : خدمت رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ، وأنا ابن ثمان سنين فما لامني على شئ قط أتي فيه (أي أهلك وأتلف) فإن لامني لائم من أهله قال : "دعوه ، فإنه لو قُضي شئ كان" .
--------------------------------------------------------------------------------
أحاديث في التواضع :
1- قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد) .
2- وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه) .
3- وقال صلى الله عليه وسلم : ( لو دُعيت إلى كراع ، أو ذراع لأجبت ، ولو أهدي اليّ ذراع أو كراع لقبلت) .
4- وعن أنس رضي الله عنه قال : كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم : (العضباء) لا تسبق ، أو لا تكاد تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له (جمل) فسبقها ، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حق على الله أن لا يرتفع شئ من الدنيا إلا وضعه .
5- وقال صلى الله صلى الله عليه وسلم : (ما بعث الله نبياً إلا رعي الغنم ، قال أصحابه : وأنت ؟ فقال نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) .
6- وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث وقال : (إذا سقطت لُقمة أحدكم فليأخذها ، وليمط عنها الأذى ، وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان ، وأمرنا أن نسلـت القصعـة ، وقال : إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة ) .
--------------------------------------------------------------------------------
([i]) حوائج أهله وخدمتهم .
([ii]) الجارية يذهب معها الرسول صلى الله عليه وسلم ليقضي لها حاجتها .
الحلقة الخامسة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 5 )
من صبر النبي صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).
2- حديث متفق عليه :
عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟
الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبدالليل بن عبدكلال ، فلم يجبن إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب ([i]) ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت ، فإذا فيها جبريل .
جبريل (ينادي) : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم .
ملك الجبال : (يسلم على الرسول ويقول) : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) .
الرسول صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبـد الله وحده ، ولا يشرك به شيئاً .
3- حديث متفق عليه :
وعن ابن مسعود قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قسماً
رجل يقول : ما أريد بهذا وجه الله .
ابن مسعود يذكر كلام الرجل للرسول صلى الله عليه وسلم : فيتمعر وجهه (أي يتغير)
الرسول صلى الله عليه وسلم : يرحم الله موسى ، قد أوذي بما هو أشد من هذا فصبر.
4- حديث رواه مسلم :
الرسول صلى الله عليه وسلم : في غزوة أحد تكسر رباعيته ، ويشج رأسه ، فجعل يسلت الدم عنه ويقول :
الرسول صلى الله عليه وسلم : كيف يُفلح قوم شجوا نبيهم ، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله ؟
القرآن ينزل : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ****** .
5- عن خباب بن الأرث قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بُردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعوا لنا ؟ فقال : (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر لـه في الأرض فيجعل فيها ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه .
والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون .
--------------------------------------------------------------------------------
([i]) جبل بين الطائف ومكة .
من شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ).
2- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحسن الناس وجهاً ، وكان أجود الناس ، وكان أشجع الناس ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة ، فانطلق ناس من قِبل الصوت ، فلتقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، راجعاً ، وقد سبقهم إلى الصوت ، وفي رواية : وقد استبرأ الخبر وهو على فرس عُري لأبي طلحة ، في عنقه السيف ، وهو يقول ك لن تراعوا ، قال : وجدناه بحراً ، أو إنه لبحر ، قال : وكان فرساً يُبطأ . (وجدناه بحراً : وجدنا الفرس سريعاً) .
3- جاء رجل إلى البراء ، فقال : أكتم وليتم يوم حنين ، يا أبا عمارة ؟ فقال : أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ، ولكنه انطلق أخفاء من الناس ، وحسر إلى هذا الحي من هوازن ، وهم قوم رماة ، فرموهم برشق من نبل ، كأنها رجل من جراد ، فانكشفوا ، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته ، فنزل ودعا واستنصر ، وهو يقول : (أنا النبي لا أكذب ، أنا ابن عبدالمطلب ، اللهم أنزل نصرك) .
4- قال البراء : كنا والله إذا احمر البأس نتقي به وإن الشجاع منا الذي يُحاذي به (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) .
5- وعن علي رضي الله عنه قال : لقد رأيتني يوم بدر ، ونحن نلوذ (أي نحتمي) بالنبي عليه السلام ، وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس يومئذٍ بأساً .
6- وعن جابر رضي الله عنه قال : إنا كنا نحفر ، فعرضت كدي شديدة (صخرة قوية) فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم : هذه كُدية عرضت لنا .
الرسول صلى الله عليه وسلم : أنا نازل .
يقوم الرسول وبطنه معصوب بحجر من الجوع فيأخذ المعول فيضرب الصخرة ، فتعود كثيباً أهيل (تراباً ناعماً) .
من جود النبي صلى الله عليه وسلم
1- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان ، حتى ينسلخ ، فيأتيه جبريل ، فيعرض عليه القرآن ، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة .
2- عن أنس رضي الله عنه قال : ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئـاً إلا أعطاه ، قال : فجاءه رجل فأعطه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم : أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء لا يخشى الفاقة .
3- وعن أنس : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين فأعطاه إياه ، فأتى قومه فقال : أي قوم أسلموا فوالله إن محمداً ليُعطي عطاء ما يخاف الفقر ، فقال أنس : إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا ، فما يُسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها .
4- وعن شهاب قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح : فتح مكة ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين ، فاقتتلوا بحنين ، فنصر الله دينه والمسلمين ، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يومئذٍ صفوان بن أمية مائة من النعم ، ثم مائة ، ثم مائة (النعم :الإبل) .
قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال : والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس اليّ ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس اليّ .
5- لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه ، فألجؤوه إلى شجرة ، فخطفت رداؤه ، وهو على راحلته ، فقال : (ردوا عليّ ردائي ، أتخشون عليّ البخل ؟ فوالله لو كان لي عدد هذه العضاة نعماً لقسمته بينكم ، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً) .
6- بايع الرسول صلى الله عليه وسلم جابر بن عبدالله في جمل له كان قد كلّ في السفر ، فباعه إياه بكذا درهم ، ولما جاء يتقاضاه الثمن أعطاه الثمن والجمل معاً .
الحلقة السادسة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 6 )
من عدل الرسول صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ).
2- وقال تعالى : (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ).
3- وعن عائشة قالت : إن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب ، ثم قال : إنما أهلك الذين قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ،
وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها ، قالت عائشة : فحسنت توبتها بعد وتزوجت ،
وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الحياء عن الرسول صلى الله عليه وسلم
1- قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ
وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ).
2- كان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه .
3- وقال صلى الله عليه وسلم : ( الحياء من الإيمان ) و (الحياء خير كله) .
4- وقال صلى الله عليه وسلم : ( الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار) . " البذاء : الفحش" .
5- وقال صلى الله عليه وسلم : (الحياء والإيمان قرنا جميعاً ، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر) .
6- وقال صلى الله عليه وسلم : (الحياء لا يأتي إلا بخير) .
7- وقال صلى الله عليه وسلم : (الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) .
(والمعنى أن الحياء وقلة الكلام من شعب الإيمان ، والفحش والتشدق في الكلام من شعب النفاق) .
8- وعن يعلى بن أمية قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
رأى رجلاً يغتسل بالبراز (أي بالفضاء) فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
(إن الله حي ستير ، يحب الحياء والتستر ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر) .
9- وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل دين خلقاً وإن خلق الإسلام الحياء) .
10- وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت) .
11- وقال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان) .
12- وعن سالم بن عبدالله عن أبيه قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
برجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول : إنه ليستحي يعني كأنه يقول : قد أضر بك الحياء ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن الحياء من الإيمان .
13- وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما كان الفحش في شئ إلا شانه ، ولا كان الحياء في شئ إلا زانه) "شانه : عابه" .
من آداب الرسول صلى الله عليه وسلم
1- كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ،
ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول : (السلام عليكم ، السلام عليكم) .
2- كان إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال : (بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا) .
3- كان يقبل الهدية ويُثيب عليها .
4- كان يُغير الاسم القبيح .
5- كان إذا دخل على مريض يعوده قال : ( لا بأس طهور إن شاء الله) .
6- كان إذا شرب تنفس ثلاثاً ، (خارج الإناء) .
7- كان إذا مشى مشى أصحابه أمامه ، وتركوا ظهره للملائكة .
8- كان لا يصافح النساء في البيعة . (ولا في غيرها) .
9- كـان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه ، وشماله لما سوى ذلك .
10- كان إذا طلع على أحد من أهل بيته كذبة ، لم يزل مُعرضاً عنه ، حتى يحدث توبة.
11- وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال :
ائذنوا له ، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ،
فقلت له يا رسول الله ، قلت ما قلت ثم ألنت له في القول ، فقال :
(إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه) .
(وقد اعتبر العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه وهو غائب ،
وإلانته لـه القول وهو حاضر ، من باب المداراة والتأليف ليُسلم قومه) .
الحلقة السابعة والثلاثون
أخلاقه صلى الله عليه وسلم ( 7 )
تمثل خلق الأمانة في النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
عرف النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بالأمانة و الصدق حتى لقب بالصادق الأمين و كانوا إذا ذهب أو جاء يقولون جاء الأمين و ذهب الأمين و يدل على ذلك قصة الحجر الأسود عند بناء الكعبة المشرفة بعدما تنازعهم في استحقاق شرف رفعه ووضعه في محله حتى كادوا يقتتلون لولا اتفاقهم على تحكيم أول من يدخل المسجد الحرام فكان الداخل هو محمد http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فلما رأوه قالوا : "هذا الأمين رضينا هذا محمد" فلما أخبروه الخبر قال http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : "هلم إلي ثوباً" فأتى به فأخذ الركن فوضعه بيده الطاهرة ثم قال : " لنأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده الشريفة ثم بني عليه قال ابن هشام : "وكانت قريش تسمي رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg قبل أن ينزل الوحي : الأمين"
كانت ثقة أهل قريش بالنبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg كبيرة فكانوا ينقلون إلى بيته أموالهم و نفائسهم وديعة عنده و لم يزل ذلك دأبهم حتى بعد معاداته بسبب دعوته لهم إلى الإيمان بالله تعالى و ترك عبادة الأوثان كما دل على ذلك تركه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة بعد هجرته http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ليرد ودائع الناس التي كانت عنده http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فأقام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه و أرضاه بمكة ثلاث ليال و أيامها حتى أدى عن رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg الودائع التي كانت عنده للناس حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
شهد بأمانة الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أعدائه قبل أصدقائه و صحابته فها هو أبو سفيان زعيم مكة قبل إسلامه يقف أمام هرقل ملك الروم و يعجز عن نفي صفة الأمانة عن النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg رغم حرصه عندئذ أن يطعن فيه و لكن ما أن سأله هرقل عن ما يدعو إليه النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فأجاب أبو سفيان : "يأمر بالصلاة و الصدق و العفاف و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة"
أما أصدقائه و صحابته فلم يختلف أحد على أمانته http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و من أمثلة ذلك ما قالته عنه خديجة رضي الله عنها عند بداية نزول الوحي عليه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : "...فوالله إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرحم و تصدق الحديث.." و ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة رضي الله تعالى عنه حين سأله عن الدين الذي اعتنقوه فأجاب : "حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفته.."
و لا غرو أن النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg كان مثالاً للأمانة و كيف لا و قد ائتمنه الله تعالى على رسالته الخاتمة فكان خير من أدى هذه الأمانة إلى حد الكمال فقد قال تعالى : " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" – سورة المائدة آية 3
من أقوال النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الأمانة
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا "أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة " ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: "ينام الرجل النومة، فيقبض الأمانة من قلبه، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة، فيظل أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك، فنفط فتراه منتبرا، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده! وما أظرفه! وما أعقله! وما في قلبه حبة من خردل من إيمان" و معنى (الوكت) : الأثر اليسير و (المجل) هو الانتفاخ، الذي يكون في الكف، من أثر العمل، إذا اشتغل الإنسان بشيء، يقبض عليه في يده، مثل الفأس
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: "ما خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له" – أخرجه الإمام أحمد
قال رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت و هو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة
وقوله لأبي ذر" يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" (مسلم)
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن خيانة الأمانة من صفات المنافقين فقال "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان" متفق عليه
قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة: "فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة" رواه البخاري
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من اعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها" و في رواية "ثم ينشر أحدهما سر صاحبه" أخرجه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم في الأمر بردها : " أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك" أخرجه أبو داود
تمثل خلق الإحسان إلى الأقارب في النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
كان الإحسان إلى الأرحام من شيم النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg كما قالت له أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها عند بدء الوحي حيث قالت له: "إنك لتصل الرحم..." و من أمثلة إحسانه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg لرحمه ما يلي:
1- هدايتهم إلى دين الله تعالى مع ما بذله من جهد جهيد لتحقيق ذلك و ليس أدل على ذلك من محاولاته المضنية مع عمه أبو طالب
2- ما جاء من حديث أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال:"لما نزل قوله تعالى: " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" (الشعراء-214) دعا رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg قريشاً فاجتمعوا فعم و خص و قال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا املك لكم شيئاً من الله غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها (أخرجه البخاري و مسلم) و البلال: هو الماء و المعنى سأصلها فقد شبه قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء و هذه تبرد بالصلة
3- و رغم خذلانهم و معاداتهم له إلا انه دعا الله تعالى أن يرفع عنهم القحط و الجدب عندما أصابهم القحط فقد قيل له: يا رسول الله استسق لمضر فإنها قد هلكت فاستسقى لهم صلى الله عليه وسلم فسقوا
4- و ليس أدل على إحسانه مما فعل يوم فتح مكة فلم ينتقم كما يفعل الملوك و إنما دخل http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg يقول: "اليوم يوم الرحمة" و قد أخذ http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg الراية من سعد بن عبادة أثناء دخول الجيش مكة لأنه قال:"اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة" فما كان من النبي الكريم إلا أن قال: " بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة " و عندما دخل قال لأهل مكة الذين حاربوه و قتلوا من أصحابه: "اذهبوا فانتم التلقاء"
إحسانه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg لمن آمن به من أقربائه
من أمثلة إحسانه صلى الله عليه وسلم لأقربائه:
1- بره بعمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في مواقف كثيرة: ففي بدر قال لأصحابه رضي الله تعالى عنهم: "من لقي منكم العباس فليكف عنه فإنه مكره" فأسره رجل من الأنصار و في الليل سهر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: انين العباس فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي لا أسمع أنين العباس؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فافعل ذلك بالأسرى كلهم
و بعد إسلام العباس رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه و يعظمه فقد حدث يوماً أن أوذي العباس رضي الله عنه في أبيه فصعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ثم قال: "و الذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله عز و جل و لرسوله صلى الله عليه وسلم" ثم قال: "يا أيها الناس من آذى العباس فقد أذاني إنما عم الرجل صنو أبيه" و معنى (إن عم الرجل صنو أبيه): أي مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاؤه كإيذائه
2- و من بره بأقاربه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ما كان لعمه حمزة رضي الله تعالى عنه فإن أول لواء عقده حين قدم المدينة اعطاه له ليتجه إلى ساحل البحر في ثلاثين راكباً ليلقى أبا جهل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة و لكن لم يتم بينهما قتال قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه. فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: لولا أن تحزن صفية، ويكون سنة من بعدي لتركته، حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب.
قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال لن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا ثم قال جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد، إخوة من الرضاعة أرضعتهم مولاة لأبي لهب. (سيرة ابن هشام- الجزء الثاني)
من أمثلة إحسانه صلى الله عليه وسلم لبني عمومته
من إحسانه و بره بني عمومته ما يلي:
1- احتضن النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg علي بن أبي طالب و رباه فلما شب زوجه من ابنته فاطمة الزهراء أحب الناس إليه. وقال عنه رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg:"من كنت وليه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه" (متواتر عن اثنين و عشرون صحابياً منهم أبو هريرة و عمار و ابن عباس و آخرين) و قال له: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي" (متواتر عن نيف و عشرون صحابيا) كما أمر النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بإبقائه بابه مفتوحاً إلى المسجد مع أمره http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بسد باقي الأبواب
و لا ننسى يوم خيبر عندما قال النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg لأعطين الراية رجلاً يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله و يفتح الله على يديه" و كان هذا الفارس هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
2- أحب النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ابن عمه جعفر بن أبي طالب و له مواقف كثيرة مع النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين.. وأفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمة غبطة، وسعادة وبشرا..وعانقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر..".
و نذكر هنا موقف استشهاد جعفر رضي الله تعالى عنه في يوم مؤتة و كان النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في المدينة يشرح المعركة و كان يقول: "إن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء" (ابن هشام) و بعد وفاته قام النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg إلى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فقبّلهم، وذرفت عيناه..
حث النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg لمن آمن به على الإحسان إلى أهله
حث النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg حثاً مباشراً على الإحسان إلى قرابته عليه السلام و جعل ذلك مبعثاً لرضاه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و من ذلك حدثنا أبو النضر حدثنا محمد يعني ابن طلحة عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg: " إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما " (مسند أحمد)
و عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: "قال رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg:أحبوا الله لما يغذوكم به و أحبوني لحب الله و أحبوا أهل بيتي لحبي" (أخرجه الترمذي)
كما حمل بعض المفسرين قوله تعالى: " قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى " (سورة الشورى-23) على قرابته http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و قالوا أن المعنى: لا أسألكم عليه أجراً الا ان تودوا قرابتي و أهل بيتي
حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الإحسان إلى قرابة النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
قال أبو بكر رضي الله عنه: "أرقبوا محمداً http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في أهل بيته" كما قال لعلي رضي الله عنه: "والله لقرابة رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أحب إلي أن أصل من قرابتي" (أخرجه البخاري)
و قال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: "و الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب"
الحلقة الثامنة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 8 )
تمثل خلق الرضا في رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
أولاً: أقواله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الرضا
أ- أقواله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الرضا عن الله تعالى أثناء دعوته مع ما كان يواجهه به المشركون من الصد و الإعراض و شدة الإيذاء و من أمثلة ذلك :
لما أوذي في الطائف و أغروا به سفهاءهم و صبيانهم فرموه حتى أدموا عقبه الشريف فلم يزد على أن قال : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني على الناس أنت ارحم الراحمين و رب المستضعفين و أنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" (أخرجه ابن إسحاق)
و عندئذ بعث الله تعالى ملك الجبال و قال له: "قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (هما جبلا مكة المعروفان بأبي قبيس و فعيقعان المعروف الآن بجبل هندي وهما يكتنفان أصل مكة من الجنوب و الشمال) فقال له النبي الكريم http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : "بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"
ولما اشتد الإيذاء على أصحابه الكرام من كفار قريش ليفتنوهم عن دينهم جاءه خباب بن الأرت رضي الله عنه فقال له : “يا رسول الله، ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟” فقال: "قد كان قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.(أخرجه البخاري)
هكذا كان http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg راضيا عن الله تعالى رغم ما يعانيه من شدائد في الدعوة إلى سبيله إجلالا لله تعالى و توقيرا و تعظيما له لأنه يعلم أن تلك هي سنته تعالى في الداعين إليه ليمحصهم و يرفع درجاتهم و قد أنزل الله تعالى عليه قوله جل شأنه : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) – سورة البقرة آية 214
ب - أقواله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الرضا عن الله تعالى فيما يجري به القدر في شؤون الحياة عامة و أمثله هذا النوع من الرضا كثيرة و منها:
1- رضاه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فيما يبتليه به في الحياة من متاعب في النفس و المال و البنين و الأقارب فكان http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg راضيا رضاء كاملاً رغم ما ناله من إيذاء الذي بلغ محاولة قتله
2- رضاه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بما كان عليه من قلة المال حيث بلغ رضاه حد ان جعل يدعو الله تعالى و يقول "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً" (أخرجه البخاري)
3- تحمل http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg وفاة أعز أهله فزوجته خديجة رضي الله عنها ثم عمه أبو طالب و ابنتيه رقيه و أم كلثوم عليهما سلام و أولاده الذكور من قبل عليهم السلم ثم وفاة ابنه إبراهيم عليه سلام و الذي رزق به على كبر و إذ به يعلن رضاه بذلك فيقول فيما رواه عنه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه : "إن العين تدمع و القلب يحزن و لا نقول إلا ما يرضي ربنا و إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (أخرجه البخاري)
4- صبر النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg على قتل أقاربه دفاعا عن دين الله فلم يتبرم حتى عندما قتل عمه أسد الله و رسوله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه الذي استشهد بأحد و مثل به أيما تمثيل فلم ينل هذا من رضاه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
ثانياً: دعاؤه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أن يرزقه الله تعالى الرضا
و مع ما كان عليه النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg من كمال الرضا عن الله تعالى فقد كان http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg دائم الدعاء أن يرزقه الله تعالى الرضا و الثبات فكان من دعائه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : "... وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، من غير ضراء مُضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زَيِّنا بزينة الإيمان. واجعلنا هداة مهتدين"
ثالثاً: تنويهه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بخلق الرضا و حث الأمة عليه :
كان النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg حريصاً كل الحرص على توضيح و تأكيد ما للرضا من جزاء عظيم ليحض أمته عليه و من أمثلة ذلك :
1- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : "من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه"
2- و قوله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg :"ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا"
3- و قوله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg :"من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة "
رابعاً: فضل الله تعالى على نبيه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بغاية الرضوان
و إذا كان النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg على هذا النحو من الرضا عن الله تعالى في أقواله و أفعاله فلا ريب انه سيد الراضين عن ربه جل و علا و سيجازيه الله تعالى برضوان أكبر من رضوانه عنه و أكبر من رضوانه عن أي بشر من خلقه الراضين عنه لعظم رضاه عنه و منزلته عنده
و قد جاءت الإشارة إلى ذلك في الكتاب العزيز فقال سبحانه و تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) – سورة الضحى آيه 5 قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية : " أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته و فيما اعد له من الكرامة و من جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف و طينه مسك أذفر"
ثم روي عن ابن عباس عن أبيه – رضي الله عنهما – قوله : "عرض على رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك فأنزل الله تعالى " (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج و الخدم ثم عزا ذلك إلى ابن جرير و ابن أبى حاتم و قال : "وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس و مثل هذا ما يقال إلا عن توقيف" (تفسير القرآن العظيم 4/522)
و ذلك رضوانه سبحانه و تعالى عليه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الجنة و هي دار رضوانه عن عباده
أما في الدنيا فقد جعل الله تعالى رضاه عن خلقه مقترنا برضا رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg عنهم حيث أتبع رضا نبيه لرضاه سبحانه و تعالى مباشرة كما دل عليه قوله تعالى : (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) – سورة النساء آية 80 و قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) – سورة التوبة أية 61 فقد وحد الله تعالى الضمير في يرضوه مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنيه لأن إرضاء الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg لا ينفك عن إرضاء الله تعالى فتلازمهما جعلا كشيء واحد فعاد إليهما الضمير المفرد
و إرضاء الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg يكون بطاعته و موافقة أوامره و إيفاء حقوقه عليه الصلاة و السلام في باب الإجلال و الإعظام حضورا و غيبة
و إذا كان الله تعالى قد جعل إرضاء رسوله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg إرضاء له و طاعته طاعة له فذلك دليل على كمال رضاه عنه في الدنيا قبل الآخرة
و لذلك ينص المولى جل جلاله على أن إرضاء أحد من أنبيائه و رسله هو إرضاء له تعالى و إن كان إرضاء له في الحقيقة بمقتضى تبليغهم عنه و اصطفائهم برسالاته و ذلك لتكون هذه مزية خاصة بعبده و نبيه المصطفى محمد بن عبد الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و على سائر الأنبياء و المرسلين
صفة مزاح النبى صلى الله عليه وسلم
إن الإسلام دين واقعى لا يحلق فى أجواء الخيال والمثالية الواهمة، ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع .. ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة، ولكنه يعاملهم كبشر يأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق.
لذلك لم يفرض الإسلام على الناس أن يكون كل كلامهم ذكراً، وكل سماعهم قراناً، وكل فراغهم فى المسجد، وإنما اعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التى خلقهم الله عليها، وقد خلقهم – سبحانه – يفرحون ويمرحون ويضحكون ويلعبون، ولقد كانت حياة النبى صلى الله عليه وسلم مثالاً رائعاً للحياة الإنسانية المتكاملة، فهو فى خلوته يصلى ويطيل الخشوع والبكاء، ويقوم حتى تتورم قدماه، وهو فى الحق لا يبالى بأحد فى جنب الله، ولكنه مع الحياة والناس بشر سوى، يحب الطيبات ويبش ويبتسم ويداعب ويمزح ولا يقول إلا حقاً
ولذا فلا عجب أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفكه حيناً ويطرف للفكاهة والمزاح – الذى لا يحمل إثماً – أحياناً، فلم يكن النبى صلى الله عليه وسلم فى حياته جافاً ولا قاسياً ولا فظاً ولا غليظاً، وإننا عند استعراض سيرته وحياته صلى الله عليه وسلم نجدها قد تخللها نوع من الدعابة والمزاح.
وهذا ما سوف نذكره – إن شاء الله – فى هذا الفصل.
كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول فى مزاحه إلا الحق، ووردت لنا أحاديث كثيرة فى ذلك منها:
1- ما جاء عن أبى هريرة – رضى الله عنه – قال: قالوا (أى الصحابة): "يا رسول الله إنك تداعبنا ! قال صلى الله عليه وسلم: لا أقول إلا حقاً"، وفى رواية: "إنى وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً".
وفى رواية ابن عمر – رضى الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنى لأمزح ولا أقول إلا حقاً".
ويطيب لنا أن نذكر بعض آراء علماء المسلمين فى هذه المسألة: فنجد أن الإمام الغزالى – رحمة الله – قد تكلم فى هذه المسألة، وهى صفة مزاحه صلى الله عليه وسلم ويشرحها بقوله: "فإن قلت: قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكيف ينهى عنه؟ فأقول: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقاً، ولا تؤذى قلباً، ولا تفرط فيه، وتقتصر أحياناً على الندور فلا حرج عليك، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه، ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينبغى أن يغفل عن هذا ...".
وقال الإمام ابن حجر الهيثمى: "إن المداعبة لا تنافى الكمال؛ بل هى من توابعه ومتمماته إذا كانت جارية على القانون الشرعى، بأن تكون على وفق الصدق والحق، ويقصد – بها – تأليف قلوب الضعفاء وجبرهم، وإدخال السرور عليهم والرفق بهم، ومزاحه صلى الله عليه وسلم سالم من جميع هذه الأمور، يقع على جهة الندرة لمصلحة تامة، من مؤانسة بعض أصحابه، فهو بهذا القصد سنة، وما قيل: إن الأظهر أنه مباح لا غير فضعيف، إذ الأصل من أفعاله صلى الله عليه وسلم وجوب أو ندب للتأسى به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك ولا دليل هنا يمنع منه، فتعين الندب كما هو مقتضى كلام الفقهاء والأصوليين".
وكان صلى الله عليه وسلم يعرف بذلك ويقر به ويبيح المزاح بحضرته صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه كان عائشة – رضى الله عنها – تمزح، والنبى صلى الله عليه وسلم جالس ولا ينكر ما تقوله، بل كان يوافقها.
فعن ابن أبى مليكة قال: "مزحت عائشة – رضى الله عنها – عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت أمها: يا رسول الله! بعض دعابات هذا الحى من كنانة"، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: بل بعض مزاحنا هذا الحى".
صور من مزاح النبى صلى الله عليه وسلم
1- مزاحه صلى الله عليه وسلم بالأفعال:
كان النبى صلى الله عليه وسلم يمازح صحابته بأفعاله وأقواله، فمن نماذج مزاحه بأفعاله:
مزاح النبى صلى الله عليه وسلم وزاهر بن حرام – رضى الله عنه -:
تحكى كتب السنة لنا ما دار بين النبى صلى الله عليه وسلم وزاهر بن حرام، وكان من الصحابة الذين يبعثون الهدايا للنبى صلى الله عليه وسلم، ولندع أنساً – رضى الله عنه – يروى لنا هذه الدعابة:
عن أنس – رضى الله عنه - : "أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام وكان يهدى للنبى صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يحبه وكان دميماً فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلنى من هذا؟ فالتفت، فعرف النبى صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبى صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يقول: من يشترى العبد؟ فقال: يا رسول الله إذاً والله تجدنى كاسداً، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لكن عند الله لست بكاسد أنت غال، وفى رواية: أنت عند الله رابح".
مع عائشة – رضى الله عنها - :
كان صلى الله عليه وسلم يقطع ملل الحياة الزوجية ببعض المزاح لترفيه عن أهله، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق بعض زوجاته:
فعن عائشة – رضى الله عنها - : "أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر، وهى جارية، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: تعالى أسابقك، فسابقته، فسبقته على رجلى، فلما كان بعد، خرجت معه فى سفر، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: تعالى أسابقك، ونسيت الذى كان وقد حملت اللحم، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله، وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن، فسابقته فسبقنى، فقال: هذه بتلك السبقة".
مع الأطفال:
حتى الأطفال كان صلى الله عليه وسلم يمازحهم ويشاركهم لعبهم:
فروى عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف عبدالله وعبيد الله وكثير بن العباس ثم يقول: "من سبق إلى فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزمهم".
مع رجل من الأنصار:
كان الأنصار – رضى الله عنهم – يتمازحون ويتضاحكون، ويحكى لنا أسيد بن حضير ما حدث بين النبى صلى الله عليه وسلم ورجل منهم:
يقول أسيد: "بينما رجل من الأنصار يحدث القوم وكان فيه مزاح بيننا يضحكهم، فطعنه النبى صلى الله عليه وسلم فى خاصرته بعود، فقال: أصبرنى، فقال: أصطبر، قال: إن عليك قميصاً وليس على قميص، فرفع النبى صلى الله عليه وسلم عن قميصه فاحتضنه وجعل الرجل يقبل كشحه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله".
2- مزاحه صلى الله عليه وسلم بحيلة لغوية:
كان صلى الله عليه وسلم يستخدم الحيل اللغوية فى دعابته، وذلك بأن يأتى بالكلام الذى يحتمل معنيين: معنى قريب متبادر إلى الذهن، ومعنى بعيد لا يفهمه إلا الخواص، ويقصد المعنى البعيد، وهو ما يسمى فى البلاغة بالتورية، وحدث ذلك منه صلى الله عليه وسلم فى أكثر من موقف منها:
مع عجوز من الأنصار:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً منبسطاً مع عامة المسلمين على اختلاف منازلهم، فتحكى السيدة عائشة – رضى الله عنها – ممازحته لعجوز من الأنصار فتقول:
"أتت عجوز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلنى الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، قال: فولت – المرأة – تبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروها أنها لا تدخلها وهى عجوز، إن الله يقول: "إنا أنشاناهن إنشاء، فجعلناهن أبكاراً، عربا أتراباً" (الواقعة: 35-37).
مع الأعرابى الذى سأله جملاً:
يحكى لنا أنس – رضى الله عنه – مداعبة النبى صلى الله عليه وسلم للأعرابى الذى طلب منه ناقة يحمل عليه متاعه فى سفره:
يقول أنس – رضى الله عنه - : استحمل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "إنى حاملك على ولد ناقة، فقال الرجل: يا رسول الله، وما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق ..".
3- دعابته صلى الله عليه وسلم بحيلة لغوية ورد الصحابى عليه بالمثل:
قد يكون من يكلمه صلى الله عليه وسلم متنبهاً فلا يقع فى خطأ، ولكن يستطيع أن يرد عليه متخلصاً من سؤاله أو كلامه، وهذا ما حدث مع صهيب وهو ما يسمى بالتشتيت اللغوى، إذ كان الصحابى الجليل صهيب – رضى الله عنه – مريض وكان النبى صلى الله عليه وسلم يمازحه ويخفف عنه، وهذا ما جاء فى هذه الرواية وإليك نصها:
عن صهيب – رضى الله عنه – قال : "أنه كان يأكل التمر وبه رمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتأكل وأنت أرمد؟"، فقال: أنا آكل بالشق الآخر، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى رواية أخرى قال صهيب: "قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ادن فكل، فأخذت آكل من التمر، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: تأكل تمراً وبك رمد؟ قال: فقلت: إنى أمضغ من ناحية أخرى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم".
4- نوادر ادعاء الغفلة معه صلي الله عليه وسلم
كان بعض الصحابة يمازح النبي صلي الله عليه وسلم بتغافله بأن يقول قولاً لايصدر إلا من غافل ساه لكنه غير ذلك، ومن ذلك:
عوف بن مالك معه صلي الله عليه وسلم:
كان صلي الله عليه وسلم يداعب عوف بن مالك عندما يدخل عليه صلي الله عليه وسلم وهو ما توضحه هذه الرواية :
عن عوف الأشجعي قال : "أتيت رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في غزوة تبوك و هو في قبة من أدم، فسلمت فرد وقال : أدخل، فقلت : أكلي يارسول الله؟ قال: كلك، فدخلت". قال عثمان بن أبي العاتكة : " إنما قال : أدخل كلي من صغر القبة". وقد يكون مزاحاً بين الصحابي والرسول صلي الله عليه وسلم، إذ كيف يدخل بعض الإنسان أو يستأذن لبعضه، فلو أستأذن لرأس لكان إذناً له كله.
5 – تعريضه صلي الله عليه وسلم في الكلام:
وقد يعرض النبي صلي الله عليه وسلم في تعليقه على موقف رآه فيعرض فيه بالشبه و غيره بما قد يفهم غير مراده :
مع سفينة مولى رسول الله صاى الله عليه و سلم
قال : ثقل علي القوم متاعهم ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أبسط كساءك" ، فجعلوا فيه متاعهم، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أحمل فإنما أنت سفينة، قال : فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة، حتي بلغ سبعة ما ثقل علي ".
مع بريده – رضي الله عنه -:
عن أبي طيبة عبد الله بن مسلم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: " كنت مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فثقل علي القوم بعض متاعهم، فجعلوا يطرحونه علي، فمر بي النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: انت زاملة".
قوله صلي الله عليه وسلم لرجل: أنت أبو الورد:
روي ان النبي صلي الله عليه وسلم رأي رجلاً ذو بشرة مشوبة بحمرة فداعبه مداعبة لطيفة وهذا كما توضحه هذه الرواية:
عن حميد الطويل، عن ابن أبي الورد، عن أبيه قال: " رآني النبي صلي الله عليه وسلم، فرآني رجلاً أحمر، فقال : أنت أبو الورد، فقال جبارة: يعني يمازحه".
6 – تعريض خاص به صلي الله عليه وسلم:
وذلك بأن يقول كلاماً يفهم منه شئ وهو يريد شيئاً لايعرفة إلا هو وهو خاص به وحده، ومنه مما روي عن ابن حبان في صحيحه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي جارية يتيمة في بيت أم سليم فمازحها النبي صلي الله عليه وسلم:
وفي ذلك يقول أنس بن مالك- رضي الله عنه- : " رأي نبي الله صلي الله عليه وسلم جارية يتيمة عند أم سليم، وهي أم أنس بن مالك، فقال لها النبي يا رسول الله علي يتيمتي أن لا يشب الله قرنها، فو الله لا يشب أبداً، فقال النبي: يا أم سليم، أو ما علمت أني اتخذت عند ربي عهداً، أيما أحد من أمتي دعوت عليه ليس من أهلها أن يجعلها له طهور أو قربة يقربه بها يوم القيامة.
أي ان هذا الذى ورد خاص به صلي الله عليه وسلم، ولايجوز أن يدعوا إنسان علي غيره في أهلة أو ماله، إذا كان غير مستحق ان يدعي عليه بحجة فعله صلي الله عليه وسلم، فهذا شئ خاص به.
7 – ذكره صلي الله عليه وسلم حقيقة واقعة:
مع أنس بن مالك – رضي الله عنه :
وكان صلي الله عليه وسلم يلاطف أنساً ويداعبة، وفي ذلك يقول عاصم الأحول : حدثني أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : "يا ذا الأذنين، قال أبو أسامة : يعني مازحه ".
8 – تذكيره صلي الله عليه وسلم بحوادث طريفة سابقة:
وكان من كريم اخلاقة صلي الله عليه وسلم ورحمته بالأطفال انه كان يمازحهم ويداعبهم، وفي ذلك يقول انس بن مالك رضي الله عنه
كان رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أحسن الناس خلقاً و كان لي أخ يقال له : أبو عمير فكان اذا جاء النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فرآه قال : يا أبا عمير ما فعل النغير ؟
و في رواية : " دخل علي أبي طلحة رضي الله عنه فرأي ابنا له يكني ابا عمير حزيناً، قال أنس: وكان النبي صلي الله عليه وسلم إذا راه مازحه". فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " مالي أري أبا عمير حزيناً؟ قالوا : يارسول الله ، مات نغره الذى كان يلعب به ".
قال انس : فجعل رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول :" يا أبا عمير ما فعل النغير".
الحلقة التاسعة والثلاثون
خلقه صلى الله عليه وسلم ( 9 )
وصف الله لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ عن عطاء رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا - رواه البخاري
كان خلقه القرآن
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن - رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وزاد مسلم يغضب لغضبه ويرضى لرضاه
دفع السيئة بالحسنة
لما أراد الله هدي زيد بن سعية، قال زيد لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم إلا اثنتين يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا
قال زيد فقلت يا محمد، هل لك أن تبيعني ثمرًا_ معلومًا لي _ فباعني فأعطيته ثمانين مثقالاً من ذهب، فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو في جنازة مع أصحابه ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت له يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب إلا مطلاً
ونظرت إلى عمر وعيناه تدوران في وجهه ثم رماني ببصره فقال يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتصنع به ما أرى؟ فلولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، وقال أنا وهو كنا أحوج إلى غير ذلك منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزد عشرين صاعًا من تمر مكان ما روعته
فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعًا، وقال لي ما دعاك إلى أن فعلت ما فعلت وقلت ما قلت؟
قلت يا عمر لم يكن من علامات النبوة شيء إلا عرفته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وقد خبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وأشهدك أن شطر مالي صدقة على أمة محمد
ثم توفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبرًا - رواه الطبراني في (الكبير) ورجاله ثقات، ورواه أيضًا ابن حبان والحاكم والبيهقي ورواه أبو نعيم في الدلائل
الرسول صلى الله عليه وسلم يعتق من أرادوا قتله
عن أنس رضي الله عنه قال إن ثمانين نزلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الصبح، يريدون أن يقتلوه، فأخذوا فأعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالىوَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً سورة الفتح آية 24- رواه مسلم والترمذي وأبو داود
كان أحسن الناس خلقًا
عن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا - الحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي
وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت ما رأيت أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم - رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن
لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا
عن عبد الله بن عمرو قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا - رواه البخاري
من مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في المصافحة والمحادثة والمجالسة
عن أنس رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له - رواه أبو داود والترمذي بلفظه
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك - رواه الطبراني والترمذي
وروى مسلم وما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال لا
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بحسن الخلق
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان صلى الله عليه وسلم يقول اللهم كما أحسنت خلقي فأحسن خلقي - رواه أحمد ورواته ثقات
وقال صلى الله عليه وسلم إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا - رواه البخاري
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه قال بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسط إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة متى عهدتني فحاشًا، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس- أو ودعه الناس- اتقاء شره - رواه البخاري
كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من سوء الأخلاق وينهى عن اللعن
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق - رواه أبو داود والنسائي
وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لصديق أن يكون لعانًا - رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة - رواه مسلم
وعندما قيل له ادع على المشركين قال صلى الله عليه وسلم إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة - رواه مسلم
أما من لعنه الرسول صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه، وليس هو أهلاً لذلك، كان ذلك له زكاة وأجرًا ورحمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شارط ربه على ذلك كما في الحديث اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرًا رواه مسلم
خلقه صلى الله عليه وسلم مع الخدم
عن أنس رضي الله عنه قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا - رواه الشيخان وأبو داود والترمذي
وعنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم من احسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت له والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنس أذهبت حيث أمرتك؟
قلت نعم، أنا أذهب يا رسول الله - فذهبت رواه مسلم وأبو داود
خلقه صلى الله عليه وسلم مع أهله
قال صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم - رواه ابن عساكر عن علي، والترمذي عن عائشة، وابن ماجة عن ابن عباس
ومن دلائل شدة احترامه وحبه لزوجته خديجة رضي الله عنها، إن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها (صديقاتها)، وذلك بعد مماتها وقد أقرت عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغير من هذا المسلك منه - رواه البخاري
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان صلى الله عليه وسلم إذا خلا بنسائه ألين الناس وأكرم الناس ضحاكًا بسامًا - رواه ابن عساكر بسند ضعيف
وروى مسلم أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا شربت من الإناء، أخذه صلى الله عليه وسلم فوضع فمه على موضع فمها وشرب، وإذا تعرقت عرقًا وهو العظم الذي عليه اللحم أخذه فوضع فمه على موضع فمها
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها - رواه البخاري
وأوصى صلى الله عليه وسلم بالمرأة الزوجة، فقال استوصوا بالنساء خيرًا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا - رواه الشيخان
وقال صلى الله عليه وسلم بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها وفي رواية جلد العبد - رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم أخرجه أحمد بإسناد حسن، والترمذي وقال حديث حسن صحيح
وقال صلى الله عليه وسلم إن من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل - رواه مسلم
ملاعبته ومفاكهته لأهله
عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس اقدموا فتقدموا، ثم قال لي تعالي حتى أسابقك فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس تقدموا فتقدموا، ثم قال لي تعالي أسابقك فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذا بتلك - رواه أحمد
حلم النبي صلى الله عليه وسلم
كان مما يحبه صلى الله عليه وسلم من الصفات صفتا الحلم والأناة وقد قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة - أخرجه مسلم
وعن أنس رضي الله عنه قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة، فنظرت إلى صفحة عنق النبي، وقد أثر بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك،فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس معنا في المسجد يحدثنا، فإذا قام قمن قيامًا حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه، فحدثنا يومًا فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه، فجبذه بردائه فحمر رقبته، وكان رداؤه خشنًا، فالتفت إليه، فقال له الأعرابي احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك
فقال صلى الله عليه وسلم لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جذبتك التي جبذتني، وبعد ذلك يقول له الأعرابي والله لا أقيد لها فذكر الحديث، ثم دعا رجلاً فقال له احمل له على بعيريه هذين، على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا، ثم التفت إلينا فقال انصرفوا على بركة الله - رواه أبو داود والنسائي
ما انتقم لنفسه وما ضرب خادمًا ولا أمره
عن عائشة رضي الله عنها قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
وفي رواية ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله - رواه مالك والشيخان وأبو داود
تواضع النبي صلىالله عليه وسلم
من أقواله صلى الله عليه وسلم في الثناء على التواضع وذم الاستكبار
ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر رواه البخاري
-
ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله رواه مسلم وظاهر الحديث يعني الرفعة في الدنيا والآخرة
-
عن أنس رضي الله عنه قال إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتنطلق به حيث شاءت - رواه البخاري
وعنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت يا رسول الله، إن لي إليك حاجة فقال يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها - رواه مسلم
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله - رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت - رواه البخاري
وعن ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته - رواه النسائي والحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي، ورواه الترمذي في العلل عنه، وذكر أنه سأل عنه البخاري فقال هو حديث تفرد به الحسين بن واقد
وعن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم - رواه البخاري واللفظ له ومسلم
وعن سهل بن حنيف قال كان صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم - رواه أبو يعلى والطبراني والحاكم يسند ضعيف
وذكر المحب الطبري أنه صلى الله عليه وسلم كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل يا رسول الله، علي ذبحها
وقال آخر يا رسول الله، علي سلخها
وقال آخر يا رسول الله، علي طبخها
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي جمع الحطب
فقالوا يا رسول الله، نكفيك العمل
فقال صلى الله عليه وسلم قد علمت أنكم تكفونني، ولكن أكره أن أتميز عليكم
وعن أبي أمامة الباهلي قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا - رواه أبو داود أبن ماجة وإسناده حسن
من مظاهر تواضعه صلى الله عليه و سلم
أولاً : كان صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله
عن الأسود قال سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قال كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة - رواه مسلم والترمذي
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم - رواه أحمد
ثانياً : كان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار
عن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويشهد الجنازة ويأتي دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يومًا على حمار خطامه ليف - رواه أبو داود والطيالسي ونحوه عند الترمذي وابن ماجة
وعن حمزة بن عبد الله بن عتبة قال كان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار عريانًا ليس عليه شيء - رواه ابن سعد مرسلاً بسند ضعيف
ثالثاً : كان صلى الله عليه وسلم يجيب الدعوة ولو إلى خبز الشعير
عن انس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب - رواه الترمذي في الشمائل
الإهالة السنخة أي الدهن الجامد المتغير الريح من طوال المكث
رابعاً : كان صلى الله عليه وسلم لا يدفع عنه الناس
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان صلى الله عليه وسلم لا يدفع عنه الناس ولا يضربوا عنه - رواه الطبراني في الكبير وحسنه السيوطي وذلك لشدة تواضعه صلى الله عليه وسلم وبرأته من الكبر والتعاظم
وعن الحسن قال والله ما كانت تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان باروزًا، من أراد أن يلقى نبي الله لقيه
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ وقال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه إنما أنا رحمة مهداه - رواه ابن سعد في الطبقات، والحكم في النوادر عن أبي صالح مرسلاً، والحاكم عن أبي هريرة وقال على شرطهما وأقره الذهبي وقال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا - رواه البخاري في التاريخ عن أبي هريرة
نماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم
أولاً : رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم ويدعو لهم رواه الشيخان وأبو داود
يبرك عليهم أي يدعو لهم ويمسح عليهم
يحنكهم التحنيك أن يمضغ التمر أو نحوه ثم يدلك به حنك الصغير
وعن أنس رضي الله عنه قال ما رأيت أحدًا أرحم بالعيال من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث رواه الأربعة
وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ولده إبراهيم فقبله وشمه - رواه البخاري
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة لمن يموت وله ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، بفضل رحمته إياه - رواه البخاري
الحنث أي الإثم، والمعنى أنهم ماتوا قبل أن يبلغوا
وكانت تفيض عيناه لموتهم، وقد سأله مرة سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء - رواه البخاري
وخرج على الصحابة رضي الله عنهم وأمامة بنت الربيع، ابنة زينب، على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها - رواه البخاري
وقبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من لا يرحم لا يرحم رواه البخاري
وجاءه أعرابي فقال تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة - رواه البخاري
ثانياً : رحمته صلى الله عليه وسلم بالإناث
شبه الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير، إشارة إلى ما فيهن من الصفاء والنعومة والرقة، وإلى ضعفهن وقلة تحملهن؛ ولذا فإنهن يحتجن إلى الرفق وله توجيهات كثيرة ومواقف عملية في هذا المجال، ومن أبرز الأمثلة على ذلك
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وكانت معه نساء منهن أم سليم، وغلام أسود يقال له أنجشة يحدو، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أنجشة رويدك، سوقًا بالقوارير رواه البخاري
وقد عثرت ناقته ذات مرة، ومعه عليها زوجته صفية، فطرحا على الأرض، فلحق بهما أبو طلحة رضي الله عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عليك بالمرأة رواه البخاري
وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له سترًا من النار رواه الشيخان
وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة إعالتك ابنتك الفقيرة التي رفضها زوجها، وليس لها غيرك رواه البخاري وابن ماجة
وكان صلى الله عليه وسلم يحب بناته حبًا جمًا، فقد روي أن ابنته فاطمة كانت عندما تأتيه يقوم لها، ويأخذ بيدها ويقبلها ويجلسها في مكانه الذي كان يجلس فيه رواه أبو داود
وقال صلى الله عليه وسلم إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه رواه الشيخان
ثالثاً : رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوانات
عن عائشة رضي الله عنها قالت كان صلى الله عليه وسلم يصفي للهرة الإناء فتشرب الحديث رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم والحاكم وصححه، والدار قطني وحسنه، لكن قال ابن حجر ضعيف، وقال ابن جماعة ضعيف لكن له طرق تقوية
وقال صلى الله عليه وسلم ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له قالوا يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال في كل ذات كبد رطبة أجر رواه البخاري
رابعاً : رحمته صلى الله عليه وسلم بالضعفاء عمومًا
لقد حث صلى الله عليه وسلم على كفالة الأيتام لضعفهم وحاجتهم للرعاية، فقال أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بإصبعيه السبابة والوسطى رواه البخاري
وحث صلى الله عليه وسلم على إعالة الأرامل والمساكين، فقال الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل رواه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة رواه أحمد بإسناد حسن
أحرج أي ألحق الحرج، وهو الإثم، بمن ضيع حقهما، وأحذر من ذلك وأزجر عنه بشدة
وقال صلى الله عليه وسلم ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم رواه أبو داود، وأحمد وإسناده صحيح، وأخرج البخاري نحوه
ولقد شملت رحمته صلى الله عليه وسلم الخدم والأرقاء فقال صلى الله عليه وسلم من كانت له أمة فأدبها ثم أعتقها وتزوجها، فله أجران رواه الشيخان
وروى أبو ذر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم رواه مسلم
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاء به، وقد ولى حره ودخانه، فليقعد معه فليأكل، فإن كان الطعام قليلاً فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين (أي لقمة أو لقمتين) رواه مسلم
وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال من أساء معاملة من هم تحت يديه فلن يدخل الجنة رواه الترمذي وابن ماجة
وقال صلى الله عليه وسلم من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود، عندما رآه يضرب مملوكًا له اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، فانتهى عن ضربه وأعتقه حتى لا يمسه الله بعذاب نتيجة هذا الفعل رواه مسلم
وأمر صلى الله عليه وسلم بأن يعامل المماليك مثل معاملة الأبناء، وكان صلى الله عليه وسلم يوصي – وهو في فراش الموت- بحسن معاملة الأرقاء
خامساً : رحمته صلى الله عليه وسلم بالأعداء في الحرب والسلم
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر مع المسلمين في الحديبية، فنزل سبعون أو ثمانون رجلاً من التنعيم يريدون الفتك بالمسلمين، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله دون عوض عقاب من رواية البخاري
وقد قبل الفداء من أسرى بدر، وعفا عن قريش وأهل مكة يوم فتح مكة، وأطلق سراح أسرى حنين
وعفا عن غورث بن الحارث على الرغم من محاولته قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، فجاء غورث إلى قومه بعد هذا فقال لهم جئتكم من عند خير الناس من رواية البخاري
عن جابر رضي الله عنه مر بنا جنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا، فقلنا إنها جنازة يهودي
فقال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الجنازة فقوموا - رواه الشيخان، وزاد مسلم إن الموت فزع
وفي الصحيحين عن سهل بن حنيف فقال صلى الله عليه وسلم أليست نفسًا؟
ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان والأجير، ما داموا غير مشاركين في قتال المسلمين
و كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثًا أو جيشًا أوصاهم قائلاً لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا رواه مسلم
وكان صلى الله عليه وسلم له خادم يهودي، فكان إذا مرض عاده، فعاده مرة فعرض عليه الإسلام وأبوه حاضر، فقال له أطع أبا القاسم، فأسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي أنقذه من النار رواه البخاري
سادساً : رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته
قال تعالى : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وقول عيسى عليه السلام : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فرفع يديه وقال اللهم أمتي، وبكى
فقال الله عز وجل يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟
فأتاه جبريل عليه السلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله وهو أعلم
فقال الله يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك رواه مسلم في كتابه الإيمان
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا رواه الشيخان والترمذي وأحمد
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخاطئين رواه ابن ماجة ورواه أحمد عن ابن عمر ورواه عنه أيضًا الطبراني، قال الهيثمي رجاله الصحيح غير النعمان بن قراد وهو ثقة
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا رواه أحمد وأبو يعلى
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء رواه مالك والجماعة لابن ماجة لكنه رواه عن حديث عثمان بن أبي العاص، مع اختلاف في الألفاظ
تيسير النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه
قال صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا رواه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه، وأهرقوا على بوله ذنوبًا من ماء، أو سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم في الرفق من يحرم الرفق يحرم الخير رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه رواه مسلم
حياء النبي صلى الله عليه وسلم
قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وقال صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت رواه البخاري
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه رواه الشيخان
وعن أنس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدًا بشيء يكرهه رواه أحمد وأبو داود والنسائي في اليوم والليلة والترمذي في الشمائل، قال العراقي وسنده ضعيف
وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده رجل به أثر صفرة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه، فلما قام الرجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم للقوم لو قلتم له يدع هذه الصفرة أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وإسناده صحيح وذلك لأن الصفرة من أثر طيب النساء، ويكره للرجل أن يتطيب بما له لون، بل يتطيب بما له رائحة فقط
وقالت عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل له قلت كذا وكذا، قال ما بال أقوام يقولون كذا وكذا رواه أبو داود، وأخرجه النسائي بمعناه، وهو صحيح
أما الحق فلم يكن الرسول يستحي صلى الله عليه وسلم منه؛ لأن ذلك من التفقه في الدين وروت أم سلمة رضي الله عنها أن أم سليم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال : نعم، إذا رأت الماء - رواه البخاري
الوصية بالجار
قال صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك رواه مسلم
وفي رواية ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره - رواه البخاري
وفي رواية من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره - رواه ابن ماجة
حثه صلى الله عليه وسلم على صلة الأرحام
لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن من أحب الأعمال إلى الله تعالى بر الوالدين البخاري
قال رجل من الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟
قال : أمك
قال : ثم من؟
قال : أمك
قال : ثم من؟
قال : أمك
قال : ثم من؟
قال : أبوك - رواه البخاري ومسلم
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أجاهد؟ قال ألك أبوان؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد رواه البخاري ومسلم
وجعل صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين من أكبر الكبائر
قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالها ثلاثًا، فقال الصحابة بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم عن الله حرم عليكم عقوق الأمهات رواه البخاري
وحث صلى الله عليه وسلم على صلة الوالدين المشركين والأقارب المشركين، وجعل صلة الرحم من أسباب دخول الجنة والبسط في الرزق، وقطعها من أسباب دخول النار
قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قاطع (أي قاطع رحم) رواه البخاري
وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي
فقال : لئن كنت كما قلت، فإنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك - رواه مسلم
المل أي الرماد الحار
الحلقة الأربعون
عبادته
باب ما جاء في عبادة النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
261ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَبِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَتَكَلَّفُ هَذَا ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا
262ـ حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ جَاءَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ قَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا
263ـ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمِّي يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ يُصَلِّي حَتَّى تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ ، قَالَ : أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا
264ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِاللَّيْلِ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ وَثَبَ ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ ، وَإِلا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ
265ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ ، قَالَ : فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي طُولِهَا ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ : فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى ، فَفَتَلَهَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ مَعْنٌ : سِتَّ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ
266ـ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً
267ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ ، مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ ، أَوْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً
268ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ
269ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : لأَرْمُقَنَّ صَلاةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ ، أَوْ فُسْطَاطَهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، طَوِيلَتَيْنِ ، طَوِيلَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دَونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ أَوْتَرَ فَذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً
270ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ، كَيْفَ كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَزِيدَ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا ، لا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ ، وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا لا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ ؟ فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ، وَلا يَنَامُ قَلْبِي
271ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ
272ـ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، نَحْوَهُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، نَحْوَهُ
273ـ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ
274ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، نَحْوَهُ
275ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ ، قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ، قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعَهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : لِرَبِّيَ الْحَمْدُ ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ ثُمَّ سَجَدَ ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ، وَكَانَ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَكَانَ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنَ السُّجُودِ ، وَكَانَ يَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي حَتَّى قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، وَآلَ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءَ ، وَالْمَائِدَةَ ، أَوِ الأَنْعَامَ ، شُعْبَةُ الَّذِي شَكَّ فِي الْمَائِدَةِ ، وَالأَنْعَامِ
276ـ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَيْلَةً
277ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : صَلَّيْتُ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ قِيلَ لَهُ : وَمَا هَمَمْتَ بِهِ ؟ قَالَ : هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَدَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
278ـ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، نَحْوَهُ
279ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا ، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ
280ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، عَنْ تَطَوُّعِهِ ، فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي لَيْلا طَوِيلا قَائِمًا ، وَلَيْلا طَوِيلا قَاعِدًا ، فَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ جَالِسٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ جَالِسٌ
281ـ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللهِ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِدًا ، وَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ وَيُرَتِّلُهَا ، حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا
282ـ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، لَمْ يَمُتْ ، حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ
283ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ
284ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَيُنَادِي الْمُنَادِي ، قَالَ أَيُّوبُ : وَأُرَاهُ ، قَالَ : خَفِيفَتَيْنِ
285ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ : رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِرَكْعَتَيِ الْغَدَاةِ ، وَلَمْ أَكُنْ أَرَاهُمَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
286ـ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : سَأَلتُ عَائِشَةَ ، عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ ثِنْتَيْنِ
287ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ ضَمْرَةَ ، يَقُولُ : سَأَلْنَا عَلِيًّا ، عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّهَارِ ، فَقَالَ : إِنَّكُمْ لا تُطِيقُونَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَقُلْنَا : مِنْ أَطَاقَ ذَلِكَ مِنَّا صَلَّى ، فَقَالَ : كَانَ إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَهُنَا عِنْدَ الْعَصْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا ، كَهَيْئَتِهَا مِنْ هَهُنَا عِنْدَ الظُّهْرِ صَلَّى أَرْبَعًا ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ
الحلقة الحادية والأربعون
صلاته
صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
للشيخ /محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
أولاً : أعتقد أنك إذا قمت إلى الصلاة فإنما تقوم بين يدي الله عز وجل الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما توسوس به نفسك ، وحينئذٍ حافظ على أن يكون قلبك مشغولاً بصلاتك، كما أن جسمك مشغول بصلاتك، جسمك متجه إلى القبلة إلى الجهة التي أمرك الله عز وجل فليكن قلبك أيضاً متجهاً إلى الله . أما أن يتجه الجسم إلى ما أمر الله بالتوجه إليه ولكن القلب ضائع فهذا نقص كبير، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا غلب الوسواس ـ أي الهواجس ـ على أكثر الصلاة فإنها تبطل ، والأمر شديد .
فإذا أقبلت إلى الصلاة فاعتقد أنك مقبل على الله عز وجل .
وإذا وقفت تصلى فاعتقد أنك تناجي الله عز وجل ، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا قام أحدكم يصلي ، فإنه يناجي ربه )) رواه البخاري .
وإذا وقفت في الصلاة فاعتقد أن الله عز وجل قبل وجهك ، ليس في الأرض التي أنت فيها، ولكنه قبل وجهك وهو على عرشه عز وجل ، وما ذلك على الله بعسير، فإن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته ، فهو فوق عرشه ، وهو قبل وجه المصلي إذا صلى ، وحينئذٍ تدخل وقلبك مملوء بتعظيم الله عز وجل ، ومحبته ، والتقرب إليه .
فتكبر وتقول : الله أكبر .
ومع هذا التكبير ترفع يديك حذو منكبيك ، أو إلى فروع أذنيك .
ثم تضع يدك اليمنى على يدك اليسرى، على الذراع، كما صح ذلك في البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال : (( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة )) رواه البخاري .
ثم تخفض رأسك فلا ترفعه إلى السماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة " رواه البخاري .
واشتد قوله في ذلك حتى قال : (( لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم )) رواه البخاري ومسلم .
ولهذا ذهب من ذهب من أهل العلم إلى تحريم رفع المصلي بصره إلى السماء، وهو قول وجيه جداً لأنه لا وعيد على شيء إلا وهو محرم .
فتخفض بصرك وتطأطيء رأسك لكن كما قال العلماء : لا يضع ذقنه على صدره ـ أي لا يخفضه كثيراً ـ حتى يقع الذقن وهو مجمع اللحيين على الصدر بل يخفضه مع فاصل يسير عن صدره .
وسيتفتح ويقول : (( اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)) رواه أبو داود، وهذا هو الاستفتاح الذي سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول ؟ فذكر له الحديث .
وله أن يستفتح بغير ذلك وهو : (( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ، ولا إله غيرك )) رواه أبو داود .
ويستفتح صلاة الليل بما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح به وهو : ((اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كان فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) رواه مسلم .
ولكن لا يجمع بين هذه الاستفتاحات، بل يقول هذه مرة وهذه مرة ليأتي بالسنة على جميع وجوهها .
ثم يقول ( بسم الله الرحمن الرحيم ) بعد التعوذ .
ويقرأ الفاتحة ، والفاتحة سبع آيات أولها ( الحمد لله رب العالمين)، وآخرها (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) ، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" قال الله تبارك وتعالى (( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد : (الحمد الله رب العالمين) يقول الله تعالى : حمدني عبدي ويقول العبد : (الرحمن الرحيم) قال الله : أثنى على عبدي . ويقول العبد: (مالك يوم الدين ) يقول الله تعالى: مجدني عبدي . فإذا قال :- (إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال: (أهدنا الصراط المستقيم ......... الآية ) قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " رواه مسلم ، فتبين بهذا الحديث أن أول الفاتحة ( الحمد لله رب العالمين) .
أما البسملة فهي آية في كتاب الله ، ولكنها ليست آية من كل سورة، بل هي أية مستقلة يؤتى بها في كل سورة سوى سورة براءة فإنه ليس فيها بسملة ، وليس فيها بدل ، خلافاً لما يوجد في بعض المصاحف، يكتب على الهامش عند ابتداء براءة، "أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار ، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين" وهذا خطأ ليس بصواب، فهي ليس فيها بسملة وليس فيها شيء يدل على البسملة .
فإذا انتهى من الفاتحة يقول: (آمين) ومعاناها : اللهم استجب، فهي اسم فعل أمر بمعنى استجب .
ثم يقرأ بعد ذلك سورة ينبغي أن تكون:
في المغرب غالباً بقصار المفصّل .
وفي الفجر بطوال المفصّل .
وفي الباقي بأوساطه .
والمفصل أوله (ق) وآخره (قل أعوذ برب الناس )، وسمي مفصلاً لكثرة فواصله .
وطوال المفصل من (ق) إلى (عم) ، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى) .
وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن.
ولا بأس بل من السنة أن يقرأ الإنسان بطوال المفصل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بـ (الطور) و(المرسلات) رواه البخاري ومسلم .
وبعد أن يقرأ السورة مع الفاتحة .
يرفع يديه مكبراً ليركع ويضع اليدين على الركبتين، مفرجتي الأصابع، ويجافي عضديه عن جانبيه، ويسوي ظهره برأسه فلا يقوسه، قالت عائشة رضي الله عنها :" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك" رواه أحمد ومسلم وأبو داود" .
ويقول : "سبحان ربي العظيم" رواه أحمد وأبو داود يكررها ثلاث مرات.
ويقول أيضاً: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)) رواه البخاري.
ويقول أيضاً : (( سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ))رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
ويكثر من تعظيم الله سبحانه وتعالى في حال الركوع.
ثم يرفع رأسه قائلاً:" سمع الله لمن حمده" رواه البخاري ومسلم . رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه .
ويضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في هذا القيام لقول سهل بن سعد : (( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة )) رواه أحمد والبخاري.
وهذا عام يستثنى منه السجود والجلوس والركوع:
لأن السجود توضع فيه اليد على الأرض.
والجلوس على الفخذين .
والركوع على الركبتين.
فيبقى القيام الذي قبل الركوع والذي بعده داخلاً في عموم قوله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpgفي الصلاة) .
ويقول بعد رفعه: (ربنا لك الحمد) رواه البخاري ومسلم.
أو (ربنا ولك الحمد) رواه البخاري ومسلم.
أو (اللهم ربنا لك الحمد) رواه البخاري ومسلم أو (اللهم ربنا ولك الحمد) رواه مسلم.
فهذه أربع صفات ولكن لا يقولها في آن واحد بل يقول هذا مرة وهذا مرة.
وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن العبادات إذا وردت على وجوه متنوعة فإنها تفعل على هذه الوجوه، على هذه مرة ، وعلى هذه مرة ، وفي ذلك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الإتيان بالسنة على جميع وجوهها.
الفائدة الثانية: حفظ السنة، لأنك لو أهملت إحدى الصفتين نُسيت ولم تحفظ.
الفائدة الثالثة: ألا يكون فعل الإنسان لهذه السنة على سبيل العادة، لأن كثيراً من الناس إذا أخذ بسنة واحدة صار يفعلها على سبيل العادة ولا يستحضرها، ولكن إذا كان يعودّ نفسه أن يقول هذا مرة وهذا مرة صار متنبهاً للسنة.
وإذا كان الإنسان مأموماً فإنه لا يقول ( سمع الله لمن حمده) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإذا قال - أي الإمام – سمع الله لمن حمده فقولوا: (( اللهم ربنا ولك الحمد)) رواه مسلم ويكون هذا في حال رفعه من الركوع قبل أن يستقيم قائماً .
وبعد أن يقول (ربنا ولك الحمد) بصفتها الأربع ، يقول : (( ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) رواه مسلم والنسائي.
ثم يكبر للسجود بدون رفع اليدين، لقول ابن عمر:" وكان لا يفعل ذلك في السجود".
ويخرُّ على الركبتين لا على يديه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) رواه البخاري . والبعير عند بروكه يقدم اليدين فيخرّ البعير لوجهه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرّ الإنسان في سجوده على يديه، لأنه إذا فعل ذلك برك كما يبرك البعير، هذا ما يدل عليه الحديث خلافاً لمن قال: إنه يدل على أنك تقدم يديك ولا تخرّ على ركبتيك لأن البعير عند البروك يخرّ على ركبتيه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير .... فلو قال ذلك، لقلنا نعم إذن لا تبرك على الركبتين، لأن البعير يبرك على ركبتيه، لكنه قال :" فلا يبرك كما يبرك البعير" فالنهي إذن عن الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه الإنسان ويخر عليه، والأمر في هذا واضح جداً لمن تأمله، فلا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا وأن نحاول أن نقول: إن ركبتي البعير في يديه، وأنه يبرك عليهما، لأننا في غنى عن هذا الجدل ، حيث إن النهي ظاهر الصفة لا عن العضو الذي يسجد عليه .
ولهذا قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في زاد المعاد: إن قوله في آخر الحديث:" وليضع يديه قبل ركبتيه" منقلب على الراوي لأنه لا يطابق مع أول الحديث، وإذا كان الأمر كذلك فإننا نأخذ بالأصل لا بالمثال فإن قوله: " وليضع يديه قبل ركبتيه " هذا على سبيل التمثيل، وحينئذٍ إذا أردنا أن نرده إلى أصل الحديث صار صوابه: " وليضع ركبتيه قبل يديه" .
إذاً يخرّ على ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه.
ويسجد على سبعة أعضاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم : : (( أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم" ثم فصلها النبي صلى الله عليه وسلم : " على الجبهة، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين )) رواه البخاري ومسلم فيسجد الإنسان على هذه الأعضاء.
وينصب ذراعيه فلا يضعهما على الأرض ولا على ركبتيه .
ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه فيكون الظهر مرفوعاً .
ولا يمد ظهره كما يفعله بعض الناس، تجده يمد ظهره حتى إنك تقول: أمنبطح هو أم ساجد ؟ فالسجود ليس فيه مد ظهر، بل يرفع ويعلو حتى يتجاف عن الفخذين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اعتدلوا في السجود " وهذا الامتداد الذي يفعله بعض الناس في السجود يظن أنه السنة ، هو مخالف للسنة، وفيه مشقة على الإنسان شديدة ؛ لأنه إذا امتد تحمل نقل البدن على الجبهة، وانخنعت رقبته، وشق عليه ذلك كثيراً، وعلى كل حال لو كان هذا هو السنة لتحمل الإنسان ولكنه ليس هو السنة.
وفي حال السجود يقول : (( سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات )) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
(( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي )) رواه البخاري ومسلم.
(( سبوح قدوس )) رواه مسلم .
ويكثر في السجود من الدعاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )) رواه مسلم . أي حري أن يستجاب لكم ، وذلك لأنه أقرب ما يكون من ربه في هذا الحال ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) رواه البخاري . ولكن لاحظ أنك إذا كنت مع الإمام فالمشروع في حقك متابعة الإمام فلا تمكث في السجود لتدعو ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : (( إذا سجد فاسجدوا وإذا ركع فاركعوا )) رواه البخاري . فأمرنا أن نتابع الإمام وألا نتأخر عنه .
ثم ينهض من السجود مكبراً .
ويجلس بين السجدتين مفترشاً وكيفيته: أن يجعل الرجل اليسرى فراشاً له ، وينصب الرجل اليمنى من الجانب الأيمن.
أما اليدان فيضع يده اليمنى على فخذه اليمنى أو على رأس الركبة، ويده اليسرى على فخذه اليسرى أو يلقمها الركبة، فكلتاهما صفتان واردتان عن النبي صلى الله عليه وسلم .
لكن اليد اليمنى يضم منها الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام ، أو تحلق الإبهام على الوسط وأما السبابة فتبقى مفتوحة غير مضمومة، ويحركها عند الدعاء فقط فمثلاً إذا قال : " ربي اغفر لي " يرفعها ، " وارحمني " يرفعها ، وهكذا في كل جملة دعائية يرفعها . أما اليد اليسرى فإنها مبسوطة . ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم – فيما أعلم – أن اليد اليمنى تكون مبسوطة وإنما ورد أنه يقبض منها الخنصر والبنصر ، ففي بعض ألفاظ حديث ابن عمر رضي الله عنهما : (( كان إذا قعد في الصلاة )) رواه مسلم . وفي بعضها " إذا قعد في التشهد" رواه أحمد ، وتقييد ذلك بالتشهد لا يعني أنه لا يعم جميع الصلاة لأن الراجح من أقوال الأصوليين أنه إذا ذكر العموم ثم ذكر أحد أفراده بحكم يطابقه فإن ذلك لا يقتضي التخصيص .
فمثلاً إذا قلت أكرم الطلبة، ثم قلت أكرم فلاناً – وهو من الطلبة – فهل ذكر فلان في هذه الحال يقتضي تخصيص الإكرام به ؟ كلا كما أنه لما قال الله تعالى (تنزل الملائكة والروح فيها ) لم يكن ذكر الروح مخرجاً لبقية الملائكة ، والمهم أن ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص ولكن يكون تخصيص هذا الفرد بالذكر لسبب يقتضيه، إما للعناية به أو لغير ذلك .
المهم أنني – إلى ساعتي هذه – لا أعلم أنه ورد أن اليد اليمنى تبسط على الفخذ اليمنى حال الجلوس بين السجدتين، والذي ذكر فيها أنها تكون مقبوضة الخنصر والبنصر والإبهام مع الوسطى، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث وائل بن حجر في مسند الإمام أحمد الذي قال عنه بعض أهل العلم إن إسناده جيد ، وبعضهم نازع فيه ولكن نحن في غنى عنه في الواقع ، لأنه يكفي أن نقول : إن الصفة التي وردت بالنسبة لليد اليمنى هو هذا القبض، ولم يرد أنها تبسط فتبقى على هذه الصفة حتى يتبين لنا من السنة أنها تبسط في الجلوس بين السجدتين .
وفي هذا الجلوس يقول : (( رب اغفر لي وارحمني واهدني ، واجبرني وعافني وارزقني )) رواه الترمذي وأبو داود ، سواء كان إماماً أو مأموماً أو مفرداً .
فإن قلت : كيف يفرد الإمام الضمير وقد روي عن النبي http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg في الرجل إذا كان إماماً وخص نفسه بالدعاء ، "فقد خان المأمومين " ؟ .
فالجواب على ذلك : أن هذا في دعاء يؤمن عليه المأموم ، فإن الإمام إذا أفرده يكون قد خان المأمومين مثل دعاء القنوت، علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بصيغة الإفراد " ((اللهم اهدني فيمن هديت .... )) رواه أبو داود والترمذي وأحمد فلو قال الإمام : اللهم اهدني فيمن هديت يكون هذا خيانة ، لأن المأموم سيقول: آمين ، والإمام قد دعا لنفسه وترك المأمومين ، إذاً فليقل : " اللهم اهدنا فيمن هديت " ، فلا يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين في دعاء يؤمِّن عليه المأموم لأن ذلك خيانة للمأموم .
ثم يسجد للسجدة الثانية كالسجدة الأولى في الكيفية وفيما يقال فيها .
ثم ينهض للركعة الثانية مكبراً معتمداً على ركبتيه قائماً بدون جلوس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد . وقيل بل يجلس ثم يقوم معتمداً على يديه، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، وهذه الجلسة مشهورة عند العلماء باسم جلسة الاستراحة.
وقد اختلف العلماء – رحمهم الله – في مشروعيتها فقال بعضهم: فإذا قمت إلى الثانية أو إلى الرابعة فاجلس ثم انهض معتمداً على يديك إما على صفة العاجن – إن صح الحديث في ذلك أو على غير هذه الصفة عند من يرى أن حديث العجن ضعيف ؛ المهم أنهم اختلفوا في هذه الجلسة ، فمنهم من يرى أنها مستحبة مطلقاً، ومنهم من يرى أنها غير مستحبة على سبيل الإطلاق ، ومنهم من يفصل ويقول : إن احتجت إليها لضعف ، أو كبر ، أو مرض ، أو ما أشبه ذلك فإنك تجلس ثم تنهض ، وأما إذا لم تحتج إليها فلا تجلس ، واستدل لذلك أن هذه الجلسة ليس لها دعاء ، وليس لها تكبير عند الانتقال منها ، بل التكبير واحد من السجود للقيام، فلما كان الأمر كذلك دل على أنها غير مقصودة في ذاتها لأن كل ركن مقصود لذاته في الصلاة لابد فيه من ذكر مشروع ، وتكبير سابق، وتكبير لاحق قالوا: ويدل لذلك أيضاً أن في حديث مالك بن الحويرث : " أنه يعتمد على يديه " والاعتماد على اليدين لا يكون غالباً إلا من حاجة وثقل بالجسم لا يتمكن من النهوض .
فلهذا نقول: إن احتجت إليها فلا تكلف نفسك في النهوض من السجود إلى القيام رأساً ، وإن لم تحتج فالأولى أن تنهض من السجود إلى القيام رأساً، وهذا هو ما اختاره صاحب المغني – ابن قدامة المعروف بالموفق رحمه الله – وهو من أكابر أصحاب الإمام أحمد ، وأظنه اختيار ابن القيم في زاد المعاد أيضاً .
ويقول صاحب المغني: إن هذا هو الذي تجتمع فيه الأدلة – أي التي فيها إثبات هذه الجلسة ونفيها .
والتفصيل هنا – عندي – أرجح من الإطلاق، وإن كان رجاحته – عندي – ليس بذلك الرجحان الجيد، لأنه لا يتعارض في فهمي مع الجلسة فالمراتب عندي ثلاث:
أولاً : مشروعية هذه الجلسة عند الحاجة إليها، وهذا لا إشكال فيه .
ثانياً : مشروعيتها مطلقاً ، وليس بعيداً عنه في الرجحان .
ثالثا : أنها لا تشرع مطلقاً ، وهذا عندي ضعيف، لأن الأحاديث فيها ثابتة، لكن هل هي ثابتة عند الحاجة أو مطلقاً ؟ هذا محل الإشكال، والذي يترجح عندي يسيراً أنها تشرع للحاجة فقط .
وفي الركعة الثانية ، يفعل كما يفعل في الركعة الأولى ، إلا في شيء واحد وهو الاستفتاح ، فإنه لا يستفتح، وأما التعوذ ففيه خلاف بين العلماء منهم من يرى أنه يتعوذ في كل ركعة ، ومنهم من يرى أنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى .
فإذا صلى الركعة الثانية جلس للتشهد كجلوسه بين السجدتين في كيفية الرجلين ، وفي كيفية اليدين .
ويقرأ التشهد وقد ورد فيه صفات متعددة وقولنا فيه كقولنا في دعاء الاستفتاح ، أي أن الإنسان ينبغي له أن يأتي مرة بتشهد ابن عباس ومرة بتشهد ابن مسعود ، ومرة بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هاتين الصفتين فيقول: (( التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )) رواه البخاري .
وإن كان في ثلاثية أو رباعية قام بعد التشهد الأول رافعاً يده كما رفعها عند تكبيرة الإحرام، وصلى بقية الصلاة وتكون بالفاتحة فقط فلا يقرأ معها سورة أخرى ، وإن قرأ أحياناً فلا بأس لوروده في ظاهر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
ثم يجلس إذا كان في ثلاثية أو رباعية للتشهد الثاني ، وهذا التشهد يختلف عن التشهد الأول وفي كيفية الجلوس لأنه يجلس متوركاً والتورك له ثلاثُ صفات :
الصفة الأولى : أن ينصب الرجل اليمنى ويخرج الرجل اليسرى من تحت الساق، ويجلس بإِلييتيه على الأرض .
والصفة الثانية : أن يفرش رجليه جميعاً ويخرجها من الجانب الأيمن ، وتكون الرجل اليسرى تحت ساق اليمنى .
والصفة الثالثة : أن يفرش الرجل اليمنى ويجعل الرجل اليسرى بين الفخذ والساق .
فهذه ثلاثُ صفات للتورك ينبغي أن يفعل هذا تارة ، وأن يفعل هذا تارة أخرى .
ثم يقرأ التشهد الأخير ويضيف على التشهد الأول : (( اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . اللهم بارك على محمد ، وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد )) رواه البخاري ومسلم .
ويقول : (( أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال )) رواه مسلم .
ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة .
والتعوذ بالله من هذه الأربع في التشهد الأخير أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم ، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب التعوذ من هذه الأربع في التشهد الأخير وقال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وكثير من الناس اليوم لا يبالي بها، تجده إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم سَلّم ؛ مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بأن نستعيذ بالله من هذه الأربع ، وكان طاوس رحمه الله وهو من التابعين يأمر من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع بإعادة الصلاة، كما أمر ابنه بذلك، فالذي ينبغي لك أن لا تدع التعوذ بالله من هذه الأربع لما في النجاة منها من السعادة في الدنيا والآخرة وبعد ذلك تسلم " السلام عليكم ورحمة الله " ، وعن يسارك " السلام عليكم ورحمة الله " .
وبهذا تنتهي الصلاة .
وينبغي للإنسان إن كان يحب أن يدعو الله عز وجل أن يجعل دعاءه قبل أن يسلم أي بعد أن يكمل التشهد، وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التعوذ، يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ، ومن قال من أهل العلم إنه لا يدعو بأمر يتعلق بالدنيا ، فقوله ضعيف، لأنه يخالف عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم " ثم ليتخير من الدعاء ما شاء " رواه البخاري ومسلم فأنت إذا كنت تريد الدعاء فادع الله قبل أن تسلّم وبذلك نعرف أن ما اعتاده كثير من الناس اليوم كلما سلّم من التطوع ذهب يدعو الله عز وجل حتى يجعله من الأمور الراتبة والسنن اللازمة فهذا أمر لا دليل عليه والسنة إنما جاءت بالدعاء قبل السلام .
هذه صفة الصلاة فيما نعلمه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فينبغي للإنسان أن يحرص على تطبيق ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق كيفية الصلاة ليكون ممتثلاً لقوله : ((صلوا كما رأيتموني أصلي )) رواه البخاري وأحمد .
وأهم شيء بالنسبة للصلاة بعد أن يُجري الإنسان أفعاله على السنة فيما أراه : هو حضور القلب، لأن كثيراً من الناس الآن لا تتسلط عليه الهواجس والوساوس إلا إذا دخل في الصلاة ، وبمجرد ما ينتهي من صلاته تطير عنه هذه الهواجس والوساوس .
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
-----------------------------------------
(من كتاب الشمائل للترمذي)41ـ
باب صلاة الضحى
288ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُعَاذَةَ ، قَالَتْ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : أَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى ؟
قَالَتْ : نَعَمْ ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
289ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الزِّيَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الرَّبِيعِ الزِّيَادِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ
290ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى إِلا أُمُّ هَانِئٍ ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ فَسَبَّحَ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مَا رَأَيْتُهُ صلى الله عليه وسلم ، صَلَّى صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ
291ـ حدثنا ابن أبي عمر , حدثنا وكيع ، حدثنا كهمس بن الحسن ، عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لعائشة : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى ؟
قالت :لا إلا يجىء من مغيبه
292ـ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ : لا يَدَعُهَا ، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ : لا يُصَلِّيهَا
293ـ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ ، عَنْ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ ، أَوْ عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ قَرْثَعٍ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ يُدْمِنُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ تُدْمِنُ هَذِهِ الأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ تُفْتَحُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَلا تُرْتَجُ حَتَّى تُصَلَّى الظُّهْرُ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِي تِلْكَ السَّاعَةِ خَيْرٌ ، قُلْتُ : أَفِي كُلِّهِنَّ قِرَاءَةٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ قُلْتُ : هَلْ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ فَاصِلٌ ؟ قَالَ : لا
294ـ حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ ، عَنْ قَزَعَةَ ، عَنْ قَرْثَعٍ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، نَحْوَهُ
295ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ : إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ
296ـ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ، وَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَيَمُدُّ فِيهَا
38 ـ باب صلاة التطوع في البيت
297ـ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلاةِ فِي بَيْتِي وَالصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ ، قَالَ : قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِي مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَلأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ ، إِلا أَنْ تَكُونَ صَلاةً مَكْتُوبَةً
الحلقة الثانية والأربعون
قيامه ، قراءته ، صومه ، زهده
قيام الرسول صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) .
2- عن عائشة : ما كان رسول الله صلى الله عليـه وسلم يزيد في رمضان ، ولا في غيره ،
على إحدى عشرة ركعة ، يصلي أربعاً ، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ،
ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثاً ، فقلت : أتنام قبل أن توتر ؟
فقال : ( ياعائشة : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي) .
3- عن الأسود بن يزيد قال : سألت عائشة رضي الله عنها ،
عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالليل ، فقالت :
كان ينام أول الليل ، ثم يقوم ، فإذا كان من السحر أوتر ، ثم أتى فراشه ،
فإذا كان له حاجة ، ألم بأهله ، فإذا سمع الأذان وثب ،
فإذا كان جنباً أفاض عليه من الماء ، والا توضأ وخرج للصلاة .
4- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقوم حتى تنتفخ قدماه فيقال له :
يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : ( أفلا أكون عبداً شكوراً) .
باب ماجاء في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم
314ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ يَعَلَى بْنِ مَمْلَكٍ ،
أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ ، عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا
315ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ :
قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالَ : مَدًّا
316ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ،
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ،
يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ ، يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ يَقِفُ ، ثُمَّ يَقُولُ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ يَقِفُ ، وَكَانَ يَقْرَأُ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ
317ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ ،
قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَكَانَ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ ؟
قَالَتْ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ قَدْ كَانَ رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ فَقُلْتُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً
318ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ أَبِي الْعَلاءِ الْعَبْدِيِّ ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، قَالَتْ :
كُنْتُ أَسْمَعُ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، بِاللَّيْلِ وَأَنَا عَلَى عَرِيشِي
319ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ،
قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ ، يَقُولُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، عَلَى نَاقَتِهِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهُوَ يَقْرَأُ :
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ : فَقَرَأَ وَرَجَّعَ ، قَالَ : وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ :
لَوْلا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ لأَخَذْتُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ الصَّوْتِ أَوْ قَالَ : اللَّحْنِ
320ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيُّ ، عَنْ حُسَامِ بْنِ مِصَكٍّ ، عَنْ قَتَادَةَ ،
قَالَ : مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلا حَسَنَ الْوَجْهِ ، حَسَنَ الصَّوْتِ ،
وَكَانَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم حَسَنَ الْوَجْهِ ، حَسَنَ الصَّوْتِ ، وَكَانَ لا يُرَجِّعُ
321ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ :
كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، رُبَّمَا يَسْمَعُهَا مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ
باب ماجاء في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(من كتاب الشمائل المحمدية للترمذي)
298ـ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ ،
قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَتْ :
كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ قَالَتْ : وَمَا صَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ،
شَهْرًا كَامِلا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلا رَمَضَانَ
299ـ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ،
أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَرَى أَنْ لا يُرِيدَ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ ،
وَيُفْطِرُ مِنْهُ حَتَّى نَرَى أَنْ لا يُرِيدَ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا
وَكُنْتَ لا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلا رَأَيْتَهُ مُصَلِّيًا ، وَلا نَائِمًا إِلا رَأَيْتَهُ نَائِمًا
300ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، قَالَ :
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُفْطِرَ مِنْهُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ مِنْهُ ،
وَمَا صَامَ شَهْرًا كَامِلا مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ إِلا رَمَضَانَ
301ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ،
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ :
مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ قَالَ أَبُو عِيسَى :
هَذَا إِسنَادٌ صَحِيحٌ وَهَكَذَا ، قَالَ : عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عَائِشَةَ ،
وَأُمِّ سَلَمَةَ جَمِيعًا ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
302ـ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ،
قَالَتْ : لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ لِلَّهِ فِي شَعْبَانَ ،
كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلا قَلِيلا ، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ
303ـ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى ، وَطَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ شَيْبَانَ ،
عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنُ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ،
يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَامٍ ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
304ـ حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ ،
عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ :
كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ
305ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ،
عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ :
تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ
306ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ،
عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ :
كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالاثْنَيْنَ ،
وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثُّلاثَاءَ وَالأَرْبَعَاءَ وَالْخَمِيسَ
307ـ حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَدِينِيُّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ،
عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ
308ـ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ ، قَالَ :
سَمِعْتُ مُعَاذَةَ ، قَالَتْ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَصُومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ؟
قَالَتْ : نَعَمْ قُلْتُ : مِنْ أَيِّهِ كَانَ يَصُومُ ؟ قَالَتْ : كَانَ لا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ
309ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ :
كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ ،
فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الْفَرِيضَةُ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ ،
فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ
310ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ :
سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يَخُصُّ مِنَ الأَيَامِ شَيْئًا ؟
قَالَتْ : كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ، وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، يُطِيقُ
311ـ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ،
عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي امْرَأَةٌ ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟
قُلْتُ : فُلانَةُ لا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ ،
فَوَاللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ، وَكَانَ أَحَبَّ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ
312ـ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ،
أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَتَا : مَا دِيمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَلَّ
313ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَاصِمَ بْنَ حُمَيْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، يَقُولُ :
كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، لَيْلَةً فَاسْتَاكَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَبَدَأَ فَاسْتَفْتَحَ الْبَقَرَةَ ،
فَلا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ ، إِلا وَقَفَ فَسَأَلَ ، وَلا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ ، إِلا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَمَكَثَ رَاكِعًا بِقَدْرِ قِيَامِهِ ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ :
سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ، ثُمَّ سَجَدَ بِقَدْرِ رُكُوعِهِ ، وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ :
سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ ثُمَّ قَرَأَ آلَ عِمْرَانَ ثُمَّ سُورَةً ، يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ في كل ركعة
من زهد الرسول صلى الله عليه وسلم :
1- قال الله تعالى :
(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) .
2- وعن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء ([i]) رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه ألا يدخل عليهن شهراً ،
واعتزل عنهن في عُلية ، فلما دخل عليه عمر في تلك العُلية ، فإذا فيها سوى صُبرة ([ii])
من قرظ ([iii]) وأهبةٍ ([iv]) وصُبرة من شعير ، وإذا هو مضطجع عل رمال حصير ،
وقد أثر في جنبه ، فهملت عينا عمر ، فقال : مالك ؟ قلت يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه ،
وكسرى وقيصر فيما هما فيه ، فجلس مُحمراً وجهه ، فقال : أوفي شك يا ابن الخطاب ؟
ثم قال : أولئك قوم عُجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا .
وفي رواية مسلم :
( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ فقلت : بلى يا رسول الله ، قال : فاحمد الله عز وجل .
3- وعن علقمة عن ابن مسعود قال :
اضطجع رسول الله على حصير ، فأثر الحصير بجلده ، فجعلت أمسحه وأقول :
بأبي أنت وأمي : ألا آذنتنا فنبسط لك شيئاً يقيك منه تنام عليه ؟ قال :
(مالي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) .
4- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لو كان لي مثل أُحد ذهباً لسرني أن لا تمر عليّ ثلاث ليالي وعندي منه شئ إلا شيئاً أرصده لدين) .
5- وعن عمرو بن الحارث رضي الله عنهما قال :
ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته ديناراً ولا درهماً ، ولا عبداً ولا أمة ،
ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها ، وسلاحه ، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة .
-------------------------------
([i]) إيلاء : حلف .
([ii]) صبرة : ما جمع من طعام أو غيره .
([iii]) قرظ : ورق السلم يدبغ به .
([iv]) أهبة : قربة من جلد .
الحلقة الثالثة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 1 )
ومن معجزاته استسقاؤه – عليه السلام – ربه – عز وجل – لأمته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعاً ، بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر ينزل على لحيته .
فعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد يوم المجمعة من باب كان وجاه (معناها جهه ) المنبر ورسول الله قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله قائماً فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل ، فادعُ الله لنا يغيثنا ، قال : فرفع رسول الله يديه فقال : (( اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا )) . قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت .
قال : والله ما رأينا الشمس ستاً ( ستة أيام ) ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول الله قائم يخطب ، فاستقبله قائماً وقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها ، قال : فرفع رسول الله يديه ثم قال : (( اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر )) ، قال : فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس .
صحيح : أخرجه البخاري رقم (1013-1014-1015-1016) ، ومسلم في صلاة الاستسقاء وابن ماجه رقم (1272) [
434- الماء ينبع من بين أصابع النبي r
ومن المعجزات المتعلقة بالجماد : نبع الماء من بين أصابعه.
قال أنس بن مالك – رضي الله عنه - : (( رأيت رسول الله وحانت صلاة العصر ، والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، فأتى رسول الله بوضوء ، فوضع رسول الله يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه ، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه ، فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم ))
]صحيح : أخرجه البخاري في المناقب رقم (3573) ومسلم في الفضائل ، والنسائي في الطهارة ، والترمذي في المناقب [
. وفي رواية (( كانوا ثمانين )) . وفي رواية : (( كانوا ثلاثمائة )) . ]اخرجه البخاري [.
ثلاثمائة يتوضأون من وضوء رجل واحد لا غير ، فإذا ما نظرنا إلى معجزة موسى عليه السلام . من نبع الماء من بين الحجر ، فإن معجزة النبي أعلى وأكمل وأتم ، فإن نبع الماء من بين الأصابع أعجب من نبعه من الحجر .
435- (1400) يشربون من بئر لا ماء فيها
قال البراء بن عازب – رضي الله عنه - : كنا يوم الحديبية أربع عشر مائــة ( 1400) ، والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة ، فجلس رسول الله على شفير البئر ، فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا.
]صحيح : اخرجه البخاري [.
436- دلو الماء ينقلب نهراً يجري
عن البراء بن عازب – رضي الله عنه – قال : كنا مع رسول الله في سفر ، فأتينا على ركَيّ ذّمة ، يعني قليلة الماء ، قال : فنزل فيها ستة أناس أنا سادسهم ماحة ، فأدليت دلواًَ قال : ورسول الله على شفتي الرّكي ، فجعلنا فيها نصفها أو قرب ثلثيها ، فرفعت إلى رسول الله. قال البراء : فكدت بإنائي هل أجد شيئاً أجعله في حلقي ؟ فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول الله فغمس يده فيها . فقال ما شاء الله أن يقول وأعيدت لنا الدلو بما فيها . قال : فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق قال : ثم ساحت ، يعني جرت نهراً .
]قال ابن كثير في البداية ( 6/103،104) تفرد به أحمد وإسناده جيد قوي [
437- بصق في عين الحديبية وهي فارغة ففارت عيوناً
عن ناجية بن جندب أو جندب بن ناجية قال : لما كنا بالغميم لقي رسول الله خبر من قريش أنها بعثت خالد بن الوليد في جريدة خيل تتلقى رسول الله فكره رسول ا لله أن يلقاه وكان بهم رحيماً ، فقال : هل من رجل يعدل بنا عن الطريق ؟ قلت : أنا بأبي أنت وأمي ! فأخذ بهم في طريق قد كان مهجوراً ذا فدافد وعقاب ، فاستوت بنا الأرض حتى أنزله على الحديبية ، وهي نزح فألقى فيها سهماً أو سهمين من كنانته ثم بصق فيها ثم دعا ، ففارت عيوناً حتى أني لأقول أو نقول : لو شئنا لاغترفنا بأيدينا ، قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالري ، حتى صدروا عنه . ]أخرجه ابونعيم في الدلائل ( ص 350) [
438- البئر المالحة تصير عذبة
عن همام بن نفيد السعدي – رضي الله عنه – قال : قدمت على رسول الله، فقلت : يا رسول الله ، حفر لنا بئر فخرجت مالحة ، فدفع إلي إداوة فيها ماء فقــال : (( صّبه فيها )) فصببته فعذبت ، فهي أعذب ماء باليمن .
439- البركة في الماء بإلقاء حصيات فيه عركها النبي بيديه
عن زياد بن الحارث الصدائي – رضي الله عنه – قال : كنت مع رسول الله في بعض أسفاره ، فقال : (( أمعك ماء ؟ )) قلت : نعم ، قليل لا يكفيك ، قال : (( صبه في إناء ثم ائتني به )) فأتيته فوضع كفه فيه ، فرأيت بين كل أصبعين من اصابعه عيناً تفور ، فقال : (( لولا أني أستحي من ربي لسقينا واستقينا ، ناد في أصحابي : من كان يريد الماء فليغترف ما أحب ))
قال زياد : وأتى وفد قومي بإسلامهم وطاعتهم ، فقال رجل من الوفد : يارسول الله : إن لنا بئراً إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها فاجتمعنا عليه ، وإذا كان الصيف قل ماؤها ، فتفرقنا على مياه حولنا ، وإنا لا نستطيع اليوم التفرق ، كل من حولنا عدو لنا ، فادع الله أن يسعنا ماؤها .
فدعا رسول الله بسبع حصيات ، ففرقهن في يده ، ودعا ثم قال : (( إذا أتيتموها فألقوها واحدة واحدة ، واذكر اسم الله عليها )) فما استطاعوا أن ينظروا إلى قعرها بعدها .. كأن قعرها لا نهاية له ، وسبحان الملك القدير .
]أخرجه أبو داود كتاب الصلاة باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر ، وسنن الترمذي كتاب الصلاة باب من جاء أن من أذن فهم يقيم رقم (199) وأحمد (4/169) ، والبيهقي في دلائل النبوة باب ذكر البيان أن خروج الماء من بين أصابع رسول الله كان غير مرة (4/127،125) وانظر البداية والنهاية (6/101) .[
440- وضع يده في مزادتي الماء ففاض وشرب منه أربعون
عن عمران بن حصين قال : كنت مع نبي الله في مسير له فأدلجنا ( أي سرنا آخر الليل ) ليلتنا حتى إذا كان في وجه الصبح عرسنا فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس قال : فكان أول من استيقظ ثم استيقظ عمر . فقام عند نبي الله فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله ، فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال : (( ارتحلوا )) فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة ، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا فلما انصرف قال له رسول الله : (( يا فلان ما منعك أن تصلي معنا )) .
قال : يا نبي الله أصابتني جنابة فأمره رسول الله فتيمم بالصعيد فصلى ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء وقد عطشنا عطشاً شديداً فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة ( أي المدنية المرسلة ) رجليها بين مزادتين (أي أكبر من القربة ) فقلنا لها : أين الماء ؟ قالت : أيهاه أيهاه ( أي هيهات هيهات ) لا ماء لكم . قلنا : فكم بين أهلك وبين الماء ، قالت : مسيرة يوم وليلة . قلنا. انطلقي إلى رسول الله . قالت : وما رسول الله ؟ فلم نملكها من أمرها شيئاً حتى انطلقنا بها فاستقبلنا بها رسول الله . فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا وأخبرته أنها مؤتمة ( أي ذات أيتام ) لها صبيان أيتام فأمر براويتها فأنيخت فمج في العزلاوين العلياوين ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلاً عطاشاً حتى روينا وملأنا كل قربة معنا وإداوة وغسلنا صاحبنا غير أنا لم نسق بعيرنا وهي تكاد تنضرج ( أي تنشق ) من الماء – يعني المزادتين ، ثم قال : هاتوا ما كان عندكم ، فجمعنا لها من كسر وتمر وصر لها صرة فقال لها : اذهبي فأطعمي هذا عيالك واعلمي أنا لم نرزأ من مائك فلما أتت أهلها قالت : لقد لقيت أسحر البشر أو إنه نبي كما زعم كان أمره ذيت وذيت فهدى الله ذاك الصّرم ( أي أبيات مجتمعة ) بتلك المرأة فأسلمت وأسلمــوا . ]أخرجه مسلم كتاب المساجد باب قضاء الفائته واستحباب تعجيله .[
441- بئر قباء الفارغة تمتلئ
عن يحيى بن سعيد أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسألهم عن بئر هناك ، قال : فدلـلته عليها فقال : لقد كانت هذه ، وإن الرجل لينضح على حماره فينزح فنستخرجها له ، فجاء رسول الله وأمر بذنوب ( أي الدلو) فسقى فإما أن يكون توضأ منه أو تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر ، قال : فما نزحت بعد ، قال : فما برحته فرأيته بال ، ثم جاءه فتوضأ ومسح على خفيه ، ثم صلى . ]أخرجه البيهقي في الدلائل (ج6/ص136) .[
442- العيون تنبع من بين أصابع الرسول
عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – قال : اشتكى أصحاب رسول الله إليه العطش ، قال : فدعا بعس ( أي حق اللبن ) فصب فيه شيء من الماء ووضع رسول الله فيه يده وقال : استقوا ، فاستقى الناس ، قال : فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول الله .
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/311) وذكر له شاهداً مُرسلاًَ ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى (2/103) .[
443- يفور بين كل أصبعين عين ، عين البئر تفيض ماء ولا يدرك قعرها
قدم على رسول الله وفد صداء ، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثاً ، وهيأ بعثاً ، استعمل عليه قيس بن سعد بن عبادة ، وعقد له لواء أبيض . ودفع إليه راية سوداء ، وعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين . وأمره أن يطأ ناحية من اليمن كان فيها صداء .
فقدم على رسول الله رجل منهم ، وعلم بالجيش ، فأتى رسول الله فقال : يا رسول الله ! جئتك وافداً على من ورائي فاردد الجيش ، وأنا لك بقومي ، فرد رسول الله قيس بن سعد من صدر قناة ، وخرج الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله خمسة عشر رجلاً منهم .
فقال سعد بن عبادة : يارسول الله ! ادعهم ينزلوا عليّ ، فنزلوا عليه ، فحياهم وأكرمهم وكساهم ، ثم راح بهم إلى رسول الله ، فبايعوه على الإسلام ، فقالوا : نحن لك على من وراءنا من قومنا ، فرجعوا إلى قومهم ، ففشنا فيهم الإسلام ، فوافى رسول الله منهم مائة رجل في حجة الوداع . ذكر هذا الواقدي عن بعض بني المصطلق .
وذكر من حديث الحارث بن زياد الصدائي ، أنه الذي قدم على رسول الله فقال له : اردد الجيش وأنا لك بقومي ، فردهم ، قال : قدم وفد قومي عليه ، فقالي لـي : يا أخا صداء ، إنك لمطاع في قومك ؟ قال : قلت : بل يا رسول الله من الله عز وجل ومن رسوله ، وكان زياد هذا مع رسول الله في بعض أسفاره ، قال : فاعتشى رسول الله أي سار ليلاً ، واعتشينا معه ، وكنت رجلاً قويّاً ، قال : فجعل أصحابة يتفرقون عنه ، ولزمت غرزه ، فلما كان في السحر ، قال : (( ادن يا أخا صداء )) فأذنت على راحلتي ، ثم سرنا حتى ذهبنا ، فنزل لحاجته ، ثم رجع .
فقال : (( يا أخا صداء هل معك ماء ؟ )) قلت : معي شيء في إداوتي ، فقال : (( هاته )) فجئت به ، فقال : (( صب )) ، فصببت ما في الإداوة في القعب ، فجعل أصحابه يتلاحقون ، ثم وضع كفه على الإناء ، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عيناً تفور ثم قال : (( يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا )) ، ثم توضأ ، وقال : (( أذن في أصحابي ، من كان له حاجة بالوضوء فليرد )) قال : فوردوا من آخرهم ، ثم جاء بلال يقيم فقال : (( إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم )) ، فأقمت ثم تقدم رسول الله فصلى بنا وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي ، ويكتب لي بذلك كتاباً ، ففعل ، فلما فرغ من صلاته قام رجل يشتكي من عامله .
فقال : يا رسول الله إنه أخذنا بدخول كانت بيننا وبينه في الجاهلية ، فقال رسول الله: (( لا خير في الإمارة لرجل مسلم )) ثم قام آخر ، فقال : يا رسول الله ! أعطني من الصدقة ، فقال رسول الله : (( إن الله لم يكل فسمتها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت جزءاً منها أعطيتك ، وإن كنت غنياً عنها ، فإنما هي صداع في الرأس ، وداء في البطن )) .
فقلت في نفسي : هاتان خصلتان حين سألت الإمارة ، وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها ، فقلت : يا رسول الله هذان كتاباك فاقبلهما ، فقال رسول الله: (( ولم ؟ )) فقلت : إني سمعتك تقول : (( لا خير في الإمارة لرجل مسلم )) وأنا مسلم وسمعتك تقول (( من سأل من الصدقة )) وهو غني ، فقال رسول الله: (( أما إن الذي قلت كما قلت )) فقبلهما رسول الله ثم قال لي : دلني على رجل من قومك أستعمله ، فدللته على رجل منهم ، فاستعمله .
قلت : يا رسول الله ! إن لنا بئراً إذا كان الشتاء ، كفانا ماؤها ، وإذا كان الصيف ، قل علينا فتفرقنا على المياه ، والإسلام اليوم فينا قليل ، ونحن نخاف فادع الله – عز وجل – في بئرنا فقال رسول الله : (( ناولني سبع حصيات )) فناولته فعركهن بيده ثم دفعهن إليّ ، وقال : (( إذا انتهيت إليها ، فألق فيها حصاة حصاة ، وسم الله )) قال : ففعلت فما أدركنا لها قعراً حتى الساعة .
444- الماء نبع من بين الأصابع وتوضأ منه ثلاثمائة
عن أنس أن نبي الله وأصحابه بالزوراء قال : (( والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيها ثمة ، دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه ، قال : قلت : كم كانوا يا أبا حمزة ؟ قال : كانوا زُهاء ثلاثمائة )) . ] أخرجه مسلم في كتاب الفضائل باب معجزات النبي [
445- شرب العسكر أجمعون وتوضئوا من إناء ماء
عن ابن عباس – رضي الله عنهما - قال : أصبح رسول اللهذات يوم وليس في العسكر ماء ، فأتاه رجل ، فقال : يا رسول الله ، ليس في العسكر مــاء ، قال : (( هل عندك شيء ؟ )) قال : نعم ، قال : (( فأتني )) ، قال : فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل ، قال : فجعل رسول الله أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه ، قال : فانفجرت من بين أصابعه عيون وأمر بلالاً ، فقال : ناد في الناس الوضوء المبارك .
]أخرجه أحمد والطبراني وانظر البداية (6/100) .[
446- يشرب في إناء واحد بعد أن كان يشرب في سبعة
عن أبي هريرة أن رسول الله ضافه ضيف كافر ، فأمر له بشاة فُحلبت فشرب حلابها ، ثم أخرى فشرب حلابها ، ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ، ثم إنه أصبح فأسلم ، فأتى رسول الله، فأمر له بشاة فُحلبت فشرب حلابها . ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها ، فقال رسول الله: (( إن المسلم يشرب في معيّ واحد ، والكافر يشرب في سبعة أمعاء )) ...
]الحديث صحيح : أخرجه مسلم .[
448- ظهور الماء المنهمر من عين تبوك قليلة الماء
449- عمران منطقة تبوك بالجنان والعمران
450- معرفة كذب الكذاب
عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : خرجنا مع رسول الله عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً حتى إذا كان يوماً أخر الصلاة ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا ً ثم قال : (( إنكم ســتأتون غداً إن شاء الله عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي )) ، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء . قال : فسألهما رسول الله هل مسستما من مائها ؟ قالا : نعم ، فسبهما النبي ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، قال : ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء . قال : وغسل رسول الله فيه يديه ووجهه . ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر أو قال : غزير . . حتى استقى الناس ثم قال : (( يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا حتى ملئ جناناً )) . [ أخرجه مسلم كتاب الفضائل باب معجزات النبي ]
وهذه من معجزات الرسول فقد سكنت هذه المنطقة وامتلأت بالمساكن والعمران والبساتين من عهد الصديق – رضي الله عنه – وفيه معجزة أخرى وهي كثرة الماء وفيه معجزة ثالثة وهي معرفة كذب الرجلين.
الحلقة الرابعة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 2)
سلام الحجر
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، أن رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg قال:
" إنّي لأعرف حجراً بمكة كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أبعث، إنّي لأعرفه الآن "، قيل الحجر الأسود وقيل غيره، رواه مسلم و الترمذي.
وقال عبد الله بن مسعود:
" كنت أمشي في مكة فأرى حجراً أعرفه ما مرَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلا وسمعته بأذني يقول السلام عليك يا رسول الله ".
عن أبي زيد بن أخطب رضي الله عنه قال : "مسح رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg على وجهي و دعا لي ".
قال عزرة أنَّه عاش مئة و عشرين سنة وليس في رأسه إلا شعيرات بيض، رواه الترمذي وحسنه الحاكم و وافقه الذهبي.
عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " كان الصبيان يمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من يمسح خده ومنهم من يمسح خديه فمررت به فمسح خدي فكان الخد الذي مسحه النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من الخد الآخر"، أخرجه الطبراني وأصله في صحيح مسلم.
عن أبي ذر رضي الله عنه قال :" إني لشاهد عند رسول الله في حلقة وفي يده حصى فسبحن في يده وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فسمع تسبيحهن من في الحلقة ". أخرجه الطبراني في الأوسط مجمع البحرين، والبزار واسناد الطبراني صحيح رجاله ثقات .
ولله در الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحى بن يوسف الصرصري حيث قال في قصيدة له
لئن سبحت صـم لجبال مجيبــه لداود أو لان الحديد المصفـح
فإن الصخور الصُـــمَّ لانت بكفه و إن الحصا في كفـه ليسبِّـح
وإن كان موسى أنبع الماء من العصـا فمن كفه قد أصبح الماء يطفـح
عن عبد الرحمن بن معاذ رضي الله عنه قال :"خطبنا رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و نحن بمنى، فَفُتِحَت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول و نحن في منازلنا و كنا جموع قريب من مئة ألف "، أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد ..
عن ابن عباس رضي الله عنه قال :"جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كان يداوي و يعالج، فقال له : يا محمد إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك ؟ قال فدعاه رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ثم قال له : هل لك أن أداويك ؟ قال : إيه . و عنده نخل و شجر، قال فدعا رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg عِرقاً منها، فأقبل إليه و هو يسجد و يرفع و يسجد حتى انتهى (أي وصل إليه)، فأمره النبي عليه الصلاة و السلام قائلاً : ارجع إلى مكانك فرجع إلى مكانه، فقال الرجل : و الله لا أكذِّبك بشيء تقوله بعدها أبدا !" .
عن أنس رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg أن يُريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين . قال الخطابي : انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء و ذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجاً عن جل طباع ما في هذا العالم المُرَكَّب من الطبائع .. قال تعالى :{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ****** [القمر: 1] .
و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " انفلق القمر و نحن مع رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فصار فلقتين : فلقة من وراء الجبل و فلقة دونه . فقال رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : اشهدوا "
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ ( أي هل يصلي جهارة أمامكم )، فقيل : نعم . فقال : و اللات و العزى لئِن رأيته يفعل ذلك لأطَأنَّ على رقبته أو لأعَفِرَنَّ وجهه في التراب . فأتى رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg و هو يصلي لِيَطأ على رقبته، فما فاجأهم منه إلا و هو ينكص على عقبيه، و أخذ يقي وجهه بيديه، فقيل له : ما لك ؟ قال : إن بيني و بينه خندقاً من نار و هَولاً و أجنحة !!!. فقال رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضوا . و أنزل الله تعالى : {كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى****** [العلق: 6] إلى آخر السورة .
الحلقة الخامسة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (3)
هل سمع أحدنا أنَّ الجماد أحبّ ؟ أن يحب أحد الجدار لجماله أمر معقول و لكن أن ينطق الجدار بحبِّه لفلان فهذا أمر غريب !!. يقول سيدنا علي رضي الله عنه : بعد غزوة أُحُد ابتعد كثير من المسلمين عن جبل أُحُد لأنه استشهد في سفحه و سهله سبعون من خيار الصحابة، و ذهب رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فوقف يوماً على أُحُد و صلى على شهداء أُحُد و معه أبو بكر و عمر و عثمان و في رواية عمر و علي . و بينما نحن على أُحُد إذ بأُحُد يهتز و إذا بالرسول يبتسم و يرفع قدمه الطاهرة و يضربها على الجبل و يقول : اثبت. لِما اهتز الجبل يا ترى و لِما ثبت بعد الضربة ؟ . فالجبل حينما شعر أن قَدَم الحبيب محمد http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg مسَّته راح يرتجف من الطرب ولله درّ القائل .
لا تلوموا اُحداً لاضطراب إذ علاه فالوجد داءُ
أُحد لا يلام فهـو محبٌ ولكم أطرب المحب لقاءُ
كان رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg يخطب على جذع، فلمَّا صُنِع له منبراً ترك الجذع و صعد المنبر و راح يخطب، فإذا بالجذع يئن أنيناً يسمعه أهل المسجد جميعاً، فنزل من على خطبته و قطعها و ضمّ الجذع إلى صدره و قال : هدأ جذع، هدأ جذع، إن أردتَ أن أغرسك فتعود أخضراً يؤكل منك إلى يوم القيامة أو أدفنك فتكون رفيقي في الآخرة . فقال الجذع : بل ادفني و أكون معك في الآخرة " .
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : "حينما توفي رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg كنا نقول : يا رسول الله إنَّ جذعاً كنتً تخطب عليه فترَكتَه فَحَنَّ إليك، كيف حين تركتنا لا تحنّ القلوب إليك ؟
عن مالك بن صعصعة – رضي الله عنه – أن نبي الله حدثه عن ليلة أُسري به قال : (( بينما أنا في الحطيم )) – وربما قال في الحجر – (( مضطجعاً إذ أتاني آت فقدّ )) – قال : وسمعته يقول : (( فشق مابين هذه إلى هذه )) .
فقلت ( أحد الرواة ) للجارود ، وهو إلى جنبي ما يعني به ؟ قال : من ثُغرة نحره إلى شعرته – وسمعته يقول من قصه إلى شعرته – (( فاستخرج قلبي ، ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءة إيماناً ، فغسل قلبي ، ثم حُشي ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض )) – فقال له الجارود : هو البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس : نعم – (( يضع خطوة عند أقصى طرفه ، فحُملتُ عليه ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا ، فاستفتح . فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل :مرحباً به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت فإذا فيها آدم ، فقال : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ثم قال : مرحباً بالابن الصالح ، والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء ، ففتح فلما خصلت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال : هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما ، فسلمت ، فردا ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم قيل : مرحباً به ، فنعم المجئ جاء ففتح ، فلما خلصت إذا يوسف ، قال : هذا يوسف فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فردّ ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أوقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح ، فلما خلصت فإذا إدريس ، قال : هذا إدريس فسلم عليه ، فسلمت عليه فردّ ، ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد قيل : أوقد أُُرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا هارون قال : هذا هارون فسلم عليه ، فسلمت ، فردّ ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد أُرسل إليه ؟ قال : نعم قال : مرحباً به ، فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا موسى ، قال : هذا موسى فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فردّ ثم قال : مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ، فلما تجاوزت بكى ، قيل : ما يُبكيك ؟ قال : أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي . ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا ؟ قال : جبريل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : وقد بُعث إليه ؟ قال : نعم ، قال : مرحباً به ، ونعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال : هذا أبوك ، فسلم عليه قال : فسلمت عليه ، فردّ السلام ، ثم قال : مرحباً بالأبن الصالح ، والنبي الصالح . ثم رُفعت لي سدرة المنتهى ، فإذا نَبَقُها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال : هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار : نهران باطنان ، ونهران ظاهران . فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ، ثم رُفع لي البيت المعمور ، ثم أُتيت بإناء من خمر ، وإناء من لبن ، وإناء من عسل ، فأخذت اللبن فقال : هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثم فُرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم ، فرجعت فمررت على موسى ، فقال : بم أُمرت ؟ قال : أمرت بخمسين صلاة كل يوم . قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فرجعت ، فوضع عني عشراً ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عني عشراً ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت فقال مثله ، فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى ، فقال : ثم أمرت ؟ قلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم ، قال : إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم ، وإني قد جربت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال : سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلّم قال : فلما جاوزت نادى مُناد : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي )) .
وهذه المعجزة تشتمل على مجموعة من المعجزات :
منها أن سقف بيته انشق كما في بعض الروايات
ومنها قطع المسافة التي تقطع في آلاف الأعوام في أقل من ساعة زمن
ومنها خضوع البراق له وعدم نفوره منه
ومنها ********* السموات
وهذا خلافاً للمنكرين الذين يقولون إن السموات لا تقبل الخرق . وهذا يرد عليه بأنكم تؤمنون بنزول جبريل – عليه السلام – وصعوده ، فما المانع أن يصعد محمد معه مرة .
ومنها ما رآه في أثناء هذه الرحلة من عذاب العصاة ، ونعيم الطائعين
ومنها الكلام مع رب العالمين – سبحانه –
ومنها اللقاء بالأنبياء والصلاة لهم والحديث معهم
ومنها الكلام مع بعض الملائكة كملك الموت
ومنها رؤية في ما في العالم العلوي .
صحيح : رواه البخاري كتاب مناقب الأنصار باب المعراج رقم (3885).
ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن رواية هذا الحديث الذي معنا جاءت مجزة أحيانا ، ومشكلة أحيانا أخرى . فالإيجاز جاء في عدم وصف الإسراء ، ولذلك بوّب الإمام البخاري على هذا الباب باب المعراج ، وأيضاً ذكر في هذا الحديث أنه كان يُخفف في كل مرة عشر صلوات خلافاً لما هو غالب على الروايات من ذكر خمس صلوات . والإشكال جاء : من ذكر الشرب من اللبن وعدم الشر من الخمر ، والماء بعد النزول من السموات خلافاً لما هو معروف من شرب اللبن قبل بدء العروج إلى السموات السبع .
11- وضع بيت المقدس أمامه وهو بمكة
ومن المعجزات التي تتعلق بالإسراء والمعراج أن قريشاً سألته عن وصف بيت المقدس وعن عدد أبوابه . فجلّى الله له بيت المقدس حتى وضعه أمامه فأخبرهم عما يريدون لم يخطئ في حرف واحد يقول رسول الله : (( لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلىّ الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته ، وأنا أنظر إليه ))
]حديث صحيح : رواه البخاري في مناقب الأنصار باب حديث الإسراء رقم (3886) ورواه مسلم في الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم – عليهما السلام - ، ورواه احمد (1/309).[
12- إخباره عن عير لقريش
ومن المعجزات المتعلقة بالإسراء والمعراج :
قالت قريش يوم الإسراء لرسول الله : هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا ؟ قال : (( نعم والله ، قد وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم في طلبه ، ومررت بإبل بني فلان انكسرت لهم ناقة حمراء ))
قالوا : فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاء . قال : كنت عن عدتها مشغولاً ، فقام . فأتى الإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء ثم أتى قريشاً ، فقال : (( هي كذا وكذا ، وفيها من الرعاء فلان وفلان )) فكان كما قال .
وفي رواية البيهقي : قلنا يا رسول الله : كيف أُسريّ بك ؟ قال : ...... وفيه فقال : (( إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا ، وقد أضلوا بعيراً لهم ، فجمعه فلان ، وإن مسيرهم ينزلون بكذا وكذا . ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان )) فلما كان ذلك اليوم ، أشرف الناس ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار حتى أقبلت العير ، يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله . ]رواه البيهقي وقال : إسناده صحيح ] .
وفي رواية أخرى : أُسري بالنبي إلى بيت المقدس ، ثم جاء من ليلته ، فحدثهم بمسيره ، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم ، فقال ناس : نحن لا نصدق محمداً بما يقول ، فارتدوا كفاراً ، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل .
]رواه احمد (1/374) ، وقال ابن كثير في التفسير (3/15) : إسناده صحيـح .[
الحلقة السادسة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (4)
لما يئس المشركون من الظفر برسول الله وأبي بكر رضي الله عنه يوم الهجرة جعلوا لمن جاء بهما جائزة تبلغ مائة ناقة ، فجد الناس في الطلب فلما مروا بحي بني مُدلج مُصعدين من قديد ، بصر بهم رجل من الحي ، فوقف على الحي فقال : لقد رأيت آنفاً بالساحل أسوِدة ما أراها إلا محمداً وأصحابه ، ففطن بالأمر سُراقة بن مالك ، فأراد أن يكون الظفر له خاصة ، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه ، فقال : بل هم فلان وفلان ، خرجا في طلب حاجة لهم ، ثم مكث قليلاً ، ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه : اخرج بالفرس من وراء الخباء ، وموعدك وراء الأكمة ، ثم أخذ رُمحه ، وخفض عاليه ، يخط به الأرض حتى ركب فرسه ، فلما قرب منهم ، وسمع قراءة النبي ، وأبو بكر يُكثر الالتفات ورسول الله لا يلتفت ، فقال أبو بكر : يارسول الله هذه سُراقة بن مالك قد رمقنا ، فدعا عليه رسول الله فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال : قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما ، فادعوا الله لي ، ولكما عليّ أن أرد الناس عنكما ، فدعا له رسول الله فأُطلق ، وسأل رسول الله أن يكتب له كتاباً ، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم ، وكان الكتاب معه إلى فتح مكة ، فجاءه بالكتاب ، فوفاه له رسول الله وقال : (( يوم وفاء وبِر )) وعرض عليهما الزاد والحملان ، فقالا: لا حاجة لنا به ، ولكن عمّ عنا الطلب ، فقال : قد كُفيتم ، ورجع فوجد الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأت لكم الخبر وقد كفيتم ما ها هنا ، وكان أول النهار جاهداً عليهما، وآخره حارساً لهما.
]صحيح : أخرجه البخاري (7/186-188-، 7/196) ، واحمد (3/212) والحاكم (3/6-7) وأخرج بعضه مسلم رقم (2009) .[
15- وقوف الكفار أمام الغار
جدّت قريش في طلب الرسول وأبو بكر – رضي الله عنه – وأخذوا معهم القافة ( متبعو الأثر ) حتى انتهوا إلى الغار ، فوقفوا عليه ، قال أبو بكر : يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا ، قال : (( يا أبابكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن فإن الله معنا )) . وكان النبي وأبو بكر يسمعان كلامهم فوق رءوسهما ، ولكن الله عمّى عليهم أمرهما .
]صحيح : أخرجه البخاري في فضائل الأصحاب باب مناقب المهاجرين وفي تفسير سورة براءة ، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل أبي بكر رضي الله عنه [
16- تقدم أبو جهل ليطأ الرسول ثم رجع خائفاً
أراد أبو جهل – لعنه الله – أن يطأ على رقبة رسول الله وهو يُصلي ، فلما تقدم إليه رجع بسرعة لأنه رأى بينه وبين النبي حجاباً مانعاً بينه وبين ما يُريد .
قال أبو هريرة – رضي الله عنه – قال أبو جهل – لكفار قريش : هل يُعفّر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم . قال : واللات والعُزى لئن رأيته يُصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفّرن وجهه في التراب ، فأتى رسول الله وهو يُصلي ليطأ على رقبته ، فرجع بسرعة شديدة ، فما جاءهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال : فقيل له : مالك ؟ فقال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة قال : فقال رسول الله : (( لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً )) .
]رواه البخاري مختصراً ، ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير [
وأنزل الله – عز وجل – في هذا الموقف قوله : { أرأيت الذي ينهى (9) عبداً إذا صلّى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرأيت إن كذّب وتولّى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) كلاّ لئن لّم ينته لنسفعاً بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ناديه (17) سندع الزّبانية (18) كلاّ لا تُطعه واسجد واقترب ( 19) ******] سورة العلق 9-19[.
{أرأيت الذي ينهى****** : أي أبو جهل – لعنه الله – { عبداً إذا صلّى ****** أي محمد { أرأيت إن كان على الهدى****** : أي ما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله { أو أمر بالتقوى****** أي يأمر بالتقوى بفعله ، وأنت تنهاه وتتوعده على صلاته ولهذا قال : { ألم يعلم بأن الله يرى****** أي ما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن يراه ويسمع كلامه وسيجازيه على فعله أتم الجزاء .
ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً { كلاّ لئن لّم ينته****** أي لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد { لنسفعاً بالناصية****** أي لنضربنه على ناصيته أو لنسوّدن ناصيته { ناصية كاذبة خاطئة****** يعني ناصية أبي جهل – عليه لعائن الله – كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها { فليدع ناديه****** أي قومه وعشيرته أي ليدعهم ليستنصر بهم هل يقدرون أن يمنعوا عنه العقاب والعذاب وأي عذاب وعقــاب ؟! { سندع الزّبانية ****** وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أم حزبه { كلاّ لا تُطعه ****** يعني يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها وصلّ حيث شئت ولا تباله ، فإن الله حافظك وناصرك ، وهو يعصمك من الناس { واسجد واقترب ****** اسجد لربك واقترب منه بالطاعة .
]انظر تفسير ابن كثير سورة العلق – باختصار [
17- جالس أمامها ولا تراه !!
روت أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها- قالت : لما نزلت { تبّت يدا أبي لهب ****** جاءت العوراء أم جميل ، ولها ولولة وفي يدها فهر وهي تقول : مذمماً أبينا ، ودينه قلينا ، وأمره عصينا ، ورسول الله جالس ، وأبو بكر إلى جنبه ، فقال أبو بكر _ رضي الله عنه _ : لقد أقبلت هذه ، وأنا أخاف أن تراك . فقال رسول الله : (( إنها لن تراني )) وقرأ قرآناً اعتصم به منها : { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ****** ] سورة الإسراء : 54].
قال : فجاءت حتى قامت على أبي بكر ، فلم تر النبي ، فقالت : يا أبا بكر بلغني أن صاحبك هجاني ، فقال أبو بكر : لا وربّ هذا البيت ما هجاك . قال : فانصرفت وهي تقول : لقد علمت قريش أني بنت سيدها .
]رواه أبو يعلى . وسكت عليه ابن كثير (3/43) [
18- شلت يده
( رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يأكل بشماله فقال له : (( كُل بيمينـك )) قال : لا أستطيع ، قال : (( لا استطعت )) قال الراوي ، فما رفعها إلى فيه ) رواه مسلم في الأشربة .
19- مرّ عليهم وألقى على رءوسهم التراب ولا يرونه
لّما أمر النبي علياً – رضي الله عنه – يوم الهجرة أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ، ويريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها ، فخرج رسول الله عليهم ، فأخذ حفنة من البطحاء ، فجعل يذره على رءوسهم ، وهم لا يرونه وهو يتلو { وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ****** ] سورة يس : 9].
ومضى رسول الله إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً ، وجاء رجل ورأى القوم ببابه ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً ، قال : خبتم وخسرتم قال : والله مرّ بكم وذرّ على رءوسكم التراب قالوا : والله ما أبصرناه ، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم وهم أبو جهل ، والحكم بن العاص ، وعقبة بي أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، وزمعة ابن الأسود ، وطُعيمة بن عدي ، وأبو لهب ، وأبي بن خلف ، ونبيه ومُنبه ابنا الحجاج .
]حديث حسن : أخرجه ابن سعد (1/227-228) ، وابن هشام (1/483) وأحمد (1/348) ، وعبد الرزاق (5/389) ، وقد حسنه ابن كثير وابن حجر في الفتح (7/184-185) .[
20- سداد دين والد جابر ببركة الرسول
كان على والد جابر – رضي الله عنهما – دين كبير فسُدّ ببركة جلوس النبي على أموال السداد.
فعن جابر رضي الله عنه أن أباه استشهد يوم أحد ، وترك ست بنات ، وترك عليه ديناً ثلاثين وسِقاً ، فاشتد الغرماء في حقوقهم ، فلما حضره جداد النخل ، أتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحد ، وترك عليه ديناً كثيراً ، وإني أحب أن يراك الغرماء .
قال : (( اذهب فبيدر ( إي قسم التمر ) كل تمر على حدة )) ، ففعلت ، ثم دعوت ، فغدا علينا حين أصبح ، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة ، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدراً ثلاثاً ، ودعا في ثمرها بالبركة ثم جلس عليه ، ثم قال : (( ادع أصحابك )) فما زال يكيل لهم ، حتى أدى الله أمانة والدي ، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة فسلمت والله البيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله كأنه لم ينقص تمرة واحدة ، فوافيت رسول الله ، فذكرت ذلك له فضحك ، فقال : (( ائت أبا بكر وعمر ، فأخبرهما )) فقالا : لقد علمنا إذ صنع رسول الله ما صنع أن ذلك سيكون .
]حديث صحيح : أخرجه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي [
21- بيضة ذهب أثقل من جبل أحد
في حديث سلمان الفارسي – رضي الله عنه – لما أسلم ، وأراد أن يكون حراً ، فكاتب مولاه اليهودي على أربعين نخلة ، وعلى أربعين أوقية من الذهب ، فقال النبي : (( أعينوا أخاكم )) فأعانوني بالخمس ، والعشر ، حتى اجتمع لي ، فقال لي : (( فقّر لها ( إي احفر لها موضعاً تُغرس فيه .) ولا تضع منها شيئاً حتى أضعه بيدي )) ففعلت فأعانني أصحابي حتى فرغت ، فأتيته ، فكنت آتيه بالنخلة فيضعها ، ويسوّي عليها تُراباً ، فانصرف والذي بعثه بالحق ، فما ماتت منها واحدة وأنتجت كلها في عام واحد ، وبقي الذهب ، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب ، أصابه من بعض المعادن ، فقــال : (( ادع سلمان المسكين الفارسي المُكاتب ، فقال : أدّ هذه )) فقلت : يا رسول الله وأين تقع هذه مما عليّ ؟ .. قال سلمان : فأدت عني . وقال : أعانني رسول الله ببيضة من ذهب ، فلو وُزنت بأُحد لكانت أثقل منه .
]حديث حسن : أخرجه أحمد في المسند ( 5/444) وأنظر أُسد الغابة ( 2/417-421)رقم (2149)وانظر ابن هشام ( 1/214)، وما بعدها .[
22- حطم الكدية القوية في أول ضربة
عرضت على الصحابة – رضوان الله عليهم – يوم الخندق كدية أعيتهم ، فنسفها في أول ضربة قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما - : إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدية ( إي ما جُمع من التراب ) شديدة فجاءوا النبي ، فقالوا : هذه كُدية عرضت في الخندق ، فقال : (( أنا نازل )) ثم قام وبطنه معصوب بحَجر . ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي المِعول فضرب ، فعاد كثيباً أهيل أو أهيم ... ]رواه البخاري ، وابن إسحاق [
23- أفاق جابر برش الوضوء النبوي عليه
عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : عادني رسول الله ، وأبو بكر رضي الله عنه في بني سلمة ، فوجدني لا أعقل ، فدعا بماء فتوضأ ، فرش منه عليّ ، فأفقت . فقلت : كيف أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت : {يُوصيكم الله في أولادكم للذكرِ مِثلُ حظّ الأنثيين ****** ]سورة النساء : 11].
]حديث صحيح : أخرجه البخاري ومسلم [.
24- بصق في عين علي – رضي الله عنه- فبرأت
كان علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – تخلف عن النبي في خيبر ، وكان رمداً فجاء ، فدعا له رسول الله فبرأ .
ففي الحديث الصحيح أن رسول الله قال – يوم خيبر- : (( لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه )) ، فبات الناس يدركون أيهم يُعطاها ، فلما أصبح الناس ، غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يُعطاها ، فقال : (( أين علي بن أبي طالب ؟ )) فقالوا : يا رسول الله ؟هو يشتكي عينيه . قال : (( فأرسلوا إليه )) فأُتي به ، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له ، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال : يا رسول الله ! أقاتلهم ، حتى يكونوا مثلنا : قلنا : (( انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً ، خير من أن يكون لك حمر النعم )) .
]حديث صحيح : أخرجه البخاري ، ومسلم ، واحمد (5/333)[.
25- رد عين قتادة ( رضي الله عنه )
أصيبت عين قتادة بن النعمان – رضي الله عنه – يوم أُحد حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله فكانت أحسن عينيه .
]أُسد الغابة لابن الأثير رقم ( 4271) وطبقات ابن سعد ( 2/26) والاستيعاب لابن عبد البر رقم ( 2107) (1274).[
26- عرق النبي طيب
عن أنس – رضي الله عنه – قال : دخل علينا رسول الله فقال عندنا (أي نام عندنا ) ، فعرق ، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت ( أي تجمع ) العرق فيها ، فاستيقظ رسول الله فقال : (( يا أم سليم ، ما هذا الذي تصنعين ؟ )) قالت : هذا عرقك نجعله لطيبنا ، وهو أطيب الطيب .
]رواه مسلم في كتاب الفضائل ، وأحمد ( 3/177).[
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – قال : (( كان في رسول الله خصال ، لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعَرفه ( أي رائحته ) ولم يكن يمر بحجر إلا سجد له )) .
27- كاد عليّ أن ينال أفق السماء بسبب حمل النبي له
عن علي – رضي الله عنه – قال : انطلق بي رسول الله حتى أتى الكعبة فقال : (( اجلس )) . فجلست إلى جنب الكعبة ، فصعد رسول الله لمنكبي ثم قال لي : (( انهض )) فنهضت ، فلما رأى ضعفي تحته قال لي : (( اجلس )) ، ثم قــال لي : (( يا علي ، اجلس على منكبي )) ففعلت ، ثم نهض بي ، فلما نهض بي خُيّل إليّ أني لو شئت نلت أفق السماء ، فصعدت فوق الكعبة ، فقال بي : (( القٍِ صنمهم الأكبر )) صنم قريش وكان من نحاس موتّداً بأوتاد من حديد إلى الأرض ، فقال لي رسول الله : (( عالجه )) ويقول لي : (( إيه إيه ، جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً )) . فلم أزل أُعالجه حتى استمكنت منه فقذفته ، فتكسّر .
] الحديث أخرجه الحاكم [.
28- بول الرسول صحة وعافية
عن أم أيمن – رضي الله عنهما – قالت : قام رسول الله من الليل إلى فخّارة في جانب البيت ، فبال فيها ، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر فلما أصبح النبي قال : (( يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفُخّارة )) فقلت : قد والله شربت ما فيها . قالت : فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، ثم قال : (( أما والله لا يجيعن بطنك أبداً )) . فما جاعت بعد شرب بوله أبداً .
]الحديث صحيح : رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم وقال الدارقطني : حديث حسن صحيح .[
29- بركة مسحه على رأس حنظلة بن خديم
قال والد حنظلة بن خديم لرسول الله : بأبي وأمي ، أنا رجل ذو سن ، وهذا ابني حنظلة فسمّت عليه ( أي ادع الله له ) ، فقال النبي : (( يا غلام )) ، فأخذ بيده فمسح رأسه ، وقال له : (( بورك فيه )) أو قال : (( بارك الله فيــك )) ورأيت حنظلة يؤتى بالشاة الوارم صرعها والبعير والإنسان به الورم ، فيتفل في يده ويمسح بصلعته ويقول : بسم الله على أثر يد رسول الله فيمسحه ، فيذهب عنه .
]أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ ، وابن سعد ، والطبراني والبيهقي وغيرهم [
30- الأثر النبوي سبب في عدم نسيان أبي هريرة – رضي الله عنه –
عن الأعرج في قوله تعالى : { إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ****** ] سورة البقــرة :159[.
قال : قال أبو هريرة – رضي الله عنه - : إنكم تقولون : أكثر أبو هريرة عن النبي والله الموعد ، وإنكم تقولون : ما بال المهاجرين والأنصار لا يُحدّثون عن رسول الله بهذه الأحاديث ؟ وإنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق ، وإنّ أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم والقيام عليها ، وإني كنت امرأ مسكيناً ، وكنت أكثر مجالسة رسول الله أحضر إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وإنّ النبي حدثناً يوماً فقال : (( من يبسط ثيابه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه ، فإنه لا ينسى شيئاً سمعه مني أبداً )) قال : فبسطت ثوبي أو قال : نمرتي ، ثم حدثنا فقبضته إليّ ، فو الله ما نسيت شيئاً سمعته منه ، وايم الله لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبداً ثم تلا { إنّ الذين يكتمون ****** الآية كلها .
]حديث صحيح : أخرجه مسلم ، والبيهقي في الدلائل ( 6/201)[.
31- رؤيته أصحابه من وراء ظهره
كان رسول الله يرى ما يصنعه الصحابة والمنافقون من وراء ظهره وهو يُصلي .
فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : بينما رسول الله ذات يوم إذ أقيمت الصلاة ، فقال : (( أيها الناس إني إمامكم ، فلا تسبقوني في الركوع ولا بالسجود ، ولا ترفعوا رءوسكم ، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي ، وأيم الذي نفس محمد بيده ، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً )) .
قالوا : يا رسول الله ! وما رأيت ؟ قال : (( رأيتُ الجنة والنار )) .
]حديث صحيح : أخرجه مسلم في الصلاة ، والبيهقي في الدلائل ( 6/74)[.
وفي رواية : أن رسول الله قال : (( هل ترون قبلتي ها هنا ؟ فو الله ما يخفي عليّ ركوعكم ولا سجودكم إني لأراكم وراء ظهري )) .
]صحيح : رواه البخاري ، ومسلم في الصلاة [.
32- فرس أبي طلحة البطيء يسبق الفرسات ببركة النبي
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : فزع الناس ، فركب رسول الله فرساً لأبي طلحة بطيئاً ثمّ خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلف رسول الله . فقال : (( لن تراعو إنه لبحر )) ، قال : فو الله ما سُبِق بعد ذلك اليوم .
]صحيح : أخرجه البخاري في الجهاد ( 6/122) ( فتح الباري ) ، والبيهقي في الدلائل ( 6/152) .[
33- ظهور آثار النبوة في عمرو بن أخطب
عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري – رضي الله عنه – قال : قال لي رسول الله : (( ادن مني )) قال : فمسح بيده على رأسي ولحيتي ثم قال : (( اللهم جَمّله ، وأدِم جماله )) قال : فبلغ بضعاً ومائة سنة ، وما في لحيته بياض إلا نبذ يسير ، ولقد كان منبسط الوجه ولم يتقبّص وجهه حتى مات .
]حديث حسن : أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي وحسنه البيهقي وقال : هذا إسناد صحيح موصول .
[ 34- حثا عليهم التراب فوصل إلى عيونهم وأفواههم جميعاً
عن أبي عبد الرحمن الفهري – رضي الله عنه – أنّ النبي يوم حُنين أخذ حفنة من تراب ، فحثا بها في وجوه القوم ، وقال : (( شاهت الوجوه )) ، فأُخبِرنا أنهم قالــوا : مابقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب .
]حديث صحيح : أخرجه أحمد وابن سعد ، والبيهقي .[
35- سعد مُجاب الدعوة بسبب دعاء الرسول
عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – أنّ النبي قال : (( اللهم استجب لسعد إذا دعاك )) فكان لا يدعو إلا استجيب .
]أخرجه الترمذي ، والحاكم وصححه .[
ومن هذا ما رواه جابر بن سمرة – رضي الله عنه – قال : شكا أهل الكوفة سَعداً – يعني ابن أبي وقاص – رضي الله عنه – إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فعزله واستعمل عليهم عمّاراً ، فشكوا ( إي سعداً رضي الله عنه ) حتى ذكروا أنه لا يُحسن يُصلي ، فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحاق ، إنّ هؤلاء يزعمون أنك لا تُحسن تُصلي !
فقال : أما والله فإني كنت أُصلي بهم صلاة رسول الله لا أخرم عنها أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين ، وأخف في الأخريين ، قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحاق وأرسل معه رجلاً – أو رجالاً – إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة ، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه ويُثنون معروفاً ، حتى دخل مسجداً لبني عبس فقام رجل منهم ، يقال له : أسامة بن قتادة يُكنى أبا سعدة ، فقال : أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسّرية ولا يقِسِم بالسّوية ولا يعدل في القضية ، قال سعد : أما والله لأدعون بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً ، قام رياءً وسمعة ، فأطلِ عمره ، وأطِل فقره ، وعرّضه للفتن .
قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر ، وإنه ليتعرضّ للجواري في الطرق فيغمزهن .
وكان بعد ذلك إذا سُئل يقول : شيخ كبير مفتون ، أصابتني دعوة سعد .
]حديث صحيح : رواه البخاري ومسلم .[
36- دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف
عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله قال لعبد الرحمن بن عوف : (( بارك الله لك )) ]رواه البخاري [
قال عبد الرحمن : فلقد رأيتني ولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب تحته ذهباً أو فضة .
]أخرجه ابن سعد والبيهقي .[
وفتح الله له أبواب الرزق ، ومنّ عليه ببركات من السماء والأرض ، وكان حين قدم المدينة فقيراً لا يملك شيئاً ، فآخى رسول الله بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري – رضي الله عنه – فقال سعد لعبد الرحمن : إنّ لي زوجتين فاختر أجملهما أطلقها ثم تعتد ثم تتزوجها ، وإنّ لي من المال كذا وكذا فخذ منه ما شئت .
فقال عبد الرحمن : لا حاجة لي في ذلك ، بارك الله لك في زوجتيك ومالك ، ثم قال : دلوني على السوق .]اخرجه البخاري [
فصار يتعاطى التجارة ، وفي أقرب زمن رزقه الله مالاً كثيراً ببركة دعائه حتى أنه لما توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين حُفر الذهب من تركته بالفئوس حتى جُرِحت الأيدي من كثرة العمل ، وأخذت كل زوجة من زوجاته الأربع ربع الثمن ثمانين ألفاً .
وقيل : ‘إنّ نصيب كل واحدة كان مائة ألف ، وقيل : بل صولِحت أحداهن على نيف وثمانين ألف دينار ، وأوصى بألف فرس وخمسين ألف دينار في سبيل الله ، وأوصى بحديقة لأمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – بيعت بأربعمائة ألف ، وأوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل بأربعمائة دينار ، وكانوا مائة ، فأخذوها وأخذ عثمان فيمن أخذ ، وهذا كله غير صدقاته الفاشية في حياته ، وعطاءاته الكثيرة ، وصلاته الوفيرة فقد أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً .
وتصدق مرة بعير : وهي الجمال التي تحمل الميرة ، وكانت سبعمائة بعير ، وردت عليه وكان أرسلها للتجارة ، فجاءت تحمل من كل شيء فتصدّق بها وبما عليها من طعام وغيره بأحلاسها ، وأقتابها .
وجاء أنه تصدّق مرّة بشطر ماله ، وكان الشطر أربعة آلاف ، ثم تصدق بأربعين ألفاً ، ثم تصدق بأربعين ألف دينار ، ثم تصدق بخمسمائة فرس في سبيل الله ثم بخمسمائة راحلة .
37- برأ الصبي المصروع بمسح النبي صدره
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنّ امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله فقالت : يا رسول الله إنّ به لممّاً ، وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا: قال : فمسح رسول الله صدره . ودعا له فثعّ ثّعة ( أي تقيأ قيئاً ) فخرج منه مثل الجرو الأسود يسعى . ]حديث حسن : أخرجه أحمد [
38- زاد أولاده عن المائة ، وزاد عمره عن المائة وزاد ماله عن المائة ألف بسبب دعاء النبي
إنه أنس بن مالك – رضي الله عنه – ولنستمع إليه يُحدثنا عن ذلك فيقول : جاءت أم سليــم – وهي أم أنس – رضي الله عنهما – إلى رسول الله وقد أزرتني بخمارها وردّتني ببعضه . فقالت : يا رسول الله هذا أُنيس أتيتك به يخدمك فادع الله له قــــال : (( اللهم أكثر ماله وولده )) . وفي لفظ : (( اللهم أكثر ماله وولده وأطِل عمره واغفر له )) .
]صحيح : أخرجه البخاري في الدعوات رقم ( 6344،6334)[
قال أنس : فو الله إنّ مالي لكثير ، وإنّ ولدي ، وولد ولدي يتعادون على نحو المائة . قال: وحدثتني ابنتي أُمينة أنه قد دفن من صلبي إلى مقدم الحجاج البصرة : تسعة وعشرين ومائة .
وروى الترمذي وغيره أنّ أنس بن مالك – رضي الله عنه – خدم رسول الله عشر سنين ، ودعا له ، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين ، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك .]حديث حسن : أخرجه الترمذي في المناقب ( 3833) وقال : حديث حسن .[
وفي رواية قال : دفنت من صلبي مائة واثنتين وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرّتين ، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة ، وأرجو الرابعة .
فولده إذن يزيدون على المائة وأمّا عمره فقد مات وعمره مائة عام وقيل عشر ومائة ، وكانت وفاته سنة ثلاث وتسعين على الراجح . وأما ماله فقد كانت السحابة تمطر في أول أرضه ولا تمطر في آخرها لعظم مساحة أرضه .
الحلقة السابعة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (5)
عن عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا : أتانا رسول الله ونحن بسوق عكاظ ، فقال : (( ممن القوم ؟ )) قلنا : من بني عامر بن صعصعة ، قال : (( من أي بني عامر ؟ )) قلنا : بنو كعب بن ربيعة ، قال : (( كيف المنعة فيكم ؟ )) قلنا : لا يرام ما قبلنا ولا يصطلى بنارنا ، قال : فقال لهم : (( إني رسول الله ، فإن أتيتكم تمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولم أكره أحداً منكم على شيء ؟ )) قالوا : ومن أي قريش أنت ؟ قال : (( من بني عبد المطلب )) قالوا : فأين أنت من بني عبد مناف ؟ قال : (( هم أول من كذبني وطردني )) قالوا : ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك ، ونمنعك حتى تبلغ رسالة ربك ، قال : فنزل إليهم والقوم يتسوقون ، إذ أتاهم بجرة بن قيس القشيري . فقال : من هذا الذي أراه عندكم أنكره ؟ قالوا : محمد بن عبد الله القرشي ، قال : مالكم وله ؟ قالوا : زعم لنا أنه رسول الله يطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه ، قال : فماذا رددتم عليه ؟ قالوا : قلنا في الرحب والسعة نخرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع به أنفسنا ، قال بجرة : ما أعلم أحداً من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به ، بدأتم لتنابذ الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة . قومه أعلم به لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعد الناس به تعمدون إلى رهيق قوم قد طرده قومه وكذبوه فتؤونه وتنصرونه ، فبئس الرأي رأيتم ، ثم أقبل على رسول الله فقال : قم فالحق بقومك ، فو الله لو لا أنك عند قومك لضربت عنقك ! قـال : فقام رسول الله إلى ناقته فركبها فغمز الخبيث بجرة شاكلتها فقمصت برسول الله فألقته .
وعند بني عامر يومئذ ضباعة بنت عامر بن قرط كانت من النسوة اللاتي أسلمت مع رسول الله بمكة ، جاءت زائرة إلى بني عمها ، فقالت : يا آل عامر! ولا عامر لي أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم ؟ فقام ثلاثة نفر من بني عمها إلى بجرة واثنان أعاناه ، فأخذ كل رجل منهم رجلاً فجلد به الأرض ثم جلس على صدره ، ثم علوا وجوههم لطماً ، فقال رسول الله: (( اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء )) .
قال الراوي : فأسلم الثلاثة الذين نصروه فقتلوا شهداء وهلك الآخرون لعناً ، واسم الثلاثة الكفار الذين بجرة بن فراس ، وحزن بن عبدالله ، ومعاوية بن عبادة . وأما الثلاثة الذين نصروا رسول الله فغطريف وغطفان ابنا سهل وعروة بن عبد الله .
]الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 245،243) [.
453- دعا عليه فسقط شعره
عن أنس قال : رأى النبي رجلاً ساجداً وهو يقول بشعره هكذا يكفه عن التراب ، فقال : (( اللهم قبح شعره )) ! قال : فسقط .
]الحديث رواه أبو نعيم في الدلائل ( ص 386) [.
454- طال شقاؤه وبقاؤه بالدعاء النبوي إنه أبو ثروان التميمي
عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال : كان أبو ثروان راعياً لبني عمرو وبني تيم في إبلهم فخاف رسول الله قريشاً فخرج فنظر إلى سواد الإبل فقصده ، فإذا هي إبل فدخل بين الأراك فجلس فنفرت الإبل ، فقام أبو ثروان فطاف بالإبل فلم ير شيئاً ثم تخللها فإذا هو برسول الله جالس ، فقال له أبو ثروان : من أنت ؟ فقد أنفرت الإبل عليّ ؟ فقال له رسول الله : (( لم ترع أردت أن استأنس إلى إبلك )) فقال له أبو ثروان : من أنت ؟ فقال له رسول الله: (( لا تسأل يارجل أردت أن أستأنس إلى إبلك )) ، فقال له أبو ثروان : إني أراك الرجل الذي يزعمون أنه خرج نبياً ، فقال رسول الله : (( أجل ، فأدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله )) ، فقال له أبو ثروان : اخرج فلا تصلح إبل أنت فيها ، وأبى أن يدعه ، فدعا عليه رسول الله فقال : (( اللهم أطل شقاه ، وبقاه )) . قال عبد الملك : قال أبي : فأدركته شيخاً كبيراً يتمنى الموت ، فقال له القـوم : ما نراك إلا قد هلكت بما دعا عليك رسول الله قال : كلا قد أتيته بعد حين ظهر الإسلام فأسلمت معه ، فدعا له واستغفر ولكن الأولى قد سبقت .
]حديث ضعيف : أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 388،387) . [
455- إجابة دعــائه r
قيل : يا رسول الله ادع على ثقيف ، فقال : (( اللهم اهد ثقيفاً وأتِ بهم )) .
وقد استجاب الله – تعالى – دعاء نبيه وجاءت ثقيف وأسلمت .
]حديث حسن : أخرجه أحمد (3/343) ، والترمذي (5/3942) عن جابر .[
456- دعا على عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا عليه الناس جيرانه ، وأهل مكة كلهم ، وكان يكثر مجالسة النبي ويعجبه حديثه ويغلب عليه الشقاء ، فقدم ذات يوم من سفره فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله إلى طعامه ، فقال : (( ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله )) ، فقال : اطعم يا ابن أخي ، قال : (( ما أنا بالذي أفعل حتى تقول )) ، فتشهّد بذلك فطعم من طعامه ، فبلغ ذلك أبي بن خلف فأتاه ، فقال : صبوت يا عقبـة ! وكان خليله ، فقال : لا والله ! ما صبوت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت له فطعم ، فقــال : ما أنا بالذي أرضى عنك أبداً حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ، قال : ففعل به ذلك وأخذ رحم دابة فألقاه بين كتفيه ، فقال له رسول الله : (( لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف )) فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسارى غيره ، قتله عاصم بن ثابت بن الأقلح .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 405،404) قال السيوطي في الخصائص أخرجه أبو نعيم بسند صحيح [.
457- الدعاء النبوي على ا لمشركين يوم بدر
عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : أقبلت عير أهل مكة من الشام ، فبلغ أهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول الله يريدون العير ، فبلغ أهل مكة ذلك فأسرعوا السير إليها لكيلا يغلبها عليها النبي وأصحابة فسبقت العير رسول الله وكان الله – عز وجل – وعدهم إحدى الطائفتين وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأحضر مغنماً ، فلما سبقت العير ، وفاتت رسول الله سار رسول الله بالمسلمين يريد القوم ، فكره القوم مسيرهم لشوكة القوم ، فنزل المسلمون وبينهم وبين الماء رملة دعصة ( أي قور من الرمل مجتمع ) فأصاب المسلمين ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين ، فأمطر الله – عز وجـل – مطراً شديداً فشرب المسلمون وتطهروا وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وانتسف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم وأمد الله نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة ، فكان جبرئيل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة مجنبة ، قال : فلما اختلط القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره ! فرفع رسول الله يده فقال : (( يارب ! إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض أبداً )) ، فقال له جبرئيل عليه السلام : خذ قبضة من تراب ! فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم ، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه فولوا مدبرين .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 404،403) .[
458- دعا الله فأمده بالملائكة
عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : لما كان يوم بدر نظر نبي الله إلى المشركين وهم ألف وأصحابة ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً ، فاستقبل نبي الله القبلة حتى سقط رداؤه ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه – عز وجل - : (( اللهم انجز لي ما وعدتني ! اللهم أين ما وعدتني ! اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبداً )) فما زال يهتف ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ، فقال : يا نبي الله ! كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله – عز وجل – { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مُردفين ****** ]الأنفال : 9[ فأمده الله بالملائكة .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 409،408) وبعضه في الصحيح .[
459- حبب الله المدينة إلى الصحابة ببركة الدعاء النبوي
460- البركة في صاع المدينة ومدها بالدعاء النبوي
461- ذهاب حمى المدينة إلى الجحفة
عن عائشة قالت : قدمنا المدينة – وهي وبية ( إي بها وباء ) فاشتكى أبو بكر واشتكى بلال فلما رأى رسول الله شكوى أصحابه ، قال : (( اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد ، وصححها ، وبارك لنا في صاعها ومدها وحول حماها إلى الجحفــة ))
]الحديث أخرجه مسلم [
وفي رواية : فكان المولود يولد بالجحفة ، فلا يبلغ الحلم حتى تصرعة الحمى .
]أخرجها البيهقي في الدلائل ( 2/285) [
462- اسود شعره بعد ما ابيض
عن أنس – رضي الله عنه – أن يهودياً أخذ من لحية النبي. قال : فقال النبي: (( اللهم جمله )) فاسودت لحيته بعدما كانت بيضاء . وفي رواية : أن يهودياً جاء إلى النبي فقال النبي : (( اللهم جمله )) ، قال : فاسود شعره ، حتى صار أشد سواداً من كذا وكذا ، قال معمر : وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش أكثر نحواً من تسعين سنة فلم يشب .
]أخرجه البيهقي في الدلائل ( 6/210) وقال : له شاهد مرسل[.
463- أطيب ريحاً من نسائه بدعاء النبي r
عن أما عاصم امرأة عتبة بن فرقد : أن عتبة بن فرقد كان لا يزيد على أن يدهن رأسه ولحيته وكان أطيبنا ريحاً ، فسألته فذكر عتبة أن النبي فيما شكا إليه أخذ إزار عتبة فوضعه على فرجه ، ثم بسط يديه ، ونفث فيهما ومسح إحداهما على ظهره ، والأخرى على بطنه ، قال : فهذه الريح من ذلك . يظهر من هذه المعجزة أن النبي مسح على ظهره وبطنه فعلق به الطيب ولم يدعه من يومئذ وكن نساؤه يجتهدن في الطيب وما كان هو يمس الطيب وإنه لأطيب ريحاً منهن .
]أخرجه الطبراني ، والبيهقي في الدلائل (6/216) .[
464- عمرت ما عمرت طويلاً بدعاء رسول الله
عن أم قيس رضي الله عنها قالت : توفي ابني فجزعت ، فقلت : للذي يغسله لا تغسل ابني بالماء البارد فيقتله ، فانطلق عكاشة بن محصن إلى رسول الله أخبره بقولها فتبسم ، ثم قال : (( عمّرها )) فلا يُعلم امرأة عمرت ما عمرت .
]أخرجه البخاري في الأدب والنسائي [
465- إجابة دعاءه لأبي أمامة
عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال : أنشأ رسول الله غزواً فأتيته فقلت : يا رسول الله ! ادع لي بالشهادة فقال : (( اللهم سلمهم وغنمهم )) قال : فغزونا فسلمنا وغنمنا ثم أنشأ رسول الله غزواً فأتيته فقلت : يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة ، فقال : (( اللهم سلمهم وغنمهم )) . قال : فغزونا فسلمنا وغنمنا ثم أنشأ رسول الله غزواً فأتيته ، فقلت : يا رسول الله إني أتيتك مرتين أسألك أن تدعو لي بالشهادة ، فقال : (( اللهم سلمهم وغنمهم )) . قال : فغزونا فسلمنا وغنمنا .
ثم أتيته بعد ذلك فقلت : يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به قال : (( عليك بالصوم ، فإنه لا مثل له )) قال : فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يلقون إلا صياماً ، فإذا رأوا ناراً ، أو دخاناً في منزلهم عرفوا أنهم قد اعتراهم ضيف . قال : ثم أتيته بعذ ذلك فقلت : يا رسول الله قد أمرتني بأمر أرجو أن يكون قد نفعني الله به مرني بأمر آخر ينفعني الله به
466- ذهاب الجوع عن فاطمة بدعاء النبي
ولم يكن ذهاب الجوع عن السيدة فاطمة – رضي الله عنها – مرة ولا مرات ، وإنما ذهب عنها طوال حياتها .
عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال : إني لجالس عند النبي : إذ أقبلت فاطمة – رضي الله عنها - ، فقامت بحذاء النبي مقابله ، فقال : (( ادني يا فاطمة )) فدنت دنوة ، ثم قال : (( ادني يا فاطمة )) فدنت دنوة حتى قامت بين يديه ، قال عمران : فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها وذهب الدم ، فبسط رسول الله بين أصابعة ، ثم وضع كفه بين ترائبها ، فرفع رأسه وقال : (( اللهم مشبع الجوعة وقاضي الحاجة ، ورافع الوضعة ، لا تُجع فاطمة بنت محمد )) فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم ، ثم سألتها بعد ذلك فقالت : ما جعت بعد ذلك يا عمران .
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/108) باب : ماجاء في دعائه لا بنته فاطمة ، وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (390) (462) وقال الهيثمي في المجمع (9/204) : فيه عتبة ابن حميد وثقه ابن حبان وغيره وصححه جماعة وبقية رجاله وثقوا [
467- شفي المصروع بدعاء النبي
468- ذهاب البرد عن الصحابة بدعاء النبي
عن بلال – رضي الله عنه – قال : أذنت الصبح في ليلة باردة ، فلم يأت أحد ثم أذنت فلم يأت أحد ، فقال النبي: (( ما شأنهم يا بلال ؟ )) قال : قلت : كبدهم البرد بأبي أنت وأمي ، فقال : (( اللهم اكسر عنهم البرد )) قال بلال : فلقد رأيتهم يتروحون في السبحة ( أي يستعملون المروحة من شدة الحر بدل شدة البرد ) أو الصبح يعني بالسبحة صلاة الضحى وهكذا بدل الله تعالى البرد الشديد بالحر الشديد بدعاء النبي.
]أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (6/224) باب : ماروي في دعائه بإذهاب البرد عن أهل مسجده ، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص464) وانظر البداية والنهاية (6/166) .[
469- نزل المطر في اليوم والساعة التي دعا فيها
قدم على رسول الله وفد سلامان سبعة نفر ، فيهم حبيب بن عمرو ، فأسلموا ، قال حبيب : فقلت : أي رسول الله ! ما أفضل الأعمال ؟ قال : (( الصلاة في وقتـها )) .. ثم ذكر حديثاً طويلاً ، وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر ، قال : فكانت صلاة العصر أخف من القيام في الظهر ثم شكوا إليه جدب بلادهم ، فقال رسول الله بيده : (( اللهم اسقهم الغيث في دارهم )) ، فقلت : يا رسول الله ! ارفع يديك ، فأنه أكثر وأطيب ، فتبسم رسول الله، ورفع يديه حتى رأيت بياض أبطيه .
ثم قام وقمنا عنه ، فأقمنا ثلاثاً ، وضيافته تجري علينا ، ثم ودعناه ، وأمر لنا بجوائز ، فأعطينا خمس أواق لكل رجل منا ، واعتذر إلينا بلال ، وقال : ليس عندنا اليوم مال ، فقلنا : ما أكثر هذا وأطيبه ، ثم رحلنا إلى بلادنا ، فوجدناها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله في تلك الساعة .
470- دعاء للغلام فصار سيد قومه زهداً وعلماً وإيماناً
قدم على النبي وقد تجيب ، وهم من السكون ثلاثة عشر رجلاً ، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم ، فسر رسول الله بهم وأكرم منزلهم ، وقالوا : يا رسول الله ! سقنا إليك حق الله في أموالنا ، فقال رسول الله: (( ردوها فاقسموها على فقرائكم )) ، قالوا : يا رسول الله ! ما وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب . فقال رسول الله : (( إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد خيراً شرح صدره للإيمان )) ، وسألوا رسول الله أشياء فكتب لهم بها ، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن ، فازداد رسول الله بهم رغبة ، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم ، فأقاموا أياماً ، ولم يطيلوا اللبث ، فقيل لهم : ما يعجبكم ، فقالوا : نرجع إلى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله وكلامنا إياه . وما رد علينا ، ثم جاؤوا إلى رسول الله يودعونه ، فأرسل إليهم بلالاً ، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود .
قال : (( هل بقي منكم أحد ؟ )) قالوا نعم ، غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثناً سناً ، قال : أرسلوه إلينا فلما رجعوا إلى رحالهم ، قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله فاقض حاجتك منه ، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه ، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله فقال : يا رسول الله : إني امرؤ من بني أبذى ، يقول : من الرهط الذين أتوك آنفاً ، فقضيت حوائجهم ، فاقض حاجتي يا رسول الله ، قال : (( وما حاجتك ؟ )) قال : إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام ، وساقوا من صدقاتهم ، وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله – عز وجل – أن يغفر لي ويرحمني ، وأن يجعل غناي في قلبي .
فقال رسول الله ، وأقبل إلى الغلام : (( اللهم اغفر له ، وارحمه ، واجعل غناه في قلبه )) ، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه ، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله في الموسم بمنى سنة عشر ، فقالوا : نحن بنو أبذى فقال رسول الله : (( ما فعل الغلام الذي أتاني معكم ؟ )) قالوا : يا رسول الله ! ما رأينا مثله قط ، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله .لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها .
فقال رسول الله: (( الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعاً )) فقال رجل منهم : أو ليس يموت الرجل جميعاً يا رسول الله ، فقال رسول الله: (( تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا ، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية ، فلا يبالي الله – عز وجل – في أيها هلك )) .
قالوا : فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال ، وأزهده في الدنيا ، وأقنعه بما رُزق . فلما توفي رسول الله ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكرهم الله والإسلام ، فلم يرجع منهم أحد ، وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه ، حتى بلغه حاله ، وما قام به ، فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيراً .
]زاد المعاد (3/650-652).[
471- جاءهم المطر يوم أن دعا لهم
قدم على رسول الله وفد ذي مرة ثلاثة عشر رجلاً رأسهم الحارث بن عوف ، فقالوا : يا رسول الله ! إنا قومك وعشيرتك ، نحن قوم من بني لؤي ابن غالب ، فتبسم رسول الله وقال للحارث : (( أين تركت أهلك ؟ )) قال : بسلاح وما والاها . قال : (( وكيف البلاد؟ )) قال : والله إنا لمسنتون ( أي مجدبون ) ما في المال مخ فادع الله لنا . فقال رسول الله: (( اللهم اسقهم الغيث )) فأقاموا أياماً ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم ، فجاؤوا رسول الله مودعين له ، فأمر بلالاً أن يجيزهم ، فأجازهم بعشر . أواق فضة وفضل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية ، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرة ، فسألوا : متى مطرتم ؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله فيه ، وأخصبت بعد ذلك بلادهم .
]أخرجه ابن سعد (1/297-298) .
472- دعا له فما نسي شيئاً حفظه من القرآن
عن عثمان بن أبي العاص – رضي الله عنه – قال : استعملني رسول الله وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف ، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة ، فقلت : يا رسول الله ! إن القرآن يتفلت مني ، فوضع يده على صدري وقال : (( يا شيطان اخرج من صدر عثمان )) فما نسيت شيئاً بعده أريد حفظه .
]ضعيف : عزاه في زاد المعاد (3/600) لمعتمر بن سليمان في المغازي وساق سنده ، وفيه عبد الله بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطئ ويهم كما في التقريب .[
473- دعا لأُبي فذهب عنه الشك في القراءة
عن سليمان بن صرد أن أُبي بن كعب أتى النبي برجلين قد اختلفا في القراءة كل واحد منهما يقول : أقرأني رسول الله فاستقرأهما ، فقال لهما : أحسنتما ، قال : أُبي : فدخل في قلبي من الشك أشد ما كنت عليه في الجاهلية فضرب رسول الله في صدري ، وقال : (( اللهم أذهب عنه الشيطان )) قال : فارفضضت عرقاً وأني أنظر إلى الله فرقاً ( أي خوفا) ثم قال : (( إن جبريل أتاني ، فقال : اقرءوا القرآن على سبعة أحرف ، كل شاف كاف ))
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/188) ، ونقله السيوطي في الخصائص الكبرى (2/168) معناه في مسلم كتاب صلاة المسافرين باب فضل سورة الكهف ، وأحمد (5/142) .[
بهذا الدعاء ذهب الشك عن أُبي – رضي الله عنه – في القراءة ، وثبت القرآن والعلم في صدره ، وأتقن حفظ القرآن ، وصار إماماً من أئمة القرآن ، حملاً ، وأداءً .
474- ذهاب أثر الحريق من يد محمد بن حاطب
عن محمد بن حاطب – رضي الله عنه – يقول : وقعت على يدي القدر ، فاحترقت ، فانطلقت بي أمي إلى النبي فجعل يتفل عليها ويقول : (( أذهب الباس ، رب الناس واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت )) .
]رواه النسائي والحاكم ، والبيهقي في الدلائل (6/174) .[
475- أسلم اليهودي بدعاء النبي
عن أنس بن مالك قال : كان يهودي بين يدي النبي جالساً ، فعطس النبي فقال له اليهودي : يرحمك الله ، فقال النبي (( هداك الله )) ، فأسلم . بدعاء النبي.
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/207) ، وقال : هذا إسناد مجهول ، ونقله السيوطي في الخصائص (2/167) .[
476- دعا عليه فاختلج لسانه
عن عبد الرحمن بن أبي بكر – رضي الله عنهما – قال : كان فلان يجلس إلى النبي فإذا تكلم النبي بشيء اختلج ( أي ردد الكلام على هيئة المستهتر ) بوجهه فقال له النبي: (( كن كذلك )) فلم يزل يختلج حتى مات .
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/239) .[
...... وأين فرار الناس إلا إلى الرســـل
قال : فقام رسول الله وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء ، وقال : (( اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً سريعاً غدقاً طبقاً عاجلاً غير رائث ، نافعاً غير ضار تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها . وكذلك تخرجون )) . قال : فو الله ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقهـا .
وجاء أهل البطانة يصيحون : يا رسول الله الغرق ، الغرق ، فرفع يديه إلى السماء ، وقــال : (( اللهم حوالينا ولا علينا )) ، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ثم قال : (( لله در أبي طالب لو كان حياً قرت عيناه من ينشد قوله ؟ )) فقام علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله كأنك أردت قــوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ...... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ...... فهم عنده في نعمة وفواضـل
كذبتم وبيت الله يبزى محمد ...... ولما نقاتل دونه ونناضــل
ونسلمه حتى نصرع حوله ...... ونذهل عن أبنائنا والحلائــل
لك الحمد والحمد ممكن شكر ...... سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة ...... إليه وأشخـص مــنه الـبصر
فلم يك كلف الـــرداء ...... وأسـرع حتى رأينا الدرر
رقاق العوالي عم البقاع ...... أغاث به الله عينا مضـــر
وكان كما قاله عمه ...... أبو طالب أبيض ذو غــــرر
به الله يسقي بصوب الغمام ...... وهذا العيان كذاك الخـبر
فمن يشكر الله يلقى المزيد ...... ومن يكفر الله يلقى الغيـر
قال : فقال رسول الله: (( إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت )) .
477- البركة في اللبن بدعاء النبي
عن المقداد بن الأسود قال : قدمت المدينة أنا وصاحبان فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتينا النبي فذكرنا له ، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز ، فقال : احلبهن يا مقداد ، وجزئهن أربعة أجزاء ، وأعط كل إنسان جزءاً ، فكنت أفعل ذلك فرفعت للنبي ذات ليلة : فاحتبس واضجعت على فراشي فقالت لي نفسي : إن النبي قد أتى أهل بيت من الأنصار ، فلو قمت فشربت هذه الشربة فلم تزل حتى قمت فشربت جزأه ، فلما دخل في بطني وأمعائي أخذني ما قدم وما حدث .
فقلت : يجئء الآن النبي جائعاً ظمآناً فلا يرى في القدح شيئاً ، فسجيت ثوباً على وجهي ، وجاء النبي فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم فكشفت عنه فلم ير شيئاً ، فرفع رأسه إلى السماء ، فقال : (( اللهم اسق من سقاني ، وأطعم من أطعمني )) . فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت إلى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن أسمن لأذبحها فوقعت يدي على ضرع إحداهن فإذا هي حافل ونظرت إلى الأخرى فإذا هي حافل ، فنظرت فإذا هن كلهن حفل ، ( الحفال : اللبن في ضرع الناقة وما سواها ) ، فحلبت في الإناء ، فأتيته به فقلت : اشرب ، فقال : ما الخبر يا مقداد ؟ فقلت : اشرب ثم الخبر فقال : بعض سوآتك يا مقداد ، فشرب ثم قال : اشرب ، فقلت : اشرب يانبي الله ، فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته ، ثم أخبرته الخبر .
فقال النبي: (( هيه )) ، كان كذا وكذا ، فقال النبي: (( هذه بركة منزلة من السماء ، أفلا أخبرتني حتى أسقي صاحبيك ؟ )) فقلت : إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت .
478- شفي ضرسه بدعاء النبي
مرض عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – فوضع النبي يده على الخد الذي فيه وجعه ودعا له فشفاه الله – جل ثناؤه - .
عن يزيد بن نوح بن ذكوان أن عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه – قال : يا رسول الله ، إني أشتكي ضرسي ، آذاني واشتد عليّ ، فوضع رسول الله يده على الخد الذي فيه الوجع ، وقال : (( اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه بدعوة نبيك المبارك المكين عندك )) سبع مرات فشفاه قبل أن يبرح .
479- أكله الأسد بدعاء الرسول
عن هبار بن الأسود قال : كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام ، وتجهزت معهما ، فقال ابن أبي لهب : والله لأنطلقن إلى محمد فلأوذينه في ربه ، فانطلق حتى أتى محمداً فقال : يا محمد هو – أي بمعنى أنا – الذي يكفر بالذي دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فقال رسول الله (( اللهم ابعث عليه كلباً من كلابك )) ثم انصرف فقال له أبوه : أي بني ما قلت له وما قال لك ؟ فأخبره ، قال : أي بني ، والله ما آمن عليك دعوة محمد ، فسرنا حتى نزلنا الشراة وهي مأسدة – أي بها أسود – فقال لنا أبو لهب : إنكم قد عرفتم سني وحقي ، وإن محمداً قد دعا على ابني دعوة والله ما آمنها عليه ، فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ، ثم افرشوا لا بني عليه ، ثم افرشوا حوله ، ففعلنا ، وبات هو فوق المتاع ونحن حوله ، فجاء الأسد ، فشم وجوهنا ، فلما لم يجد ما يريد تقبض ثم وثب . فإذا هو فوق المتاع فشم وجهه ثم هزمه هزمة ، ففضح رأسه وانطلق ، فقال أبو لهب : قد والله عرفت ما كان ليفلت من دعوة محمد .
- أخبرهم بمصيبة في قومهم ، ودعا لهم فرفعها الله
قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صرد بن عبد الله الأزدي ، فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد ، فأمره رسول الله على من أسلم من قومه ، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ، فخرج صرد يسير بأمر رسول الله حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن ، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إلهيم . فحاصروهم فيها قريباً من شهر ، وامتنعوا فيها ، فرجع عنهم قافلاً ، حتى إذا كان في جبل لهم يقال له : شكر ، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزماً ، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه ، عطف – أي مال – عليهم فقاتلهم ، فقتلهم قتالاً شديداً ، وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله رجلين منهم يرتادان وينظران فبينا هما عند رسول الله عشية بعد العصر. إذ قال رسول الله: (( بأي بلاد الله شكر ؟ )) فقام الجرشيان ، فقالا : يا رسول الله ! ببلادنا جبل يقال له : كشر ، وكذلك تسميه أهل جرش ، فقال : (( إنه ليس بكشر ، ولكنه شكر )) ، فما شأنه يا رسول الله ؟ قال : فقال : (( إن بدن الله لتنحر عنده الآن )) . قال : فجلس الرجلان إلى أبي بكر ، وإلى عثمان ، فقالا لهما : ويحكما : إن رسول الله لينعي لكما قومكما فقوما إليه ، فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكا فقاما إليه ، فسألاه ذلك ، فقال : (( اللهم ارفع عنهم )) ، فخرجنا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما .
فوجدا قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله ما قال ، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر . فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله فأسلموا ، وحمى لهم حمى حول قريتهم .
]انظر ابن هشام (2/587-588) ، وشرح المواهب (4/32-33) ، وابن سعد (1/337) وزاد المعاد (3/620-621) . [
480- دعا لدوس فاستجاب الله وآمنوا
كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ، ورسول الله بها فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً . قالوا له : إنك قدمت بلادنا وإن هذا الرجل ، وهو الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وابنه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد حل علينا ، فلا تكلمه ولا تسمع منه .
قال : فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً _ أي قطناً _ فرقاً ( أي خوفاً ) من أن يبلغني شيء . قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريباً منه ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : واثكل أمياه ، والله إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان ما يقول حسناً ، قبلت ، وإن كان قبيحاً تركت .
قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله إلى بيته ، فتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي : كذا وكذا ، فو الله ما برحوا يخوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولاً حسناً فاعرض عليّ أمرك ، فعرض عليّ رسول الله الإسلام وتلى عليه القرآن ، فو الله ما سمعت قولاً قط أحسن منه ، ولا أمراً أعدل منه ، فأسلمت ، وشهدت شهادة الحق .
وقلت : يا نبي الله : إني امرؤ مطاع في قومي ، وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون عوناً لي عليهم ، فيما أدعوهم إليه ، فقال : (( اللهم اجعل له آية )) قال : فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر ، وقع نور بين عيني مثل المصباح ، قلت : اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم ، قال : فتحول ، فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم ، وأصبحت فيهم ، فلما نزلت ، أتاني أبي ، وكان شيخاً كبيراً ، فقلت : إليك عني يا أبت ، فلست منك ، قال : لم يا بني ؟ قلت : قد أسلمت ، وتابعت دين محمد ، قال : يا بني فديني دينك .
قال : فقلت : اذهب فاغتسل ، وطهر ثيابك ، ثم تعالى حتى أعلمك ما علمت . قال : فذهب فاغتسل ، وطهر ثيابه ، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم ، ثم أتتني صاحبتي – أي زوجتي – فقلت لها : إليك عني ، فلست منك ، ولست مني ، قالت : لم بأبي أنت وأمي ؟! قلت : فرق الإسلام بيني وبينك ، أسلمت وتابعت دين محمد ، قالت : فديني دينك . قال : قلـت : فاذهبي فاغتسلي ، ففعلت ، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت ، ثم دعوت دوساً إلى الإسلام ، فأبطؤوا عليّ فجئت رسول الله فقلت : يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا ، فادع الله عليهم ، فقال : (( اللهم اهد دوساً )) . ثم قال : (( ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله ، وارفق بهم )) ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله ، ثم قدمت على رسول الله ورسول الله بخيبر ، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس ، ثم لحقنا برسول الله بخيبر . فأسهم لنا مع المسلمين .
]انظر شرح المواهب (4/37-41) ، والبخاري (8/78) ، وابن سعد (1/353) . [
وفي هذه القصة معجزة أخرى للنبي فإن كرامة الولي معجزة لنبيه كما مر .
481- دعا عليها فقٌتلت وقُتل أولادها
قالت عائشة – رضي الله عنها – بلغ رسول الله أن امرأة من بني فزارة يقال لها : أم قرفة قد جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها ، قالت : اقدموا المدينة فاقتلوا محمداً ! فقال النبي: (( اللهم أثكلها بولدها ؟ )) وبعث إليهم زيد بن حارثة ، فالتقوا بالوادي . وقتل أصحاب زيد فارتث جريحاً ، وقدم المدينة ، فعاهد الله أن لا يمس رأسه ماء حتى يرجع إليهم ، فبعث معه رسول الله بعثاً فالتقوا فقُتل بني فزارة ، وقتل ولد أم قرفة وقتل أم قرفة ، وبعث بدرعها إلى رسول الله فنصبه بين رمحين وأقبل زيد حتى قدم المدينة .
قالت عائشة – رضي الله عنها - : ورسول الله تلك الليلة في بيتي فقرع الباب ، فخرج إليه يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله رسول الله.
]أخرجه أبو نعيم (ص 468) .[
482- دعا لعكاشة أن يكون من الذين يدخلون الجنة بلا حساب فكان
عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول : (( يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر )) قال أبو هريرة . فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال : يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلني منهم . فقال رسول الله : (( اللهم اجعله منهم )) ، ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ! ادع الله أن يجعلني منهم ، قال : (( سبقك بها عكاشة )) .
]أخرجه البخاري في 81 كتاب الرقاق (50) باب بدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب الحديث (6541) ، وفتح الباري (405:11) وأخرجه مسلم في : ا – كتاب الإيمان ، (94) باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ، الحديـــث (367) ص ( 197:1) .[
483- شفاء النبي r من السحر بدعائه
عن عائشة أن النبي طب حتى إنه ليخيل إليه أنه قد صنع الشيء وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال : (( أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفيته فيه )) ، فقالت عائشة : وما ذاك يارسول الله ؟ قال : (( جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ قال الآخر : مطبوب ، قال : من طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، قال : فيما ذا ؟ قال : في مشط ومشاطة وجف طلعه ذكر ، قال : فأين هو ؟ قال : هو في ذروان وذروان بئر في بني زريق )) ، قالت عائشة : فأتى رسول الله ثم رجع على عائشة فقال : (( والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ، ولكأن نخلها رؤوس الشيطاين )) ، قالت : فقلت له : يارسول الله ! هلا أخرجته ؟ قال : (( أما أنا فقد شفاني الله كرهت أن أشير على الناس منه شراً ))
]أخرجه البخاري في الدعوات باب تقرير الدعاء ، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (ج6 ص 247) .[
484- دعاء النبي لعمر بالإسلام فأسلم
كان إسلام عمر فيما ورد أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون بإسلامهم من عمر .. وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن ، فخرج عمر يوماً متوشحاً سيفه يريد رسول الله ورهطاً من أصحابه ، فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهـم – في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة ، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال : أين تريد يا عمر ؟
قال : أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله ، فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك يا عمر ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً ؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟
قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه ، فعليك بهما فرجع عمر عائداً إلى أخته فاطمة وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها ، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم – أي في بعض البيت – وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها ، وقد سمع حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها . فلما دخل قال : ما هذه الهينمه – أي الترتيله أو الصوت – التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئاً ، قال : بلى ، والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد ، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه : نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك ، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع وارعوى – أي ارتد وكفّ - وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرأون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد ؟ وكان عمر كاتباً فلما قال ذلك قالت له أخته : إنا نخشاك عليها ، قال : لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها . فلما قال ذلك طمعت في إسلامه ، فقالت : يا أخي إنك نجس على شركك ، وإنه لا يمسه إلا المطهرون .
فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدراً ، قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه . فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه ، فقال له : والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه محمد فإني سمعته أمس هو يقول : (( الله أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب )) ، فا الله الله يا عمر فقال عند ذلك ؟ فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه . فأخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله وأصحابه فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله فنظر من خلل الباب ، فإذا هو عمر بن الخطاب متوشح بالسيف .
فرجع إلى رسول الله وهو فزع فقال : يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحاً بالسيف ، فقال حمزة : فأذن له فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه ، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه ، فقال رسول الله: (( إيذن له )) فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ، ثم جذبه جذبة شديدة ، فقال : (( ما جاء بك يا ابن الخطاب ؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة ))
فقال عمر : يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله ، قال : فكبر رسول الله تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم ، فتفرق أصحاب رسول الله من مكانهم ، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله وينتصفون بهما من عدوهم .
485- ذهبت أبصارهم وأصابهم العمى بدعاء النبي المجتبى
عن عبد الله بن مغفل المزني – رضي الله عنه – قال : كنا مع النبي بالحديبية ... فذكر الحديث في صلح الحديبية ، وفيه : فبينا نحن كذلك ، خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم رسول الله فأخذ الله أبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال رسول الله: (( هل جئتم في عهد أحد ؟ وهل جعل لكم أحدا أماناً )) قالوا : لا ، فخلى سبيلهم ، فأنزل الله – عز وجــل - : { وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً ****** ]الفتح : 24[
]أخرجه أحمد (4/87) ، والنسائي كما في تفسير ابن كثير (4/192) وقال الهيثمي في المجمع (9/116) : رجاله رجال الصحيح .[
486- انتصر محمد بن مسلمة على مرحب اليهودي بدعاء النبي
تذكر بعض الروايات أن الذي قتل مرحب اليهودي محمد بن مسلمة – رضي الله عنه – ببركة دعاء النبي .
عن جابر بن عبد الله أن محمد بن مسلمة هو الذي قتله ، قال جابر – رضي الله عنه - : خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر قد جمع سلاحه ، وهو يرتجز ، ويقول : من يبارز ؟ فقال رسول الله: (( من لهذا ؟ )) فقال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول الله ، أنا والله الموتور الثائر ، قتلوا أخي بالأمس ، يعني محمود بن مسلمة ، وكان قتل بخيبر فقال : (( قم إليه اللهم أعنه عليه )) ، فلما دنا أحدهما من صاحبة دخلت بينهما شجرة ، فجعل كل واحد منهما يلوذ بها من صاحبه ، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها ، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ، ما فيهن فنن – أي غصـن – ثم حمل على محمد فضربه ، فاتقاه بالدرقة ، فوقع سيفه فيها ، فعضت به فأمسكته وضربه محمد بن مسلمة فقتله .
]أخرجه أحمد (3/385) ، والحاكم (3/436) ، وابن إسحاق كما في السيرة النبوية (2/333-334) ، قال محقق الزاد (3/322) : إسناده صحيح .[
وقد اختلفت الروايات في تحديد قاتل الفارس مرحب اليهودي ، هل هو علي أم محمد بن مسلمة ؟ وأغنانا الواقدي عن الجمع بين هذه الروايات فقال : وقيل : إن محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما فقال مرحب : أجهز عليّ يا محمد ، فقال محمد : ذق الموت كما ذاقه أخي محمود ، وجاوزه ، ومر به علي – رضي الله عنه – فضرب عنقه ، وأخذ سلبه .
487- الرجال تصرع بدعاء سيد الرجال
عن أبي طلحة – رضي الله عنه – قال : كنا مع رسول الله في غزاة فلقي العدو ، فسمعته يقول : (( يا مالك يوم الدين : إياك نعبد وإياك نستعين )) ، فلقد رأيت الرجال تصرع ، تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل (386) : (459- 460) .[
488- نزول المطر الشديد يوم تبوك بدعاء النبي
عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أنه قيل لعمــر بن الخطاب ، حدثنا عن شأن ساعة العسرة ، فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى أن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرجل فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى أن الرجل لينحر بعيره ليعسر فرثه فيشربه ، ثم يجعل مابقي من كبده ، فقال أبو بكر الصديق : إن الله قد عودك في الدعاء خيراً ، فادع الله لنا .
فقال : (( او تحب ذلك ؟)) قال : نعم ، فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعها حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملأوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . [ أخرجه البيهقي في الدلائل ( ج5) ، وقال ابن كثير في البداية (6/96) : هذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه ] .
489- فتح الله لمعاوية البلاد وقلوب العباد بدعاء خير العباد
عن مسلم بن مخلد أن النبي قال لمعاوية : (( اللهم علمه الكتاب والحساب ومكن له في البلاد )) . وفي رواية : (( وقه سوء العذاب )) . [ حسن : أخرجه احمد في مسنده (4/127) ، وفي فضائل الصحابة (2/915،913) ، وابن عساكر في تاريخه ( 16/345،344) ، وقال محقق فضائل الصحابة : روي الحديث بأسانيد يعُضد بعضها بعضاً ، وتصل بالحديث إلى درجة الحسن لغيره ]
وقال رسول الله لمعاوية : (( اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به )) [ حسن : أخرجه الترمذي كتاب المناقب باب مناقب معاوية وقال : هذا حديث – حسن غريب ، واحمد في المسند ( 4/216) ، وأبو نعيم في الحلية (8/358) ، والخطيب في تاريخه ( 16/345،344) ، وحسنه الهيثمي في الصواعق المحرقة (2/626).]
وقد حدث ما دعا به النبي فهدى الله – تعالى – معاوية وهدى به ، وفتح به البلاد ، وقلوب العباد ، ومكن له في البلاد ، وكان أول التمكين أن استعمله أميراً أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان – رضي الله عنهم – وفي عهده فتحت قبرص وردوس على يد معاوية – رضي الله عنه – وبعد أن تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية ، سارع معاوية غلى نشر الإسلام في أرجاء المعمورة حتى وصل الفتح الإسلامي إلى المحيط الأطلنطي غرباً ، والصين شرقاً ، والهند جنوباً وروسيا شمالاً .
490- دعا لعلي فانتصر على فارس قريش الأكبر
روى الواقدي أن عمرو بن عبد ود جعل يدعو يوم الخندق هل من مبارز؟ فقال علي بن أبي طالب : أنا أبارزه فأعطاه رسول الله سيفه وعممه ، وقال: (( اللهم أعنه عليهم )) ثم برز له ودنا أحدهما من صاحبه وثارت بينهما غبرة وضربه علي فقتله وولى أصحابه هاربين .
أخرجه ابن سعد وفي إسناده ضعف .
491- دعا لعلي فثبت الله قلبه في القضاء
عن علي رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله إلى اليمن فقلت : يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء ، فضرب بيده في صدري ، وقال : (( اللهم اهد قلبه وثبت لسانه )) ، فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين .
أخرجه الحاكم وصححه .
492- دعا لعبد الله بن جعفر فبورك له في تجارته
عن عمرو بن حويرث رضي الله عنه أن النبي مر على عبد الله بن جعفر وهو يبيع شيئاً فدعا له النبي وقال : (( اللهم بارك له في تجارته )).
أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي قال النبهاني في الحجة ص 576 بسند حسن .
أي فكان يربح كثيراً .
493- دعا لحكيم بن حزام فبورك له في تجارته
عن شيخ من أهل المدينة قال : بعث رسول الله حكيم بن حزام بدينار يبتاع له به أضحية ، فمر بها فباعها بدينارين فابتاع له أضحية بدينار وجاء بدينار فدعا له النبي أن يبارك له في تجارته.
أخرجه ابن سعد بسند ضعيف .
لذا روى ابن سعد عن حكيم أنه كان رجالً مجدوداً في التجارة ما باع شيئاً قط إلا ربح .
494- دعا لخباب فكوى من كوته
كان رضي الله عنه من الذين عذبهم المشركون في أول الإسلام ، وكان يحكي عن نفسه ، قال : لقد رأيتني يوماً وقد أوقدوا لي ناراً ووضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك ظهري – أي دهنه – وكان قيناً – أي حداداً – سبي من أهله في الجاهلية فاشترته امرأة تسمى أم أنمار ، فلما أسلم صارت تعذبه تأخذ الحديدة وقد أحمتها في النار فتضعها على رأسه ، فشكا ذلك لرسول الله فقال : (( اللهم انصر خباباً )) ، فاشتكت مولاته رأسها فكانت تعوي مع الكلاب ، فقيل لها : اكتوي فكانت تأمر خباباً فيأخذ الحديد فيكوي به رأسها .
أخرجه ابن إسحاق .
495- دعا لمحمد بن مسلمة فنصره الله
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : خرج مرحب من حصن خيبر ، وقال : من يبارز ؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا ، فقال رسول الله: (( قم إليه اللهم أعنه عليه )) . فبرز إليه فقتله .
أخرجه ابن إسحاق والحاكم والبيهقي .
496- دعا لأبي أمامة بالسلامة والغنيمة فسلموا وغنموا
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : أنشأ رسول الله غزوة فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ادع لي بالشهادة ، فقال: (( اللهم سلمهم وغنمهم )) ، فسلمنا وغنمنا .
أخرجه أبو يعلى والبيهقي .
497- دعا له فبرئت رجله واستقرت بالأرض
قال ثابت بن يزيد رضي الله عنه يا رسول الله إن رجلي عرجاء لا تمس الأرض ، قال : فدعا لي رسول الله فبرئت حتى استوت مثل الأخرى .
أخرجه الطبراني في مسند الشاميين وابن منده .
498- دعا لأبي فذهب الشك من قلبه
عن سليمان بن صرد رضي الله عنه أن أبي بن كعب رضي الله عنه أتى النبي برجلين قد اختلفا في القراءة كل واحد منهما يقول : أقرأني رسول الله، فاستقرأهما فقال : (( قد أحسنتما )) فقال أبي : فدخل في قلبي من الشك أكثر وأشد مما كنت عليه في الجاهلية فضرب رسول الله صدري ، وقال : (( اللهم أذهب عنه الشيطان )) فارفضيت عرقاً وكأني أنظر إلى الله فرقاً .
أخرجه البيهقي .
499- دعا لأبي اليسر أن يمتع به فوقع ذلك طوال عمره
عن أبي اليسر كعب بن عمرو رضي الله عنهما قال : والله إنا لمع رسول الله بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من اليهود يريد حصنهم ونحن ومحاصروهم ، فقال رسول الله: (( من رجل يطعمنا من هذه الغنم )) قال أبو اليسر : فقلت : أنا يا رسول الله ، قال : (( فافعل )) ، قال : فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر إلي رسول الله مولياً .
قال : (( اللهم أمتعنا به )) ، قال : فأدركت الغنم ، وقد دخلت أولاها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله فذبحوهما فأكلوهما ، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله موتاً فكان إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال : أمتعوا بي لعمري حتى كنت آخرهم هلكاً .
أخرجه ابن إسحاق بسند فيه مجاهيل .
المقصود من هذه المعجزة أن الله – عز وجل – متع أهل أبي اليسر به طوال عمره ، وأنه عمر أكثر من غيره .
50- لم يتغير بدنه ولم يشب شعره بالدعاء النبوي
روى البيهقي أن رسول الله دعا لأبي قتادة بقوله : (( أفلح وجهك اللهم بارك له في شعره وبشره )) ، فمات وهو ابن سبعين سنة ، فكأنه ابن خمس عشرة سنة ، في نضارته وقوته لم يتغير بدنه ولم يشب شعره .
أخرجه البيهقي .
501- مات بالحمى كما أخبره النبي
عن الواقدي أن عبد الله ذا البجادين قال : خرج رسول الله إلى تبوك فقال : يا رسول الله ادع لي بالشهادة ، فقال : (( اللهم إني أحرم دمه على الكفار إنك إذا خرجت في سبيل الله ، فأخذتك حمى فقتلك فأنت شهيد )) ، فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياماً ، ثم توفي عبد الله ذو البجادين بالحمى .
أخرجه أبو نعيم والواقدي متروك .
502- دعا له فرزق ثمانون ولداً ذكراً
عن مالك بن ربيعة السلولي أن النبي دعا له أن يبارك له في ولده فولد له ثمانون ذكراً .
أخرجه ابن منده وابن عساكر.
503- العنزات قليلات اللبن يسقين القوم بالبركة النبوية
504- لا يصيبهم القحط
عن الجعد بن عبد الله بن عامر البكائي عن أبيه قال : وفد من بني البكا على رسول الله سنة تسع ، ثلاثة نفر معاوية بن ثور وابنه بشر والنجيع بن عبد الله ومعهم عبد عمرو فقال معاوية : يا رسول الله إني أتبرك بمسك فامسح وجه ابني بشر فمسح وجهه وأعطاه أعنزاً عفراً وبرك عليهن .
قال الجعد : فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيبهم .
أخرجه ابن سعد وابن شاهين .
وقال محمد بن بشر بن معاوية :
وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبـركات
أعطاه أحمـــــد إذ أتـــــاه أعنزاً عفراً نواجل لسن باللجبات
يملأن وفد الحي كل عشـــــــية ويعود ذالك الملك بالغدوات
بوركن من منح وبورك مــانحا وعليه مني ما حييت صلاتي
505- حرم الله دمه على المشركين بالدعاء النبوي
عن ضمرة بن ثعلبة البهزي أنه أتى النبي فقال : يا رسول الله ادع الله لي بالشهادة فقال : (( اللهم إني أحرم دم ابن ثعلبة على المشركين )) فعمر زماناً من دهر ، وكان يحمل على القوم حتى يخرق الصف ثم يعود .
أخرجه الطبراني .
506- دعا لولده فما زالوا في شرف
عن سبرة أن أباه أتى النبي فدعا لولده فلم يزالوا في شرف إلى اليوم .
أخرجه الطبراني .
وجاء في أسد الغابة : اسم أبي سبرة يزيد بن مالك الجعفي قدم على النبي فقال له : (( ما ولدك ؟ )) فقال : الحارث وسبرة وعبد العزى ، فغير عبد العزى وسماه عبد الرحمن ودعا له رسول الله ولولده .
أخرجه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم .
507- دعا لقريش بالعطاء وكثرة المال ففاضت أموالها
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله: (( اللهم كما أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرها نوالاً )) .
أخرجه البخاري في تاريخه وابن أبي أسامة وأبو يعلى .
ولا يخفى ما ذاقته قريش من نوال بعد النكال ، وما حصل لها من العزة والمكانة وكثرة الأموال بالفتوحات وغيرها .
508- دعا على قريش حتى أكلوا الجيف والميتة
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن قريشاً لما استعصت على رسول الله وأبطأوا على الإسلام ، قال : (( اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف )) فأصابتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الجيف والميتة حتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ، ثم دعوا : { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ****** ، فقيل للنبي: إنا لو كشفنا العذاب عنهم لعادوا فكشف عنهم ، فعادوا ، فانتقم منهم يوم بدر ، فذلك قوله تعالى : { يوم يأتي السماء بدخان مبين ****** إلى قوله : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ****** . سورة الدخان
أخرجه الشيخان .
509- استجابة دعائه على مضر
510- استجابة دعائه للوليد وسلمة وعياش
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي كان إذا صلى العشاء الآخر قنت في الركعة الأخيرة يقول : (( اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف )) فأكلوا العلهز- وهو الصوف بالدم – ثم لم يزل يدعو للمستضعفين حتى نجاهم الله ثم ترك الدعاء لهم .
أخرجه الشيخان والبيهقي وأبو نعيم واللفظ لهما .
511- دعا لثقيف بالهدى فأسلمت
عن عروة أن النبي لما حاصر الطائف قال : لم يؤذن لنا حتى الآن فيهم وما أظن أن نفتحها الآن ، فقال عمر بن الخطاب : ألا تدعو الله عليهم وتنهض إليهم لعل الله يفتحها ، قال : لم يؤذن لنا في قتالهم ، ثم قفل رسول الله راجعاً ، وقال حين ركب قافلاًَ : (( اللهم اهدهم واكفنا مؤمنتهم )) فجاء وفدهم في رمضان فأسلموا .
أخرجه ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم .
512- دعا لها بطول العمر فلا يعلم امرأة عمرت مثلها
عن أم قيس قالت : توفي ابني فجزعت ، فقلت للذي يغسله : لا تغسل ابني بالماء البارد فيقتله ، فانطلق عكاشة بن محصن إلى رسول الله فأخبره بقولها ، فتبسم ، ثم قال : طال عمرها ، فلا يعلم امرأة عمرت ما عمرت .
أخرجه البخاري في الأدب والنسائي.
513- جاءتها السكينة ( يا مسكينة عليك السكينة )
عن قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها قالت : قدمت على رسول الله وهو قاعد القرفصاء فلما رأيت رسول الله متخشعاً في الجلسة أرعدت من الفرق فقال جليسه : يا رسول الله أرعدت المسكينة ، فقال : فقال رسول الله: (( ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره ، يا مسكينة عليك السكينة )) ، فلما قالها أذهب الله ما كان أدخل القلب من الرعب . أخرجه ابن سعد .
514- دعا للمسلمين يوم بدر فحملوا واكتسوا وشبعوا
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي خرج يوم بدر بثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله حين خرج فقال : (( اللهم إنهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنهم عراة فاكسهم ، اللهم إنهم جياع فأشبعهم )) ، ففتح الله لهم يوم بدر ، فانقلبوا وما منهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا .
أخرجه ابن سعد والبيهقي ، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما .
515- دعا يوم بدر ففتح الله عليه
عن علي رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت شيئاً من قتال ثم جئت مسرعاً إلى النبي لأنظر ما فعل فإذا هو ساجد يقول : (( يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم )) ولا يزيد عليها ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك وقال في الرابعة: ففتح الله عليه.
أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم.
516- دعا لهم بالفتح ففتح الله عليهم
عن بعض من أسلم أنهم أتوا رسول الله بخيبر فقالوا : لقد جهدنا وما بأيدينا شيء ، فقال : (( اللهم إنك قد علمت حالهم وليست لهم قوة وليس بيدي ما أعطيهم إياه ن فافتح عليهم أعظم حصن بها غنى أكثرها طعاماً وودكاً )) ، فغدا الناس ففتح عليهم الله حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن أكثر منه طعاماً وودكاً .
أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق .
517- أصابهم الجدب والرعب بالدعاء النبوي عليهم
عن معاوية بن حيدة قال : أتيت رسول الله فلما رفعت إليه قال : (( أما إني سألت أن يعينني عليكم بالسنة تحفيكم وبالرعب أن يجعله في قلوبكم )) ، فقلت : بيدي جميعاً أما إني قد حلفت هكذا وهكذا أن لا أؤمن بك ولا أتبعك فما زالت السنة تحفيني وما زال الرعب يجعل في قلبي حتى قمت بين يديك .
أخرجه البيهقي .
518- دعا الله أن يكفيه نوفل بن خويلد فكفاه
عن الزهري قال : قال رسول الله يوم بدر : (( اللهم اكفني نوفل بن خويلد )) ، ثم قال : (( من له علم بنوفل )) ، قال علي : أنا قتلته فكبر وقال: ((الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه)) .
وفي رواية : أنه لما التقى الصفان يوم بدر نادى نوفل بصوت رفيع : يا معشر قريش اليوم يوم الرفعة والعلاء فقال رسول الله: (( اللهم اكفني نوفل بن خويلد )) .
أخرجه البيهقي .
519- دعا الله أن يعمي عليهم الطريق فعمي عليهم
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رهطاً من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي وتكلموا بالإسلام ، فقالوا : يا نبي الله ، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف واستوخموا المدينة ، فأمر لهم رسول الله بزود وراع وأمرهم أن يخرجوا يشربوا من ألبانها وأبوالها – أي للمداواة – لأنه كان بهم داء الاستسقاء – فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي واستاقوا الزود ، فبلغ ذلك النبي فبعث في طلبهم ودعا عليهم . فقال : (( اللهم عم عليهم الطريق واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل )) ، فعمي الله عليهم السبيل ، فأدركوا فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم .
أخرجه البيهقي .
520- دعا عليه فلفظته الأرض ولم تقبله
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه دعا على محلم بن جثامة الكناني الليثي ، فمات بعد سبع ليال من دعائه، ولما دفنوه لفظته الأرض ، ثم دفنوه فلفظته وهكذا مرات ، فألقوه في شعب ورضموا عليه الحجارة .
وسبب دعائه عليه : أنه بعثه في سرية أمر عليها عامر بن الأضبط فبلغوا بطن واد فقتل محلم عامراً غدراً لأمر كان بينهما ، فلما بلغه ذلك دعا عليه ولما أخبروه بأن الأرض لفظته قال : (( إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يجعله لكم عبرة )).
أخرجه ابن جرير والبيهقي.
521- بارك الله في أصغر القوم بدعاء النبي
عن أبي النعمان عن أبيه من بني سعد هذيم ، قال : قدمت على رسول الله وافداً في نفر من قومي ، وقد أوطأ رسول الله البلاد غلبة ، وأداخ العرب ، والناس صنفان : إما داخل في الإسلام راغب فيه ، وإما خائف من السيف ، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم _ أي نقصد – المسجد حتى انتهينا إلى بابه ، فنجد رسول الله يصلي على جنازة في المسجد ، فقمنا ناحية ، فلم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله ونبايعه . ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا ، فدعا بنا ، فقال : (( من أنتم ؟ )) فقلنا : من بني سعد هذيم .
فقال : (( أمسلمون أنتم ؟ )) قلنا : نعم ، قال : فهل صليتم على أخيكم ؟ )) قلنا : يا رسـول الله ! ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك ، فقال رسول الله: (( أينما أسلمتم فأنتم مسلمون )) .
قالوا : فأسلمنا وبايعنا رسول الله على الإسلام ، ثم انصرفنا إلى رحالنا قد خلفنا عليها أصغرنا ، فبعث رسول الله في طلبنا ، فأُتي بنا إليه فتقدم صاحبنا إليه ، فبايعه على الإسلام . فقلنا يا رسول الله ! إنه أصغرنا ، وإنه خادمنا ، فقـال : (( أصغر القوم خادمهم ، بارك الله عليه )) ، قال : فكان والله خيرنا ، وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله له ، ثم أمره رسول الله علينا ، فكان يؤمنا ، ولما أراد الانصراف أمر بلالاً فأجازنا بأواق من فضة لكل رجل منا ، فرجعنا إلى قومنا ، فرزقهم الله الإسلام .
]حديث ضعيف : فيه الواقدي . انظر شرح المواهب (4/51) ، وسيرة ابن سيد الناس (2/249،248) ، وابن سعد (1/329) ، وزاد المعاد (3/653،652) .[
522- دعاؤه على رجل اللهم أخس سهمه
عن عطية السعدي – رضي الله عنه – أنه كان ممن كلم النبي في سبي هوازن ، فكلم رسول الله أصحابه – فردوا عليه سبيهم إلا رجلاً ، فقال رسول الله: (( اللهم أخس سهمه )) ، فكان يمر بالجارية البكر ، وبالغلام فيدعه ، حتى مر بعجوز ، فقال : إني آخذ هذه ، فإنها أم حي فسيفدونها مني بما قدروا عليه ، فكبر عطية . وقال : أخذها ، والله ما فوها ببارد ، ولا ثديها بناهد ، ولا وافرها بواجد ، عجوز يا رسول الله ، سيئة بتراء ، ما لها أحد ، فلما رأى أنه لا يعرض لها أحد تركها ، فاستجيب دعاء النبي.
523- أخبرهم بمصيبة في قومهم ، ودعا لهم فرفعها الله
قال ابن إسحاق : وقدم على رسول الله صرد بن عبد الله الأزدي ، فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد ، فأمره رسول الله على من أسلم من قومه ، وأمره أن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ، فخرج صرد يسير بأمر رسول الله حتى نزل بجرش وهي يومئذ مدينة مغلقة وبها قبائل من قبائل اليمن ، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إلهيم . فحاصروهم فيها قريباً من شهر ، وامتنعوا فيها ، فرجع عنهم قافلاً ، حتى إذا كان في جبل لهم يقال له : شكر ، ظن أهل جرش أنه إنما ولى عنهم منهزماً ، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه ، عطف – أي مال – عليهم فقاتلهم ، فقتلهم قتالاً شديداً ، وقد كان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله رجلين منهم يرتادان وينظران فبينا هما عند رسول الله عشية بعد العصر. إذ قال رسول الله: (( بأي بلاد الله شكر ؟ )) فقام الجرشيان ، فقالا : يا رسول الله ! ببلادنا جبل يقال له : كشر ، وكذلك تسميه أهل جرش ، فقال : (( إنه ليس بكشر ، ولكنه شكر )) ، فما شأنه يا رسول الله ؟ قال : فقال : (( إن بدن الله لتنحر عنده الآن )) . قال : فجلس الرجلان إلى أبي بكر ، وإلى عثمان ، فقالا لهما : ويحكما : إن رسول الله لينعي لكما قومكما فقوما إليه ، فاسألاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكا فقاما إليه ، فسألاه ذلك ، فقال : (( اللهم ارفع عنهم )) ، فخرجنا من عند رسول الله راجعين إلى قومهما .
فوجدا قومهما أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله ما قال ، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر . فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله فأسلموا ، وحمى لهم حمى حول قريتهم .
]انظر ابن هشام (2/587-588) ، وشرح المواهب (4/32-33) ، وابن سعد (1/337) وزاد المعاد (
3/620-621) [.
524- ظهر السحاب وهطل المطر بدعاء النبي
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : جاء أعرابي ، فقال : يا رسول الله والله لقد أتيناك ، ومالنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح وأنشد :
أتيناك والعذراء يدمي لبانها ...... وقد شغلت أم الصـبي عن الطــفل
وألقى بكفيه الفتى لا ستكانة ...... من الجوع ضعفاً قائـماً وهو لا يخـلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ...... سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
وليس لنا إلا إليك فــرارنا ...... وأين فرار الناس إلا إلى الرســـل
قال : فقام رسول الله وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء ، وقال : (( اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً سريعاً غدقاً طبقاً عاجلاً غير رائث ، نافعاً غير ضار تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها . وكذلك تخرجون )) . قال : فوالله ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقهـا .
وجاء أهل البطانة يصيحون : يا رسول الله الغرق ، الغرق ، فرفع يديه إلى السماء ، وقــال : (( اللهم حوالينا ولا علينا )) ، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ثم قال : (( لله در أبي طالب لو كان حياً قرت عيناه من ينشد قوله ؟ )) فقام علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله كأنك أردت قــوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ...... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ...... فهم عنده في نعمة وفواضـل
كذبتم وبيت الله يبزى محمد ...... ولما نقاتل دونه ونناضــل
ونسلمه حتى نصرع حوله ...... ونذهل عن أبنائنا والحلائــل
لك الحمد والحمد ممكن شكر ...... سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة ...... إليه وأشخـص مــنه الـبصر
فلم يك كلف الـــرداء ...... وأسـرع حتى رأينا الدرر
رقاق العوالي عم البقاع ...... أغاث به الله عينا مضـــر
وكان كما قاله عمه ...... أبو طالب أبيض ذو غــــرر
به الله يسقي بصوب الغمام ...... وهذا العيان كذاك الخـبر
فمن يشكر الله يلقى المزيد ...... ومن يكفر الله يلقى الغيـر
قال : فقال رسول الله : (( إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت ))
الحلقة الثامنة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (6)
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : ذكر لي أن رسول الله قال : (( بينا أنا نائم إذ رأيت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما ، فأذن لي فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان )) .
وفي رواية أبي هريرة : (( بينا أنا نائم إذا أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني ، فأوحي إلي أن انفخهما فنفختهما فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة )) ، يعني الأسود العنسي الذي قتله فيروز باليمن في آخر حياته ونزل عليه جبريل عليه السلام فأخبره بقتله قبل وفاته بيوم واحد ، ثم أتى الخبر بذلك من اليمن بعد وفاته ، ومسيلمة الكذاب الذي قتل في خلافة الصديق رضي الله عنه . أخرجه البخاري .
526- رؤيا قتل مسيلمة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم مسيلمة الكذاب المدينة في بشر كثير من قومه فجعل يقول : إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته فأقبل النبي ومعه ثابت بن قيس بن شماس ، وفي يد النبي قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة فقال : (( لئن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ، ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك الله ، وإني أراك الذي رأيت فيه ما رأيت ، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني )) ثم انصرف .
قال ابن عباس : فسألت عن قول النبي إنك الذي أريت فيه ما رأيت فأخبرني أبو هريرة أن النبي قال : (( بينما أنا نائم أريت في يدي سوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما ، فأوحي إلى في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي ، فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة )) .
أخرجه البخاري ومسلم .
527- رؤيا نقل الحمى من المدينة إلى الجحفة
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال : (( رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة ، فأولتها أن وباء المدينة نقل إليها )) .
أخرجه البخاري .
528- رؤيا هجرة النبي إلى يثرب
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي قال :
(( رأيت أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب )) . أخرجه البخاري .
529- رؤيا أم حرام
عن أنس رضي الله عنه عن خالته أم حرام بنت ملحان أن رسول الله نام عندها يوماً ثم استيقظ وهو يتبسم فقالت له : ما أضحك يا رسول الله ؟ فقال: ((أناس من أمتي عرضوا علي يركبون ثبج البحر أي وسطه كالملوك على الأسرة)) ، قالت : ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم نام فرأى مثل ذلك ، فسألته ، فقال لها مثلما قال أولاً ، فقالت : ادع الله أن يجعلني منهم فقال لها : (( أنت من الأولين )) ، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت مع المسلمين الغزاة مع معاوية في خلافة عثمان ، فركبوا البحر ، فلما رجعوا قربوا لها دابة لتركبها فوقعت وماتت شهيدة رضي الله عنها . أخرجه البخاري ومسلم .
530- رؤيا دخول مكة
عن مجاهد قال : أري رسول الله وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فقال له أصحابه حين نحر بالحديبية : أين رؤياك يا رسول الله ؟ فأنزل الله : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ****** إلى قوله { فتحاً قريباً ****** فرجعوا وفتحوا خيبر ثم اعتمر بعد ذلك مع أصحابه فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة .
أخرجه البيهقي .
531- رؤيا شهداء أحد
عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال : (( رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقراً تنحر فأولت الدرع الحصينة المدينة وأولت البقر بقراً ، والبقر الشق )) ، فكان من أصيب من المسلمين يوم أحد . أخرجه أحمد وغيره بإسناد صحيح .
532- رؤيا إسلام عكرمة ابن أبي جهل
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال : (( رأيت في المنام كأن أبا جهل أتاني فبايعني )) ، فلما أسلم خالد قيل لرسول الله: قد صدق الله رؤياك يا رسول الله ، هكذا كان إسلام خالد ، فقال رسول الله: (( ليكونن أمر آخر )) ، حتى أسلم عكرمة بن أبي جهل فكان ذلك تصديق رؤياه. أخرجه الحاكم وصححه .
533- رؤيا الرسول لأبي بكر وعمر
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : (( بينا أنا نائم رأيت أني على قليب وعليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم استحالت غرباً فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع ابن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن )) .
القليب البئر قبل البناء ، وابن أبي قحافة هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه والذنوب الدلو الممتلئ والغرب الدلو العظيم وعبقري القوم سيدهم وكبيرهم والعطن مبرك الإبل حول الحوض والمراد رويت إبلهم فبركت حول الحوض .
قال النووي : هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي لأنه صاحب الأمر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام في زمنه .
وأما قوله وفي نزعه أي أبي بكر ضعف فهو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته رضي الله عنه وليس في قوله والله يغفر له نقص ولا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب وإنما هي كلمة كانوا يقولونها وأما ولاية عمر رضي الله عنه فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح وتمصير الأمصار وتدوين الدواوين .
أخرجه البخاري .
534- رؤيا وفاة أبي بكر بعد النبي بسنتين ونصف
عن ابن شهاب قال : رأى النبي رؤيا فقصها على أبي بكر فقال: (( يا أبا بكر رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف )) فقال يا رسول الله : يقبضك الله إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ونصف .
أخرجه ابن سعد .
535- رؤيا بني أمية يخطبون على المنبر النبوي
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : أن رسول الله قد رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلاً رجلاً ، فساءه ذلك فنزلت : إنا أعطيناك الكوثر ، ونزلت إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بنو أمية قال القاسم بن الفضل : فحسبنا مدة بني أمية فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا نقص .
أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي .
536- رؤيا عبد الله بن سلام رضي الله عنه
عن قيس بن عباد قال : كنت في حلقة فيها سعد ابن مالك وهو ابن أبي وقاص وابن عمر عبد الله فمر عبد الله بن سلام فقالوا : هنا رجل من أهل الجنة ، فقلت له : أنهم قالوا : كذا وكذا فقال : سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم ، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء فنصب فيها ، وفي رأسها عروة وفي أسفلها منصف ، والمنصف الوصيف أي الخادم فقال : ارقه فرقيته حتى أخذت بالعروة فقصتها على رسول الله فقال : (( تلك الروضة روضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة الوثقى فأنت على الإسلام حتى تموت )) . أخرجه البخاري .
537- رؤيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
عن عبد الله بن عمر قال : إن رجالاً من أصحاب النبي كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله فيقصونها على رسول الله فيقول فيها رسول الله ما شاء الله ، وأنا غلام حديث السن وبيتي المسجد ، قبل أن أنكح فقلت في نفسي : لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء .
فلما اضطجعت ليلة قلت : اللهم إن كنت تعلم خير فأرني رؤيا فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد يقبلان بي إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله اللهم أعوذ بك من جهنم ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد فقال : لي لن تراع نعم الرجل أنت لو تكثر من الصلاة فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم ، فإذا هي مطوية كطي البئر لها قرون ، كقرون البئر بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد ، وأرى رجالاً معلقين بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم عرفت فيهم رجالاً من قريش فانصرفوا بي عن ذات اليمين ، فقصتها حفصة على رسول الله فقال رسول الله : (( إن عبد الله رجل صالح )) . أخرجه البخاري .
538- رؤيا بعض الصحابة رضي الله عنه
عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله رأيت كأن دلواً أدلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شرباً ضعيفاً ، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فانتشطت وانتضح عليه منها شيء والعراقي جمع عرقوة وهي الخشبة المعروضة على فم الدلو وهما عرقوتان وانشطت أي جذبت ورفعت وفيه إشارة إلى ما وقع لعلي رضي الله عنه من الفتن والاختلاف عليه ، فإن الناس أجمعوا على خلافته ، ثم لم يلبث أهل الجمل خرجوا عليه وامتنع معاوية في أهل الشام ، ثم حاربه بصفين ، ثم غلب بعد قليل على مصر وخرجت عليه الحرورية فلم يحصل له راحة . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود .
539- رؤيا زرارة بن عمرو رضي الله عنه
ورد أنه لما قدم وفد النخع وهي قبيلة من اليمن على النبي في المحرم سنة عشر ، وكانوا مائتي رجل مقرين بالإسلام عليهم زرارة فن عمرو فقال يا رسول الله : إني رأيت في سفري عجباً .
وفي رواية : رأيت رؤيا هالتني ، قال : (( وما رأيت )) .
قال : رأيت أتانا تركتها في الحي ولدت جدياً أسفع أحوى – والأسفع الذي سواده مشرب بحمرة والأحوى الذي ليس شديد السواد .
فقال رسول الله: (( هل تركت لك أمة مصرة على حمل ؟ )) قال : نعم ، قال : (( فإنها ولدت غلاماً وهو ابنك )) ، فقال يا رسول الله فماله أسفع أحوى ، قال : (( ادن مني )) ، فدنا منه فقال : (( هل بك برص تكتمه )) قال : فوالذي بعثك بالحق ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك . قال : هو ذاك .
قال يا رسول الله : ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان ، قال: ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته قال يا رسول الله : ورأيت عجوزاً شمطاء خرجت من الأرض قال : (( تلك بقية الدنيا )) قال : ورأيت ناراً خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو وهي تقول : لظى لظى بصير وأعمى أطعموني آكلكم وأهلكم ومالكم .
قال رسول الله: (( تلك فتنة تكون )) .
قال يا رسول الله : وما الفتنة قال : (( يفتك الناس بإمامهم ويشتجرون اشتجار أطباق الرأس )) ، أي يشتبكون وخالف رسول الله بين أصابعه (( بحسب المسيء فيها أنه محسن ، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء البارد ، وإن مات ابنك أدركتك الفتنة ، وإن مت أنت أدركها ابنك )) .
قال يا رسول الله : ادع الله أني لا أدركها فقال رسول الله:
(( اللهم لا تدركها إياه )) ، فمات وبقي ابنه عمرو فكان ممن خلع عثمان رضي الله عنه . أخرجه ابن سعد وابن شاهين .
540- رؤيا طلحة رضي الله عنه
عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلين من بلى قدما على رسول الله، فكان اسلامهما معاً وكان أحدهما اشد اجتهاداً من الآخر فغزا المجتهد فاستشهد ، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي قال طلحة : فبينا أنا عند باب الجنة يعني في النوم إذا أنا بهما فخرج خارج من الجنة فأذن للذي مات الآخر منهما ثم رجع فأذن للذي استشهد ثم رجع إليِّ فقال : ارجع فإنه لم يؤذن لك فأصبح طلحة يحدث الناس فعجبوا ، فقال رسول الله: (( أليس قد مكث بعده سنة فصلى كذا وكذا من سجدة وأدرك رمضان فصامه )) .
أخرجه البيهقي .
541- رؤيا جهيم بن الصلت رضي الله عنه
عن ابن شهاب وعروة بن الزبير قال : لما نفرت قريش إلى بدر نزلوا الجحفة عشاء وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له : جهيم بن الصلت بن مخرمة فوضع جهيم رأسه فأغفى ثم فزع ، فقال لأصحابه : هل رأيتم الفارس الذي وقف عليِّ آنفاً ؟ فقالوا : لا إنك مجنون قال : قد وقف علي فارس آنفاً فقال : قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف فعد أشرافاً من كفار قريش ، فقالت له أصحابه : إنما يلعب بك الشيطان . ورفع الحديث إلى أبي جهل ، فقال : قد جئتم بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غداً من يقتل فقتل جميع من أخبر عنهم . أخرجه البيهقي .
542-رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي
عن ابن عباس رضي الله عنهما قالا : قد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أقرعتها ، فبعث إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك به .
قال لها : وما رأيت قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ، فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قيس فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة .
قال العباس : والله إن هذه لرويا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد ثم خرج العباس فلقي الوليد ابن عتبة بن ربيعة ، وكان له صديقاً فذكر له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدثت به قريش في أنديتها ، قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال : يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا .
فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال لي أبو جهل : يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية ! قال : قلت : وما ذاك ؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ، فقلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث فستتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقاً ما تقول فسيكون ,وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب .
قال العباس : فوالله ما كان مني إليه كبير ، إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئاً ، قال : ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا اتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غيره لشيء مما سمعت قال : قلت : قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير وايم والله لا تعرض له ، فإن عاد لأكفينكه قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال : فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال ، فوقع به وكان رجلاً خفيفاً حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد .
قال : قلت في نفسي : ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن أشاتمه قال : وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره ، قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال : فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر فتجهز الناس سراعاً وخرجوا فأصاب قريشاً ما أصابها يوم بدر . أخرجه الحاكم والبيهقي .
543- رؤيا سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت سودة بنت زمعة عند السكران بن عمرو أخي سهيل ابن عمرو فرأت في المنام كأن النبي أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها فأخبرت زوجها بذلك فقال : لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك محمد ، ثم رأت في المنام أخرى أن قمر انقض عليها من السماء وهي مضطجعة فأخبرت زوجها ، فقال : لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيراً حتى أموت وتتزوجين من بعدي ، فاشتكى السكران من يومه ذلك ، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مات وتزوجها رسول الله .
أخرجه ابن سعد .
544-545- إغداق الأموال على الساقطين والساقطات وكذا الخدم
546- رؤيا جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها
عن الواقدي قال : حدثني حرام بن هشام عن أبيه قال : قالت جويرية : رأيت قبل قدوم النبي بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري ، فكرهت أن أخبر بها أحداً من الناس ، حتى قدم رسول الله صلى عليه وسلم فلما سبينا رجوت الرؤيا فأعتقني وتزوجني .
أخرجه البيهقي .
547- رؤيا صفية أم المؤمنين رضي الله عنها
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأى رسول الله بعين صفية خضرة فقال : (( ما هذه الخضرة )) قالت : كان رأسي في حجر ابن أبي حقيق تعني زوجها السابق ، وأنا نائمة ، فرأيت كأن قمر وقع في حجري ، فأخبرته بذلك فلطمني وقال : تمنين ملك يثرب .
الحلقة التاسعة والأربعون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (7)
البركة العجيبة في اللبن
من معجزاته تكثير اللبن وزيادته .
قال أبو هريرة – رضي الله عنه - : والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه ، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمر عمر – رضي الله عنه – فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمر أبو القاسم فعرف ما في وجهي وما في نفسي فقال : (( أبا هريرة )) قلت له : لبيك يا رسول الله فقال : (( الحق )) واستأذنت فأذن لي فوجدت لبناً في قدح قال : (( من أين لكم هذا اللبن ؟ )) فقالوا : أهداه لنا فلان أو آل فلان ، قال : (( أبا هر )) قلت : لبيك يا رسول الله قال : (( انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي )) قال : وأهل الصفة أضياف الإسلام لما يأووا إلى أهل ولا مال إذا جاءت إلى رسول الله هدية أصاب منها وبعث إليهم منها ، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يُصب منها قال : وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أُصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي وقلت : أنا الرسول فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم ، وقلت : ما يبقى لي من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بُد .
فانطلقت فأخذت القدح فجعلت أعطيهم ، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يُروى ، ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم ، ودفعت إلى رسول الله فأخذ القدح ، فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إليّ وتبسم وقال : (( أبا هر )) فقلت : لبيك رسول الله قال : (( بقيت أنا وأنت )) فقلت : صدقت يا رسول الله قال : (( فاقعد فاشرب )) قال : فقعدت فشربت ، ثم قال لي : (( اشرب )) فشربت ، فما زال يقول لي : (( اشرب )) فأشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجد له فيّ مسلكاً ، قـــال : (( ناولني القدح )) ، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة .
صحيح : اخرجه البخاري
ثمانون رجلاً يأكلون بعض أرغفة الخبز وتكفيهم !
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال أبو طلحة لأم سليم : لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفاً أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصاً من شعير ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ، ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه ، ثم أرسلتني إلى رسول الله قال : فذهبت به فوجدت رسول الله في المسجد ومعه الناس ، فقمت عليهم ، فقال لي رسول الله (( أرسلك أبو طلحة ؟)) فقلت : نعم قال : (( بطعام ؟ )) قلت : نعم . فقال رسول الله لمن معه : (( قوموا )) فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته ، فقال أبو طلحة : يا أم سليم قد جاء رسول الله والناس وليس عندنا ما نطعمهم ، فقلت : الله ورسوله أعلم ، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله فأقبل رسول الله وأبو طلحة معه ، فقال رسول الله : (( هلم يا أم سليم ، ما عندك ؟ )) فأتت بذلك الخبز ، فأمر به رسول الله فقُمت وعصرت أم سُليم عكة فآدمته ثم قال رسول الله فيه ماشاءالله أن يقول ، ثم قال : (( ائذن لعشرة )) فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون .
]حديث صحيح : اخرجه البخاري
الطعام يؤكل ويزداد
والقصعة تكفي العشرات
روى عبدالرحمن بن أبي بكر – رضي الله عنهما – أن أصحاب الصفة كانوا أنساً فقراء ، وأن النبي قال مرة : (( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس )) أو كما قال وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي بعشرة وأبوبكر بثلاثة قال : فهو أنا وأبي وأمي – ولا أدري هل قال أمرأتي وخادمي من بيتنا وبيت أبي بكر ؟ - وإن أبا بكر تعشى عند النبي ثم لبث حتى صلى العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله ، قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك ؟ قال : أوَ ما عشيتيهم . قالت : أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم فذهبت فاختبأت ، فقال : ياغُنثر فجزع وسب ، وقال : كلوا وقال : لا أطعمه أبداً والله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا( أي زاد ) من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل فنظر أبو بكر فإذا هي شيء أو أكثر ، فقال لامرأته : يا أخت بني فراس لا وقرة عيني ، هي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار ، فأكل منها أبو بكر . وقال : إنما كان الشيطان – يعني يمينه – ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده ، وكان بيننا وبين قوم عهد ، فمضى الأجل فعرفنا اثني عشر رجلاً مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل غير انه بعث معهم ، قال : فأكلوا منها أجمعون أو قال كما قال وغيرهم يقول : فتفرقنا.
]حديث صحيح : اخرجه البخاري في المناقب ، وأخرجه مسلم في الأشربة [.
يأكل ثلاثة آلاف من طعام لا يكفي عشرة ويشبعون والطعام كما هو
ومن معجزاته تكثير الطعام حتى أن طعاماً لايكفي عشرة كفى ثلاثة آلاف وبقي الطعام كماهو .
عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – قال : لما حُفر الخندق رأيت من النبي خمصاً فانكفأت إلى امرأتي فقلت : هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله خمصاً شديداً فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير ، ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي ، وقطعتها في برمتها ، ثم وليت إلى رسول الله فقالت : لا تفضحني بسول الله وبمن معه ، فجئته فساررته فقلت : يارسول الله ذبحت بهيمة لنا ، وطحنت صاعاً من شعير كان عندنا ، فتعال أنت ونفر معك . فصاح رسول الله فقال : (( يا أهل الخندق ، إن جابراً قد صنع سؤراً ( أي بقية طعام ) فحيهلا بكم )) فقال رسول الله : (( لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيئ )) فجئت وجاء رسول الله يقدم الناس حتى جئت امرأتي ، فقالت : بك وبِكَ ، فلت : قد فعلت الذي قلت فأخرجت لنا عجيناً ، فبصق فيه وبارك ، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال : (( ادع خبازة فلتخبز معك ، واقدحي من برمتك ، ولا تنزلوها وهم ألف )) فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه ، وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا كما هو . وفي رواية ( دعا أهل الخندق أجمعين )
ولعل رواية ألف : على ما أمكن عدّه لدى جابر – رضي الله عنه – وإلا فأهل الخندق كانوا ثلاثة آلاف ، والكل أكل ببركة رسول الله .] حديث صحيح : أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ، ومسلم في الأشربة [.
قصعة الثريد يأكل منها مئات
عن سمرة بن جندب – رضي الله عنه – قال : بينما نحن عند النبي إذ أُتي بقصعة فيها ، ثريد ، قال : فأكل وأكل القوم فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون ويجيء قوم فيتعاقبونه ، قال : فقال له رجل : هل كانت تُمدُّ بطعام ؟ قال : أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تُمدُّ من السماء . ] رواه أحمد [.
البركة في الشعير
عن جابر – رضي الله عنه – أن رجلاً أتى النبي يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير ، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (( لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم )) . أي لاستمر دائماً أبداً وما انقطع خيره .
]حديث صحيح : رواه مسلم [.
البركة في السمن
وعن جابر أن أم مالك كانت تُهدي إلى رسول الله في عكتها سمناً فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندنا شيء ، فتعمد إلى التي كانت تهدي فيه إلى رسول الله فتجد فيه سمناً فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها ، فأتت رسول الله فقال : (( أعصرتيها ؟)) قالت : نعم ، فقال : (( لو تركتيها ما زالت قائمة )) . ]حديث صحيح : رواه مسلم [.
البركة في مزود أبي هريرة رضي الله عنه
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : أتيت رسول الله يوماً بتمرات ، فقال : قلت : ادع الله لي فيهن بالبركة ، قال : فصفّهن بين يديه ثم دعا فقال لـــي : (( اجعلهن في مزود ( أي الوعاء من جلد وغيره يجعل فيه الزاد) وأدخل يدك ولا تنثره )) قال : فحملت منه كذا وكذا وسقاً في سبيل الله ونأكل ونطعم ، وكان لا يٌفارق حقوي ، فلما قًتِل عثمان – رضي الله عنه – انقطع عن حقوي فسقط .
]حديث حسن : رواه أحمد والترمذي في مناقب أبي هريرة [.
وفي روايه : أنه قال : أُصبت بثلاث مُصيبات في الإسلام لم أصب بمثلهن :
1- موت رسول الله وكنت صويحبه .
2- وقتل عثمان .
3- والمِزود : قالوا : (( وما المزود يا أبا هريرة ؟ قال : قلت تمر في مزود ، قال : جئ به ، فأخرجت تمراً فأتيته به قال : فمسّه ودعا فيه ثم قال : (( ادع عشرة )) فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ، ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر معي في المزود ، فقال : (( يا أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئاً ، فأدخل يدك فيه ولا تكفه )) قال : فأكلت منه حياة النبي وأكلت منه حياة أبي بكر كلها ، وأكلت منه حياة عمر كلها ، وأكلت منه حياة عثمان كلها ، فلما قُتل عثمان انتهب مافي يدي ، وانتهب المزود ، ألا أخبركم كم أكلت منه ، أكلت منه أكثر من مائتي وسق )) ] من كتاب دلائل النبوة للبيهقي [
البركة في شطر الشعير
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : مات رسول الله وما بقي في بيتي إلا شطر من شعير ، فأكلت منه حتى طال عليّ ، ثم كِلته ، ففني ، وليتني لم أكِلــه .
وفي روايه قالت : لقد توفي رسول الله وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ ثم كِلته ففني .
]حديث صحيح : أخرجه البخاري ومسلم [.
الأربعون نخلة تثمر في عام زرعها !
وظهور ثمار كل نخلة في عامها معجزة ومعجزات
عن بريدة – رضي الله عنها – قال : جاء سلمان الفارسي إلى رسول الله حين قَدِم المدينة بمائدة عليها رُطب ، فوضعها بين يدي رسول الله فقال : (( يا سلمان ، ما هذا ؟ )) فقال : صدقة عليك وعلى أصحابك . فقال : (( ارفعها فإنا لا نأكل صدقة )) قال : فرفعها ، فجاء الغد بمثله ، فوضعه بين يدي رسول الله فقال : (( يا سلمان ، ما هذا ؟ )) فقال : هدية لك فقال رسول الله لأصحابه : (( ابسطوا )) ثم نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله فآمن به ، وكان لليهود ، فاشتراه رسول الله بكذا وكذا درهماً على أن يغرس نخلاً فيعمل سلمان فيه حتى تُطعم ، فغرس رسول الله النخيل إلا نخلة واحدة غرسها عمر ، فحملت النخل من عامها ، ولم تحمل النخلة التي زرعها عمر ، فقال رسول الله : (( ما شأن هذه النخلـــة ؟ )) فقال عمر : يا رسول الله ، أنا غرستها فنزعها رسول الله فغرسها ، فحملت من عامها .
وفي هذا الحديث تسع وثلاثون معجزة ، لأن كل نخلة تثمر في عامها معجزة وحدها ، فالنخلة لا تثمر إلا بعد سبع سنوات على الأقل .
]حديث حسن : اخرجه أحمد ، ( 5/354) والترمذي في الشمائل ( ص 31-32 رقم 18) ،وابن حبان (2255) ، والحاكم (3/ 599-602[.
رجلاً يأخذون من التمر جميعاً والتمر كما هو
عن دكين بن سعيد الخثعمي قال : أتينا رسول الله ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام ، فقال النبي لعمر : (( قم فأعطهم )) فقال : يا رسول الله ما عندي إلا ما يقيظني والصبية...... قال : (( قم فأعطهم )) قال : يا رسول الله سمعاً وطاعة قال : فقام عمر وقمنا فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجزته ففتح الباب قال دكين : فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض ، قال : شأنكم ( إي خذوا حقكم ) قال : فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة .
]الحديث اخرجه : احمد (4/174) [.
تسبيح الطعام
عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : إنكم تعدون الآيات عذاباً ، وكنا نعدها بركة على عهد رسول الله ، كنا نأكل مع النبي الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام ، وأتي النبي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ، فقال النبي : (( حيي على الطهور المبارك ، والبركة من السماء )) حتى توضأنا كلنا .
]حديث صحيح : أخرجه البخاري [
أعطني الذراع الثالث
عن أبي رافع مولى رسول الله قال : أُهديت له شاة فجعلها في القدر فدخل رسول الله فقال : (( ما هذا يا أبا رافع ؟ )) قال : شاة أُهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر ، فقال : (( ناولني الذراع يا أبا رافع )) ، فناولته الذراع ، ثم قال : (( ناولني الذراع الآخر )) فناولته الذراع الآخر ، ثم قال : (( ناولني الذراع الآخر )) فقال يا رسول الله : إنما للشاة ذراعان . فقال رسول الله : (( أما إنك لو سكت لناولتني ذراعاً ما سكتّ )) ثم دعا بماء فمضمض فاه ، وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى ، ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحماً بارداً ، فأكل ، ثم دخل المسجد ، ثم صلى ولم يمس ماء .
]حديث حسن : أخرجه أحمد (6/392) ، وللحديث شواهد انظر مسند أحمد ( 2/48، 6/8 ،2/517).[
فرس أبي طلحة البطيء يسبق الفرسات ببركة النبي
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : فزع الناس ، فركب رسول الله فرساً لأبي طلحة بطيئاً ثمّ خرج يركض وحده ، فركب الناس يركضون خلف رسول الله . فقال : (( لن تراعو إنه لبحر )) ، قال : فو الله ما سُبِق بعد ذلك اليوم .
]صحيح : أخرجه البخاري في الجهاد ( 6/122) ( فتح الباري ) ، والبيهقي في الدلائل ( 6/152) .[
الفرس الضعيف يسبق ويدر الأموال الطائلة
عن جعيل الأشجعي – رضي الله عنه – قال : غزوت مع رسول الله في بعض غزواته ، وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة ، قال : فكنت في أُخريات الناس ، فلحقني رسول الله وقال : (( سر ياصاحب الفرس )) ، فقلت : يارسول الله عجفاء ضعيفة ، قال : فرفع رسول الله مخفقة معه فضربها بها وقال : (( اللهم بارك له )) قال : فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس ، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفاً .
]صحيح : رواه البخاري في التاريخ ( 1/248) ، والنسائي في السنن الكبرى ، والبيهقي في الدلائل ( 6/153) .[
حضور الطعام الطهي بدعاء النبي ص
عن واثلة بن الأسقع- رضي الله عنه – حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من أهل البيعة فانطلق به فعشّاه ، فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد وأصبحنا صياماً ، وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد ، فانطلقنا إلى رسول الله فأخبرناه بالذي كان من أمرنا فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها شيء؟ فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تُقسم : ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد ، فقال لهم رسول الله : (( فاجتمعوا )) فدعا وقال : (( اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنها بيدك لا يملكها أحد غيرك )) فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية ورغف ، فأمر بها رسول الله فوضعت بين أيدينا ، فأكلنا حتى شبعنا ، فقال لنا رسول الله : (( إنا سألنا الله من فضله ورحمته ، فهذا فضله ، وقد ادّخر لنا عنده رحمته )) .
]حديث حسن : اخرجه البيهقي في الدلائل (6/129) ورواه الطبراني وإسناده حسن .[
طعام اثنين يكفي مائة وثمانين
عن أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – قال : صنعت لرسول الله ولأبي بكر طعاماً قدر مايكفيهما ، فأتيتهما به ، فقال رسول الله : (( اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار )) ، قال : فشق ذلك علي ، وما عندي ما أزيده ، قال : وكأني تثاقلت ، فقال : (( اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار )) فدعوتهم فجاؤا فقال : اطعموا ، فأكلوا حتى صدروا ، ثم شهدوا أنه رسول الله ، ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ، ثم قال : (( اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار )) .
قال أبو أيوب : فو الله لأنا بالستين أخوف مني بالثلاثين . قال : فدعوتهم ، فقال رسول الله : (( ترفعوا ! )) فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ، ثم قال : (( اذهب فادع لي تسعين من أشراف الأنصــار ! )) قال : فلأنا أخوف بالتسعين والستين مني بالثلاثين ، قال : فدعوتهم ، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ، قال : فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلاً كلهم من الأنصار .
]الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 367،366) ، وفيه أبو محمد الحضرمي ، قال في التقريب (2/469) : أبو محمد الحضرمي غلام أبي أيوب قيل : هو أفلح وإلا فمجهول .[
البركة العظيمة في طعام وشراب عائشة الذي أعطته للنبي ص
عن عبد الله بن طهفة أن النبي كان إذا اجتمع الضيفان قال : لينقلب كل رجل بضيفه ، حتى إذا كان ليلة اجتمع في المسجد ضيفان كثير ، فقال رسول الله : (( لينقلب كل رجل مع جليسه )) ، فكنت أنا ممن انقلب مع النبي فلما دخل ، قال : (( يا عائشة هل من شيء ؟ )) قالت : نعم حُويسة كنت أعددتها لإفطارك . قال : (( فأتيني بها )) ، فأتت بها في قعيبة لهم ، فأكل منها النبي شيئاً ثم قدمها إلينا ، ثم قال : (( بسم الله كلوا ! )) فأكلنا منها حتى والله ما ننظر إليها ، ثم قال : (( هل عندك شراب ؟ )) قالت : لبينه ( أي شربة لبن ) أعددتها لإفطارك ، قـال : (( هلميها )) ، فجاءت بها فشرب النبي منها شيئاً ، ثم قال : (( بسم الله واشربوا ! )) فشربنا حتى والله ما ننظر إليها . ثم خرجنا إلى الصلاة ، وكان يوقظ أهله إذا خرج ، فقال : (( الصلاة الصلاة )) فرأى رجلاً منكباً على وجهه ، فقال : من هذا ؟ قلت : أنا عبد الله ، قال : (( إنها ضجعة يكرهها الله عز وجل )) .
]الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 368) [
البركة في سمن أم مالك
عن يحيى بن جعدة عن جدته قالت : جاءت أم مالك الأنصارية بعكة سمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله بلالاً فعصرها ثم دفعها إليها ، فرجعت فإذا هي مملؤة فأتت النبي فقالت : نزل فيّ شيء يا رسول الله ؟ قال : فدعا بلالاً فسأله عن ذلك ، فقال : والذي بعثك بالحق ! لقد عصرتها حتى استحييت فقال رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg : ( هنيئاً لك يا أم مالك ! هذه بركة عجل الله لك ثوابها )
]الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 491) [
تحول قطعة اللحم إلى حجر
إخباره أم سلمة أن مسكيناً جاءها
يأكل العنب وما بمكة ثمرة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعث رسول الله عشرة رهط عيناً سرية ، عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم : بنو لحيان ، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم ، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه ، لجئوا إلى موضع فأحاط بهم القوم ، فقالوا : انزلوا ، فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحداً .
فقال عاصم بن ثابت : أيها القوم أما أنا ، فلا أنزل على ذمة كافر : اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق ، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ، ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم ، فربطوهم بها قال الرجل الثالث : هذا أول الغدر والله إن لي بهؤلاء أسوة – يريد القتلى - ، فجروه وعالجوه ، فأبى أن يصحبهم ، فقتلوه وانطلقوا بخبيب ، وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافل خبيباً ، وكان خبيب هو قاتل الحارث يوم بدر .
فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله ، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه ، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال : أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك ! قالت : والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب فو الله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله خبيباً ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحال ، قال لهم خبيب : دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين ، فقال : والله لولا أن تحسبوا أن مابي جزع لزدت .
اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً ، وقال :
فلست أبالي حين أقتل مسلماً ...... على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ...... يبارك على أوصال شلو ممزع
]أخرجه البخاري كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ( 7/378) فتح .[
وأكل العنب في غير وقته وفقده من البلاء كرامة للمولى ، والكرامة الثابته للولي كرامة لنبيه وإثبات لصدق رسالة النبي .
قطعة اللحم تتحول إلى قطع لحم
عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه ، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً ، فأتى فاطمة رضي الله عنها فقال : يا بنية ، هل عندك شيء آكله ، فإني جائع ؟ قالت : لا والله بأبي أنت وأمي فلما خرج من عندها . بعثت إليه جارة لها برغيفين وقطعة لحم ، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها ، وقالت : والله لأوثرن بهذا رسول الله على نفسي ومن عندي .
وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام ، فبعثت حسناً أو حسيناً رضي الله عنهما جميعاً إلى رسول الله فرجع إليها ، فقالت : بأبي أنت وأمي . قد أتى الله بشيء فخبأته لك ، قال : (( هلمي يا بنية ؟ )) قالت : فأتيته بالجفنة ، فكشفت عنها ، فإذا هي مملوءة خبزاً ولحماً ، فلما نظرت إليها بُهت ، وعرفت أنها بركة من الله ، فحمدت الله وصليت على نبيه ، وقدمته إلى رسول الله ، فلما رآه حمد الله وقــال : (( من أين لك هذا يا بنية ؟ )) قالت : يا أبت ، هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب .
التمرات السبع يتحولن إلى أربع وخمسين تمرة
معنا الآن ثلاثة من الأصحاب – رضي الله عنهم – جاءوا إلى النبي وصحبه بعد أن تعشوا . فأرادوا العشاء ، فوضع لهم سبع تمرات ، وبارك عليهن رسول الله فتحولت السبع إلى أربع وخمسين تمرة ، وقاموا والسبع التمرات كما هن وأكل منهن في اليوم التالي عشرة وبقين كما هن .
عن العرباض – رضي الله عنه - قال : كنت ألزم باب رسول الله في الحضر والسفر ، فرأينا ليلة ونحن بتبوك – أو ذهبنا لحاجة ، فرجعنا إلى رسول الله وقد تعشى ومن عنده ، فقال : أين كنت منذ الليلة ؟ فأخبرته ، وطلع جُعال بن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني – رضي الله عنهما – فكنا ثلاثة كلنا جائع ، فدخل رسول الله بيت أم سلمة – رضي الله عنها – فطلب شيئاً نأكله فلم يجده ، فنادى بلالاً رضي الله عنه هل من شيء ؟ فأخذ الجرب ينفقها . فاجتمع سبع تمرات فوضعها في صحفة ووضع عليهن يده ، وسمى الله ، وقال : (( كلوا بسم الله )) ،فأكلنا فأحصيت أربعاً وخمسين تمرة . كلها أعدها . ونواها في يدي الأخرى . وصاحباي يصنعان ما أصنع ، فأكل كل منهما خمسين تمرة ، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن .
فقال : يابلال : ارفعهن في جرابك ، فلما كان الغد وضعهن في الصحفة ، وقال : (( كلوا بسم الله )) فأكلنا حتى شبعنا ، وإنا لعشرة ، ثم رفعنا أيدينا ، وإنهن كما هن سبع ، فقال : (( لو لا أني أستحي من ربي عز وجل لأكلت من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا )) فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة ، فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن .
]ضعيف : أخرجه ابن عساكر كما في مختصر تاريخ دمشق (16/341) وانظر البداية والنهاية (6/118) .[
ثلاثمائة يكفيهم الطعام القليل بدعاء النبي وبقي الطعام كامل لم ينقص
عن أنس بن مالك قال : أعرس رسول الله ببعض نسائه ، فصنعت أم سليم حيساً ، ثم حطته في ثور فقالت : اذهب إلى رسول الله ، وأخبره أن هذا منا له قليل . قال أنس : والناس يومئذ في جهد فجئت به فقلت : يا رسول الله ، بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك السلام ، وتقول : إن هذا منا له قليل ، فنظر إليه ثم قال : (( ضعه في ناحية البيت )) ثم قال : (( اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً فسمى رجالاً كثيراً )) قال : (( ومن لقيت من المسلمين )) ، فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس .
فقلت : يا أبا عثمان – الراوي عن أنس – كم كانوا ؟ قال : كانوا زهاء ثلثمائة قال : أنس : فقال لي رسول الله : (( جئ )) ، فجئت به إليه فوضع يده عليه ودعا وقال : ما شاء الله ثم قال : (( ليتحلق عشرة عشرة ويسموا وليأكل كل إنسان مما يليه )) فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم ، فقال لي رسول الله : ارفعه .
قال : فجئت فأخذ الثور فنظرت فيه فلا أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته ، قال : وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله وزوج رسول الله التي دخل بها معهم مولية وجهها إلى الحائط فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله وكان أشد الناس حياء ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزاً فقام رسول الله فسلم على حجره وعلى نسائه ، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب فخرجوا وجاء رسول الله حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة فمكث رسول الله في بيته يسيراً وأنزل الله القرآن فخرج وهو يقرأ هذه الآيه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً (53) إِن تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54)****** ]سورة الأحزاب 53-54[
قال أنس : فقرأهن علي قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهداً .
]الحديث أخرجه البخاري ومسلم [
قلت : كانت حفلة الطعام تلك يوم زواج النبي بزينب بنت جحش في السنة السادسة من الهجرة ، وكان ببركة طعام هذا العرس نزول آية الحجاب .
البركة في الطعام الذي صنعه النبي ص لأهله
عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال : لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين ****** ]سورة الشعراء : 214[ دعاني رسول الله فقال : (( يا علي ! إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين )) . قال : فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أني متى ما أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فضقت عليها حتى جاء جبرئيل –عليه السلام – فقال يا محمد ! إنك أن لا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لنا طعاماً واجعل عليه رجل شاة واجمع لنا عساً من لبن وأخرج لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً ، أو ينقصون رجلاً منهم أعمامه أبوطالب وحمزة والعباس وأبو لهب .
فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي القصعة ، وقال : خذوا بسم الله ، فأكل القوم حتى ما بقي لهم إلى شيء من حاجة وما أرى إلا مواضع أيديهم ، والذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثله ويشرب مثله ، فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدر أبو لهب إلى الكلام ، فقال لقد سحركم صاحبكم ! .
فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله ، فلما كان الغد قال : يا علي : (( إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم لي )) ، قال : ففعلت ثم جمعتهم ثم دعا بالطعام فقربه لهم ، ففعل كل ما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما بقي لهم في شيء من حاجة ، ثم قال : اسقهم ! فجئت بذلك العس فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً ، ثم تكلم رسول الله .
أكل أربعمائة من تمر قليل وبقي التمر كما هو
عن النعمان بن مقرن قال : قدمنا على رسول الله اربعمائة رجل من مزينة ، فلما أردنا أن ننصرف قال : ياعمر! زود القوم ، فقال : ما عندي إلا شيء من تمر ، ما أظنه يقع من القوم موقعاً قال : انطلق فزودهم ، قال : فانطلق بهم عمر ، فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية ، فلما دخلنا ، إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق ، فأخذ القوم منه حاجتهم .
قال النعمان : فكنت في آخر من خرج ، فنظرت فما أفقد موضع تمرة من مكانها .. بقيت التمرات كما هي ، لم نفقد تمرة واحدة
]حديث حسن : أخرجه أحمد (5/445) ورجاله ثقات ، وسنده حسن ، وانظر : ابن سعد (1/291) والبيهقي في الدلائل .[
صاع شعير يأكلون منه نصف سنة ولو لم يكيلوه لأكلوا منه ما عاشوا
عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، أنه استعان برسول الله في التزويج ، فأنكحه امرأة ، فالتمس شيئاً فلم يجده ، فبعث رسول الله أبا رافع وأبا أيوب – رضي الله عنهما – بدرعه ، فرهنه عند رجل من اليهود بثلاثين صاعاً من شعير ، فدفعه رسول الله إليّ فطعمنا منه نصف سنة ، ثم كلناه ، فوجدناه كما أدخلناه ، قال نوفل : فذكرت ذلك لرسول الله فقال : (( لو لم تكله لأكلت منه ما عشت )) .
]أخرجه الحاكم في المستدرك (3/246) كتاب معرفة الصحابة والبيهقي في دلائل النبوة (6/114) باب ماظهر فيما خلّف رسول الله من الشعير. وانظر البداية والنهاية (6/119) .[
البركة في الاجتماع على الطعام
عن وحشي بن حرب – رضي الله عنه – أن أصحاب رسول الله قالوا : يا رسول الله ! إنا نأكل ولا نشبع ، قال : (( فلعلكم تفترقون )) ، قالوا : نعم ، قال : (( فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه )) .
وهذا أمر واقع معلوم لا يحتاج إلى شرح أو بيان .
]أخرجه أحمد (3/501) ، والبيهقي في الدلائل (6/119)
صاع طعام يكفي مائة وثلاثين رجلاً
عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال : كنا مع النبي ثلاثين ومائة فقال النبي : (( هل مع أحد منكم طعام ؟ )) فإذا مع رجل منهم صاع من طعام أو نحوه ، فعجن ، ثم جاء رجل مشعات طويل بغنم يسوقها ، فقال النبي : (( أبيع أم عطية ؟ )) أو قال : (( هبة ؟ )) قال : لا بل بيع . فاشترى منه شاة فأمر بها فصنعت ، وأمر رسول الله بسواد البطن أن يشوى ، قال : وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له رسول الله من سواد بطنها إن كان شاهداً أعطاه . وإن كان غائباً خبأ له ، قال : وجعل فيها قصعتين فأكلنا منها اجمعون وشبعنا وفضل في القصعتين فحملتا على البعير أو كما قال .
]أخرجه البخاري (5/230) وأخرجه مسلم كتاب الأشربة باب إكرام الضيف .[
عشرة رجال يأكلون قرص خبز واحد ويشبعون
عن واثلة بن الأسقع – رضي الله عنه – قال : كنت من أهل الصفة ، فدعا رسول الله يوماً بقرص ، فكسره في القصعة ، وصنع فيها ماء سخناً ، ثم صنع فيها ودكاً ثم سفسفها ( أي خلطها ومزجها ) ثم لبقها ، ثم صعنبها ( أي تضم جوانب الثريدة وتكوم صومعتها ويرفع رأسها ) ثم قال : (( اذهب فائتني بعشرة أنت عاشرهم )) ، فجئت بهم فقـال : (( كلوا ، وكلوا من أسفلها ، ولا تأكلوا من أعلاها ، فإن البركة تنزل من أعلاها ، فأكلوا منها حتى شبعوا )) .
]أخرجه أحمد (3/490) ، وقال الهيثمي في المجمع (8/305) : رجاله موثقون [
عشرون رجلاً يأكلون فتاتاً من الخبز وتعود الصحفة مليئة به
وعند الطبراني عنه قال : كنت من أصحاب الصفة ، فشكا أصحابي الجوع ، فقالوا : ياواثلة اذهب إلى رسول الله فاستطعم لنا ، فأتيت رسول الله فقلت : يا رسول الله ، إن اصحابي شكوا الجوع ، فقال رسول الله لعائشة رضي الله عنها : (( هل عندك من شيء ؟ )) قالت : يا رسول الله : ما عندك إلا فتات خبز قال : فائتيني به فجاءت بجراب ، فدعا رسول الله بصحفة ، فأفرغ الخبز في الصحفة ، ثم جعل يصلح الثريد بيده ، وهو يربو ( أي يزيد ) حتى امتلأت الصحفة .
فقال : يا واثلة (( اذهب فجئ بعشرة من أصحابك وأنت عاشرهم )) فذهبت ، فجئت بعشرة من أصحابي وأنا عاشرهم ، فقال : (( اجلسوا وخذوا باسم الله خذوا من حواليها ولا تأخذوا من أعلاها ، فإن البركة تنزل من أعلاها )) ، فأكلوا حتى شبعوا ، ثم قاموا وفي الصحفة مثل ما كان فيها ، ثم جعل يصلحها بيده ، وهي تربو حتى امتلأت وفي الصحفة مثل ما كان فيها ، قال : (( يا واثلة ، اذهب فجئ بعشرة من أصحابك )) فجئت بعشرة ، فقال : اجلسوا ، فجلسوا فأكلوا حتى شبعوا ، ثم قاموا فقال : اذهب فجئ بعشرة من أصحابك ، فذهبت فجئت بعشرة ففعلوا مثل ذلك ، قال : هل بقي من أحد ؟ قلت : نعم عشرة ، قال : اذهب فجئ بهم ، فذهبت فجئت بهم . فقال : اجلسوا ، فجلسوا فأكلوا حتى شبعوا ، ثم قاموا ، وبقي في الصحفة مثل ما كان ، ثم قال : (( يا واثلة اذهب بهذا إلى عائشة )) .
وفي رواية : كنت في الصفة وهم عشرون رجلاً ، فذكر نحوه إلا أنه قال : قالوا : ههنا كسرة وشيء من لبن .
]أخرجه الطبراني (22/90) رقم (216) وأخرجه أبو نعيم في الدلائل ( 422،421)رقم (328) وقال الهيثمي في المجمع (8/305) : رواه كله الطبراني بإسنادين وإسناده حسن .[
كسرة تكفي عشرة
عن واثلة بن الأسقع الليثي – رضي الله عنه – قال : كنا في محرس يقال له الصفة وهم عشرون رجلاً ، فأصابنا جوع ، وكنت من أحدث أصحابي سناً فبعثوا بي إلى رسول الله أشكو جوعهم ، فالتفت في بيته ، فقال : هل من شيء ؟ فقالوا : نعم ها هنا كسرة أو كسر وشيء من لبن ، فأتي به ففت فتاً دقيقاً صم صب عليه اللبن ثم جبنه بيده حتى جعله كالثريد ، ثم قال : يا واثلة ! ادع لي عشرة من أصحابك وخلف عشرة ! ففعلت .
فقال رسول الله : (( اجلسوا باسم الله من حواليها واعفوا رأسها ، فإن البركة تأتيها من فوقها وإنها تمد )) ، قال : فرأيتهم يأكلون ويتخللون أصابعهم حتى تملأوا شبعاً ، فلما انتهوا قال لهم : انصرفوا إلى مكانكم وابعثوا أصحابكم ، فانصرفوا وقمت متعجباً لما رأيت ، فأقبل على العشرة فأمرهم بمثل الذي أمر به أصحابهم ، وقال لهم : مثل الذي قال لهم ، فأكلوا منها حتى انتهوا وإن فيها فضلة .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص 361،360) .[
وامتلأت الأوعية الفارغة
عن أبي عمرة الأنصاري – رضي الله عنه – قال : كنا مع رسول الله في غزاة – فأصاب الناس مخمصة ، فاستأذن الناس رسول الله في نحر بعض ظهورهم ، وقالوا : يبلغنا الله به ، فلما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم ، قال : يا رسول الله ، كيف بنا إذا لقينا العدو غداً جياعاً رجالاً ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ، ثم تدعو الله فيها بالبركة ،فإن الله تبارك وتعالى – سيبلغنا بدعوتك – أو سيبارك لنا في دعوتك ، فدعا النبي ببقايا أزوادهم ، فجعل الناس يجيئون بالحثية ( أي ملء الكف ) من الطعام وفوق ذلك ، فكان أعلاهم من جاء ، بصاع من تمر ، فجمعها رسول الله ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعوه ثم دعا الجيش بأوعيتهم ، وأمرهم أن يحتثوا ، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملأوه وبقي مثله .
فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، وقال : (( اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله ، لا يلقى الله عبد يؤمن بهما ، إلا حُجبت عنه النار يوم القيامة )) .
]أخرجه مسلم كتاب الايمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى وفي عمل اليوم والليلة رقم (1148]324،323[)...[
أكل أربعون وأربعمائة من تمر قليل وبقي التمر كما هو
عن دكين بن سعيد الخثعمي قال : أتينا رسول الله ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام ، فقال النبي لعمر : (( قم فأعطهم )) فقال : يا رسول الله ماعندي إلا ما يقيظني والصبية قال : (( قم فأعطهم )) قال : يا رسول الله ، سمعاً وطاعة ، قال : فقام عمر وقمنا معه فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجرته ففتح الباب ، فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض ، قال : شأنك ، قال : فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة .
جاء الطعام إلى الضيف وليس في البيت طعام
عن واثلة بن الأسقع قال : حضر رمضان ونحن في أهل الصفة ، فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلاً من أهل الصفة فأخذه فانطلق به فعشاه ، فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد ، فأصبحنا صياماً ، ثم أتت علينا القائلة فلم يأتنا أحد ، فانطلقنا إلى رسول الله فأخبرناه بالذي كان من أمرنا ، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندنا شيء؟ فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم : ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد .
فقال لهم رسول الله فاجتمعوا ، فدعا رسول الله وقال : (( اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك ، فإنهما بيدك لا يملكهما أحد غيرك )) فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية ورغف فأمر بها رسول الله فوضعت بين أيدينا فأكلنا حتى شبعنا ، فقال لنا رسول الله : (( إنا سألنا الله من فضله ورحمته ، فهذا فضله وقد ذخر لنا عنده رحمته )) .
]رواه الطبراني بإسناد حسن ، وأخرجه البيهقي في الدلائل (ج6/ص 129) .[
التمرة تكفي الرجل طوال اليوم
عن جابر – رضي الله عنه – قال : بعثنا رسول الله وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمر ، لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة ، قال : قلت : كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال : كنا نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها الماء ، فتكفينا يومنا إلى الليل ، وكنا نضرب بعصينا الخبط ( أي الورق الساقط ) ثم نبله بالماء فنأكله .
قال : فا نطلقنا إلى ساحل البحر ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا به دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة : ميته ، ثم قال : لا ، بل نحن رسل رسول الله وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا ، قالوا : فأقمنا ع ليه شهرا ً – ونحن ثلاثمائة – حتى سمنا ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال ( أي الجرة العظيمة ) الدهن ، ونقتطع منه الفدر كالثور .
أو كقدر الثور ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً ، فأقعدهم في عينه ، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير منها فمر تحتها ، وتزودنا من لحمها وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله فذكرنا ذلك له ، فقال : (( هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا ؟ )) قال : فأرسلنا إلى رسول الله فأكل منه .
]أخرجه مسلم كتاب الصيد والذبائح باب إباحة الميتات (1935) ، وأبو داود كتاب الأطعمة باب في دواب البحر وابن سعد (3/411) والبيهقي في الدلائل (4/408) باب في سرية أبي عبيدة .[
طعام من السماء ينزل على سيد الأنبياء
عن سلمة بن نفيل – رضي الله عنه – قال : سألت رسول الله ، فقلت : أتيت بطعام من السماء ؟ قال : نعم ، قلت : فهل فضل منه شيء ؟ قال : نعم ، قلت : فما صُنع به ؟ قال : رُفع إلى السماء .
]أخرجه ابن سعد (7/428) .[
وفي روايه عنه قال : بينا نحن جلوس عند النبي فجاء رجل ، فقال : يا نبي الله ، هل أتيت بطعام من السماء ؟ فقال : فما فُعل به ؟ قال : (( رُفع حتى إلى السماء ، وهو يوحي إليّ أنني غير لابث فيكم إلا قليلاً ، ولستم لابثين بعدي إلا قليلاً ، بل تلبثون حتى تقولوا ، حتى متى ؟ ثم تأتون انفاداً ويُفني بعضكم بعضاً ، وبين يدي الساعة موتان شديد ، وبعده سنوات الزلازل )) .
]أخرجه الحاكم (4/447) كتاب الفتن والملاحم وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقال الذهبي : والخبر من غرائب الصحاح . أخرجه النسائي (6/215،214) ، كتاب الحيل .[
البركة في لحم خالد بن عبد العزى
عن خالد بن عبد العزى ، أنه أجزر رسول الله شاة ، وكان عيال خالد كثيراً ، فأكل منها النبي وبعض أصحابه ، فأعطى فضله خالداً فأكلوا منها وأفضلوا .
]أخرجه النسائي في الكنى والحسن بن سفيان في مسنده في الإصابة (1/409) .[
البركة في لحم مسعود بن خالد
عن مسعود بن خالد – رضي الله عنه – قال : بعثت لرسول الله شاة ثم ذهبت في حاجة ، فرد إليهم رسول الله شطرها فرجعت إلى أم خنــاس – زوجته - ، فإذا عندها لحم ، فقلت : يا أم خناس ، ما هذا اللحم ؟ قالت : رده إلينا خليلك من الشاة التي بعثت بها إليه ، قال : مالك لا تطعميه عيالك من ذو غدوة ؟ قالت : هذا سؤرهم ( أي مابقي من أكلهم ) وكلهم قد أطعمت وكانوا يذبحون الشاتين والثلاثة ولا تجزئ عنهم .
]أخرجه الطبراني في الكبير (794) (20/335) ، قال الهيثمي في المجمع (8/310) : وفيه من لم أعرفهم .[
إناء السمن يتحول إلى واد من السمن
عن حمزة بن عمرو قال : كان طعام أصحاب رسول الله يدور على أيدي أصحابه ، هذا ليلة وهذا ليلة ، قال : فدار علي ليلة ، فصنعت طعام أصحاب رسول الله وتركت النحى ( أي ****** السمن ) ولم أوكه ( أي لم أربطه وأحكم إغلاقه ) وذهبت بالطعام إليه فتحرك ، فأهريق ما فيه ، فقلت : أعلى يدي أهريق طعام رسول الله ؟
فقال رسول الله : (( ادنه )) فقلت : لا أستطيع يا رسول الله ، فرجعت مكاني ، فإذا النحى . يقول : قب قب ( أي صوت انصباب الماء ) فقلت : مه ، قد أهريق فضلة فضلت فيه ، فجئت أنظره فوجدته قد ملئ إلى ثدييه ، فأخذته ، فجئت رسول الله فأخبرته ، فقال : (( إنك لو تركته لملء إلى فيه ثم أوكي )) .
]أخرجه الطبراني (2992) ، (3/159) وقال الهيثمي في المجمع : (8/310) ، رواه الطبراني ، ورجال الطريق التي هنا وثّقوا .[
وفي رواية : (( لو تركته لسال وادياً سمناً )) . وفي رواية عنه قال : خرج رسول الله إلى غزوة تبوك ، وكنت على ذلك النحى ذلك السفر ، فنظرت إلى نحى السمن قد قل ما فيه ، وهيأت للنبي طعاماً ، فوضعت النحى في الشمس ونمت فانتبهت بخرير النحى ، فقمت ، فأخذت رأسه بيدي ، فقال رسول الله : (( لو تركته لسال الوادي سمناً )) .
عكة سمن أم أوس تفيض بالسمن إلى عصر عليّ ببركة النبي ص
عن أم أوس البهزية ، أنها سلأت ( أي طبخت ) سمناً لها ، فجعلته في عكة ثم أهدته للنبي فقبله وأخذ ما فيه ، ودعا لها بالبركة ، وردها إليها ، فرأتها ممتلئة سمناً فظنت أنه لم يقبلها ، فجاءت ولها صراخ ، فقال : أخبروها بالقصة ، فأكلت منه بقية عمر النبي وولاية أبي بكر – رضي الله عنه – وولاية عمر – رضي الله عنـه - ، وولاية عثمان – رضي الله عنه - ، حتى كان بين علي ومعاوية – رضي الله عنهما – ما كان .
]أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (363) ، (25/151) والبيهقي بلفظ آخر كما في البداية (6/104) ، وقال الهيثمي في المجمع (8/310) رواه الطبراني ، وفيه عصمة بن سليمان ولم أعرفه ، وبقية رجاله وثّقوا .[
لو لم تعصري السمن لظل طوال حياتك
عن جابر أن أم مالك البهزية – رضي الله عنهما – كانت تهدي في عكة لها سمناً للنبي ، فبينما بنوها يسألوها الإدام – وليس عندها شيء – فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدي فيها السمن إلى النبي ، فوجدت فيها سمناً ، فما زال يقيم لها إدام بنيها حتى عصرته ، فأتت النبي فقال : (( أعصرتيه ؟ )) فقالت : نعم ، قال : (( لو تركتيه ما زال ذلك لك مقيماً )) .
وعنها : أنها جاءت بعكة سمن إلى رسول الله ، فأمر رسول الله بلالاً – رضي الله عنه – فعصرها ، ثم دفعها إليها ، فرجعت فإذا هي ممتلئة فأتت النبي ، فقالت : نزل في شيء يا رسول الله ، فقال : وما ذاك يا أم مالك ؟ فقالت : لم رددت هديتي ؟ فدعا بلالاً . فسأله عن ذلك . فقال : والذي بعثك بالحق ، لقد عصرتها حتى استحييت .
فقال رسول الله : (( هنيئاً لك يا أم مالك ، عجل الله ثوابها )) ، ثم علمها في دبر كل صلاة ، سبحان الله عشراً ، والحمد لله عشراً ، والله أكبر عشراً .
]أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (351) (25/146،145) ، وأبو نعيم في الدلائــل (ص 559) ، قال الهيثمي في المجمع (8/309) : فيه راو لم يسم وعطاء بن السائب اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح .قلت ك يشهد له الحديث السابق .[
تسقى من السماء
والشعير لا ينقص
عكة السمن تمتلئ دائماً لولا كيلها
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كانت امرأة من دوس يقال لها : أم شريك أسلمت في رمضان ، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله فلقيت رجلاً من اليهود ، فقال : ما لك يا أم شريك ؟ قالت : أطلب رجلاً يصحبني إلى رسول الله قال : فتعالي فأنا أصحبك .
قالت : فانتظرني حتى أملأ سقاي ماء ، قال : معي ماء لا تريدين ماء ، فانطلقت معهم ، فساروا يومهم حتى امسوا ، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى ، فقال : يا أم شريك ! تعالي إلى العشاء ، فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب ، فقـال : لا أسقيك حتى تهودين ! فقالت : لا والله ، لا جزاك الله خيراً غربتني ومنعتني أحمل ماءً.
فقال : لا والله لا أسقيك من قطرة حتى تهودين ! فقالت : لا والله ، لا أتهود أبداً بعد إذ هداني الله للإسلام ، فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت قالت : فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني ، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، فشربت حتى رويت ، ثم نضحت على سقاء حتى ابتلّ ، ثم ملأته ، ثم رفع بين يدي وأنا أنظر حتى توارى مني في السماء .
فلما أصبحت جاء اليهودي ، فقال : يا أم شريك ! قلت : والله قد سقاني الله ، فقال : من أين أنزل عليك من السماء ؟! . قلت : نعم والله ، لقد أنزل الله – عز وجل – عليّ من السماء ثم رُفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ، ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله فقصت عليه القصة ، فخطب رسول الله إليها نفسها ، فقالت : يا رسول الله لست أرضى نفسي لك ، ولكن بضعي لك فزوجني من شئت ، فزوجها زيداً . وأمر لها بثلاثين صاعاً ، وقالوا : كلوا ولا تكيلوا .
وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله فقالت لجارية لها : بلغي هذه العكة رسول الله وقولي : أم شريك تقرئك السلام ، هذه عكة سمن أهديناها لك ، فانطلقت بها فأخذوها ففرغوها ، وقال لها رسول الله : (( علقوها ولا تأكلوها )) ، فعلقوها في مكانها فدخلت أم شريك ، فنظرت إليها مملوءة سمناً فقالت : يا فلانة أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله ؟ فقالت : انطلقت بها كما قلت ، ثم أقبلت بها أصوبها ما يقطر منها شيء ، ولكنه قال : علقوها ولا توكوها ، فعلقتها ، في مكانها ، وقد أو كتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت ، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعاً لم ينقص منه شي .
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/123) .[
وهذه المعجزات التي معنا فيها معجزة أخرى وهي كرامة من كرامات أم شريك ، وكرامة الولي معجزة لنبيه .
وقد ذكرنا هذا الموقف بأخلاق اليهود التي تنبني على الغدر والخيانة والمكر والخداع والكذب والقسوة والجفاء والظلم والأنانية والا ستغلال .
أهل الخندق يأكلون من حفنة تمر وتبقى كما هي
روى ابن إسحاق أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير ، قالت : دعتني أمي عمرة بن رواحة ، فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ، ثم قالت : أي بنية ، اذهبي إلى أبيك ، وخالك عبد الله بن رواحة ، بغدائهما ، قالت : فأخذتها ، فانطلقت بها ، فمررت برسول الله وأنا ألتمس أبي وخالي ، فقال : تعالي يا بنية ما هذا معك ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ، هذا تمر ، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد ، وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه ، قال : هاتيه ، قالت : فصببته في كفي رسول الله ، فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ، ثم دعا بالتمر عليه . فتبدد فوق الثوب ، ثم قال لإنسان عنده : اصرخ في أهل الخندق ، أن هلم إلى الغذاء ، فاجتمع أهل الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى أصدر أهل الخندق عنه ، وإنه ليسقط من أطراف الثوب .
وأهل الخندق كما هو معلوم كانوا ثلاثة آلاف صحابي .
]أخرجه ابن إسحاق (2/218) بسند مرسل .[
أهل الخندق يأكلون من قصعة طعام ويبقى ثلثا القصعة
ذهب أهل الخندق وهم ثلاثة آلاف إلى أحد الصحابة ليأكلوا عنده ، فأكلوا كلهم من قصعة طعام بها خبز وجدي فأكلوا الثلث وبقي الثلثان ببركة النبي .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : احتفر رسول الله الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع ، فلما رأى ذلك رسول الله قال : هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ، قال رجل : نعم ، قال : أما لا فتقدم فدلنا عليه فانطلقوا إلى بيت الرجل . فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه ، فأرسلت امرأته أن جئ فإن رسول الله قد أتانا ، فجاء الرجل يسعى ، وقال : بأبي وأمي ، وله معزة ومعها جديها ، فوثب إليها ، فقال النبي : (( الجدي من ورائها )) فذبح الجدي وعمدت المرأة إلى طحينة لها ، فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله وأصحابه ، فوضع رسول الله أصبعه فيها .
]أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/376-377 11/376-377 ) رقم (12052) وقال الهيثمي في المجمع (6/132) : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح .. وانظر البداية (4/100).[
وقال : (( بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا )) فأكلوا منها حتى صدروا ، ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها ، فسرح أولئك العشرة الذي كانوا معه ، أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم ، فذهبوا فجاء أولئك العشرة مكانهم ، فأكلوا منه حتى شبعوا ، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها ، ثم مشوا إلى الخندق . فقال : (( اذهبوا بنا إلى سلمان )) وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها ، فقال النبي : (( دعوني فأكون أول من ضربـها )) فقال : (( بسم الله ، فضربها )) ، فوقعت فلقة ثلثها ، فقال : (( الله أكبر!! قصور الشام ورب الكعبة )) ، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة ، فقال : (( الله أكبر !! قصور فارس ورب الكعبة )) . فقال عندها المنافقون : نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس و الروم.
الحلقة الخمسون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (8)
معجزاته مع علامات الساعة
لما كان النبي خاتم النبيين فإن بعثته لهداية العالمين دليل على اقتراب الساعة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بُعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى )) .
]أخرجه البخاري ومسلم [.
549- وفاة النبي
قال رسول الله: (( يا عوف ! احفظ خلا لاً ستاً بين يدي الساعة أحداهن موتي ، ثم فتح بيت المقدس ، ثم داء يظهر فيكم يستشهد الله به ذراريكم وأنفسكم ، ويزكي به اموالكم ثم تكون الأموال فيكم حتى يعطي الرجل مائة دينار ، فيظل ساخطاً ، وفتنة تكون بينكم لا يبقى بيت مسلم إلا دخلته ثم يكون بينكم وبين بني ألأصفر هدنة فيغدرون فيسيرون إليكم في ثمانين غاية تحت كل غاية اثني عشر ألفاً )) .
]حديث صحيح : رواه ابن ماجه والحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي صحيح الجامع رقم (7956) .
550- خروج نار الحجاز
من علامات الساعة التي وقعت ظهور نار عظيمة كبيرة ببلاد الحجاز تضيء أعناق الإبل في بصرى ببلاد الشام .
عن أبي هريرة أن رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى )).
وقد وقعت هذه النار سنة 654 هـ .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب خروج النار (7118) (ج13 ص 8 فتح الباري ) [.
551- لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه
قال رسول الله: (( لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب لا يأتي زمان رقم ( 7068) (13/22) .
552- فتح بيت المقدس
وتم فتح بيت المقدس على يد فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في السنة الخامسة عشرة من الهجرة النبوية .
553- داء ينزل في الأمة يقتل الكثير
554- فتنة تدخل كل بيت مسلم
555- يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً
556- كثرة القتال على الدنيا
قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج )) قالوا : وما الهرج يارسول الله ؟ قال : (( القتل القتل )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب ( 15 رقم 7120) (13/88 فتح الباري ) ، ورواه مسلم كتاب الفتن (18-13) [.
وفي الحديث الصحيح : (( إذا التقى المسلمان بسيفهما ، فالقاتل والمقتول في النار )) .
]رواه مسلم كتاب الفتن (18/10- 11) [.
وفي رواية : (( إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار )) . قيل : يارسول الله : هذا القاتل ، فما بال المقتول . قال : (( إنه أراد قتل صاحبه )) .
]رواه مسلم كتاب الفتن (18/10- 11) [
557- لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل
قال رسول الله: (( والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قَتل ولا المقتول فيما قٌتل )) فقيل : كيف يكون ذلك قال : (( الهرج القاتل والمقتول في النار )) .
]رواه مسلم كتاب الفتن (18/35) [.
558- إسناد الأمر إلى غير أهله
هذا الأمر يوجد على مستوى واسع وكبير في مجالات .
قال رسول الله : (( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة )) . أي أن يكون زعيم القوم أرذلهم ورئيس القبيلة فاسقهم .
]رواه البخاري ومسلم [.
559- الفحش والتفحش
كلام الفحش يذكر الآن في الشوارع والطرقات بدون حياء .
560- قطيعة الرحم
وقد فشت هذه الكبيرة .
561- تخوين الأمين
اتهامه بخيانة الأمانة .
562- وائتمان الخائن
قال رسول الله: (( من أشراط الساعة الفحش التفحش ، وقطيعة الرحم وتخوين الأمين ، وائتمان الخائن )).
]رواه أحمد والبزار السلسلة الصحيحة رقم (2290) .
563- أخذ الأمة الإسلامية بأخذ القرون قبلها
وقد سارت الأمة على مناهج الشرق الملحد ، والغرب الكافر ، وجربت الشرق مرات وجربت الغرب مئات المرات ، وأبت أن تسير على منهج الله تعالى مرة واحدة . قال رسول الله: (( لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي أخذ القرون قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع )) ، قيل يا رسول الله ! كفارس والروم ؟ قال : (( ومن الناس إلا أولئك )) .
]رواه البخاري عن أبي هريرة [.
564- تداعي الأمم على أمة الإسلام
اجتمع الغرب الكافر والشرق الملحد على افتراس الدول الإسلامية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً .
قال رسول الله: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها )) . قيل : يارسول الله فمن قلة يومئذ ؟ قال : (( لا ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم ، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت )) .
]حديث صحيح : رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان ، صحيح الجامع رقم (83-84) والسلسلة الصحيحة .
565- ظهور أمراء يقولون ولا ينكر عليهم أحد
قال رسول الله: (( تكون أمراء يقولون ولا يرد عليهم يتهافتون في النار يتبع بعضهم بعضاً )) .
]حديث صحيح : رواه أبو يعلى والطبراني عن معاوية : وهو في صحيح الجامع رقم (2990) ، والصحيحة (1790) [.
566- منع العراق درهمها ومنع مصر إردبها
وقد حدث هذا عندما مصرت الأمصار واستولى كل امير بولايته في عصر الدولة العباسية . قال رسول الله: (( منعت العراق درهمها وقفيزها ، ومنعت الشام مديها ودينارها ، ومنعت مصر إردبها ودينارها )) .
]حديث صحيح : رواه أبو يعلى والطبراني عن معاوية : وهو في صحيح الجامع رقم (2990) ، والصحيحة (1790). [.
567- الاعتداء في الدعاء
يقول رسول الله: (( سيكون قوم يعتدون في الدعاء )) .
]حديث صحيح : رواه أحمد وأبو داود وهو في الصحيح الجامع رقم (3671) [.
أي يسألون ما ليس بحقهم كمنازل الأنبياء والإطناب في الدعاء .
فعن مولى سعد أن سعداً – رضي الله عنه – سمع ابناً له يدعو وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها وضحواً من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها ؟ فقال : لقد سألت الله خيراً كثيراً وتعوذت به من شر كثير وإني سمعت رسول الله يقول : (( سيكون قوم يعتدون في الدعاء )) . رواه أحمد وسكت عليه ابن كثير .
ومن الاعتداء في الدعاء : إطالة الدعاء جداً حتى أنه يزيد على قدر الصلاة كما يفعل في هذه الإيام .
568- ظهور السنوات الخداعات
يقول رسول الله: (( سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة )) ، وقيل : وما الرويبضة ؟ قال : (( الرجل التافه يتكلم في أمر العامة )) .
]رواه أحمد وابن ماجه كتاب الفتن باب شدة الزمان رقم (4036) وهو في صحيح الجامع برقم (3650) [.
569- نصر الدين بالفاجرين
نرى بعض النصارى والمشركين يساهمون في كفالة الأيتام ، وبعضهم يطلب المساعدة في بناء المساجد . ومنهم من يقف في هيئة الأمم المتحدة موقفاً لنصرة المسلمين . قال رسول الله: (( سيشدد هذا الدين برجال ليس لهم عند الله خلاق )) .
]حديث صحيح : رواه أبو نعيم والضياء عن أنس وله شواهد وهو في الضعيفه برقم (1649) ، وصحيح الجامع برقم (3686) [.
570- إصابة الأمة الإسلامية بأمراض من قبلها
معنى هذا الكلام أن تسري الأمراض الكبرى في الأمم السابقة إلى هذه الأمة – يقول رسول الله- : (( سيصيب أمتي داء الأمم ، الأشر والبطر والتكاثر والتشاحن في الدنيا والتباغض ،والتحاسد حتى يكون البغي )) . الأشر : أشد البطر ، البطر : الكبر .
]حديث صحيح : رواه الحاكم عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع برقم (3658) [.
571- التكذيب بالقدر
قال رسول الله: (( سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر )) .
]رواه أحمد والحاكم عن ابن عمر ، صحيح الجامع رقم (3669) [.
572- الندم الشديد على تولي الإمارة
وإنما يكون هذا الندم الشديد بعد أن يسفكوا الدماء ويقتلوا الأبرياء ، ويوالوا الأعداء ويظلموا الضعفاء ، ويجوروا على الفقراء ويعصوا رب الأرض والسماء . قال رسول الله : ((ليتمنين أقوام ولوا هذا الأمر أنهم خروا من الثر يا وأنهم لم يلوا شيئاً )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب خروج النار رقم (7119) (13/84 فتح الباري ) [.
573- فتح مشارق الأرض ومغاربها للمسلمين وولاتها في النار
قال رسول الله: (( سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله )) .. فاللهم اهد حكام المسلمين يارب العالمين
]أخرجه أحمد (5/366) [.
574- أن تتخذ المساجد طرقا
بأن يمر الناس منها ولا يصلون فيها ، أو يدخلون دورات المياه بها ثم ينصرفون ولا يصلون .
575- أن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة
نعم من عرف إنساناً سلم عليه ومن لم يعرف أحداً لا يسلم عليه ، بل صار البعض ينكر على من سلم عليه وهو لا يعرفه فيقول له : أنت تعرفني كيف تلقي علي السلام ؟!
576- أن تظهر التجارة وان يتاجر الرجل وامرأته
أقبل الناس اليوم على التجارة وصارت مصدر عيش الغالبية العظمى من الناس وصارت المرأة تتاجر مع زوجها فتدير شئون التجارة في الدكاكين والمحلات وتفوقت المرأة على الرجل في ذلك .
577- غلو مهور النساء
كانت المرأة تتزوج بدراهم معدودة , واليوم يدفع عشرات الآلاف من الدراهم أو الدنانير صداقاً لها ووصلت هذه العادة السيئة إلى الريف والقرى . وسيأتي على الناس زمان ترخص مهور النساء فلا تغلو أبداً , وذلك عندما يزداد عدد النساء زيادة هائلة .
578- غلو الخيل وارتفاع أسعارها
كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه : ( إن أشراط الساعة أن تتخذ المساجد طرقاً , وأن يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة وأن يتجر الرجل وامرأته جميعاً , وأن تغلو مهور النساء والخيل , ثم ترخص فلا تغلو إلى يوم القيامة ) وذلك عندما تكثر النساء كثرة عظيمة .
{رواه أبو داود الطيالسي عن ابن مسعود موقوفاً وله حكم الرفع ولبعضه شاهد مرفوع عن أنس انظر الصحيحة رقم ( 2292) .
579- إمارة السفهاء
بأن يتولى الإمارة والزعامة والوزارة من ليس عنده دين ولا خلق , الذي لا يحسن تدبير شئون نفسه ولا شئون ماله كيف يحسن تدبير شئون دولة أو وزارة .
580- كثرة الشرطة
وهذا أمر واضح في كافة أرجاء العالم الإسلامي , بل وكافة أرجاء العالم .
581- بيع الحكم
بيع المناصب بالأموال أمر مشهور.
582- الاستخفاف بالدم
فما أيسر القتل في هذه الأيام ولد يقتل أباه لأنه لم يعطه مصروفه اليومي , زوج يقتل زوجته من أجل الطعام , حاكم يقتل الآلاف لأنهم لم ينتخبوه أو يسيروا على قانونه .
576 – تقديم الصغير للإمامة لجمال صوته لا لفقهه
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال ستاً إمارة السفهاء , وكثرة الشرط وبيع الحكم , واستخفافاً بالدم , وقطيعة الرحم , ونشوأ يتخذون القرآن مزامير , يقدمون أحدهم ليغنيهم , وإن كان أقلهم فقهاً ) .
{ حديث صحيح : رواه أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني عن عابس الغفاري وهو في السلسة الصحيحة برقم ( 979 ) والجامع الصغير (1812) .
583- فشو القلم
أي كثرة الأقلام والتأليف , والتصنيف : بحيث أننا رأينا كثرة كبيرة في الكتب والمصنفين ومعظم هذه المصنفات مكررة لفظاً أو معنى , ولا تخرج عن عدة موضوعات معلومة .
584- هلاك الأمة على يد غلمان من قريش
قال رسول الله : ( هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش ) وهؤلاء الأغيلمة الأمراء كانوا في عهد الدولة الأموية .
{ رواه البخاري ****** .
585- أن تكون أموال المسلمين مغنماً
الكثير يستخدم أموال المسلمين العامة لمصالحة الخاصة من طعام أو كساء أو سيارات .. ومنهم من يطغى على أموال المسلمين , ويختلس الملايين والمليارات .
586- أن تكون الزكاة مغرماً
وذلك بأن يمنع أكثر المسلمين الزكاة أو يضعوها في غير موضعها لإرادة حظ الدنيا , كمن يدفع الزكاة لابنته , فإذا حدثته عن عطائه لها ذكر أنه أعطاها وأعطاها مع أنه لم يعط نفقة ولا هدية .
587- أطاع الرجل زوجته وعق أمه
إي والله طاعة الزوجة أولاً , ثم طاعة الأم فإن تصادمت طاعة الزوجة مع طاعة الأم تقدم طاعة الزوجة ولو أدى ذلك إلى عقوق الأم .
588- بر صديقه وجفا أباه
والصديق اليوم يقدم طاعة صديقه على طاعة والده ويسر إليه بما يخفيه عن أبيه .
589- ارتفعت الأصوات في المساجد
نشاهد الآن التخاصم والتقاتل والجدال بصوت منكر في المساجد , وأصبح البعض يتجرءون على العلماء والوعاظ أثناء إلقاء المحاضرات والندوات .
590- إذا كان زعيم القوم أرذلهم
أترك هذه الجملة بدون تعليق أو شرح , لأن الواقع خير شاهد وأصدق دليل فما أكثر الزعماء الذين يتصفون بهذه الصفة .
591- إذا أكرم الرجل مخافة شره
يقال فلان : ظالم أو مجرم أو يعمل في الداخلية أو قريبة لواء شرطة أو صديقه وزير , فيكرم ويعلو على الأكتاف ويهان عالم الدين ويشتم الدعاة إلى الله
ألأني قلت الله أهان ألأني من حزب الرحمن
592- إذا كان التعليم لغير الدين
وأصدق دليل على هذا التعليم العلماني في مدارسنا حتى التعليم الديني في الأزهر الشريف وفي بعض البلدان الإسلامية , وإن كان إسلامياً إلا أن الطلاب يتعلمون لإصابة عرض من الدنيا لا من أجل تعلم أمور الشرع ونشر الإسلام .
593- إذا شربت الخمور
فمعظم دور الفاحشة والرقص والسينما وبعض المقاهي يشرب الخمور عياناً بياناً جهاراً .
594- إذا لبس الحرير
المراد منه لبس الرجال للحرير , وقد كثر لبس الحرير في الأوساط الغنية فترى الشباب يلبس ثياب الحرير .
595- إذا ظهرت القينات والمعازف
ويكفينا من ظهور الراقصات والفنانات والمعازف ما نشاهده يومياً في وسائل الإعلام .
596- إذا لعن آخر هذه الأمة أولها
من المسلمين الآن من يتجرأ على أصحاب النبي, ومنهم من يسيء القول في السلف الصالح , والبعض يقول : هم رجال ونحن رجال .
{رواه الترمذي عن أبي هريرة وعن علي : حديث غريب وله شواهد تؤيد معناه ******
597- ظهور الفتن
ففي الحديث : ( وأن تظهر الفتن ) . وهذه الفتن موقعها الأصلي هي بلاد العراق وما حولها – فعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه سمع رسول الله وهو مستقبل المشرق يقول : ( ألا إن الفتن ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان ) .{رواه البخاري كتاب الفتن باب قبل المشرق رقم (793) (13/49) فتح الباري .******
ومن ها هنا حديث العراق ظهرت البدع الكلامية والآراء الفلسفية ولازلنا نجني ثمار هذه الفتن , وقريب من هذه المنطقة أصبهان التي يظهر منها المسيح الدجال وهي من بلاد المشرق , وقريب من هذه البلاد جورجيا التي يظهر فيها يأجوج ومأجوج .
598- ظهور السيارات
وهذه من دلائل النبوة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرحال , ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات ) .{صحيح : رواه الترمذي عن ابن عمر .******
599- التقارب في الزمان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ) .{رواه البخاري كتاب الفتن .******
والتقارب له شكلان :
الشكل الأول : نزع البركة من الوقت وهذا يدركه كل عاقل , فالأعمال التي كنت تقوم بها منذ عشرة سنين في يوم واحد , أكثر مما تقوم به في يوم من أيامنا هذه .
الشكل الثاني : التقارب الحسي : وهذا يدل على قوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون , السنة كالشهر والشهر , كالجمعة , وتكون الساعة كالضرمة بالنار ). وهذا لم يحدث .
{ حديث صحيح رواه أحمد والترمذي عن أنس ورواه أحمد وابن حبان عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع برقم (7422) .
600- ذهاب الصالحين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب الصالحون الأول فالأول , وتبقى حثالة كحثالة الشعير لا يباليهم الله بباله ) . { حديث رواه البخاري كتاب الرقاق باب ذهاب الصالحين رقم (6434) ****** .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بكم وبزمان – أو يوشك أن يأتي زمان – يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا ) , وشبك بين أصابعه كناية عن القتال فقالوا : كيف بنا يا رسول الله ؟ قال : ( تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون , وتقبلون على أمر خاصتكم وتذرون أمر عامتكم ) . { رواه أبو داود كتاب الملاحم باب الأمر والنهي رقم ( 4342) , ( 4343) وهو صحيح سنن أبي داود برقم ( 3649,3648 ) .******
601- الاعتداء في الطهور
وهو الزيادة فيه عن ثلاث . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور ) .{رواه أحمد وأبو داود وابن حبان بإسناد حسن ******
602- ظهور الخوارج
قال رسول الله: (( يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية ، يمرقون في الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة )).
]حديث صحيح : رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن علي .[
وفي رواية : (( يخرج في آخر الزمان )) . وقد ظهرت فرقة الخوارج في عصر علي – رضي الله عنه -.
]رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود [.
603- مقاطعة العالم للعراق
عن ابي نضيرة قال : كنا جلوساً عند جابر بن عبد الله فقال : (( يوشك أهل العراق أن لا يجيء قفيز . ولا درهم قلنا : من أين ؟ قال : من قبل العجم . يمنعون ذلك , ثم قال : يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مدى قلنا من أين ذلك ؟ قال : من قبل الروم ))
{أخرجه مسلم ******
أما قطع المعونات عن العراق فهذا حدث منذ احتلال العراق للكويت سنة 1991 م إلى يومنا هذا . وأما قطع الأموال من بلاد الشام ( سوريا – لبنان – فلسطين – الأردن ) فلم يحدث بعد و الآن تستعد أمريكا لتنفيذ المقاطعة ضد سوريا .
604- تمني الموت
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه )) .
فإن قيل : لماذا يتمنى المسلم هذه الأمنية التي لا تتمنى ؟ يجيب سيد الرسل قائلاً صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول : يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر وليس به إلا البلاء )) . وهذا الأمر قد قارب على الوقوع إن لم يكن وقع .
{أخرجه مسلم كتاب الفتن (18/34). ******
605- غربة الإسلام
فإن ما يحدث للمسلمين الملتزمين بأمر الله تعالى وأمر رسوله لهو أكبر دليل على هذه العلامة , فالتعذيب والتنكيل والعقاب والعتاب والسخرية والاستهزاء تصب صباً على الأطهار الأبرار, وأصبح البعض يتمنى الموت , نعم نحن في زمان القابض فيه على دينه كالقابض على جمر , اللهم سلم سلم .
606- القتال بين فئتين عظيمتين من المسلمين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان , تكون بينهما مقتلة عظيمة , دعوتهما واحدة )) . {رواه البخاري كتاب الفتن باب (25) (13/ 88 فتح الباري ) ******
وهذا القتال وقع بين علي ومن معه – رضي الله عنهم – وبين معاوية ومن معه – رضي الله عنهم – في معركة صفين وقتل من خيار الصحابة سبعون ألفاً .
607- ظهور آثار المعاصي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر المهاجرين ! خمس إذا ابتليتم بهن , وأعوذ بالله أن تدركوهن , لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها , إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا , ولم ينقصوا المكيال , والميزان , إلا أخذ بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ’ ولم يمنعوا زكاة أموالهم , إلا منعوا القطر من السماء ولو لا البهائم لم يمطروا , ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم , فأخذوا بعض ما في أيديهم , وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله , ويتخيروا مما نزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم )) .
{ رواه ابن ماجه كتاب الفتن باب العقوبات رقم ( 4019) .
608- دعاة على أبواب جهنم
عن حذيفة بن اليمان قال : كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يارسول الله : إنا كنا في جاهلية وشر ، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال : (( نعم )) . قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال : (( نعم وفيه دخن )) أي بمعنى ليس خيراً خالصاً . قلت : وما دخنه ؟ قال : (( قوم يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر )) قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر ؟ قال : (( نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها )) . قلت : يارسول الله صفهم لنا ، قال : (( هم من جلدتنا ، ويتكلمون بألسنتنا )) قلت : يا رسول الله : فما تأمرني إن أدركني ذلك ؟ قال : (( تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )) . قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام . قال : (( فأعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) .
]رواه البخاري [
وهذا قد وقع ولا يزال يزداد ظهوراً في زماننا ، فالشر الأول : ما وقع من الفتن الأول من نهاية عصر عثمان – رضي الله عنه – وبداية عصر علي – رضي الله عنه – وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية – رضي الله عنهما – وبالدخن ما كان في زمانهما من بعض الأمراء كزياد بالعراق ، وخلاف من خالف عليه من الخوارج وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم وإلى ذلك إلاشارة بقوله : (( الزم جماعة المسلمين وإمامهم )) . يعني ولو كان ظالماً فاسقاً .
]صحيح : رواه البخاري [
609- تبرج النساء
يقول رسول الله: (( صنفان من أهل النار لم أرهما بعد ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات ، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة رقم (7084)(13/38-39) فتح الباري .[
المعاني :
أذناب البقر : ذيول جمع : ذيل . كاسيات عاريات : كاسيات من نعمة الله عاريات عن شكرها ، أو كاسيات بعض الأعضاء عاريات البعض الآخر ، أو كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة لشفافية الثياب ، مميلات مائلات ، أي يمشين المشية الميلاء ذات التبختر والكبرياء ، ويعلمن غيرهن هذا الصنع . رؤوسهم كأسنمة البخت المائلة : يعظمن ويكبرن رؤوسهن كأسنمة الإبل .
610- غزوة الصحابة وتابعيهم وتابع تابعيهم البلاد ( فيفتح لهــم ) .
يقول رسول الله : (( يأتي على الناس زمان يغزو فئام ( أي جماعات ) من الناس فيقال : فيكم من صاحب الرسول ؟ فيقولون : نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمانهم فيغزو فئام من الناس فيقال لهم : هل فيكم من صاحب أصحاب الرسول ؟ فيقولون : نعم ، فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس ، فيغزو فئام من الناس ، فيقال لهم : هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب الرسول ؟ فيقولون : نعم . فيفتح لهم )) . وهذا قد وقع .
]صحيح : رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري [
611- تباهي الناس في المساجد
يقول رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد )) .
]حديث صحيح : رواه أحمد وابن حبان عن أنس ، ورواه أبو داود ، صحيح أبي داود رقم (475) وصحيح الجامع رقم (7421) [.
أي يقول : مسجدنا أفضل من مسجدكم ، يعني في الزخرفة والشكل ، لا في النشاط الدعوي والخيري .
612- تسلط الذل على الأمة الإسلامية
قال رسول الله : (( إذا تبايعتم بالعينة ، واخذتم أذناب البقر ، وتركتم الجهاد إلا سلط الله عليكم ذلاً لا يرفع عنكم أبداً ، حتى ترجعوا لدينكم )) .
أخذتم اذناب البقر : كناية عن التكالب على الدنيا والمال .
]حديث صحيح : وهو في الصحيحة للألباني الجزء الأول [.
613- ظهور أقوام يغيرون شعرهم باللون الأسود
يقول رسول الله : (( يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة )).. أي أنهم يغيرون شعرهم وشيبهم بالسواد كما يفعل في عصرنا.
]حديث صحيح : رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس صحيح الجامع رقم (8153) [.
614- تمني رؤية النبي r ولو مع فقد المال والولد
قال رسول الله : (( يكون في أمتي أقوام يتمنى أحدهم لو رآني بأهله وماله )) .
]حديث صحيح : رواه مسلم [
615- القابضون على الجمر
المستقيم على أمر الله تعالى المسارع إلى طاعته كالقابض على الجمر فاللهم ارزقنا الصبر .
يقول رسول الله : (( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر )) .. ويدرك هذا بلا محالة الغرباء المتمسكون بشرع سيد الأنبياء .
]حديث صحيح : رواه الترمذي عن أنس السلسلة الصحيحة رقم (957) وصحيح الجامع الصغير رقم (8002) [
616- الخروج من المدينة لفقرها
يقول رسول الله : (( يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه : هلم إلى الرخاء ، هلم إلى الرخاء ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها من هو خير منه ، ألا إن المدينة كالكير ، يخرج الخبث ، لا تقوم الساعة حتى تنفر المدينة شرارها كما ينفث الكير خبث الحديد )) .
]حديث صحيح : رواه مسلم عن أبي هريرة مختصر مسلم رقم (782)[.
617- صدق رؤيا المسلم
فإذا رأى رؤيا لا يكاد يكذب فيها . قال رسول الله : (( إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا الرجل المسلم تكذب ، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً )) .
]حديث صحيح : رواه الشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة مختصر مسلم رقم (1520) [.
618- عدم اتفاق جنود المسلمين
يقول رسول الله : (( سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق ، عليك بالشام ، فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عبادته فإن أبيتم فعليكم يمنكم واسقوا من غدركم ، فإن الله تولى بالشام وأهله )) .
]حديث صحيح : رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبدالله بن حولة ، صحيح الجامع رقم (3659) [.
619- أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها
قال رسول الله : (( سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ، ويحدثون البدع )) .
قال ابن مسعود فكيف أصنع ؟ قال : (( لا تسألني ياابن أم عبد كيف تصنع ؟ لا طاعة لمن عصى الله )) ..
]رواه ابن ماجه وأحمد والبيهقي والطبراني ، وهو في صحيح الجامع برقم (3664) [.
وهذا حدث منذ عهد الدولة الأموية ووصل الأحوال بالأمراء المسلمين في بعض الأزمان إلى ترك الصلاة والإقبال على الفجور .
620- أمراء يجعلون المنكر معروفا
يقول رسول الله : (( سيلي اموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون ، وينكرون عليكم ما تعرفون ، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل )) .. أي يجعلون المنكر معروفاً ، والمعروف منكراً ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والحلال حراماً والحرام حلالاً .
]رواه الطبراني والحاكم عن عبادة بن الصامت وهو في الصحيحة برقم (419) وفي صحيح الجامع برقم (3672) [.
621- التطاول في البنيان
يصل ارتفاع العمارات الآن إلى سبعين طابقاً التي تسمى هذه العمارات الآن ] ناطحات السحاب [.
قال رسول الله : (( وحتى يتطاول الناس في البنيان )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن (13/88)[.
وقال رسول الله : (( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ))
]رواه مسلم [.
622- رفع الخشوع في الصلاة
تدخل المسجد فترى من يعبث بثيابه أو يحرك يده أو يمسح وجهه أو يرفع كمه ، وبعضهم يعد الأموال ويحسبها وهو يصلي هذا مع انشغال القلب بالدنيا ونسيانه للآخرة .
قال رسول الله : (( أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع ، حتى لا ترى فيهم خاشعاً )) .
]صحيح : رواه الطبراني بإسناد حسن ورواه ابن حبان في صحيحه موقوفاً على شداد وهو أشبه ، صحيح الجامع (2569) [.
623- طلب العلم عند غير المحققين به غير المتمكنين بأصوله
وقد ذاع هذا الصنف من المتعالمين في هذه الأيام ، ومن ذلك أن ترى رجلاً يحسن الخطابة فيجلس ليلقن الناس دروساً في أصول الفقه ، وقد يحصل طالب علم على الدكتوراة في علم وهو لا يتقنه .
قال رسول الله : (( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر )) .
]صحيح رواه الطبراني وابن المبارك وأبو عمرو الداني واللالكائي عن أبي أمية الجمحي وهو في الصحيحة برقم (695) وفي صحيح الجامع برقم (2207) [.
624- قبض العلم الديني
وذلك بموت العلماء ، واتخاذ الرءوس الجهلاء وتصدر السفهاء للفتوى .
625- ظهور الجهل بالدين
سل المسلمين عن التمثيليات والأفلام وكرة القدم ، وسلهم عن أقصر سورة في القرآن ، ومبطلات الصلاة وأركان الحج والبيوع المحرمة ستعلم هذه الحقيقة .
فعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله : (( إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج . والهرج القتل )) .
]رواه البخاري كتاب الفتن باب ظهور الفتن (ج13/ ص13 فتح الباري ) [.
وفي روايه : (( ينقص العلم ))
]رواه مسلم كتاب العلم ، باب رفع العلم وقبضه [.
626- ظهور الشح والبخل بأداء الحقوق
وهذا تراه واضحاً إذا ذهبت ضيفاً لبعض الناس . قال رسول الله : (( يتقارب الزمان ويقبض العلم ، ويظهر الفتن ويلقى الشح )) .
]وراه مسلم كتاب العلم باب رفع العلم وقبضه .[
627- رفع الأمانة ]وهذا في باب المعاملات [
من يعطي أمانة الآن يستفيد منها عند الحاجة ، والبعض لا يردها على صاحبها . قال رسول الله : (( أول ما يرفع من الناس الأمانة ، وآخرها ما يبقى من دينهم الصلاة ورب مصلِ لا خلاق له عند الله تعالى )) .
]حديث حسن : رواه الحاكم عن زيد بن ثابت صحيح الجامع (2575)[.
628- أسعد الناس التافه ابن التافه
يقول رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع )) .
]حديث حسن : رواه أحمد والترمذي والضياء صحيح الجامع رقم (7431)[.
أي أن يكون أسعد الناس بالدنيا التافه ابن التافه قليل الأدب حقير الأنساب . كأهل اللهو واللعب ، حتى إنه في بعض بلدان العالم الإسلامي تعتبر الراقصة في أعلى درجة من الوزير !! .
629- أن تعود أرض العرب مروجاً من الذهب
كثرة البترول والذهب في أرض العرب .
630-631- تكون إبل للشياطين ، وبيوت للشياطين
قال رسول الله : (( تكون إبل للشياطين ، وبيوت للشياطين )) . إبل الشياطين وهي التي تعد للرقص بها ، وبيوت للشياطين وهي بيوت الزنا . والخمارات والبارات والكبريهات والبيوت والمنازل التي يغلب عليها الحرام .
]حديث صحيح : رواه أبو داود في سننه وهو في صحيح سنن أبو داود الصحيحة رقم (93) [.
632- استحلال الزنا
يدعوى الفن أو الحب أو العشق أو الغرام أو المتعة ، واستحلال الرشوة بدعوى إنها حلاوة أو إكرامية أو دبلوماسية أو شاي .
633- استحلال الحرير
بدعوى أن لا يكسر قلب الفقير ، فالفقير صار كالغني هذا زعمهم ، وكبرت كلمة تخرج من أفواهم .
634- استحلال الخمر
بأن يسموها بغير اسمها : فيقول : ويسكي شامبانيا – شراب روحي – كونياك
635- استحلال المعازف
بدعوى أنها حياة الروح أو نور الفؤاد أو يميل إليها الأطفال
عن رسول الله : (( ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والمعازف ))
]رواه البخاري كتاب الأشربة ، ورواه أبو داود في سننه [.
636- تبختر الأمة في مشيتها
من ركب سيارة خاصة أو أعطي مالاً كثيراً أعجبته نفسه فتكبر على خلق الله , وما أكثر هذا الشكل في شبابنا الذين يملكون السيارات لبفارهة والذين تربوا على العز والتدلل حتى كأنهم نساء.
637- وخدمها أبناء إيران وأوربا وأمريكا
يخدم أبناء إيران وأوربا وأمريكا المسلمين في دول الخليج العربي الآن . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مشت المطيطاء , وخدمها أبناء الملوك , أبناء فارس والروم سلط شرارها على خيارها )) { حديث صحيح : رواه الترمذي عن ابن عمرو وهو في صحيح الجامع برقم (801)وفي السلسة الصحيحة برقم (956).
638- ظهور السمّن
عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم )) قال عمران : فما أدري قال النبي بعد قوله مرتين أو ثلاثاً .
((ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون , ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ))
{ رواه البخاري كتاب الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها رقم (6429,6428 ) ( ج 11 / ص 248 فتح الباري )******
639- ظهور موت الفجأة
وقد وقع هذا في زماننا في مناطق متفرقة .
قال رسول الله في الحديث الحسن : (( وأن يظهر موت الفجأة )) .{ حديث حسن : رواه الطيالسي عن أنس الصحيحة رقم (2292) .
640 – كثرة الزنا
بحيث أنه لا يمر يوم إلا وقع في العالم الإسلامي آلاف الجرائم المتعلقة بالزنا , بل وصل الزنا إلى المحارم والأقارب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( وأن يكثر الزنا )) . { رواه البخاري كتاب الفتن باب (52) رقم ( 7120) .
641- ضياع الأمانة
عن حذيفة قال : حدثنا رسول الله حدثين , رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر , حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن , ثم علموا من السنة . وحدثنا عن رفعها قال : (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة فيظل أثرها مثل أثر الوكت , ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك , فنفط فتراه منتبراً وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون ) .
فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة , فيقال : إن في بني فلان رجلاً أميناً , ويقال للرجل : ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان , ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت , لأن كان مسلماً رده على الإسلام وإن كان نصرانياً رده على ساعيه , فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً .{رواه البخاري كتاب الرقاق باب رفع الأمانة رقم ( 6497) ( ج 11 / ص 341 فتح الباري )
642- كثرة الزلازل
ومعنى كثرتها دوامها وانتشارها وقد حدث هذا في القرن العشرين ، فقد وصلت الزلازل إلى ستين تقريباً مع انتشارها في معظم دول العالم وقد مات فيها مايزيد على المليون نسمة .
وصدق رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg فعن عبدالله بن حوالة رضي الله عنه قال : وضع رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg يده على رأسي أو على هامتي فقال : ( يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل و البلابل و الأمور العظام و الساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك ). { حديث صحيح : رواه أحمد (5/288) ، وأبو داود ( 2553) ، الحاكم (4/425) ، وقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/482).
وفي الحديث إشارة واضحة إلى وقوع الزلازل في هذه الأيام , وهاهي تقع هنا وهناك لتؤكد صدق ما أخبر به نبينا ولتعلمن نبأه بعد حين , وقد أخبرنا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى عن كثرة الزلازل في آخر الزمان , بحيث تصير سمة من سمات السنين والأيام حتى تسمى هذه الأوقات , بسنوات الزلازل .
فعن سلمة بن نفيل السكوني قال : كنا جلوساً عند النبي وهو يوحى إليه فقال : (( إني غير لابث فيكم , ولستم لابثين بعدي إلا قليل , وستأتوني أفناداً يفني بعضكم بعضاً وبين يدي الساعة موتان شديد وبعده سنوات الزلازل )) . { حديث صحيح : رواه أحمد ( 4/104) , وابن حبان ( 6777) , وأبو يعلى (6861) والطبراني (6356) , وقال الهيثمي في المجمع (7/306) : رجاله ثقات وصحح إسناده الأرناؤوط في تخريجه لابن حبان (15/180) .
وبوب ابن حبان على الحديث بقوله : ذكر الأخبار عن وجود كثرة الزلازل في آخر الزمان .{ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (15/180) .
ياكاشف الضر صفحاً عن جرائمنا ** لقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكوا إليك خطوباً لا نطيق لها ** حملاً ونحن بها حقاً أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاب لها** وكيف يقوى على الزلازل سماء
أقام سبعاً يرج الأرض فانصدعت * عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجري فوقه سفن ** من الهضاب لها من الأرض أرساء
الحلقة الحادية والخمسون
معجزاته صلى الله عليه وسلم ( 9 )
علامات الساعة
643- عقوق الأمهات
قال رسول الله : (( وسأخبرك عن أمارتها أن تلد الأمة ربتها )) . أي أن يعامل الرجل أمه معاملة السيد عبده وأمته .
{ رواه البخاري و مسلم ******
644- اتخاذ المحاريب في المساجد
هذا المحاريب نراها في أكثر المساجد الآن سيما المساجد الكبرى ، عن أبس ذر – رضي الله عنه – قال : ((إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح (1) في المساجد )) (2) . أي المحاريب .
(2) رواه ابن شيبة في مصنفه.
645- إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء
استغناء الرجال بالرجال عن طريق اللواط واستغناء النساء بالنساء عن طريق السحاق ، فلا يطلب الرجل الزواج بالمرأة ، ولا تطلب المرأة الزواج بالرجل .
646- وأنتسبوا إلى غير منا سبهم وأهليهم
كزوجات الرؤساء والزعماء اللاتي يتسمين بأسماء أزواجهن ، وكذا من ينتسبون إلى الأسر الغنية والعائلات الثرية .
647- وانتموا إلى غير موالهم
أي ينتسبون إلى غير أهليهم كمن ينتسب إلى أرباب الأموال والسلطان .
648- ولم يرحم كبيرهم صغيرهم
وهذا واضح في معاملاتنا . ولم يوقر صغيرهم كبيرهم
تركب وسائل المواصلات فنرى طفلاً صغيراً جالساً ، ويبصر شيخاً كبيراً قائماً ويأبى الطفل أن يقوم من مجلسه ليجلس الشيخ الكبير ، وأشنع ما في هذا الأمر أن الأم أو الأب ينكر على من يطلب منه أنا يأمر ولده بجلوس الشيخ الكبير مكانه .
649- ترك المعروف فلم يؤمر به
نستمع لهذه العبارات كثيراً . دع الملك للمالك ، أنت تنفخ في قربة مقطوعة ، عليك بنفسك ، وكانت ثمرة هذه الأمثال الخاطئة التخلي عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وغفل المربون والشيوخ ( كبار السن ) عن هذا الواجب تماماً ، بل هم الذين يساعدون في نشر المنكر ، فيقومون بشراء الثياب الضيقة والشفافة والسراويل الضيقة ( البنطلونات ) لبناتهم .
650- وترك المنكر فلم ينه عنه
لقد أصبحنا نرى ارتكاب الموبقات عياناً بياناً حتى تغيير المنكر من حكام المسلمين وولاة الأمر ، والأب والأم تخليا عن واجبهما في البيت نحو أولادهم لوسائل الإعلام الماكرة .
651- ونعلم عالمهم العلم ليجلب به الدراهم والدنانير
فالكثير يتعلم من أجل المناصب والكراسي ، حتى أن بعض من يتعلم العلم الشرعي يطلبه ليصيب به عرضاً من الدنيا.
652- وكان المطر قيظاً ( قليلاً )
وهذا قد بان ووضح خاصة في البلاد التي تعتمد في الزراعة اعتماداً كبيراً على المطر .
653 – والولد غيظاً ( هماً وغماً ،ولذا يحددون النسل في أيامنا )
وذلك يظهر الآن من قبل ولادة الطفل ، ففي أول أيام الحمل تتعب المرأة كثيراً ، وتذهب إلى الطبيب وتزهق زوجها وأولادها طوال مدة الحمل ، ثم بعد الولادة ، تزداد هموم الطفل وتظل الأسرة تنتقل من هم إلى هم ، هم الحضانة ، ثم هم المدرسة ، ثم هم الطعام والكساء ... الخ .
654- وأماتوا الصلاة
بعد الاهتمام بها والمسارعة إليها ، وأدائها في وقتها والمحافظة على الخشوع فيها .
655- وطولوا المنارات
656-وشيدوا البناء
657- واتبعوا الشهوات
658- وباعوا الدين بالدنيا
659- وأكل الربا
قام الاقتصاد في بلاد المسلمين على الربا . وطم التعامل مع البنوك الربوية .
660- وصار الغنى غزاً
أضحى الغنى عزيزاً كريماً مهاباً مقدراً .
661- ويكثر الكذب
صار الكذب أباً للمعاملة وأساساً للأخلاق .
662- وتتقارب الأسواق
كنا منذ عشر سنوات نجد سوقاً واحدً في القرية ، وكذا في المدن والمدن الكبرى بها عدة أسواق لكننا الآن نرى كثرة الأسواق ووجودها في أماكن متعددة .
663- وظهر الجور
664- وكثرة الطلاق
665- وكثر القذف
666- وفاض اللئام فيضاً ( كثر اللئام )
667- وغاض الكرام غيضاً ( قل الكرام )
668- وكان الأمراء فجرة
669- والوزراء كذبة
670- والأمناء خونة
671- والعرفاء ظلمة ( الشرطة)
672 - والقراء فسقة
الصنف الحالي من قراء القران الكريم يغلب عليهم التهاون بالصلاة والمسارعة إلى المعاصي ، فمنهم من يدخن ومنهم من يشرب الخمر والمخدرات ، وبعضهم بناتهم متبرجات ، وأكثرهم يشترطون الأجر على تلاوة القران فإن عرض عليه أن يقرأ بلا أجر أبى .
673- ولبسوا مسوح الضأن ( جلود )
وهذا واضح وجلي في ثياب الشباب سيما ثياب الشتاء .
674- قلوبهم أنتن من الجيفة وأمر من الصبر
أمراض القلوب من اعتقاد الأثر في المخلوق والكبر والغرور والعجب بالعمل ، والنفاق ، والرياء والحقد والحسد ، وحب الجاه والسلطان ، وحب المدح في الباطن وكراهية الذم في الحق ذائعة في هذه الأيام .
675- وتكثر الخطايا
أما كثرة الذنوب فحدث عن هذا ولا حرج .
676- وتغل الأمراء ( يسرقون أموال المسلمين العامة)
677- يغشهم الله فتنة يتهاوكون فيها تهاوك اليهود الظلمة
678- وتظهر الصفراء ( الدنانير )
679- وتطلب البيضاء ( الدراهم )
680- وحليت المصاحف
وهذا يتجلى للبصير والأعمى عند مطالعة أو ملامسة طبعات المصحف الشريف الحديثة .
681- الحملان جمع حمل ، والحمل الخروف ، والمراد تعود من لا علم ل ولا صلاح على المنبر للوعظ والخطابة ، كما يحدث الآن في خطباء بعض المساجد .
682- وصورت المساجد ( جملت وحسنت وزخرفت ) وطولت المنابر
اليوم نرى بعض المساجد تشيد بمئات الملايين بينما لا يجد الفقير لقمة العيش.
683- زخرفة المحاريب
684- وخربت القلوب
فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، عامرة بالشهوات خربة من الخوف من الله تعالى .
685- وعطلت الحدود
لاشك أن الأمة الإسلامية الآن عطلت الحدود بل ورفض معظم دولها تطبيق الشريعة الإسلامية ، واستبدلوا بها تطبيق القوانين الغربية فصار الزنا أمراً يسيراً لا يعاقب فاعله ، ولو كان في المسجد مادام الرضا متوفراً بين الزانيين . أما شرب الخمر فمستحب ولو في دور العبادة والميادين العامة .
686- تواصل الأجانب وتقاطع الأرحام
687- كثرة أولاد الزنا
وذلك لعمل وسائل الإعلام الدءوب على نشر الرذيلة واضرب على وترالجنس لا سيما دور السينما ، مما يجعلنا نجز أنه لا يمر يوم في كثير من الأقطار الإسلامية حتى يولد العشرات من أولاد الزنا ، ومما ساعد على كثرة أولاد الزنا غلاء مهور النساء ، وتأخر سن الزواج ، وظهور دور البغاء ، والتبرج الذي لا مثيل له من قبل النساء ، وسفر الأزواج سفراً طويلا من أجل العمل مع ترك النساء وحيدات بلا أنيس ولا ونيس .
688- مؤامرة النساء
كم سمعنا وقرأنا عن قتل النساء لأزواجهن وأصبحت المرأة أحد المشكلات الرئيسية في العام المعاصر .
689- تروى الأرض دماً
وذلك من كثرة الظلم والحرص على الدنيا .
690- انتمان التهماء واتهام الأمناء
أهل الفسق والفجور كأهل الفن والرقص مؤتمنون .
691- نقص السنين والثمرات
نقص السنين لجدب لأهل البادية ونقص الثمرات القط لأهل الحاضرة والمدن .
692- ظهور البغي والظلم
والقوي في هذه الأزمان يغلب وله كلمة وسلطان ، وإن كان جاهلاً وفاسقاً، والضعيف في هذه العصور مهان ذليل ، ولو كان عالماً عاقلاً صالحاً ، وما سبق ذكره عن النبي .
فعن عتي السعدي قال : خرجت في طلب العلم حتى قدمت الكوفة فإذا أنا بعبد الله بن مسعود بين ظهراني أهل الكوفة ، فسألت عنه فأرشدت إليه فإذا هو في مسجدها الأعظم فأتيته ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن إني جئت إليك أضرب إليك ألتمس منك علماً لعل الله أن ينفعنا به بعدك فقال لي : ممن الرجل ؟ قلت : رجل من أهل البصرة . قال: ممن ؟ قلت من هذا الحي من بني سعد ، فقال : يا سعدي لأحدثن فيكم بحديث سمعته من رسول الله .
سمعت رسول الله وأتاه رجل فقال يا رسول الله : ألا أدلك على قوم كثيرة أموالهم كثيرة شكوتهم تصيب منها مالاً دبراً أو قال كثيراً ، قال : (( من هم ؟ )) قال : هذا الحي من بني سعد من أهل الرمال .
فقال رسول الله : (( مه ؟ فإن بني سعد عند الله ذوو حظ عظيم ، يا سعدي )) قلت : يا أبا عبد الرحمن ، هل للساعة من علم تعرف به ؟ قال : وكان متكئاً فاستوى جالساً .
فقال : يا سعدي سألتني عما سألت عنه رسول الله قلت : يا رسول الله هل للساعة من علم تعرف به ؟ قال : (( نعم يا أبن مسعود ، إن للساعة أعلاماً ، وإن للساعة أشراطاً ، ألا ، وإن من أعلام الساعة وأشراطها أن تكون الولد غيظاً ، وأن يكون المطر قيظاً ، أو تفيض الأشرار فيظاً يا ابن مسعود ، إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يؤتمن الخائن وأن يخون الأمين ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تواصل الأطباق وأن تقطع الأرحام ، إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يسود كل قبيلة منافقوها وكل سوق فجارها ، يا ابن مسعود أن من أعلام الساعة وأشراطها أن تزخرف المحاريب وأن تخرب القلوب ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة أن يكتفى الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها ملك الصبيان ومؤامرة النساء ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يعمر خراب الدنيا ، ويخرب عمرانها ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها أن تظهر المعازف والكبر وشربت الخمور ، يا ابن مسعود إن من أعلام الساعة وأشراطها أن يكثر أولاد الزنا )) .
قلت : يا أبا عبد الرحمن وهم مسلمون ؟ قال : نعم ، قلت : أبا عبد الرحمن ، والقرآن بين ظهرانيهم . قال : نعم قلت : أبا عبد الرحمن وأنى ذلك ؟ قال يأتي على الناس زمان يطلق الرجل المرأة طلاقها فتقيم على طلاقها فهما زانيان ما أقاما ( 1 ) .
(1)رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه سيف بن مسكين وهو ضعيف .
ويؤكد معنى هذا الحديث ما رواه أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه عن النبي قال : (( لا تقوم الساعة حتى يكون القرآن عامراً ، ويتقارب الزمان ، وتنتقض عراه ( 2) وتنتقص السنون والثمرات ، ويؤتمن التهماء ، ويتهم الأمناء ، ويصدق الكاذب ، ويكذب الصادق ، ويكثر الهرج )) .
(2)ذهاب قواعد الإسلام وأساسه .
قالوا : ما الهرج يا رسول الله ؟ قال : (( القتل ويظهر البغي والحسد والشح ،وتختلف الأمور بين الناس ، ويتبع الهوى ، ويقضى بالظن ، ويقبض العلم ، ويظهر الجهل ، ويكون الولد غيظاً ، والشتاء قيظاً ويهجر بالفحشاء ،وتروى الأرض دماً)) (3) .
(3)أخرجه الطبراني ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف ، كما قال الهيثمي في المجمع(324/7) .
ويقارب هذين الحديثين في الدلالة والمعنى حديث عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : (( كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعون فرقة ، واحدة في الجنة ، وسائرهن في النار )) ، قلت : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ . قال : (( إذا كثرت الشرط وملكت الإماء ، وقعدت الحملان على المنابر ، واتخذ القرآن مزامير ، وزخرفت المساجد ، ورفعت المنابر ، واتخذ الفيء دولاً ، والزكاة مغرماً ، والأمانة مغنماً ، وتفقه في الدين لغير الله ، وأطاع الرجل امرأته ، وعق أمه ، وأقصى أباه ، ولعن آخر هذه الأمة أولها وساد القبيلة فاسقهم ، وكان زعيم القوم أرذلهم ، وأكرم الرجل اتقاء شره فيومئذ يكون ذلك ، ويفزع الناس إلى الشام ، والى مدينة منها يقال لها دمشق من خير مدن الشام ، فتحصنهم من عدوهم )) .
قلت : وهل تفتح الشام ؟ قال : (( نعم وشيكاً (1) ثم تقع الفتن بعد فتحها ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة ثم يتبع الفتن بعضها بعضاً حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي ، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهديين )) (2) .
(1)وشيكاً : قريباً .
(2)الشرط : المراد الشرطة .
693- ملك العبيد والإماء
يقصد به ما حدث في دولة المماليك الذين حكموا مصر وبعض بلاد الشام ، وهم في الأصل موالي وأبناء إماء ، ولت أمهاتهم على إثر ذلك المناصب العالية وفزن بالأموال الطائلة (3) .
(3) أخرجه الطبراني وفيه عبد الحميد بن إبراهيم وثقه ابن حبان وهو ضعيف وفيه جماعة لم أعرفهم ، كذا الإمام الهيثمي في المجمع (7/324) .
694- علو الأراذل
عن أبي هريرة – قال : من أشراط الساعة أن تظهر الشح والفحش ، ويؤتمن الخائن ، ويخون الأمين ، وتظهر ثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات ، ويعلو التحوتُ الوعولَ ، أكذاك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي ؟ قال : نعم ، ورب الكعبة ، قلنا : وما التحوت ؟ قال : فسول الرجال وأهل البيوت الغامضة يرفعون فوق صالحهم (4) . والوعول أهل البيوت الصالحة .
(4) قال في المجمع (7/327): حديث أبي هريرة وحده في الصحيح بعضه ، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن الحارث بن سفيان وهو ثقة.
695- وجود طائفة صالحة منصورة ببيت المقدس والبقاع المحيطة به
عن أبي أمامة قال : قال رسول الله (( لا يزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين ، لا يضرم من جابههم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك )) ؟ قال : يا رسول الله ، وأين هم ؟ قال : (( ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس )) (1) . وهذه الطائفة المنصورة ستظل موجودة باقية في أرض القدس أو الأردن أو سوريا أو مصر ، وتتمثل هذه الطائفة في الشباب الطاهر المدافع عن المسجد الأقصى يدخل فيها حماس والجهاد الإسلامي .
وما على الأمة الإسلامية إلا أن تمكن لهذه الطائفة مادياً ومعنوياً وسياسياً وعسكرياً ، فإن فعلت ذلك فستبيد اليهود وتجهز على الصهاينة .
(1) حديث حسن : قال اليثمي في المجمع (7/288) ، رواه عبد الله وجادة عن أبيه والطبراني ورجاله ثقات .
696- كثرة العجم في بلاد المسلمين كخدم وموظفين وهذا الأمر تراه واضحاً بجلاء في دول الخليج
عن سميرة بن جندب – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( يوشك أن يملأ الله عز وجل أيديكم من العجم ثم يكونوا أسداً لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم )) (2) .
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله (( يوشك أن يكثر فيكم من العجم أسد لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم )) .
ولاشك أن مشكلة العمال الأجانب غير المسلمين بدأت تتفاقم ، فهم في دول الخليج ، سيما الجنود الأمريكيين والبريطانيين يتمتعون بكافة أنواع المتع المادية والمعنوية ، يأكلون أفضل الطعام ويشربون أفضل الشراب . وهؤلاء الأجانب يعملون على نقل أسرار العالم الإسلامي ومعرفة مواطن الخطر مما ييسر لهم القضاء على الجماعات الإسلامية وبث الفرقة والنزاع بينها .
(2) قال الهيثمي في المجمع (7/310) ، وأخرجه أحمد والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح .
697- ظهور الخسف المسخ والقذف في هذه الأمة
حدث في مدينة نصر بالقاهرة في شهر فبراير سنة 2000م هذا الحدث يقول الخبر الذي جاءني عن أكثر من رجل وامرأة أن رجلا كان تاركاً للصلاة مسرفاً على نفسه جريئاً على المعاصي والذنوب حضره الموت ، فكانوا يضعونه على ظهره فيأبى الاضطجاع على ظهره ، ويتعمد الجلوس متربعاً ، وذلك لخوفه الشديد من الموت ، وجاءه ملك الموت وقبض روحه فدخل عليه أقاربه فرأوا أن الله قد صير وجهه وجه قرد ، وحاول بعض أرحامه ستر الفضيحة فأبى الله إلا أن يفضحه ، وأنزل عليه جندياً من عنده أتدرون من هذا الجندي ؟! .
أنه نمل كبير نزل على حسده وأخذ يعبث ببدن تارك الصلاة ، يدخل في فمه ثم يدخل في أنفه ، ثم يدخل في عينيه ، ثم يدخل في أذنيه وكلما حاول الأقارب والأصحاب إبعاده رجع وعاد مرة ثانية إلى هذا الجسد ، ولا ينتقل منه إلى جسد آخر من أجساد الأحياء أو الأموات .
698- فتح بلاد كسرى
ووقع هذا الفتح في عصر عمر بن الخطاب – رضي الله عنة –
عن جابر بن سميرة – رضي الله عنه – أن رسول الله قال http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض ) (1) .
(1) أخرجه مسلم وهو في مختصر رقم (1999) .
699- ظهور فتنة يهرم فيها الكبير ، ويربو فيها الصغير
وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ، ويربو فيها الصغير ، إذا ترك منها شيء قيل . تركت السنة ، قالوا : ومتى ذلك ؟ قال : إذا ذهبت علماؤكم ، وكثرت قراؤكم ، وقلت فقهاؤكم ، وكثرت أمراؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة ، وتفقه لغير الدين (1).
(1) أخرجه الدار مي ، وعبد الرزاق والحاكم وغيرهم .
700- إنكار السنة النبوية المطهرة
قال رسول الله : (( يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته ، يحدث بحديث من حديثي ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه)) (3) .
ظهرت في هذه الأيام جماعة يسمون أنفسهم بالقرآنيون ، يقرؤن القرآن الكريم وينكرون السنة النبوية بالكلية ، والحق أنهم منكرون للقران الكريم قبل إنكار السنة ، فمنكر للقران بلا ريب إذ كيف يصلي وكم صلاة يصليها ، وما أركان الصلاة ، وما سننها وما مبطلاتها ؟ وكيف يزكي وكيف يصوم وكيف يحج ..؟ وأنكر بعض المعاصرين السنة القولية ، وأقر السنة العلمية .
وأنكر بعض المعاصرين ممن ليس لهم اختصاص بالسنة أحاديث الشفاعة وأولوا الآيات القرانية الصريحة في الشفاعة ، والبعض الآن يتكئ على أريكته وينفخ أوداجه ثم يضعف أحاديث الشيخين البخاري ومسلم التي أجمعت الأمة على صحتها.
(3) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (8189)،وفي تحقيقة لمشكاة المصابيح رقم (163)
701- كثرة الصواعق
تنزل الصواعق عندما يعم الفساد وتكثر الفتن ويبدو الفجور وتشيع الفاحشة على من جاهروا بالمعاصي . عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله يقول : (( تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة ، حتى يأتي الرجل القوم ، فيقول : من صعق قبلكم الغداء (1) فيقولون : صعق فلان وفلان )) (2)
702- هلاك نساء هذه الامة من قبل رؤوسهن
وذلك بكشف شهورهن ، ووضعهن العطور وأخذ شعر حواجبهن أو تقصيرهن وتحميرهن ، أو تخضيرهن لخدودهن والخضوع بالقول والغناء والكلام الفاحش.
عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : (( إنما هلكت نساء بني إسرائيل من قبل أرجلهن وتهلك نساء هذه الأمة من قبل رؤوسهن )) (3) . وصدق ابن عباس – رضي الله عنه – وقد وقع ما أخبر به .
ورد عن علي – رضي الله عنه – بسند فيه مقال أنه قال : يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم ، وشرفهم متاعهم ، وقبلتهم نساؤهم ، ودينهم دراهمهم أولئك شر الخل لا خلق لهم عند الله (4) .
ومعنى هذه الآثار تؤكد عشرات الأحاديث والآثار السابقة.
(1) الغداء : الصباح
(2) أخرجه أحمد واللفظ له ، والحاكم بلفظ آخر وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ، قال الذهبي : قلت عمارة ثقة لم يخرجوا له.
(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف .
(4) أخرجه الديلمي وفي سنده مقال .
697 – طاعة الرجال النساء
ونحن الآن في عصر النساء فالمرأة الآن تتولى رئاسة الدول وزعامة الشعوب ووزارة الخارجية ، وفتح لها المجال فيما لا يتناسب مع طبيعتها وخلقها .
وعن أبي بكر – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : (( هلكت الرجال إذا أطاعت النساء ، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء )) ثلاثاً(3).
نعم صرنا نرى المرأة المتبرجة السافرة عضواً في البرلمانات التشريعية وجندياً وضابطاً في المعارك الحربية ، تلبس البنطلون وتحمل البندقية ، وكل هذا من وراء تساهل وتغافل الرجال في طاعة النساء.
(1) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وقال : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي .
703- ارتكاب الحيل
عن أبي هريرة رضي الله عنه – قال : قال رسول الله http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) (2).
استحلال الحرام عن طريق الحيل في هذه الأزمان خاصة في أبواب المعاملات كمن يحلف على سلعة بثمن ما غير حقيقي ، فإذا ما نصحته قال : أقصد السلعة بثمنها وتعبي !! لذلك ، من يحلف في شهادة أو قضية فيحلف كاذباً ، فإذا ما حذرته غضب الله قال : نيتي كذا مع أن اليمين على نية المحلف .
والحيل في أبواب الربا لا تحصى . وفي الحجاب نرى المرأة تلبس البنطلون وغطاء الرأس ( المحدد ) وبعضهن تلبس القميص والنطاق ( الجيبة والبلوزة ) وبعضهن ترتدي ثياباً شفافاً ساتراً كل هذا بدعوى الحجاب .
ووصلت الحيل لباب العبادات ، نجد بعض الناس يصلي الصلوات الخمس دفعة واحدة في آخر الليل ويدعي أنه محافظ على الصلوات الخمس!!.
704- ظهور قوم ممن ظاهرهم الاستقامة يكفرون المسلمين ويستحلفون دماءهم وأموالهم
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنة – قال : رسول الله : (( إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت عليه بهجة ، وكان عليه رداء الإسلام اعتراه الى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسيف ، ورماه بالشرك ))، قال : قلت : يارسول الله : أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي .قال ( بل الرامي) (1) .
وهذا الحديث يمثله بعض المستقيمين على الطريقة بدون وعي وفكر صحيح ، وفهم لنصوص الكتاب والسنة النبوية ، فنرى بعض من صورته الإسلام يفكرون بالمعاصي والذنوب ، ويحكمون بردة حكام المسلمين ، ويعتدون على الأموال العامة ، ومنهم من يستحل قتل المجاهرين بالمعاصي الصادين عن سبيل الله .
(1) أخرجه أبو يعلى الموصلي ، قال ابن كثير في التفسير (2/175) : هذا إسناد جيد
705- أقوام يشربون القران كشربهم اللبن
هذا كناية عن قوة حفظهم للقران الكريم .
قال رسول الله : (( سيخرج أقوام من أمتي يشربون القران كشربهم اللبن (2) ويوجد هذا الصنف الآن من حملة القران نراهم في المسابقات القران الكريم ، قد يسأل قارئ القران مائة سؤال في مدى وعيه للقران الكريم فلا يخطئ خطئاً واحداً. هذا أمر عظيم لو أن صاحبه بين حفظ القران المجيد والعمل بما فيه .
(2)أخرجه الطبراني وحسنه الألباني في الصحيحة رقم (1887) ، وفي صحيح الجامع رقم (3653) .
706- تنجيد البيوت
أي فرش حيطان البيت بالسجاد بعضها أو كلها .
عن أبي جحيفة – رضي الله عنه ـ أن رسول الله قال : (( ستفتح عليكم الدنيا حتى تنجدوا بيوتكم كما تنجد الكعبة ، فأنتم اليوم خير من يومئذ )) (1) .
وبنظرة واحدة إلى بيوت الأثرياء نرى وقوع هذه العلامة . وقريب من هذه الصور ما يفعله البعض من كسوة حيطان منزله بالبلاد ( السيراميك ) ولا يدخل في هذا الحديث وجود ستائر على الأبواب .
(1) أخرجه الطبراني والبزار ، وصححه الألباني في الصحيحة رقم (1883) .
707- تعليق الناس بالدينار والدرهم
عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم )) (2) .
وعن كعب بن عياض ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( إن لكل أمة فتنة ، وإن فتنة أمتي في المال )) (3).
قال رسول الله : (( ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمناً ، ويمسي كفاراً يبيع دينهم بعرض من الدنيا قليل )) (4).
(2) أخرجه البيهقي في الشعب والطبراني في الكبير ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم (2245) .
(3) أخرجه الترمذي والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (2148) .
(4) أخرجه الحاكم وصححه الألباني في الصحيحة ( 1267) .
708- إحسان القيل وإساءة القال
قال رسول الله : (( سيكون في أمي اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون القال )) (1) .
كلمتا القيل والقال تستعملان في الشر خاصة وقد تدل إحدى الكلمتين على الأخرى . وتطلق القيل غالباً على فضول ما يتحدث له المتجالسون من قولهم ، وتطلق النميمة على القال على معنى كرة القول ونقل الكلام بين الناس بقصد الإضرار .
والمعنى فيما يظهر أنهم يحسنون القيل : أي صناعة الكلم وزخرفته والزيادة فيه والكلام فيما لا يعني ، ورعاية فضول الكلام ، كما هو الغالب علينا الآن من كثرة النكت والفكاهات ، والكلام عن أحوال الناس فلان باع ، فلان اشترى أما النميمة فحدث عن كثرتها ولا حرج .
(1) أخرجه أبو داود رقم (4765) ، والحاكم (2/147) ، وابن أبي عاصم في السنة (2/458) ، ومشكاة المصابيح(3543)
709- أمراء ظلمة كذبة فجرة فسقة
قال رسول الله : (( سيكون أمراء يغشاهم حواش من الناس يظلمون ويكذبون )) . قال رسول الله : (( سيكون أمراء يغشاهم غواش من الناس يظلمون ويكذبون )) (1) .
(1) أخرجه أحمد في مسنده (3/92) .
710- ظهور أمراء يطفؤن السنن ويعملون البدع
وقال سيد الخلق : (( سيلي أموركم بعدي رجال يطفؤن السنن ويعملون بالبدعة )) (1) .
إنهم لم يكتفوا بإطفاء السنن وإقامة البدع بل أطفئوا الفرائض كإقامة حد الزنا والقتل والسرقة والقذف والخمر .
وعملوا بأكبر الكبائر كإباحة الخمر والتبرج ، ومن يطبق الحدود من حكام المسلمين لا يطبقها على شرفاء القوم وسادة الناس.
(1)أخرجه أحمد في مسنده (3/92) ،والحديث أورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة(2/139)
711- ظهور الزينة
712- اختلاف الإخوان على الدنيا
713-اختلاف الأحبار
عن ميمونة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال النبي لنا ذات يوم : (( ما أنتم إذا مرج الدين ، وسفك الدماء ، فظهرت الزينة ، واختلفت الأخوان وحرق البيت العتيق )).
وفي رواية : (( واختلف الأحبار )) بدل : (( الأخوان )) (1).
الحرص على الصورة في الثياب والطعام والشراب ظاهرة . فكثير من الناس لا يخشى من شيء ويخشى من التراب على الثياب ، وكثرت معامل التجميل ورأينا بنت السبعين تشد وجهها. وتقاتل الإخوان من أجل الدنيا كتقسيم الميراث واختيار الزوجة ... الخ. ورأينا علماء الدين يختلفون كثيراً في هذه الأيام ، واختلافهم ليس كاختلاف الفقهاء السابقين ، لأن اختلاف السالفين كان قائماً على الدليل ،أما اختلاف بعض الفقهاء والمعاصرين فقائم على الهوى وحب الدنيا.
(1) قال الهيثمي في المجمع (7/310) : ( أخرجه الطبراني ورجاله ثقات .
714- ظهور المساءة
عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله أنه : قال : (( من اقتراب الساعة أن ترفع الأشرار ، ويوضع الأخيار ، ويقبح القول ، ويحسن العمل وتفري في القوم المساءة )) ، قلت : وما المساءة ؟ قال : (( ما كتب سوى كتاب الله )) (1) .
من كتب الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع ، والفنون المسرحية والقصص الخيالية ، والمجلات الخليعة والصحف القذرة ، ومجلات الرياضة ، والفن ، حتى أن الواحد منا يدخل بيوت كثيرة من المسلمين يجد فيها مجلات الكرة والفن ولا يجد كتاباً عن السيرة النبي ويعدم أن ترى كتاباً في تفسير القرآن الكريم أو الفقه الإسلامي . والسبب الرئيسي في الأمية الدينية والغزو الثقافي الغربي يرجع إلى ترك الرجوع إلى كتاب الله حملاً وترتيلاً وفهماً وعملاً.
(1) قال في مجمع الزوائد (7/326) ، رواه الطبراني ورجاله الصحيح .
715- كثرة الكذب
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله قال : (( لا يقوم الساعة حتى يظهر الفحش ، ويكثر الكذب ، وتقارب الأسواق ، ويتقارب الزمان ، ويكثر الهرج)) . قلت وما الهرج ؟ قال : (( القتل )) (1) ذاق طعم كثرة الكذب وغياب الصدق من تعامل مع الناس في البيع والشراء.
(1) قال الهيثمي في المجمع (7/327) ، رواه أحمد ورجاله
716- أن تمتلئ الأرض ظلماً
قال رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً )) (1) .
يتعامل كثير من الناس اليوم بأسلوب القوة والجبروت . والظلم في المسلمون خاصة بواح ، فإننا لو قسمنا الظلم ألف جزء لرجع للمسلمين تسعة وتسعون وتسعمائة والجزء الأخير في النهاية يبيت عندناً .
(1) رواه أحمد (6/36) ، وكنز العمال رقم (38691) .
717- أحاديث ضعيفة وردت في علامات الساعة الصغرى
وهناك أحاديث ضعيفة كثيرة وردت في أشراط الساعة الصغرى يذكر منها ما يؤيد علامات الساعة الصغرى التي سبق ذكرها . هذه العلامات التي وردت بسند ضعيف لها معان متعددة تؤكد معناها.
718- ظهور أقوام وجوههم وجوه الآدميين وقلوبهم قلوب الشياطين
أمثال الذئاب الضواري ، ليس في قلوبهم شيء من الرحمة سفاكين للدماء ، لا يرعون عن قبيح ، إن تابعتهم نافقوك ، وإن انصرفت عنهم اغتابوك ، وإن حدثوك كذبوك ، وإن ائتمنتهم خانوك ، ولدهم غليظ قاسٍ غائظ ، وشابهم أعياهم خبثاً ومكراً .
وأولى الناس بهذا الوصف من يعذبون المستقيمين على شرع الله ؟ ومن يفتنون المؤمنين والمؤمنات ، والصادون عن السبيل من الأمراء والوزراء والأغنياء والفنانين والأدباء ، ومن يقتلون المئات والآلآف من أجل بقاء المنصب وداوم الرئاسة .
ولنستمع إلى هذا الحديث الذي يحدثنا عن هؤلاء .
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله : (( سيجيء في آخر الزمان أقوام تكون وجوههم وجوه الآدميين ، وقلوبهم قلوب الشياطين أمثال الذئاب الضواري ، ليس في قلوبهم شيء من الرحمة سفاكين للدماء ، لا يرعون عن قبيح ، إن تابعتهم وراءك ، وإن تواريت عنهم اغتابوك ، وإن حدثوك كذبوك ، وإن ائتمنتهم خانوك ، صبيهم عارم ، وشابهم شاطر، وشيخهم لا يأمر بمعروف ولا ينهي عن منكر ،الاعتزاز بهم ذل ، وطلب ما في أيديهم فقر ، الحليم فيهم غاوٍ ، والآمر فيهم بالمعروف متهم ، والمؤمن فيهم مستضعف ، والفاسق فيهم مشرف ، السنة فيهم بدعة ، والبدعة فيهم سنة ، فعند ذلك يسلط الله عليهم شرارهم ، ويدعو خيارهم ، ويدعو خيارهم فلا يستجاب لهم )) (1).
(1) قال الهيثمي في المجمع (7/326) رواه الطبراني وفيه محمد بن معاوية النيسابوري وهو متروك .
719- يسود ويرأس كل قبيلة منافقوها
وجاء عن رسول الله أنه قال : (( لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها)) (1) .
(1) أخرجه البزار والطبراني
720- بغض المسلمين لعلمائهم
721- إظهار عمارة الأسواق
722- الزواج من أجل الأموال
عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله : (( إذا أبغض المسلمون علمائهم ، وأظهروا عمارة أسواقهم وتناكحوا على الدراهم ، وما هم الله عز وجل بأربع خصال بالقحط من الزمان ، والجور من السلطان ، والخيانة من ولاة الأحكام ، والصولة من العدو )) (1). وكل هذا قد وقع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
(1)أخرجه الحاكم (4/325)
723- ظهور اللواط وظهور السحاق وانتشارهما
عن واثلة بن الأسقع مرفوعاً : (( لا تذهب الدنيا حتى تسغني النساء بالنساء والرجال بالرجال ، والسحاق رنا النساء فيما بينهن )) (1) .
استغناء النساء بالنساء ، معناه وقوع السحاق بينهن فلا تحتاج المرأة للزوج .
واستغناء الرجال بالرجال ، وقوع اللواط .
عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقاً ، وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة ، وحتى تتجر المرأة وزوجها ، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص فلا غلو الى يوم القيامة )) (2)
(1) ضعيف جداً : أخرجه تمام في الفوائد (4/184)
(2) أخرجه الحاكم (4/246)
724- حج الأغنياء للنزهة
725- حج أواسط الناس للتجارة
726- وحج القراء للرياء والسمعة
727- حج الفقراء للمسألة
عن أنس بن مالك مرفوعاً: (( يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي للنزهة ، وأوساطهم للتجارة ، وقراؤهم للرياء ، والسمعة ، وفقراؤهم للمسألة )) .
ضعيف : أخرجه الخطيب البغدادي (10/296) ، أورده السيوطي في الجامع الكبير (3/76) ، ونسبه للخطيب والديلمي مما يدل على ضعفه ، وضعفه ، الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (1093) .
728- السؤال عن معضلات المسائل التي لا تنفع المؤمن في دينه أو دنياه
قال رسول الله : (( سيكون أقوام من أمتي يتعاطون فقهاؤهم عضل المسائل أولئك شرار أمتي )) .
ضعيف جداً : أخرجه الطبراني في الكبير وقال الألباني : في الضعيفة رقم (1402) ، ضعيف جداً.
يأتي بعض المسلمين ليسأل العلماء عن عدد أهل الكهف واسم كلبهم ولونه وطوله وعرضه ووزنه ، ويتسائل عن نملة سليمان أهي ذكر أو أنثى ؟! ويسأل بعضهم عن قميص يوسف أين صنع ؟! ومن أي أنواع القماش ، ومنهم من يسأل عن حجم ناقة صالح ولونها ؟ والبعض يسأل عن عالم الأرواح ؟ والبعض يسأل عن سن عيسى – عليه السلام – عندما رفع إلى السماء .
729- طغيان النساء وفسوق الشباب
730- والأمر بالمنكر والنهيان على المعروف
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif( كيف بكم أيها الناس إذا طغى نسائكم وفسق فتيانكم )) ، قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن ؟ قال : (( نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )) ، قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن ؟ قال : (( نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً )) .
الحديث ضعيف جداً: قال الهيثمي في المجمع (7/281) : رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط إلا أنه قال : ((فسق شبابكم)) وفي إسناد الطبراني جرير بن المسلم ولم أعرفه والراوي شيخ الطبراني همام بن يحيى لم أعرفه .
بعض الناس يأمر ولده بترك الصلاة في المسجد أو ترك الصلاة أصلاً أو مصاحبة أهل الفسوق ، ويأمر ابنته بالتبرج ، خوفاً على ولده وحرصاً على زواج ابنته. ومن الناس من يهدد ولده بطلاق أمه إن لم يحلق لحيته أو يترك الصلاة في المساجد .
731- أن يلي الدين غير أهله
عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : (( لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله )) .
أخرجه أحمد (5/422)، والحاكم (4/515) ، وضعفه الألباني في الضعيفة رقم(373).
أصحبت الدرجات الدينية علي الدرجات العلمية والتعبدية ، مبنية على الجهل والفسق والاستبداد فخطيب الجمعة الذي يعين خطيباً في المساجد ، لا يحسن الخطابة ولا يعلم أحكام العبادات والمعاملات لذا ترى بعضهم يفر من خطبة الجمعة وإمامة الصلاة .
ويتقدم البعض خطبة الجمعة لأنه من إدارة المسجد، أو لأنه من أرباب الجاه والأموال.
وإمام الصلاة لا يعي القرآن بقلبه ولا يحسن التلاوة ، والمؤذن لا يجيد الأذان الشرعي ومدرس العلوم الشرعية لا يعمل بالشرع ولا يفقه أحكامه ، ووصل الحال في بعض الدول الإسلامية أنها تولي أكبر المناصب الدينية لمن ليس أهلاً لهذا المنصب القيادي.
732- نقص الأحلام
عن ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله قال : (( إن من علامات البلاء وأشراط الساعة أن تعزب العقول وتنقص الأحلام ويكثر القتل وترفع علامات الخير وتظهر الفتن )) .
قال في مجمع الزوائد (7/329) ، رواه الطبراني ، وفيه عافية بن أيوب وهو ضعيف.
إنها الفتن التي تدع الحليم حيراناً حيث يتيه الحليم في ظلمات الفتن ، وضلالات الخطايا ، وسفاهات المضلين ، وشبهات الجاهلين ، وظلم المجرمين ، وغلو الغالين ، وتقصير الصالحين.
وآخر ما ظهر من ذهاب العقول ونقص الأحلام وفساد الفطر ما نشر من إعلانات على شبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت ) عن بيع لحوم البشر ، وأن هذه اللحوم البشرية تباع لست عشرة دولة ، وتتولى كبر تقطيع لحوم البشر وبيعه واستيراده القوة العظمى في العالم ( أمريكا ) أذلها الله للمسلمين ، ونقرأ في هذه الإعلانات : لحوم طيبة ، رفيعة وثخينة ، ألوان متعددة ...
733- اتباع القراء أهواء الأمراء
734- منع الأمراء الناس حقوقهم
عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : أخذ رسول الله بلحيتي وأنا أعرف الحزن على وجهه ، فقال : (( إنا لله وإنا إليه راجعون أتاني جبريل آنفاً ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون فمم ذلك يا جبريل ؟ فقال : إن أمتك مفتتنة بعدك من دهر غير كثير ، فقلت : فتنة كفر أو فتنة ضلال ؟ ، فقال : كلٌ سيكون ، فقلت : ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله ؟ قال : فبكتاب الله يفتنون وذلك من قبل أمرائهم وقرائهم ، يمنع الامراء الناس الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها فيقتتلوا ويفتتنوا ويتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ، قلت : كيف يسلم من يسلم منهم ؟ قال : بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه )) .
ضعيف جداً: أخرجه الحكيم الترمذي (2/56) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/852،851) في سنده مسلمة بن علي وهو متروك .
والحق أن الأمة الإسلامية قد وقعت في الذل والهوان والتيه والخسران والظلم والطغيان والغرور والعصيان ، وصارت أقل الأمم وأضعفها وأذلها وأبعدها عن الحق والعدل من جراء الأئمة المضلين الذين يولون وجوههم شطر أوربا وأمريكا ، والتوجه نحو أمريكا وأوربا يبطل الصلاة والصيام وجميع شرائع الإسلام .
735- ظلم الأمراء وبخل الأغنياء وطغيان النساء
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : (( إذا كان أمرائكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأموركم شورى بينكم ، فظهر الأرض خير لكم من بطنها ، وإذا كان أمراؤكم شراركم ، وأغنياؤكم بخلاءكم ، وأموركم إلى نسائكم ، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها )) .
ضعيف : أخرجه الترمذي رقم (2266) ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح المري ، قلت : وهو ضعيف .
736- جور الحكام
737- التصديق بالنجوم
وقد شاع في العصور الحاضرة نظام الأبراج ، وحظك اليوم ، وما شابه ذلك ، وينتشر هذا كل يوم في الصحف والجرائد .
عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال : صلى بنا رسول الله صلاة الصبح ، فلما صلى صلاته ناداه رجل متى الساعة ؟ فزبره رسول الله وانتهره ، وقال : (( اسكت )) حتى إذا أسفر رفع طرفه للسماء ، فقال : (( تبارك رافعها ، ومدبرها )) ، ثم رمى ببصره إلى الأرض ، فقال: (( تبارك داحيها ، وخالقها )) ، ثم قال رسول الله : (( أين السائل عن الساعة ؟ )) فجثا الرجل على ركبتيه ، فقال : أنا بأبي وأمي سألتك ؟ فقال : (( ذاك عند حيف الأئمة ، وتصديق النجوم ، وتكذيب بالقدر ، وحتى تتخذ الأمانة مغنماً ، والصدقة مغرماً ، والفاحشة زياد ، فعند ذلك يهلك قومك )) .
ذكره الهيثمي (7/328) ، وقال : فيه من لم أعرفهم .
738- ظهور العباد الجهال
عن أنس – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : (( سيكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة )) .
ضعيف جداً: رواه الحاكم (4/315) ، في سنده : يوسف بن عطية منكر الحديث كما قال البخاري ، والخبر صحيح المعنى .
أما هذه الحقيقة فهي جلية بينة ، فأكثر المسلمين لا يعلمون شيئاً عن حقيقة دينهم ، وبعض عبادهم على هذه الطريقة .
739- ديدان القراء
عن أنس قال : قال رسول الله : (( يكون في آخر الزمان ، ديدان القراء فمن أدرك ذلك الزمان فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهم الأنتنون ، ثم تظهر قلانس البرد فلا يستحي يومئذ من الزنا ، والمتمسك يومئذ بدينه ، كالقابض على الجمرة ، والمتمسك يومئذ بدينه أجره كأجر خمسين ، قالوا : منا أو منهم ؟ قال : بل منكم )) .
ضعيف : رواه الحكيم الترمذي ( 2/123) ، في سنده أبان بن أبي عياش وهو متروك.
740- يقرءون القرآن بلا شهوة ولا لذة لقراءته
عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : (( سيبلى القرآن في ظهور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرأونه لا يجدون له شهوة ولا لذة ، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أعمالهم طمع لا يخالطهم خوف ، إن قصروا قالوا : سنبلغ ، وإن اساءوا قالوا : سيغفر لنا ، إنا لا نشرك بالله شيئاً )) .
ضعيف جداً : أخرجه الدارمي (3346) .
741- مسخ العلماء قردة وخنازير
قال مكحول : يأتي على الناس زمان يكون عالمهم أنتن من جيفة حمار .
حسن إلى مكحول ، رواه أبو نعيم في الحلية (5/181) .
عن أبي أمامة قال : قال رسول الله : (( يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير )) .
ضعيف: أخرجه الحكيم الترمذي ، (2/7) وفي سنده ليث بن أبي سليم .
قال الحكيم الترمذي : فالمسخ تغير الخلقة على جهتها ، فإنما حل بهم المسخ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلم عن مواضعه ، فمسخوا أعين الخلق وقلوبهم عن رؤية الحق ، فمسخ الله صورهم وبدل خلقهم كما بدلوا الحق باطلاً .
وصدق ابن المبارك عندما قال :
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها
742- ذيوع شهادة الزور
عن أبي مسعود – رضي الله عنه – عن النبي قال :
(( إن بين يدي الساعة تسليم على الخاصة وفشو التجارة ، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة ، وقطع الأرحام ، وفشو القلم ، وظهور شهادة الزور ، وكتمان شهادة الحق)) .
أخرجه أحمد(1/407) ، وقال الهيثمي (7/29) : رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح .
من أرد أن يتيقن من ذيوع شهادة الزور فليذهب إلى المحاكم .
743- كثرة عدد النصارى
قال رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى تكون الروم أكثر أهل الأرض )) .
صحيح : أخرجه مسلم رقم (2898) .
ونحن الآن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، والنصارى يبلغون أكثر من ثلث سكان العالم ، فعددهم ملياران عن عدد سكان العالم البالغ سبعة مليارات ، ولا تبلغ أمة من الأمم عدد أمة الروم .
أما المسلمون فعددهم الآن مليار وثلث ، وهذا يزيد قليلاً عن خمس سكان العالم .
744- قتل الأمراء والتجالد بالسيوف
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله : ((لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم ،وتجتلدوا بأسيافكم ، ويرث ديناكم شراركم )).
ضعيف : أخرجه الترمذي (2/7) ، وابن ماجه (4043) وفيه عبد الله بن عبد الرحمن الأشهاني وهو مجهول .
745- انتفاخ الأهلة
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله :
(( من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً ، فيقال لليلتين ، وأن تتخذ المساجد طرقاً ، وأن يظهر موت الفجأة )) .
ضعيف : أخرجه الديلمي رقم (6001) ، ورواه الطبراني في الصغير كما ورد في المجمع (3/149).
أي يرى ساعة يطلع لعظمته ، وعند ذلك يتيسر ظهوره معاينة جهاراً لكبر حجمه وهذا قد وقع .
746- يوضع الطعام فلا يذكر عليه اسم الله
عن عبد الله بن بسر قال : (( أهدي للنبي شاة والطعام يومئذ قليل ، فقال لأهله : أصلحوا هذه الشاة وانظروا إلى هذا الخبز فاثردوا واغرقوا عليه وكانت للنبي قصعة يقال لها : الغراء يحملها أربعة رجال ، فلما أصبحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة ، فالتفتوا عليها ، فلما كثروا جثا رسول الله فقال أعرابي : ما هذه الجلسة ؟ ، قال : (( إن الله – عز وجل – جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً ، كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها )) . ثم قال : (( خذوا وكلوا فوالذي نفس محمد بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام ، فلا يذكر عليه اسم الله – عز وجل - )) .
أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة باب الأكل متكئاً رقم (3263) مختصراً ، والبيهقي في الدلائل واللفظ له (6/334).
وهذا الأمر فشا وذاع في أيامنا هذه سيما بين الأسر الغنية ، والطبقات الغير مستقيمة على شرع الله – تعالى- .
747- ظهور الزينة في الثياب ، وكثرة ألوان الطعام على الموائد
من علامات الساعة التي وقعت ظهور الزينة في الثياب ، وكثرة الأطباق وألوان الطعام على موائد الأكل .
عن طلحة بن عمرو البصري أنه قدم المدينة على رسول الله فينما هو يصلي إذ أتاه رجل فقال : يا رسول الله : أحرق بطوننا التمر ، وتحرقت عنا الحيف . قال : فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (( لقد رأيتني وصاحبي وما لنا غير طعام البرير حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم وكان طعامهم التمر، والذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز والتمر لأطعمتكموه ، وسيأتي عليكم أو على من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة ، ويغدي ويراح عليكم بالجفان )) .
قال : يا رسول الله ، أنحن يومئذ خير أم اليوم ، قال : (( بل أنتم اليوم خير ، أنتم اليوم إخوان ، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض )) .
748- ظهور طلاب العلم
قال رسول الله : (( سيأتيكم أقوام يطلبون العلم ، فإذن رأيتموهم ، فقولوا لهم : مرحباً بوصية رسول الله وأفتوهم )) .
حسن : رواه ابن ماجه عن أبي سعيد ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع رقم (3545) .
749- ظهور الكنوز
يدخل فيه اكتشاف البترول في مناطق متعددة من العالم سيما جنوب غرب آسيا ، ووسطها ، وشمال أفريقيا .
وأخبرني الثقات ممن عاشوا في المملكة العربية السعودية سنوات طويلة أن بالمملكة جبلين من ذهب ، كما اكتشف الذهب وغيره من كنوز الأرض في كثير من الدول العربية .
750- ظهور الغمازون اللمازون
وهذا نراه واضحاً الآن في الإقبال على الغيبة والنميمة ، والخوض في أعراض الناس في كثير من بيوت المسلمين .
751- إفشاء الأسرار
وذلك من كثرة الكلام وضعف الإيمان وضياع الأمانة .
752- زخرفة المحاريب
وهذا نراه ظاهر في المساجد سيما المساجد العتيقة والمشهورة والموجودة في الميادين العامة ، وقد ينفق على زخرفة المحراب فقط مليون دولار ، والفقراء والأيتام لا يجدون لقمة العيش .
753- يسود كل قبيلة منافقوها
والنفاق مرض ذائع في الأوساط المشتغلة بالسياسة .
754- يسود كل سوق فجارها
وهذا واقع بلا مرية ، ولا ريب .
755- خراب عمران الأرض
756- وعمران خرابها
وهذا نجده كثيراً في البقاع التي أصابتها الحروب اليهودية والصليبية كفلسطين والبوسنة وكوسوفا وأفغانستان .
عن الحسن قال : خرجت في طلب العلم ، فقدمت الكوفة ، فإذا أنا بعبد الله بن مسعود ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن ، هل للساعة من علم تعرف به ؟ فقال : سألت رسول الله عن ذلك فقال : (( إن من أشراط الساعة أن يكون الولد غيظاً ، والمطر قيظاً ، وتفشو الأسرار ، ويصدق الكاذب ، ويكذب الصادق ، ويؤتمن الخائن ، ويخون الأمين ، ويسود كل قبيلة منافقوها ، وكل سوق فجارها ، وتزخرف المحاريب وتخرب القلوب ، ويكتفي الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، ويخرب عمران الدنيا ، ويعمر خرابها ، وتظهر الفتنة ، وأكل الربا ، وتظهر المعازف ، والكنوز ، وتشرب الخمر ، وتكثر الشرط ، والغمازون واللمازون )) .
قال البيهقي كما في الفتن لا بن كثير (1/232) : هذا الإسناد فيه ضعف إلا أن أكثر ألفاظه قد روى بأسانيد أخر متفرقة .
757- عذاب الأمة الإسلامية ( الفتن والزلازل والقتل )
قال رسول الله صلى عليه وسلم : (( أمتي هذه مرحومة ليس لها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل )).
رواه أبو داود كتاب الفتن باب ما يرجى في القتل .
وإذا ما نظرنا إلى خريطة العالم الآن وجدنا أن الأمة الإسلامية وحدها غارقة في الفتن الداخلية والخارجية والقتل على أيدي المسلمين ، وعلى يد اليهود والنصارى والهندوس ، كما أن الزلازل المروعة تكثر في الدول الإسلامية .
758- الزهد رواية
759- الورع تصنعاً
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رواية والورع تصنعاً .
رواه أبو نعيم.
760- أن يلتمس الصحابي فلا يوجد
عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى يلتمس الرجل من أصحابي فلا يوجد )) .
أخرجه أحمد .
761- الميل مع الهوى
762- تعظيم رب المال
763- ينكر الحق تسعة أعشارهم
764- تكون المشورة للإماء
765- يكون المخاطبة للنساء لأن الرأي لهن
766- يخطب الصبيان على المنابر
767- تكثر الصفوف في الصلاة
768-قلوب متباغضة
769- وألسن مختلفة
770- وأهواء جمة
771- المؤمن فيهم أذل من الأمة
772- يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء
773- يغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر
وهذا نراه في الحديث الآتي :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حج النبي حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال : (( يا أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة )) ، فقام إليه سلمان ، فقال : أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله .
قال : (( من أشراط الساعة إضاعة الصلاة والميل مع الهوى وتعظيم رب المال )).
فقال سلمان : ويكون هذا يا رسول الله .
قال : (( نعم والذي نفسي بيده فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفيء مغنماً ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ويؤتمن الخائن ويخون الأمين ويتكلم الرويبضة)).
قالوا : وما الرويبضة ؟
قال : (( يتكلم في الناس من لم يكن يتكلم ، وينكر الحق تسعة أعشارهم ، ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا اسمه ، ويذهب القرآن فلا يبقى إلا رسمه ، ويُحلى المصاحف بالذهب ، ويتسمن ذكور أمتي ، وتكون المشورة للإماء ، ويخطب على المنابر الصبيان ، وتكون المخاطبة للنساء ، فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع وتطول المنابر ، وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة )) .
قال سلمان : ويكون ذلك يا رسول الله ؟ قال : (( نعم والذي نفس محمد بيده عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر ، فعند ذلك يا سلمان تكون أمراء فسقة ووزراء خونة يضيعون الصلوات ويتعبون الشهوات فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم – أي أجسامهم – جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة وقراؤهم رياء وسمعة )) .
قال : ويكون ذلك يا رسول الله ، قال : (( نعم والذي نفسي بيده عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب ، وتشارك المرأة زوجها في التجارة ويتقارب الأسواق )) قال : وما تقاربها ، قال : (( كسادها وقلة أرباحها عند ذلك يا سلمان يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلقط رءوس العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه)).
قال : ويكون ذلك يا رسول الله ، قال : (( نعم والذي بعث محمداً بالحق )) .
رواه ابن مردويه .
774- الاستئجار على الغزو
775- التلاعب بالأمانة
776- منع الصدقة
عن عبد الله بن زينب الجندي عن رسول الله قال : (( إذا رأيت الصدقة كتمت وغلت واستؤجر على الغزو ، وأخرب العامر ، وعمِّر الخراب ، ورأيت الرجل يتمرس بأمانته كما يتمرس البعير بالشجر، فإنك والساعة كهاتين )).
أخرجه عبد الرزاق .
والاستئجار على الغزو موجود وواقع كما هو واقع الآن من قوات حفظ السلام في سيناء بمصر ، فإنها قوات من إفريقيا ، وغيرها مرتزقة ، ومن ذلك ما يحدث من أمريكا من حشد دول العالم على أفغانستان ، وغيرها مقابل بعض المساعدات المالية.
777- الحديث في المساجد في الدنيا
عن الحسن البصري عن رسول الله قال : (( يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة)).
أخرجه البيهقي في الشعب عن الحسن مُرسلاً .
وهذا كثير في المساجد الآن سيما من خدم المسجد والمسئولين عن إدارته يحولون المساجد إلى مجلس للدنيا والطعام والشراب .
778- ندرة أئمة المساجد
عن سلامة بن الحر عن رسول الله قال : (( يأتي على أمتي زمان يقومون لا يجدون إماماً يصلي بهم )) .
أخرجه ابن ماجه وابن سعد .
وذلك لكثرة الجهل وعموم الفساد .
779- يكون في القبيلة فقيه واحد
780- ذهاب قدر العلماء والفقهاء
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إن لهذا الدين إقبالاً وإدباراً وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يبقى فيها إلا الفاسق أو الفاسقان ذليلان فيها ، إن تكلما قهراً واضطهدا ، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها فلا يبقى فيها إلا الفقيه أو الفقيهان فيها ذليلان ، إن تكلما قهرا واضطهدا ، ويلعن آخر هذه الأمة أولها عليهم حلت اللعنة ، حتى يشربوا الخمر علانية حتى تمر المرأة بالقوم فيقوم إليها بعضهم ، فيرفع بذيلها كما يرفع بذنب النعجة فقائل يقول يومئذ ، ألا داريتها وراء الحائط ، فهو يومئذ فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم ، فمن أمر يومئذ بالمعروف ونهى عن المنكر ، فله أجر خمسين ممن رآني وآمن بي وأطاعني وبايعني )) .
أخرجه الطبراني .
781- ظهور ناشئة يولدون في النعيم همتهم بطونهم وثيابهم
عن بكر بن سوادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله :
(( سيكون نشؤاً من أمتي يولدن في النعيم ويغذون به ، همتهم ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدقون بالقول أولئك شرار أمتي )) .
أخرجه أحمد في الزهد .
هو زماننا ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وهم أبناؤنا بلا ريب تراهم في الشوارع والطرقات يركبون أجمل السيارات وأغلاها سعراً ، ويأكلون أطايب الطعام ويلبسون أجمل الثياب ، وفي الثوب الواحد عشرة ألوان ، ويتشدقون بالقول ، ويحسنون الكلام ويسيئون العمل ، كلامهم اختلط فيه العربي بالعجمي ، وفاحت منه رائحة الكبر والخيلاء .
782- أن يربي الرجل أرنباً خير من أن يربي ولداً له
783- أمثلهم في ذلك الزمان المداهن
عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إذا اقترب الزمان لأن يربي الرجل جروراً خير من أن يربي ولداً له ولا يوقر كبير ولا يرحم صغير ويكثر أولاد الزنا حتى أن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب ، أمثلهم في ذلك المداهن )) .
أخرجه الحاكم .
وهذا واقع مر أليم .
784- سوء أحوال الناس في المعاملة
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله قال : (( إن الناس شجرة ذات جني ويوشك أن يعودوا شجرة ذات شوك ، إن نافرتهم نافروك ، وإن تركتهم لم يتركوك ، وإن هربت منهم طلبوك )) قال : كيف المخرج من ذلك يا رسول الله ؟ قال : (( تقرضهم من عرضك ليوم فاقتك )) .
أخرجه الطبراني وفيه ضعف .
785- إخوان العلانية اعداء السيرة
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( يكون في آخر الزمان أقوام إخوان العلانية أعداء السيرة )) قالوا : كيف يكون ذلك يا رسول الله ؟ قال : (( برغبة بعضهم إلى بعض وبرهبة بعضهم من بعض )) .
أخرجه البزار والطبراني وإسناده ضعيف .
786- هلاك الرجل على يد أهله وأقاربه
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال : (( يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من هرب بدينه من شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر ، فإذا كان ذلك الزمان لم تنل المعيشة إلا بسخط الله ، فإذا كان ذلك كذلك كان هلاك الرجل على يدي زوجته وولده ، فإن لم يكن له زوجة ولا ولد ، كان هلاكه على يدي أبويه ، فإن لم يكن له أبوان كان هلاكه على يدي قرابته والجيران)) قالوا : كيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : (( يعيرونه بضيق المعيشة فعند ذلك يورد نفسه الموارد التي تهلك فيها نفسه )) .
أخرجه البيهقي في الزهد .
787- ظهور عمل قوم لوط
عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إن أخوف ما أخاف على أمتي قوم لوط )) .
أخرجه الحاكم وصححه .
وقد صار للشواذ في بلاد المسلمين كلمة ورأي .
788- تخيير المرء بين العجز والفجور
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول : (( يأتي على الناس زمان يخير فيه الرجل بين العجز والفجور ، فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز على الفجور )) .
أخرجه أحمد وأبو يعلى والبيهقي .
789- يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك ، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا )) .
أخرجه الترمذي وسنده ضعيف جداً .
790- تطفيف الكيل والميزان
791- ضياع حق الله في الأموال
792- لبس الرجال التيجان
793- اللعب بالميسر ( القمار )
794- اتخاذ جلود السباع فراشاً
795- كثرة خطباء المنابر
796- ركون العلماء إلى الولاة
797- أفتوهم بما يشتهون
798- اتخاذ القرآن تجارة
799- استحلال الكبائر
800- إكثار الجور
801- تشبه الرجال بالنساء
802- وتشبه النساء بالرجال
803- صيرورة الأموال مع الأشرار
804- الحلف بغير الله
805- وصارت الإمارات مواريث
806- نقض المواثيق
807- ركوب البراذين
808- التهاون بالطلاق
809- ضيق الطرقات
810- فساد القلوب
811- نقصان الشهور إما بنزع البركة من الوقت وإما بالتقويم الفلكي الذي لا يعتمد على الرؤية
عن علي رضي الله عنه قال : من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة وأضاعوا الأمانة ، واستحلوا الكبائر ، وأكلوا الربا ، وأكلوا الرشاء ، وشيدوا البناء ، واتبعوا الهوى ، وباعوا الدين بالدينا ، واتخذوا القرآن مزامير ، واتخذوا جلود السباع صفاقاً ، والمساجد طرقاً ، والحرير لباساً ، وأكثروا الجور ، وفشا الزنا ، وتهاونوا بالطلاق ، وائتمن الخائن ، وخون الأمين ، وصار المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، وأمراء فجرة ، ووزراء كذبة ، وأمناء خونة ، وعرفاء ظلمة ، وقلت العلماء : وكثرة القراء ، وقلت الفقهاء ، وطلبت المصاحف ، وزخرفت المساجد وطولت المنابر ، واتخذوا القينات ، واستحلت المعازف ، وشربت الخمور ، وعطلت الحدود ، ونقصت الشهور ، ونقضت المواثيق ، وشاركت المرأة زوجها في التجارة ، وركب الناس البراذين ، وتشبهت النساء بالرجال ، والرجال بالنساء ، ويحلف بغير الله ، ويشهد الرجل من غير أن يستشهد ، وكانت الزكاة مغرماً ، والأمانة مغنماً ، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه ، وقرب صديقه وأقصى أباه ، وصارت الإمارات مواريث ، وسب آخر هذه الأمة أولها ، وأكرم الرجل اتقاء شره ، وكثرت الشرط ، وصعدت الجهال المنابر ، ولبس الرجال التيجان ، وضيقت الطرقات ، وشيد البناء ، واستغنى الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، وكثرت خطباء منابركم ، وركن علماؤكم إلى ولاتكم ، فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال وأفتوهم بما يشتهون ، وتعلم علماؤكم العلم ليجلبوا به دنانيركم ودراهمكم ، واتخذتم القرآن تجارة ، وضيعتم حق الله في أموالكم ، وصارت أموالكم عند شراركم وقطعتم أرحامكم ، وشربتم الخمور في ناديكم ، ولعبتم بالميسر ، وضربتم بالكير والمعزمة والمزامير ومنعتم محاويجكم زكاتكم ورأيتموها مغرماً ، وقتل البريء ليغيظ العامة ، واختلفت أهواؤكم ، وصار العطاء في العبيد والسقاط ، وطفف المكاييل والموازين ، ووليتم أموركم سفهاءكم.
رواه أبو الشيخ والديلمي وسنده ضعيف جداً ولبعضه شواهد .
وقفة مع هذا الخبر
· اتخاذ جلود السباع صفاقاً أي : فرشاً وزرابي يتكأ عليها النائم والجالس .
· ونقصان الشهور إما بنزع البركة من الوقت وإما بالنقصان الحقيقي بأن يكون الشهر كالجمعة ولم يقع هذا بعد .
وإما بأن يعتمد على الحساب الفلكي وحده دون رؤية الهلال كما نرى في بعض الدول الإسلامية ‘ عندما كان شهر رمضان عندهم ثمانية وعشرين يوماً .
· واتخاذ القرآن تجارة كما هو حاصل من القراء الذين يشترطون أجراً على القراءة ، وبعضهم يقول : الربع بألف أو ثلاثة آلاف.
· وضيق الطرقات بكثرة السيارات والمقاهي والملاهي ، والبائعين على أطراف الشوارع ونواحيها مما أدى إلى ضيقتها .
· وضياع حق الله في الأموال بجمعها من حرام وإنفاقها في الحرام ومنعها أهلها .
· وصار العطاء في العبيد والسقاط كما نرى من إغداق الأموال على الراقصين والراقصات والفنانين والفنانات ، وإغداق الأموال على الخدم مشهور في بعض الدول العربية .
812- أخذ المال بغير حقه
813- يشتكي ذو القرابة
814- يطوف السائل فلا يجد في يده شيء
عن ابن مسعود رسول الله : (( إن من أمارات الساعة أن تقطع الأرحام ، ويؤخذ المال بغير حقه ، ويسفك الدماء ، ويشتكي ذو القرابة قرابته لا يعود عليه بشيء ، ويطوف السائل لا يوضع في يده شيء )) .
رواه ابن أبي شيبة .
وكل هذا قد وقع .
815-816- حزن ذوات الأولاد وفرح العواقر
817-818- القضاء بالظن واتباع الهوى
819- قيام الخطباء على المنابر بالكذب
820- ترفع القصور
821- ظهور الشحناء بين الناس
822- تختلف الأمور بين الناس
823- ظهور البغي والحسد
824- نقص أعمار البشر
825-826- كثرة المطر وقلة الثمر
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( لا تقوم الساعة حتى يجعل كتاب الله عاراً ويكون الإسلام غريباً ، وحتى تبدو الشحناء بين الناس ، وحتى يقبض العلم ، ويهرم الزمان وينقص عمر البشر ، وينقص السنون والثمرات ، ويؤتمن التهماء ، ويتهم الأمناء ، ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ، ويكثر الهرج ، وهو القتل ، وحتى تبنى الغرف فتطاول ، وحتى تحزن ذوات الأولاد ، وتفرح العواقر ، ويظهر البغي والحسد والشح ، ويهلك الناس ويكثر الكذب ، ويقل الصدق وحتى تختلف الأمور بين الناس ، ويتبع الهوى ، ويقضى بالظن ، ويكثر المطر ، ويقل الثمر ، ويغيض العلم غيظاً ، ويفيض الجهل فيضاً ، ويقوم الخطباء بالكذب ، فيجعلون حقي لشرار أمتي فمن صدقهم بذلك ورضي به لم يرح رائحة الجنة )) .
رواه الطبراني قال في الحجة ص 831 بسند جيد ، قلت : هذا بعيد .
827- مدح الناس نفاقاً بغية أخذ الأموال
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ((لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها )) .
أخرجه مسلم وأحمد .
أي يمدحون الناس نفاقاً ورياء بغية أخذ أموالهم ، وهذا قد وقع ، وكنت قد حملت الحديث على الظاهر في كتابي قامت القيامة وربما يحدث ذلك .
828- الزواج بدنيئة الأصل وعدم نكاح النسيبة
عن أمامة عن رسول الله قال : (( لا تقوم الساعة حتى يعمد الرجل إلى النبطية فيتزوجها على معيشة ويترك بنت عمه لا ينظر إليها )) .
رواه الطبراني وفيه ضعف .
معناه : أن يتزوج دنية الأصل لغناها ويترك بنت عمه الأصيلة لفقرها ، وهذا نراه في مسارعة بعض الشباب إلى نكاح الراقصات والفنانات .
829- يمر أحدهم بالمسجد فلا يصلي ركعتين
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد فلا يركع ركعتين .
رواه أبو داود .
ترى كثراً من الناس يدخلون المسجد لا هَمّ لهم إلا قضاء الحاجة أو السؤال عن شخص ولا يُصلي ركعتين .
830- يصلي خمسون نفساً لا تقبل لأحدهم صلاة
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من اقتراب الساعة أن يصلي خمسون نفساً لا تقبل لأحدهم صلاة .
رواه أبو الشيخ .
719- حلف الناس بالقرآن مع بعدهم عن منهجه
720- مساجدهم عامرة خراب من الهدى
721- فقهاؤهم شر فقهاء تحت ظل السماء
عن ابن عمر رضي الله عنهما – مرفوعا : (( سيأتي على الناس زمان لايبقى من القرآن إلا رسمه ، ولا من الإسلام إلا اسمه ، يقسمون به وهم أبعد الناس منه ، مساجدهم عامرة خراب من الهدى ، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء ، منهم خرجت فتنة وإليهم تعود )) .
معناه : يكاد المسلم أم يلمسه بعضه أو جله في واقع العالم الاسلامي .
أما قسم الناس بالقرآن مع هجرهم له فمعلوم ، وأما عمار مساجدهم وخرابها من الهدى فالمقصود عمارها بالمصلين وخرابها بقسوة القلوب وذهاب الخشوع ، وغياب المحاضرات الدينية والندوات الايمانية . حتى إن وزارة الأوقاف في مصر تفرض على إمام المسجد أربع محاضرات أسبوعية لا يؤدي إمام المسجد إلا محاضرة واحدة منها .
الحلقة الثانية والخمسون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (10 )
مع الحيوان
ومن معجزاته المتعلقة بالحيوان توقير الوحش له ، فقد كان في بيت النبي وحش يحترمه ويُوّقره ويُجله .
قالت عائشة – رضي الله عنها - : كان لآل رسول الله وحش فإذا خرج رسول الله لعب واشتد ، وأقبل وأدبر ، فإذا أحس برسول الله قد دخل ربض فلم يترمرم مادام رسول الله في البيت كراهية أن يؤذيه .
] حديث صحيح : اخرجه احمد ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد [.
378-الجمل البطيء صار سريعاً
إنه جمل سيدنا جابر – رضي الله عنه – كان يطيئاً فدعا له الرسول فصار سابق الجمال .
ويُحدثنا عن هذا جابر – رضي الله عنه – فيقول : خرجت مع رسول الله في غزاة فأبطأ جملي وأعياني فأتى عليّ رسول الله فقال : (( ما شأنك ؟ )) قلت : أبطأ جملي وأعياني وتخلف ، فحجنه بمحجنه – أي ضربه - ، ثم قال : اركب ، فركبت فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله . أي من شدة السرعة ، وعنه قال : غزوت مع رسول الله فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا .
379- وافد الذئاب يرضى بأوامر الرسول
عن حمزة بن أبي أسيد قال : خرج رسول الله في جنازة رجل من الأنصار بالبقيع ، فإذا الذئب مفترشاً ذراعيه على الطريق ، فقال رسول الله (( هذا جاء يستفرض فافرضوا له )) ، قالوا : ترى رأيك يا رسول الله قال : (( من كل سائمة شاة في كل عام )) قالوا كثير قال : فأشار إلى الذئب أن خالسهم فانطلق الذئب . ورضي الذئب بأن يأخذ منهم الشياة خلسة كما عرض عليه رسول الله .
]حديث حسن بشواهده : اخرجه البيهقي في الدلائل ورواه البزار وابو نعيم [.
380- الذئب يتكلم ويشهد بالرسالة
عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه ، فأقعى الذئب على ذنبه ، فقال : ألا تتقي الله ؟ تنزع مني رزقاً ساقه الله إليّ ؟ فقال : يا عجبي ذئب يكلمني كلام الإنس ! فقال الذئب : ألا أخبرك بأعجب من ذلك ؟ محمد بيثرب يُخبر الناس بأنباء ما قد سبق . قال : فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ، ثم أتى رسول الله فأخبره فأمر رسول الله فنودي : الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي : أخبرهم فأخبرهم . فقال رسول الله : (( صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يُكلم السباع الإنس ، ويُكلم الرجل عذبة سوطه ، وشراك نعله ، ويُخبره فخذه بما أحدثه أهله بعده ))
]حديث صحيح : اخرجه احمد (3/83-84) وبعضه في الترمذي في الفتن ، ورواه البيهقي في الدلائل [.
381- البعير يتكلم
382- الشاة التي لم يطأها الفحل تدرّ!!
عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال : كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط ، فمر بي رسول الله وقال لي : (( يا غلام ، هل من لبن ؟ )) فقلت : نعم ، ولكني مؤتمن ، قال : (( فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل ؟ )) قال : فأتيته بشاة حائل فمسح ضرعها فنزل لبن ، فحلبه في إناء وشرب ، وسقى أبا بكر ثم قال للضــرع : (( اقلص )) فقلص قال : ثم أتيته بعد فقلت : يا رسول الله علمني من هذا القول ، قال : فمسح رأسي وقال : (( يرحمك الله فإنك عليم معلم )).
]الحديث أخرجه احمد وابن سعد في الطبقات [.
383- شاة أم مَعبَد التي لا تدر اللبن درّت
عن أبي معبد الخزاعي أن النبي خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط ... ثم مرّ رسول الله في مسيره ذلك حتى مر يخيمتي أم مَعبَد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ، ثم تُطعم وتسقي من مر بها ، فسألاها : (( هل عندك شيء ؟ )) فقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرى . والشاء عازب ( إي بعيدة المرعى ) وكانت سنة شهباء ، فنظر رسول الله إلى شاة في كِسر الخيمة ، فقال : (( ماهذه الشاة يا أم معبد ؟ )) قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : (( هل بها من لبن ؟ )) قالــت : هي أجهد من ذلك . فقال : (( أتأذنين لي أن أحلبها ؟ )) قالت : نعم بأبي وأمي ، إن رأيت بها حلباً فاحلبها ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمّى الله ودعا فتفاجت عليه ( إي فرّجت مابين رجليها ) ودرّت ، فدعا بإناء لها يُربض الرهط ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها فشربت حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب ، وحلب فيه ثانياً ، حتى ملأ الإناء ، ثم غادره عندها ، فارتحلوا ، فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً ( إي هزالاً ) يتساوكن ( أي يتمايلن من شدة ضعفهن ) هزالاً لا نقى بهن ( النقى مخ العظم أي لاقوة فيهن ) فلما رأي اللبن ، عَجِب فقال : من أين لك هذا ؟ والشاة عازب ، ولا حلوبة في البيت ؟ فقالت : لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مُبارك كان في حديثه كيت وكيت ، ومن حاله كذا وكذا .
384- شفاء الصبي من لممه
385- أمر الشجرتين بالالتصاق فالتصقتا
386- طائر الحمرة أخذ حقه ولم يرجع
أخذ بعض الصحابة فرخا حمرة ، فجاء طائر الحمرة يريد ولداه .
عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – قال : كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حُمرة فأخذناهما ، قال : فجاءت الحمرة إلى رسول الله وهي تفرش فقال : (( من فجع هذه بفرخيها ؟ )) قال : فقلنا : نحن ، قال : ((ردّوهما )) فرددناهما إلى موضعهما فلم يرجع .
]حديث حسن : أخرجه أبو داود في الجهاد رقم ( 2675) ، وفي الأدب رقم (5268)، وأخرجه البيهقي في الدلائل ( 6/33،32) ، واللفظ له [.
387- ذراع الشاة يتكلم
في غزوة خيبر أهدت زينت بنت الحارث ا ليهودية امرأة سلام بن مشكم رسول الله شاة مشوية قد سمّتها ، وسألت : أي اللحم أحب إليه ؟ فقالوا : الذراع فأكثرت من السم في الذراع ، فلما انتهش من ذراعها ، أخبره الذراع بأنه مسموم ، فلفظ الأكلة ثم قــال : (( اجمعوا لي من ها هنا من اليهود )) ، فجمعوا له ...... فقال لهم : (( هل أنتم صَادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ )) قالوا : نعم ، قال : (( أجعلتم في هذه الشاة سُمّاً ؟ )) قالوا : نعم ، قال : (( فما حملكم على ذلك ؟ )) قالوا : أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك ، وإن كنت نبياً لم يضرك .
]حديث صحيح : أخرجه البخاري في الطب ، وفي الجهاد باب إذا غدر المشركون ، وفي المغازي باب الشاة ، وأبو داود رقم ( 4509) [.
388- الجمل يسجد للرسول
عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسقون عليه وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره ، وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله فقالوا : إنه كان لنا جمل نسقي عليه ، وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره ، وقد عطش الزرع والنخل ، فقال رسول الله لأصحابه : (( قوموا )) فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته ، فمشى النبي نحوه فقالت الأنصار : يارسول الله إنه قد صار مثل الكَلب الكَلِب ( إي الكلب المفترس ) وإنا نخاف عليك صولته ، فقال : (( ليس عليّ منه بأس )) ، فلمّا نظر الجمل إلى رسول الله أقبل نحوه حتى ساجداً بين يديه ، فأخذ رسول الله بناصيته أذلّ ما كانت قط ، حتى أدخله في العمل ، فقال له أصحابه : يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ، ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك فقال : (( لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه ))
]حديث صحيح : أخرجه أحمد ( 3/159) ، وقال ابن كثير ( 6/149) : إسناده جيد [.
389- الجمل يبكي ويشكو للنبي
عن عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه – قال : أردفني رسول الله ذات يوم خلفه فأسرّ إليّ حديثاً لا أخبر به أحداً أبداً ، وكان رسول الله أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل ، فدخل يوماً حائطاً من حيطان الأنصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه ..... فلما رأى رسول الله حنّ وذرفت عيناه فمسح رسول الله سراته وذفراه ، فسكن فقال : (( من صاحب الجمــل ؟ )) فجاء فتى من الأنصار قال : هو لي يارسول الله ، فقال : (( أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك إنه شكا إلىّ أنك تجيعه وتُدئبه ))
]حديث صحيح : رواه مسلم في الحيض ( 1/268) ، وأبو داود في الجهاد رقم (2549) وابن ماجة رقم ( 340) (1/122) ، والإمام أحمد ( 1/204) [
390- البعير والبهائم تسجد للرسول
عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله كان في نفر من المهاجرين والأنصار ، فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه : يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك . فقال : (( اعبدوا ربكم ، وأكرموا أخاكم ، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها ولو أمرها أن تُنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي لها أن تفعله )) .
]حديث حسن : رواه أحمد (6/76) ، وابن ماجة في النكاح رقم ( 852) [
391- دعوها فإنها مأمورة
لما كان يوم الجمعة بعد وصول النبي إلى المدينة ركب بأمر الله فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، فجمّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي ، ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته ، هَلُمّ إلى العدد والعُدّة والسلاح والمنعة ، فقال : (( خلّوا سبيلها فإنها مأمورة )) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرُّ بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ويقول : (( دعوها فإنها مأمورة )) فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم ، وبركت ، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً ، ثم التفتت ، فرجعت ، فبركت في موضعها الأول فنزل عنها ، وذلك في بني النجار أخواله ، وكان من توفيق الله لها ، فإنه أحب أن ينزل على أخواله ، يُكرمهم بذلك ، فجعل الناس يُكلّمون رسول الله في النزول عليهم وبادر أبو أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – إلى رحله فأدخله بيته ، فجعل رسول الله يقول : (( المرء مع رحله )) .
]حديث صحيح : رواه البخاري ، ومسلم [
392- الفرس الضعيف يسبق ويدر الأموال الطائلة
عن جعيل الأشجعي – رضي الله عنه – قال : غزوت مع رسول الله في بعض غزواته ، وأنا على فرس لي عجفاء ضعيفة ، قال : فكنت في أُخريات الناس ، فلحقني رسول الله وقال : (( سر يا صاحب الفرس )) ، فقلت : يا رسول الله عجفاء ضعيفة ، قال : فرفع رسول الله مخفقة معه فضربها بها وقال : (( اللهم بارك له )) قال : فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس ، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفاً .
]صحيح : رواه البخاري في التاريخ ( 1/248) ، والنسائي في السنن الكبرى ، والبيهقي في الدلائل ( 6/153) .[
393- الناقة القاعدة تتحرك وتسبق
هذا صحابي أعجزته ناقته أن تتحرك فمسها برجله فتحركت وسبقت .
يقول أبو هريرة – رضي الله عنه - : جاء رجل إلى النبي فقال : إني تزوجت امرأة ، فقال : (( هلاّ نظرت إليها فإنّ في أعين الأنصار شيئاً ؟ )) قال : قد نظرت إليها ، قال : (( على كم تزوجتها ؟ )) فذكر شيئاً ، قال : (( كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال ، ما عندنا اليوم شيء نعطيكه ، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه )) فبعث بعثاً إلى بني عبس وبعث الرجل فيهم ، فـأتاه فقال : يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث ، قال : فناوله رسول الله يده كالمعتمد عليه للقيام ، فأتاها فضربها برجله ، قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد .
]حديث صحيح : أخرجه مسلم في النكاح (2/1040) ، والبيهقي في الدلائل (6/154).[
394- الشاة التي لا تدر تدر وتنجب أغناماً كثيرة
عن أبي بكر – رضي الله عنه – قال : خرجت مع رسول الله من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب ، فنظر رسول الله إلى بيت متنحياً فقصد إليه ، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة ، فقالت : يا عبد الله ، إنما أنا امرأة وليس معي أحد ، فعليكما بعظيم الحي إذا أردتم القرى ( أي ما هيئ للضيف ) فلم يجبها وذلك عند المساء فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها ، فقالت له : يا بني ، انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين ، فقل لهما : تقول لكما أمي : اذبحا هذه وكلا وأطعمانا ، فلما جاء قال له النبي : انطلق بالشفرة وجئني بالقدح ، قال : إنها قد عزبت ، وليس لها لبن .
قال : انطلق ، فانطلق فجاء بقدح . فمسح النبي ضرعها ، ثم حلب وملأ القدح ثم قال : انطلق به إلى أمك ، فشربت حتى رويت ، ثم جاء به فقال : انطلق بهذه وجئني بأخرى ، ففعل بها كذلك ، ثم شرب النبي فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا وكانت تسميه المبارك ، وكثرت غنمها حتى جلبت جلباً إلى المدينة ، فمر أبو بكر الصديق فرآه ابنها فعرفه ، فقال : يا أمه ، إن هذا الرجل الذي كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت : يا عبد الله من الرجل الذي كان معك ؟ قال : وما تدرين من هو ؟ قالت : لا . قال : هو النبي : فأدخلني عليه ، فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها ، واهدت له شيئاً من أقط ومتاع الأعراب ، فكساها وأعطاها ، وأسلمت .
]حديث حسن : أخرجه البيهقي في الدلائل (2/419) باب اجتياز رسول الله، قال ابن كثير : سنده حسن كذا في كنز العمال (46287)، (16/666،665)[
395- البعير يتكلم
عن يعلى بن سبابة قال : كنت مع النبي في مسير له ، فأراد أن يقضي حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى ، ثم أمرهما فرجعتا إلى منابتهما ، وجاء بعير فضرب فجرانه إلى الأرض ثم جرجر حتى ابتل ما حوله فقال رسول الله : (( أتدرون ما يقول البعير ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره )) ، فبعث إليه رسول الله فقال : (( أواهبه أنت لي ؟ )) فقال يارسول الله : مالي مال أحب إليّ منه . فقال : (( استوص به معروفاً )) ، فقال : لا جرم لا أكرم مالاً كرامته يا رسول الله قـال : وأتى على قبر يعذب صاحبه فقال : (( إنه يعذب في غير كبير )) فأمر بجريدة فوضعت على قبره ، وقال : (( عسى أن يخفف عنه ما دامت رطبة )) .
396- كلام الظبية وشهادتها للنبي r بالرسالة
عن أبي سعيد – رضي الله عنه – قال : مر رسول الله بظبية مربوطة إلى خباء فقالت : يا رسول الله : حلني حتى أذهب فأرضع خشفي ، ثم أرجع فتربطني ، فقال رسول الله : (( صيد قوم وربيطة قوم )) قال : فأخذ عليها فحلفت له فحلها فما مكثت إلا قليل حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها فربطها رسول الله، ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها فوهبوه له فحلها ثم قال رسول الله: (( لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منا سميناً أبداً ))
]رواه البيهقي في الدلائل (6/334) .[
عن زيد بن أرقم – رضي الله عنه – قال : كنت مع النبي في بعض سكك المدينة فمررنا بخباء أعرابي ، فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء ، فقالت يا رسول الله : إن هذا الأعرابي اصطادني ولي خشفان في البرية وقد تعقد اللبن في أخلافي فلا هو يذبحني فأستريح ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية ، فقال لها رسول الله: (( إن تركتك ترجعين )) قالت : نعم وإلا عذبني بالله عذاب العشار- أي الناقة التي أتى عليها من رفث الحمل عشرة أشهر - فأطلقها رسول الله، فلم يلبث إلا أن جاءت تلمظ فشدها رسول الله إلى الخباء وأقبل الأعرابي ومعه قربة فقال له رسول الله : (( أتبيعنيها ؟)) قال : هي لك يا رسول الله فأطلقها رسول الله.
]رواه البيهقي وأبو نعيم في دلائلهما [
397- فهم البغلة كلام النبي
عن شيبة بن عثمان الحجبي – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله للعباس يوم حنين : (( ناولني من الحصباء )) ، وأفقه الله البغلة كلامه ، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض ، فتناول رسول الله من البطحاء ، فحثا في وجوههم . وقال : (( شاهت الوجوه حم لا ينصرون ))
]شعار ( حم لا ينصرون ) مأخوذ من سورة الدخان فاولها حم ، وفي الآية رقم 41 منهــا ( ولا هم ينصرون ).[
وعن أنس – رضي الله عنه – قال : انهزم المسلمون بحنين ورسول الله على بغلته الشهباء – وكان اسمها دلدل – فقال لها رسول الله: دلدل البدي ، فألزقت بطنها بالأرض ، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم ، وقــــال : (( حم لا ينصرون ، فانهزم القوم ، وما رمينا بسهم ، ولا طعنا برمح ))
398- شاة ظهرت فحلبت فأروت ثم ذهبت فلم توجد
عن نافع وكان له صحبة من رسول الله قال : كنا مع رسول الله في سفر لنا كنا أربعمائة رجل ، فنزلنا في موضع ليس فيه ماء ، فشق ذلك على أصحابه ، فقالوا : رسول الله أعلم ، قال : فجاءت شويهة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله فحلبها فشرب حتى روى ، وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم قال : (( يا نافع ! املكها الليلة وما أراك تملكها )) ، قال : فأخذتها فوتدت لها وتداً ، ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة ، ورأيت الحبل مطروحاً ، فجئت النبي فأخبرته من قبل أن يسألني ، فقال : (( يا نافع ! ذهب بها الذي جاء بها )) .
]أخرجه البيهقي في الدلائل (6/137) ، وذكره ابن كثير في البداية (6/103) ، وقال : هذا حديث غريب جداً متناً وإسناداً .[
399- نادى على الجمل فجاء مطأطئاً
عن ابن عباس قال : جاء قوم إلى النبي فقالوا : يا رسول الله ! إن بعيراً لنا قطن في حائط – أي أقام في بستان لا يطيع صاحبه – قال : فجاء إليه النبي ، فقال : تعاله فجاء مطأطئاً رأسه ، قال : فخطمه وأعطاه أصحابه ، قال : فقــال أبو بكر : يا رسول الله ! كأنه علم أنك نبي ؟ فقال رسول الله : (( ما بين لا بتيها أحد لا يعلم أني نبي إلا كفرة الجن والإنس )) .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص 326،325) ، والبيهقي في الدلائل (6/30) ، وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى (2/57،56) ، والهيثمي في المجمع (9/4) وقال : رواه الطبراني ورجاله ثقات ، وفي بعضهم ضعف ، وقال ابن كثير (6/136) : غريب جداً .[
400- الفحلان سجدا للنبي
عن ابن عباس أن رجلاً من الأنصار كان له فحلان فا غتلما فأدخلهما حائطاً فسد عليهما الباب ثم جاء إلى النبي فأراد أن يدعو له والنبي قاعد مع نفر من الأنصار فقال : يا نبي الله إني جئت في حاجة ، وأن فحلين لي اغتلما وإني أدخلتهما حائطاً وسددت عليها الباب فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله لي فقال لأصحابه : (( قوموا معنا )) فذهب حتى أتى الباب فقال : (( افتح )) فأشفق الرجل على النبي قال : (( افتح )) ففتح الباب ، فإذا أحد الفحلين قريب من الباب . فلما رأى النبي سجد له ، فقال النبي : (( ائتني بشيء أشد برأسه وأمكنك منـه )) فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر فلما رآه وقع له ساجداً ، فقال للرجل : (( ائتني بشيء أشد رأسه )) ، فشد رأسه وأمكنه منه ثم قال : (( اذهب فإنهما لا يعصيانك )) ، فلما رأى أصحاب النبي ذلك قالوا : هذان فحلان لا يعقلان سجدا لك ، أفلا نسجد لك ، قال : (( لا آمر أحداً يسجد لأحد ، ولو أمرت أحداً يسجد لأحد ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) .
]قال الهيثمي في المجمع (9/8،7) : رواه الطبراني وفيه أبو عزة الدباغ وثقه ابن حبان وبقية رجاله ثقات [
401- الذئاب تتكلم وتطلب حقها
عن شمر عن رجل من مزينة قال : صلى رسول الله ذات يوم فجاءت الذئاب فعوت خلفه ، فلما انصرف رسول الله قال : (( هذه الذئاب أتت تخبركم أن تقسموا لها من أموالكم ما يصلحها أو تخلوها فتغير عليكم )) ، قالوا : دعها فتغير علينا .
]أخرجه الدارمي في سننه المقدمة (ص 8) ، وأخرجه ابن أبي شيبة (ج11 ص 480رقم 11785) .[
402- شهادة الضب للنبي بالرسالة
عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن رسول الله كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضباً وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله فلما رأى الجماعة ، قال : ما هذا ؟ قالوا : هذا الذي يزعم أنه نبي : فجاء حتى شق الناس : فقال : واللات والعزى ما اشتملت النساء على ذي لهجة أبغض إليّ منك ولا أمقت ولولا أن يسميني قومي عجولاً لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك : الأسود والأحمر والأبيض وغيرهم ، فقال عمر بن الخطاب : يارسول الله : دعني فأقوم فأقتله . قال : (( يا عمر : أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً )) ثم أقبل على الأعرابي فقال : (( ما حملك على أن قلت ما قلت ؟ وقلت غير الحق ؟ ولم تكرمني في مجلسي ؟)) قال : وتكلمني أيضاً ؟ استخفافاً برسول الله واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله فقال رسول الله : (( يا ضب ؟ )) فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعاً : لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة . قال : (( من تعبد يا ضب ؟ )) قال : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته ، وفي النار عقابه : قال : (( فمن أنا يا ضب ؟ )) قال : رسول الله رب العالمين ، وخاتم النبيين ، وقد أفلح من صدقك ، وقد خاب من كذبك . قال الأعرابي : لا أتبع أثراً بعد عين والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إليّ منك ، وإنك اليوم أحب إليّ من والدي ومن عيني ، ومني وإني لأحبك بداخلي ، وخارجي وسري وعلانيتي . أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله .
فقال رسول الله : (( الحمد لله الذي هداك بي ، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه ولا يقبل إلا بصلاة ولا تقبل الصلاة إلا بالقرآن )) ، قال : فعلمني فعلمه ( قل هو الله أحد )قال زدني : فما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا .
قال يا أعرابي ! : (( إن هذا كلام الله ليس بشعر إنك قرأت ( قل هو الله أحد )مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن وإن قرأت مرتين كان لك أجر من قرأ ثلثي القرآن – وإذا قرأتها ثلاث مرات ، كان لك أجر من قرأ القرآن كله )) . قال الأعرابي : نعم الإله : إلهاً يقبل اليسير ويعطي الجزيل ، فقال له رسول الله : (( ألك مال )) قال : فقال : ما في بني سليم قاطبه رجل هو أفقر مني ، فقال رسول الله لأصحابه : (( أعطوه )) فأعطوه حتى أبطروه . فقام عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ! إن له عندي ناقة عشراء دون البختين وفوق الأعربي تلحق ولا تُلحق أهُديت إليّ يوم تبوك أتقرب بها إلى الله عز وجل وأدفعها إلى الأعرابي .
فقال رسول الله: (( قد وصفت ناقتك فأصف مالك عند الله يوم القيامة )) قال : نعم . قال : (( لك كناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر وعنقها من زبرجد أصفر عليها هودج وعلى الهودج السندس والإستبرق وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة )) . فقال عبد الرحمن : قد رضيت . فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة . معهم ألف سيف وألف رمح . فقال لهم : أين تريدون ؟ فقالوا : نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله : قال : لا تفعلوا أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فحدثهم الحديث ، فقالوا بأجمعهم : لا إله إلا الله محمد رسول الله . ثم دخلوا فقيل للنبي : فتلقاهم بلا رداء فنزلوا عن ركبانهم يقبلون حيث وافوا منه ، وهم يقولون : لا إله إلا الله محمد رسول الله .
ثم قالوا : يا رسول الله أمرنا بأمرك ، قال : (( كونوا تحت راية خالد بن الوليد )) فلم يؤمن من العرب ولا غيرهم ألف غيرهم .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل (ص 320) ، وأخرجه البيهقي في الدلائل ، وذكره ابن كثير في البداية (6/149) ، والسيوطي في الخصائص (ج2 ص 65) .[
403- تكلم الحمار
عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : أتى النبي وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه ، فقال : (( من أنت ؟ )) فقال : عمرو بن فلان ، كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم وكنت لك ، فملكني رجل من اليهود ، فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضرباً ، فقال النبي: (( فأنت يعفور ))
]منكر : أخرجه أبو نعيم (ص 331) .[
404- أخبر عن الشاة التي أخذت بغير إذن أهلها ولم يعلم بذلك أحد من معجزاته الإخبار عن الغيوب الماضية
عن رجل من الأنصار قال : خرجنا مع رسول الله في جنازة فرأيت رسول الله وهو على القبر يوصي الحافر : أوسع من قبل رجليه ، أوسع من قبل رأسه ، فلما رجع استقبله داعي امرأة ، فجاء وجيء بالطعام فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله يلوك لقمة في فيه ، ثم قـال : (( أجد لحم شاة ، أخذت بغير إذن أهلها )) . قال : فأرسلت المرأة ، يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم توجد ، فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إليّ بثمنها فلم يوجد ، فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إليّ بها ، فقال رسول الله : (( أطعميه الأسارى )) .
]أخرجه أبو داود وانظر البداية (6/198) .[
405- أخباره عن الجمل وما يحدث حوله
عن ابن عباس عن رسول الله قال : ( أيتكن صاحبة الجمل الأذنب يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت ) .(صحيح : أخرجه ابن أبى شيبة (15/360) . أي يقتل .
وذلك سنة ست وثلاثين . وقد قتل حول الجمل ستون ألفاً من الصحابة والتابعين – رضي الله عنهم - .
406– مرض الكلب
إعجاز آخر للطب النبوي حين أرشدنا إلى الأسلوب العلمي الرفيع في الاحتراز من الآنية والمياه التي يردها الكلاب خوفاً من نقلها مرض الكلب ( الريبس ) الخطير وعدة أمراض أخرى (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ).
ما الحكمة في الغسل سبع مرات أولاهن بالتراب : أن فيروس الكلب دقيق متناه في الصغر , ومن أنه كلما صغر حجم الميكروب كلما زادت فاعلية سطحه للتعلق بجدار الإناء والتاقه به , ولعاب الكلب المحتوي على الفيروس يكون على هيئة شريط لعابي سائل , ودور التراب هنا هو امتزاز الميكروب (بالالتصاق السطحي ) من الإناء على سطح دقائقه .
407- الذباب
ترجع فكرة اللقاحات والأمصال إلى اكتشاف الطب الحديث أن العلاج بذات السم هو خير وسيلة للنجاة منه , لقدرة الخلايا الحية على إنتاج أجسام مضادة , وقد أثبتت دراسات أجريت على الذباب , أنه حين يحمل في جناحه بعض الجراثيم تتولد به أجسام مضادة لهذه الجراثيم .
وجاء هذا مصدقاً لكلام رسول الله : ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه , فإن في إحدى جناحيه داء وفي الآخر دواء )أخرجه البخاري.
وفي رواية ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه , فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء , وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) أخرجه أحمد .
والحديث يقرر ما لم تعرفه الأجيال السابقة عن دور الذباب كناقل رئيسي للأمراض آية شاهدة على الإعجاز العلمي في الحديث النبوي
الحلقة الثالثة والخمسون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (11 )
مع القرآن
834-القرآن يتحدى
( الإتيان بمثله أم بسورة منه )
تحداهم القرآن العظيم أن يأتوا بمثله فعجزوا .
قال تعالى : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) البقرة: 23
وتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا قال سبحانه : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) هود : 13 .
وتحداهم أن يأتوا بأقصر سورة من مثله فعجزوا قال سبحانه : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) يونس : 38 . ولم يعارض القرآن إلا مجنون أو أحمق.
هذا مسيلمة الكذاب راح ليثبت أن الوحي قد نزل عليه , ورام أن يعارض القرآن الكريم ,فوقع في شر أعماله , ولو نطق الحيوان لقهقه من قرآن مسيلمة استمع إليه وهو يقول : والمذرعات ذرعاً . والحاصدات حصداً والذاريات , قمحاً ، والطاحنات طحناً . والخابزات خبزاً . والثاردات ثرداً . واللاقمات لقماً ,إهالة وسمناً , لقد فضلتم على أهل الوبر . ما سبقكم أهل المدر . رفيقكم فامنعوه , والمعتر فآووه , والناعي فواسوه .
وكأنه أراد أن يعارض سورة العاديات فأضحك الله منه خلقه . والرجل كان عبد بطنه لذا تنزل الوحي على معدته !! .
ومن كلام السافل أيضاً : يا ضفدع بنت الضفدعين , نقي ما تنقين , لا الماء تكدرين , ولا الشارب تمنعين , رأسك في الماء وذنبك في الطين .
قال الجاحظ في الحيوان عند كلامه عن الضفدع : ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها , ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من القرآن : يا ضفدع بنت ضفدعين .
ومن كلامه الساقط البارد السخيف النتن الذي لا ينهض ولا يجلو ولا يتماسك : الفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل .
قصد بهذا الهراء السخيف أن يعارض سورة الفيل , وشتان بين الثرى والثريا . وقال أيضاً : والليل الدامس . والذئب الهامس . ما قطعت أسد من رطب ولا يابس .
فكيف وجد من العرب الفصحاء البلغاء , من يغرى بمثل هذا الهراء لا جرم أنها العصبية والحمية ومحاولة القضاء على الدعوة الإسلامية .
ورد أن عمرو بن العاص – قبل إسلامه – قدم على مسيلمة فقال : له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين ؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورة وجيزة – بليغة , فقال : وما هي ؟ قال : أنزل عليه (والعصر) .إلخ السورة , قال : ففكر مسيلمة ساعة . ثم رفع رأسه , فقال : ولقد أنزل عليّ مثلها , فقال له عمرو : وما هي ؟ فقال مسيلمة : يا وبر يا وبر , إنما أنت إيراد وصدر , وسائرك حفر ونقر , ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب .
835- ومن تأثير القرآن في القلوب
أخذه بمجامع القلوب ووصوله إلى شغافها وتحكمها في سويدائها
هذا عمر – رضي الله عنه – يعلن إسلامه ويترك كفره من قراءة بعض الآيات من فاتحة سورة طه .
- وهذا النجاشي ( أصحمة ) أسلم , ورفض المسيحية من استماع مقدمة سورة مريم , وعارض قومه , وخالف أهل ملته , وهو يعلم يقيناً أن في هذا ضياع ملكه , وذهاب دولته , وقضاء سلطانه .
وهذا الطفيل بن عمرو الدوسي يسمع بعض الآيات من النبي فيبهره ما يسمع فيتحدى المشركين الذين خوفوه من النبي ويعلن توحيده , ويدعو قومه حتى أسلموا على يديه .
836 - القرآن يخطف عقل الوليد بن المغيرة
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له , فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه , فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه , فإنك أتيت محمداً لتتعرض لما قبله , قال : لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً . قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له وأنك كاره له , فقال : وماذا أقول فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني . ولا بأشعار الجن , والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا . و والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة , وإنه لمنير أعلاه مشرق أسفله , وإنه ليعلو وما يعلى عليه , وإنه ليحطم ما تحته .
قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . قال : فدعني حتى أفكر , فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت : ( ذرني ومن خلقتُ وحيداً ) . أخرجه الحاكم وقال : إسناده على شرط البخاري .
قال تعالى : ( ذرني ومن خلقت وحيداً )11( وجعلت له مالاً ممدودا) 12( وبنين شهودا)13( ومهدت له تمهيدا)14( ثم يطمع أن أزيد)15( كلاّ إنه كان لآياتنا عنيدا)16( سأرهقه صعودا)17( إنه فكر وقدر)18( فقتل كيف قدر)19( ثم قتل كيف قدر)20( ثم نظر)21( ثم عبس وبسر)22( ثم أدبر واستكبر)23( فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر)24(المدثر : 11-24 ).
837- أئمة الكفر يسرعون إلى الاستماع للقرآن
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث : أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام : والأخنس بن شريق حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله وهو يصلي من الليل في بيته , فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع قيه , وكل لا يعلم بمكان صاحبه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاموا وقال بعضهم لبعض :
لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً , ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة , عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة , ثم انصرفوا , حتى إذا كانت الليلة الثالثة , أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض : لا تبرح حتى نتعاهد ألا نعود .
فتعاهدوا على ذلك , ثم تفرقوا , فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها , قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به كذلك . قال : ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته .
فقال يا أبا الحكم : ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرس رهان قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك مثل هذا ؟ والله لا نؤمن به أبداً , ولا نصدقه , قال : فقام عنه الأخنس وتركه. أخرجه ابن سحاق في السيرة وذكره الحافظ في الإصابة في تمييز الصحابة (1/26), وقال ذكره الذهبي في الزهريات بسند صحيح .
فعمل هذا الجاهل الجهول المجهال الجهالة أبو جهل هو الصد عن سبيل الله – تعالى - .
838- القرآ8ن يزلزل قلب أحد أئمة الكفر
ورد أن عتبة بن ربيعة قال يوماً وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء , ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب النبي يزيدون ويكثرون , فقالوا : بلى يا أبا الوليد : قم إليه فكلمه , فقام إليه عتبة حتى جلس إلى النبي فقال : يا ابن أخي , إنك منا حيث قد علمت من السّطة في العشيرة , والمكان في النسب , وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم , وسفهت به أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم , فسمع مني أعرض عليك أمور تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها .
قال : فقال له رسول الله : ( قل يا أبا الوليد أسمع ) , قال : يا ابن أخي , إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً , وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك , وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً , تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرأك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له .
حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله يستمع منه ، قال : (( أقد فرغت يا أبا الوليد )) ؟ قال : نعم . قال : (( فأسمع منـــــي )) ، قال : أفعل ، فقال : ( بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آيته قرآناً عربياً لقوم يعلمون * بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذننا وقرٌ ومن بيننا وبينك حجاب فأعمل إننا عاملون * قل أنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد )]فصلت : 1 -6 [ ، ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه ، ثم أنتهى رسول الله إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : (( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت ، فأنت وذاك )) .
فقام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني وأجعلوها بي ، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال : هذا رأيي فيه ، فأصنعوا ما بدا لكم .
وأسفر هذا الكلام الذي أثنى به عتبة عن حدوث اضطراب في موقف قريش من النبي ، فاجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أميه والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأميه بن خلف .
اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم ، فجاءهم رسول الله سريعاً وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء .
]أخرجه ابن إ سحاق ( 1/294،293) بسند منقطع .
839- القرآن يخطف قلب النجاشي فيدع النصرانية ويؤمن بالإسلام .
لما هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة . وأرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ليرادهم إلى قومهم وبعد مداولات ومجاولات رأى النجاشي أن يستمع الأقوال .
قال جعفر بن أبي طالب : أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار ، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا لله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانه ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ،وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً . وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فعدد علينا أمور الإسلام ، فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً وحرمنا منا حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله – تعالى- وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك .
فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شي؟ فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه صدراً من (كهيعص)فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته ، وبكى أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال لهم النجاشي : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا والله لا أسلمهم إليكما ، ولا يكادون يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ، فخرجا ، وقال عمرو بن العاص لعبد الله بن ربيعة : والله لآتينهم غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم .
فقال له عبدالله بن ربيعة : لا تفعل ، فإن لهم أرحاماً ، وإن كانوا قد خالفونا ولكن أصر عمرو على رأيه .
فلما كان الغد قال للنجاشي : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح ، ففزعوا ، ولكن أجمعوا على الصدق ، كائناً من كان ، فلما دخلوا عليه ، وسألهم قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . فأخذ النجاشي عوداً من الأرض ، ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود .
]سيرة ابن هشام (1/336،334) ، وساقه ابن إسحاق بسند متصل [
840- ومن إعجاز القرآن ]إعجاز الحفظ والوعي [
العجز الكامل عن بلوغ النهاية في حمله وحفظه في الصدور والقلوب حمل القرآن يسير وحفظه في القلب ليس بعسير ، قال تعالى ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ). ولا يعجز المرء أن يحفظه في ثمانية أشهر ، يحفظ كل يوم ربعاً ( حوالي ثلاثين سطراً ) إذ إنه أربعون ومائتان ربعاً .
وورد أن الإمام الزهري حمل القرآن الكريم في ثمانين يوماً . أما الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والإنجيل فإنه يتعسر ويمتنع في حق أهلها حفظها في الصدور ، وهذا إعجاز آخر للقرآن الكريم . إلا أن القرآن المجيد مع يسر حفظه يتعسر على حامليه أن يبلغوا النهاية في حفظه بأن لا يخطئوا فيه ولا ينسوا منه كلمة واحدة عند تلاوته كله عن ظهر غيب ، وهذا بخلاف حفظ الشعر والنثر والخطب وسائر كلام الناس .
وقد سمعت أن رجلاً من المتفوقين في حمل القرآن المجيد تحدى بعض الناس في حفظ القرآن الكريم ، فتلا القرآن عن ظهر قلب من أول الفاتحة حتى بلغ سورة المسد ولم يخطئ خطأ واحداً ، فلما قرأ ( تبت يدا أبي لهب وتب )غاب عن ذهنه الآية التي بعدها !! .
841- كل حرف في القرآن له دلالة ومعنى وليس به حرف زائد
ولنأخذ مثالاً واحداً للدلالة على ذلك : قال تعالى ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ) ]الزمر: 71[ فلما ذكر أبواب الجنة ، قال : ( وسيق الذين أتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها )فأضاف واواً في جواب الشرط ولم يضفه في أبواب جهنم . لأن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على وصولهم إليها بدليل قوله تعالى : ( جنات عدن مفتحة لهم الأبواب )فلذلك جيء بالواو كأنه قيل : حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها .
]تفسير الرازي (13/485) [
وقيل : لتسرح النفس كل مسرح فيما يكون عند باب الجنة ، كما يقول الوالد لولده : إن حصلت على تقدير ممتاز ولا يذكر الجواب ، فيفكر الولد وتسرح نفسه في هدية الوالد ، أهي شقة أم سيارة أم عروس أم ... أما القول بأنه ذكر ذلك لأن أبواب النار سبعة وأبواب الجنة ثمانية فضعيف .
842- الإعجاز في تكرار آياته وكلماته
وعندما يذكر القرآن الكريم آية أو آيات متشابهة في اللفظ في أكثر من موضع نرى أن الاختلاف في الكلمات التي ذكرت في الموضعين أو المواضع يعطي معنى جليلاً مهماً ولا يصح أن تكون كلمة أو حرفاً من هذه الحروف زائدة ، خذ مثلاً قال تعالى ( وإذ قٌلنا ادخلوا هذه القرية فكٌلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سُجداً وقولوا حظةُ نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون )]البقرة : 58-59[
وقال عز وجل في سورة الأعراف : ( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حظة وادخلوا الباب سجداً نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين (161) فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون )]الاعراف : 161-162[
هاتان الآيتان تخالفان آيتا البقرة من وجوه :
الأول : قال تعالى : ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية )]البقرة :58[ ها هنا قال تعالى ( وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ) ]الاعراف :161[
الثاني : أنه تعالى قال : في سورة البقرة : (فكلوا )، بالفاء وها هنا : (وكلوا ) بالواو .
الثالث : أنه تعالى قال في سورة البقرة : (رغداً )وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة .
الرابع : أنه تعالى قال في سورة البقرة : ( وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة )وقال هنا هنا : على التقديم والتأخير .
الخامس : أنه تعالى قال في البقرة : ( نغفر لكم خطاياكم ) وقال ها هنا ( نغفر لكم خطيئاتكم ).
السادس : أنه تعالى قال في سورة البقرة : ( وسنزيد المحسنين )وها هنا حذف حرف الواو.
السابع : أنه تعالى قال في سورة البقرة : ( فأنزلنا على الذين ظلموا )وقال ها هنا : ( فأرسلنا عليهم ).
الثامن : أنه تعالى قال في سورة البقرة : ( بما كانوا يفسقون )وقال ها هنا : ( بما كانوا يظلمون ).
واعلم : ان هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة بينها ألبته ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة :
أما الأول : وهو أنه – تعالى – قال في سورة البقرة : ( ادخلوا هذه القرية )وقال : هاهنا : ( اسكنوا )فالفرق أنه لابد من دخول القرية أولاً ، ثم سكونها ثانياً .
وأما الثاني : فهو أنه – تعالى – قال في البقرة : ( ادخلوا هذه القرية فكلوا )بالفاء ، وقال : ها هنا : ( اسكنوا هذه القرية وكلوا) بالواو ، والفرق أن الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم ، فإنه إنما يكون داخلاً في أول دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكوناً لا دخولاً .
إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال تعالى : ( ادخلوا هذه القرية )واما السكون فحالة مستمرة باقية ، فيكون الأكل حاصلاً معه لا عقيبه ، فظهر الفرق .
وأما الثالث : وهو أنه – تعالى – ذكر في سورة البقرة : (رغداً )وما ذكره هنا ، فالفرق أن الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله تعالى : ( رغداً )وأما الأكل حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة مالم تكن اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله تعالى : ( رغداً )فيه .
وأما الرابع : وهو قوله تعالى في سورة البقرة : ( وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة )، وفي سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على انه لا يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر ، إلا لما كان المقصود منهما ، تعظيم الله – تعالى – وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بسبب التقديم والتأخير .
وأما الخامس : وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة ( خطاياكم )وقال ها هنا : (خطيئاتك )فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع .
وأما السادس : وهو أنه قال في سورة البقرة : ( وسنزيد ) بالواو ، وها هنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف ، والتقدير : كأن قائلاً قال : وماذا حصل بعد الغفران ؟ فقيل له : ( سنزيد المحسنين ).
وأما السابع : وهو الفرق بين قوله تعالى : ( فأنزلنا )وبين قوله تعالى ( فأرسلنا )فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة ، والإرسال يشعر بها ، فكأنه بدأ بإنزال العذاب القليل ، ثم جعله كثيراً .
واما الثامن : وهو الفرق بين قوله تعالى : ( يظلمون )وبين قوله تعالى ( يفسقون )فذلك لأنهم موصفون بكونهم ظالمين ، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم فاسقين ، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله – تعالى – فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين .
فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة – وتمام العلم بها عند الله – تعالى - .
]تفسير الرازي (7/323،321) [
843- إعجاز في أرقام الآيات
عند النظر في أرقام آيات القرآن المجيد ، وجمع الآيات المتعلقة بموضوع واحد ، نجد أحياناً سمة التقارب بين الأرقام في السور المختلفة التي تشير إلى موضوع واحد .
844- خذ مثلاً
الأرقام التي تتحدث عن تمكن المسلمين من الأرض وكسرهم لعدوهم والشروط المطلوبة ليتم لهم ذلك النصر والا ستخلاف قال تعالى في الآية الخامسة بعد المائة من سورة الأنبياء المكية : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).
ويقول – عز وجل – في الآية الخامسة والخمسين من سورة النور المدنية : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ).
وفي الآية الخامسة من سورة الإسراء المكية ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ). وأنت ترى أن أرقام الآيات تدور مع العدد (5) . ومضاعفاتها ، ولك أن تسأل لماذا العدد خمسة ، أقول : لأن العدد خمسة يشير إشارة عظيمة لأمل جليل ألا وهو وحدة المسلمين ، فإن المسلمين إذا استقاموا على شروط هذه الآيات من الإيمان والعمل الصالح كانوا في دائرة واحدة ، وبوتقة واحدة ، أما إذا لم يسلكوا منهج الله فلن ينتصروا على أعداء الله ولو عقدوا آلاف المؤتمرات العربية على مستوى الأفراد والحكومات .
وأنت ترى أن معاني هذه الآيات الثلاث متكررة . انظر قوله : ( كتبنا) ( وعد الله ) ( بعثنا )وقوله ( عبادي الصالحون )( الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ) ( عباداً لنا ).
وأيضاً قوله : ( يرثها ) ( ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ) ( فجاسوا خلال الديار ).
الآية الخامسة من سورة الإسراء فسرها بعض العلماء المعاصرين بأن الإفسادة الأولى لليهود كانت في عصر النبيوبعث الله – جل ثناؤه – عليهم صحابة نبيه فكسروا شوكتهم وأزالوا دولتهم وقضوا على يهود بني قينقاع ويهود بني النضير ، ويهود بني قريظة ويهود خيبر .
ونحن الآن نعيش في الإفسادة الثانية لليهود فقد علوا علواً كبيراً وعتوا عتواً مبيناً ، ونسأل الله – تعالى – أن نكون ممن يبعثهم الله لإسامة اليهود سوء العذاب .
845- ومثال آخر
عندما نقرأ الآيات المبشرات بانتصار المسلمين نرى أن الآيات لها صلة وثيقة ببعضها في الأرقام .
ففي الآية الثالثة والثلاثين من سورة التوبة يقول تعالى: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) .
وفي الآية التاسعة من سورة الصف المدنية يقول تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو المشركون) .
وعند التفكر في الآيتين نقرر ما يلي :
1- الآية الأولى من سورة التوبة سبقت بالإنكار على اليهود والنصارى .كذا آية الصف سبقت بالإنكار على اليهود والنصارى وهناك تقارب حتى في أرقام الآيات التي سبقت الآيتين فالإنكار على اليهود والنصارى جاء قبل آية التوبة بثلاث آيات , والإنكار عليهم في آية الصف جاء قبلهم بثلاث آيات .
2- سبقت آية التوبة بقوله ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) , وكذا آية الصف سبقت بقوله ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ) )سورة الصف 8 .
3- جاءت الإشارة إلى أن محمداً رسول الله وأن عيسى بشر به وهذا موجود بالتصريح في سورة الصف في قوله تعالى (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). سورة الصف:6 .
وصرحت الآيتان بأن محمداً رسول الله (هو الذي أرسل رسوله ) .
4- الآيتان متفقتان في الكلمات والحروف لم يسقط من إحداهما حرف واحد ولم يزد حرف , وهذا نادر وعزيز في القرآن الكريم , بل لا يكاد يذكر ويكرر إلا في آيات معدودة , صحيح أن هناك آيات كثيرة مثل (فبأي آلاء ربكما تكذبان ) و(ويل يومئذ للمكذبين ) (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) كررت كثيراً في سورتها أو في سوراً أخرى لكنها آيات قصيرة .
5- الآيتان مدنيتان باتفاق والسورتان مدنيتان .وهذا فيه دلالة على انتصار الإسلام في المستقبل .
6- آية التوبة تمثل رقم (33) وآية الصف تمثل رقم (9) , وعند ضرب 3 في 3 يعطينا العدد (9) , والعدد ثلاثة يدل على الوتر والوتر هو الواحــد .
فالآيتان تشيران إلى أن ظهور الإسلام على الدين كله مشروط بوحدة أتباعه .
وقد جاء هذا المعنى في سورة التوبة في قوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) التوبة :29 .
وأصرح منه في سورة الصف يقول سبحانه : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) الصف : 4
فوحدة صف الأمة في قتال أعدائها أساس لنصرها .
846- إعجاز في التفسير
قام المفسرون بتفسير كلمات القرآن المجيد , واختلف مناهجهم وأساليبهم في تناول حروف القرآن , ولم يدعوا كلمة بدون تفسير إلا أنهم جاءوا عند أحرف خاصة هي الحروف المقطعة(الم .المص.الر .كهيعص . طه )
ووقفوا مكتوفي الأيدي , وعجزوا أجمعون – من لدن الصحابة إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة – أن يفسروا الأحرف المقطعة في فواتح السور . سبحان الله يفسرون مليون حرف , ويعجزون عن تفسير عدة أحرف معدودة . فإن قلت لأحدهم : ما معنى ( ص. ق . ن)؟ قال : الله أعلم بمراده .
847- وعند النظر والتأمل في هذه الأحرف المختارة في فواتح السور نجد فيها عجباً عجاباً
نجد فيها نغمة موسيقية صوتية ممتعة , فقوله : (حم ) جميلة مؤثرة مقبولة بخلاف ما لو قلت : خم أو جم , (الر) تجد لها وقعاً فريداً بخلاف لو ما قلت الز .
848- ونجد فيها إعجازاً آخر فنطق الحرف يقبل بهذه الطريقة
الف .لام . ميم . , بخلاف ما لو نطقها الم بدون النطق السابق .
وانظر إلى قوله (طه) وإلى قولك : (طه) بدون مد , وقوله : (طس) وإلى قولك : (طس) وقوله (يس ) وقولك ( يس) .
849- واختيار الأحرف في فواتح السور من بين أحرف الهجاء إعجاز آخر
فنجد أنه اختار في التسعة أحرف الأولى من حروف الهجاء اختار حرفين هما : ( ألف , وحا ), وترك (ب,ت,ث,ج,خ,د,ذ) , وفي الأحرف العشرة التالية الأولى اختار الحروف غير المنقوطة (المهملة ) وترك المنقوطة (المعجمة) . اختار (الراء , وترك الزاي , واختار السين وترك الشين واختار الصاد وترك الضاد واختار الطاء وترك الظاء واختار العين وترك الغين ), ونجد أنه اختار الأحرف التسعة الأخيرة من حروف الهجاء عدا الفاء والواو (ففي الحروف المقطعة (ق,ك,ل,م,ن,ه,ي), وهذا عكس الأحرف التسعة الأولى التي لم ينتق منها إلا حرفان .
إذن عدد الأحرف المختارة من حروف الهجاء أربعة عشر حرفاً وهو ما يمثل نصف الحروف الهجائية , وسبحان الملك القدير .
850- وحتى في نطق الأحرف الأربعة عشر المختارة من بين حروف الهجاء الثمانية والعشرين
ونرى أن بعضها ينطق كاملاً بثلاثة أحرف ( ألف , لام , ميم , صاد , كاف , عين ) وهي المجموعة في (عسلكم نقص , أو كم عسل نقص , أو سنقص علمك ) .
وهذه الحروف يمكن مدها , ويتيسر نطقها بثلاثة أحرف , بخلاف الأحرف الخمسة الباقية المجموعة في كلمة ( حي طهر ) .فهي تنطق حرفان (حا , را,طا,ها,يا) ولا يقال (حاء, راء , طاء, هاء,ياء) .
وعند نطقها ثلاثة أحرف (طاء هاء ) تدرك ضعف المعنى وبعد السلاسة وغرابة التعبير وعسر النطق .
وإن تعجب فعجب أن تجد هذه الأحرف الخمسة مهموزة في عجزها وثانيها ألف .
851- وإعجاز آخر
وهو أن هذه الأحرف تعد آية إن كان عجزها يماثل عجز الآية أو الآيات التي بعدها , فمثلاً (الر) لا تعد آية في السور التي تُفتح بها وما ذام إلا لأنها لا تناسب صوتياً ما بعدها . بخلاف (حم , تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ...) وهلم جرا ترى التناسق والتناسب بين عجز الآيات .
852- إعجاز الحفظ من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان
قال تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر:9.
فلم يستطع عدو للإسلام أن يحرف أو يبدل أو يزيد أو ينقص حرفاً من القرآن المجيد , وكل من صنع ذلك باءت محاولاتهم بالفشل الذريع , وصاروا عبرة لمن يعتبر وضحكت منهم العقول السليمة والقلوب الطاهرة .
853- ومن وجوه إعجاز القرآن : ما تضمنه من الإخبار بالمغيبات
قبل أن يحفظ أحد من البشر بعلمها , وبوقوع كائنات قبل وجودها من ذلك .
قوله- تعالى - ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون )(الفتح : 27 ) .فهذه الآية من معجزاته حيث إنه أخبر أصحابه أنهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين , ويفتحون مكة على أحسن حال , وانتظر الأصحاب – رضي الله عنهم – هذا الفتح وتم المقصود كما أخبر النبي المحمود.
854- ومنها
قوله تعالى (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم * وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) سورة الروم : 1-6 .
وهذه الآيات من أعظم معجزات سيد المخلوقات, فإن هذه الآيات عندما نزلت كانت الغلبة للفرس على الروم , وكان المسلمون يحبون انتصار الروم على الفرس , إذ أنهم أهل الكتاب فهم أقرب إليهم , بينما كانت قريش تحب انتصار , فارس لأنهم أولاد الوثنية .
روى الترمذي والنسائي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله تعالى ( الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض ) قال : غلبت وغلبت , قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان , وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على الفرس لأنهم أهل الكتاب , فذكر ذلك لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله.
فقال رسول الله: ( أما إنهم سيغلبون ) , فذكره أبو بكر لهم فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلاً , فإن ظهرنا لنا كذا وكذا , وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا , فجعل أجل خمس سنين , فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله فقال : ( ألا جعلتها إلى دون عشر ) وبعد أن تمت نبوءة القرآن , أسلم عند ذلك ناس كثير . (أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن غريب .وذكر ه من رواية نيلر بن مكرم السلمي وقال : حديث حسن صحيح , وفي هذه الرواية .
855- كفاية الله أمر المستهزئين
قال تعالى ( فأصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون )
الحجر 94-96
وهذا أمر معلوم مشاهد لا يحتاج لدليل , فالدنيا كلها تعلم أن المشركين هزموا وقتل أئمتهم واستأصلت شأفتهم وزال جبروتهم , ونجى الله رسوله وأتباعه من كيدهم , ومكن لهم في مكة والمدينة وكفاهم مكر المشركين والمنافقين .
856- والله يعصمك من الناس
ومرت سنوات وسنوات على حياة النبي وهو يعيش بين الناس يأكل ويشرب وينام ويصلي ويحارب , ويزور المرضى , ويتبع الموتى , ويقضي حاجة كل محتاج , لم يكن مختبأ في سرداب من السراديب , أو يتبعه حرس أينما حل وارتحل , ورغم هذا , فقد باءت جميع محاولات قتله بالفشل والخسران , وهذا من كفاية الله – جلت قدرته – له , كما قال تعالى (والله يعصمك من الناس ) (المائدة :67)
857- الإعجاز العلمي
كيف تيسر لمحمد بن عبد الله الأمي أن يعرف – ولم يكن كيميائياً تلك المعادلة الهائلة , أم الحقائق الأرضية كلها التي تقول ( وجعلنا من الماء كل شيء حي )( الأنبياء : 30) .
هل كان في مقدوره أن يعرفها إلا بمعونة من السماء ..؟ . كيف تيسر لمحمد بن عبد الله . ربيب البادية أن يعرف – ولم يكن كيميائياً – تلك الحقيقة الهامة .. أن عسل النحل . فيه شفاء للناس .
وهو لم يكن يحلل عناصره .. ولا أجرى تجارباً كالتي أجراها علماء أمريكا وروسيا وأوربا في هذه الأيام فأقامت – بعد ثبوت هذه الحقيقة – المعاهد العليا المتخصصة لدراسة عناصر العسل التي ثبت بعدها أنه شفاء أكثر أمراض البشرية , ولا يدانيه في الدنيا – لشفاء الأمراض – مركب آخر , هل كان في مقدور محمد أن يعرف ذلك وحده , دون تجارب معمل في إلا بمعونة من السماء ...؟.
858- جاء في القرآن على لسان محمد بن عبد الله
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء )( الأنعام :125)
واكتشف الطيارون ورواد الفضاء ومن وراءهم من العلماء أن التصعد في السماء يضيق الصدور ويكربها , فيتخطف من المرء نفسه ويوشك على الاختناق على ارتفاع ثلاثة أو أربعة أميال , فإذا جاوزها إلى سبعة أو ثمانية زهقت أنفاسه فمات . وطبعاً لم يكن في مقدور محمد بن عبد الله أن يعرف ذلك إلا بوحي من الله .
859- جاء في القرآن الكريم على لسان النبي محمد
( يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ) ]الزمر:5]
وجاء أيضاً ( والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها )]النازعات: 30-32].
والآية الأولى : تفيد استدارة الليل على ما كان نهاراً ، واستدارة النهار على ما كان ليلاً ، ولا يكون ذلك إلا على جسم كروي .
أما الآية الأخرى : فتحدد تمام شكل الأرض ، بأن الله خلقها يوم خلقها بيضاوية ، ولا تكون كذلك إلا وهي كروية .. كان ذلك قبل 1300 سنة .
ثم يجيء العلم الحديث بأجهزته وأقماره وسفنه الفضائية ورواده ليقول : إن محيط الأرض عند القطبين 24220ميلاً . بينما محيطها عند خط الاستواء 24900 ميلا أي بزيادة تقارب 700 ميلاً .
أما قطريها ؛ فالمار بالقطبين 7900 ميلا والاستوائي 7927 بزيادة قطرية تبلغ 27 ميلا ..
كيف عرف محمد بن عبد الله قبل ألف سنة أن شكل الأرض يماثل الدحية ..؟ إلا بوحي من الله .
860- جاء في القرآن على لسان النبي محمد
( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء * إنه خبير بما تفعلون )]النمل :88].
واكتشف علماء الفلك ، بعد نزول القرآن بألف عام أو أكثر أن كوكب الأرض بما عليه من جبال – هي أثقل وأضخم كتلة – يدور في الفضاء ويمر مر السحاب ، وأن ما يبدو للأعين من تنقل الشمس والنجوم من الشرق إلى المغرب إنما هو نتيجة لدوران الأرض نفسها من الغرب إلى الشرق ، كان من أوائل من اكتشف هذه النظرية وبرهن عليها عالم الفلك كوبرينكس في القرن السادس عشر ، وتتابعت من بعده الاكتشافات لتتفق بتفصيلها الحديثة مع ما أجمله القرآن قبل نيف وعشرة قرون .
فكيف عرف محمد ذلك وجاء به القرآن ..؟ إلا أن يكون وحياً من الله
861- جاء في القرآن – على لسان النبي محمد
( أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي )]الأنبياء : 3].
وبعد ألف سنة وأكثر اكتشف العلماء أن الأرض والشمس والكواكب كانت رتقاً فعلاً . كانت كتلة واحدة ، سديماً انفصل بعضها عن بعض في شكل غاز ، وانطلقت كل منها تدور حول نفسها ، وفي الوقت نفسه حول الكتلة الأم . وبدوران الكتل الصغرى ، ومنها الأرض – حول نفسها وحول أمها بسرعة خيالية ) تدور الأرض حول نفسها بسرعة تناهز ألف ميل في الساعة وحول الشمس بسرعة ألف ميل في الدقيقة ) بردت غازاتها السطحية ،ومع الزمن تجمدت بفعل الضغوط والغازات والتكثف ويستأنس لصحة أساسها العلمي بظواهر منها .
862- لا يزال باطن الأرض ساخناً ينفث الغازات والحمم في شكل براكين
وقد استدل بالأجهزة ووسائل القياس العلمية على أن درجة الحرارة على عمق 200 كيلو متراً في باطن الأرض تبلغ حرارة سطح الشمس نفسها .
بتحليل ألوان الطيف بجهاز سبكتروسكوب ، ثبت أن العناصر التي تتكون منها الشمس هي نفس العناصر التي تتكون منها الأرض . جاءت النظرية في القرآن على لسان محمد مجملة قبل 1300 سنة ، واكتشفها العلم الحديث بوسائل بعد 1300 سنة فكيف عرفها النبي محمد ..؟ إلا بوحي من الله .
863- جاء في القرآن على لسان النبي محمد
(والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) ]يـس : 38-40].
وبعد ألف سنة أو أكثر اكتشف علماء الفلك أن الشمس تجري فعلاً ، وحددوا بالأجهزة والمقاييس معدلات سرعتها ووجهتها قالوا : إنها تجري – حاملة معها – تكوين المجموعة الشمسية بكامله . بعيداً عن مواقع افلاكها الحالية في اتجاه برج النسر بسرعة يبلغ معدلها مليون ونصف مليون ميل في اليوم الأرض وأنها برغم هذه السرعة فلن تبلغ موقع البرج إلا بعد مليون سنة . وهم قد فصلوا تفصيلاً وحددوا تحديداً . بما تهيأ لهم من المراصد والمناظير وأجهزة القياس واستخدام الحواس بالرؤية والموجات والإلكترون : ولكن أنى لمحمد بن عبد الله أن يقرر النظرية بروعتها البيانية .. ولم يتهيأ له قبل ألف سنة شيئاً من وسائلهم .. إلا أن يكون وحياً من الله .
864- جاء في القرآن على لسان النبي محمد
( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه ).
وفي الآية معجزة للبشر ، وإدلال بالقدرة الباهرة وإشارة لماحة إلى سر مطوي في البنان ، طوال كل تلك القرون . لم يكن يعرفه إلا الله خالقه ، منذ كانت البشرية إلى اليوم .. هذا السر يكمن في بصمة البنان من الإنسان .
ومفهوم الآية أن جمع عظام الإنسان لبعثه وإحيائه بعد موته ، أمر مؤكد برغم غرابته . لكن الأعجب منه : قدرتنا على أن نسوي بنانه .. ونشكل بصمته التي لا تتشابه بين إنسان وإنسان آخر في هذا الوجود .. الأمر ثبت علمياً في عصيرنا الراهن . ولما كان من المحال أن يعرف النبي محمد قبل 1300 سنة نظرية اختلاف البصمات بين إنسان وآخر. فليس هناك إلا تعليل واحد لورود مثل هذه الآية في القرآن هو أنها جاءت من عند الله .
865- جاء في القرآن على لسان النبي محمد
( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * أقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً )]الإسراء : 13-14].
وفيه ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه * ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً )]الكهف : 49].
وفيه ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين )]الأنبياء : 104].
في أيامنا هذه عرف التليفزيون .. وهو مجرد إشارة ثبت بعدها أن الفضاء الأثيري يمثل كتاباً لكل كائن حي عاش على الأرض أو نفذ من أقطار السموات .. ولا نقصد بالكتاب مجموعة الأوراق والصحف إنما هو مجموعة الصور والأصوات السارية في الأثير ، وبديهي إن الإنسان – بالتليفزيون مرسلاً ومستقبلاً لم يخلق الصورة والصوت بهما ، إنما كان كل مجهوده أن بأجهزته ، التي خلق الله ما دتها وخاصتها وطاقتها ، استطاع فحسب أن يحتويها ويبعثها ويظهرها .
وما أظن ، إلا من مجموعاتها ، يتكون كتاب الإنسان الذي سيلقاه يوم القيامة منشوراً والذي لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها .
هذا التليفزيون اكتشفه علماء الإلكترون بعد نزول القرآن بثلاثة عشر قرناً – فكيف جاءت نظريته على لسان محمد قبل 1300 سنة وهو الأمي ..؟ إلا بوحي من الله .
لقد ثبت بالدليل القاطع ، أن الفضاء الكوني (( اليوم )) كبير يخزن بين طياته (( أفلام )) الكائنات كلها . وليس أدل على ذلك من إمكانية تثبيت الصور والأصوات التليفزيونية ، ونقلها عبر الفضاء بأجهزة وآلات هي باللعب أشبه ، إذا ما قيست بالقدرات الإلهية اللانهائية .
كذلك تثبت تلك الخاصية بالنسبة لجو الكواكب الأخرى . فلم يعد غريباً إذن – خاصة لدى الماديين والمتشككين الاعتقاد بوجود شريط مسموع مصور ، كامن شاهد على أعمال الإنسان وحركاته وسكناته ، وكلماته ، يوشك أن يعرض عليه ذات يوم .
يوم آخر : ( وكفى بنفسك اليوم عليك حسيباً )]الإسراء :14].
866- ولقد شاء منزل الكتاب سبحانه أن يقيم حجة أخرى على أن القرآن وحيه
وكأنها سيقت لجيلنا وحده – دون كل الأجيال إذ خصته بأكثر مما خصت غيره قال : ( يا معشر الجن والإنس * إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا * لا تنفذون إلا بسلطان )]الواقعة :33].
ومن خلالها تسري نبوءة الصعود إلى القمر ، بسلطان العلم الذي ألهمه الله للبشر فسخر المادة بعد ما كشف خواصها وطاقتها وتسلط عليهما جميعاً ، فنفذ – بسلطان العلم – من أقطار الأرض والسموات ، ومحال أن تخطر مثل هذه الآية على خاطرة رجل من قريش قبل 1300 سنة كانت مهنته رعي الغنم ثم يسير التجارة ، إلا بوحي من الله
867- كذلك آية أخرى
يقول فيها : ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها آتاها أمرنا )]يونس ].
محال أن تكون من عند غير الله . فقبل 1300سنة لم يكن ليدخل في حيز تصور إنسان ، ما أصبح ممكناً ومقدوراً عليه اليوم ، من تسخير الإلكترون والذرة والصاروخ والأشعة والموجات ، بيننا وبين سفن الفضاء والأقمار الطوافة بالنجوم والكواكب ، إرسالاً واستقبالاً ، ورؤية وسماعاً ، وتحكماً واستخداماً وحين نريد إهلاكاً وتدميراً .
ومن أمثال هذه الآيات في القرآن كثيرة . يشق مجرد التصور أنها من صنع إنسان ، خاصة إذا كان أميّاً .
ولسوف تتكشف في مقتبل الأيام ، وإلى أن تقوم الساعة أسرار آيات تترى ، آية تلو آية ، لا تزال البشرية من سرها على بعد سحيق .. إلى أن يقع تأويلها بكشف علمي أو عقلي أو تاريخي أو كوني جديد .. وإنه لحقيق بهذا القرآن أن يكون كتاب الوجود .
868- صدق عز من قائل
قال تعالى ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى )]النجم :1-5].
والمعلوم أن النفي السابق للقسم ، يحمل الدلالة على عظم المقسم به ، وبالتالي عظم القسم نفسه .
فماذا كشف العلم الحديث من أمر النجوم ؟
كشف مثلاً أن هناك نجوماً أكبر من الشمس وأضوأ منها مئات بل ألوف المرات .. فنجم الشعرى اليمانية مثلاً أكبر حجماً من الشمس 500 مرة وأشد ضوءاً منها 50 مرة ، لكن بعدها السحيق الذي يبلغ مليون مثل بعدنا عن الشمس يضعف ضؤها بمثل ما نراها عليه . وهي منطلقة تنهب الفضاء بسرعة 1000 ميل في الثانية. ونجم السماك الرامح يعادل ضوء 800 شمس كشمسنا مجتمعة ويبلغ حجمه حجم 80 شمس مجتمعة أيضاً ، وينطلق في الفضاء بسرعة 370 ميلاً في الثانية .
كذلك ( سهيل ) اليماني يعادل ضوؤه 2500 شمس مجتمعة لكنه يبدو لأعيننا كما عرفناه لبعده السحيق عن عالمنا .
والسيون إحدى نجوم بنات نعش السبعة يعادل حرارتها 1000 شمس مجتمعة .
وهناك من النجوم ما هو أكبر وأضوأ أو أسخن من الشمس ملايين المرات .. ولم يكشف العلم حقيقتها إلا خلال هذا العصر بكونوجرافاته وإلكتروناته وجيجراته .. الخ .
كيف استطاع النبي محمد ولم يكن لديه من أجهزة العصر الحديث شيئاً أن ينوه بكل هذه العظمة في خلق النجوم ؟؟ إلا أن يكون بوحي صادق عن الله .
صدق الله تعالى فيما أنزل على نبيه إذ يقول : ( ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ]الـنحــل : 89[
]دلائل النبوة للبيهقي مقدمة التحقيق لعبد الرحمن محمد عثمـــان [.
869- زوجية المخلوقات
الزوج هو النوع من كل شيء . والزوجان : اثنان أحدهما نقيض الآخر.
لو تأملنا مكونات الذرة لوجدنا للبروتون الموجب قريناً سالباً : الأنثى بروتون , وفي الذرة المتعادلة : لكل بروتون إلكترون يعادله , والإلكترونات (السالبة ) قرينها البروتون الموجب , بل إن النيوترون المتعادل له قرين : أثنى نيوترون ليس هذا فحسب بل إن للأجرام السماوية المرئية المنبثقة في الفضاء اللانهائي يعتقد الآن أن لمادتها قريناً غير مرئي يطلق عليه اسم : المادة المظلمة , التي بمثابة الصورة السلبية لمادة الكون .
وقد سبق القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حقيقة زوجية المخلوقات (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) (الذاريات :49).( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) (النجم :45)
870- أشار القرآن الكريم إلى السيارات والطائرات والصواريخ
ففي المعرض الحديث الإلهي عن تسخير آلات النقل والمواصلات ألمح – جل ذكره – إلى أنه سيخلق أدوات نقل غير الآلات المشهورة وهي الخيل والبغال والحمير قال تعالى : ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ) (النحل : 8)من الطائرات والصواريخ والسيارات وقوى الكهرباء والبخار . وهذا ما لم يذكر في الكتب السماوية السابقة للقرآن .
871- خلق السمع قبل البصر
تقديم السمع على البصر حقيقة علمية تتسق مع : استمرار حاسة السمع دون البصر ليلاً ونهاراً حتى أثناء النوم .
- الأهمية النسبية للسمع عن البصر في التلقي والفهم والحفظ والتفاعل الاجتماعي .
ومن المعروف أن قناة السمع الخارجية تتشكل في الجنين ثم تغلق , وتظل كذلك حتى الشهر السابع حتى تنشق لتبدأ حاسة السمع في العمل , وكذلك تنشق عدسة العين المغطاة حينئذ بالمحفظة العدسية الوعائية التي تتخللها أوعية دموية تضمر في الشهر السابع فتنشق في وسطها فتحة : هي حدقة العين . ثم تنشق الجفون الملتصقة .
وهذه الحقيقة التي تثبت اكتساب المولود لحاسة السمع قبل البصر كررها القرآن الكريم قبل العلم الحديث بأربعة عشر قرناً , وذكرها في خمس عشرة سورة قال تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (النحل :78).
كما عبر الحديث النبوي الشريف عن بداية لتكوين أعضاء السمع قبل البصر قال رسول الله ( سجد وجهي للذي خلقه , وشق سمعه وبصره بحوله وقوته , فتبارك الله أحسن الخالقين ) (أخرجه الترمذي (2/474) وأحمد (6/30), والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (1/220).
872- لبن الأم
أثبت العلم الحديث أهمية لبن الأم لرضاعة الطفل تغذية ووقاية من الأمراض المعدية ومن أمراض الحساسية والفم , ووقاية للأم من مشاكل الثدي والعمل على استقرار الرحم بعد الولادة والمساعدة في تنظيم الحمل , ولتوفير الإحساس بالدفء والأموية للرضيع .
وقد سبق القرآن الكريم الحقائق بأربعة عشر قرناً , قال تعالى : (والوالدات) (البقرة : 233)
873- الجماع أثناء الحيض أذى
الجماع أثناء الحيض يسبب أمراضاً متعددة تؤدي إلى نقص المناعة , كما أن الجماع في ذلك الوقت يؤدي إلى تسلخات تساعد على نمو البكتريا , وانقباضات الرحم خلاله تدفع هذه البكتريا إلى تجويف الرحم . وقد سبق القرآن الكريم إلى الأمر بتجنب الجماع في الحيض , قال تعالى ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) ( البقرة : 222).
874- إشارة القرآن إلى موميات الفراعنة
قال تعالى ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ) ( يونس :90- 92)
وجاءت الآية . فجثة فرعون قد انتشلت بعد انتهاء الحرب مع موسى عليه السلام , وغرق جيش فرعون لتحنط مع مومياوات أسلافه , والتي اكتشفتها الكشوف الأثرية واحدة بعد الأخرى .
وترجع الدراسات التاريخية , أن فرعون الخروج أمنفتاح بن رمسيس (أو مرنبتاح ) الذي كان عصره بين عامي 1231-1220 1231-1220 قبل الميلاد . والذي ترقد مومياؤه في المتحف المصري بالقاهرة , وهناك آراء أخرى تميل إلى كون فرعون الخروج تحتمس الثالث (1501-1447 1501-1447 قبل الميلاد) .
وأياً كان الفرعون فالمومياء قد حنطت وبقيت لتكون عبرة للأجيال , ولم يكن أحد يعرف أن جثث الفراعنة كانت تحنط وأنها ستظهر كلها إلى النور في الزمان البعيد . وذلك من أبلغ البراهين على صدق القرآن العظيم , ومعجزة أخرى من معجزات سيد الخلق وقد قرأت أن أحد كبار العلماء الآثار الغربيين قد أسلم عندما قرأ هذه الآية .
875- إسلام كبير علماء الفلك الغربي بإعجاز آية فاطر
كان ذلك يوم أحد من أيام سنة 1909م , وكانت السماء تمطر بغزارة , وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما , فإذا بي أرى الفلكي المشهور السير جيمس جينز – الأستاذ بجامعة كمبردج ذاهباً إلى الكنيسة , والإنجيل والشمسية تحت إبطه ، فدنوت منه , وسلمت عليه , فلم يرد علي , فسلمت عليه مرة أخرى , فسألني : ماذا تريد مني؟ فقلت له : أمرين ’ يا سيدي : الأول هو : أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر ! فابتسم السير جيمس وفتح شمسيته على الفور , فقلت : له وأما الأمر الآخر فهو : ما الذي يدفع رجلاً ذائع الصيت في العالم مثلك أن يتوجه إلى الكنيسة ؟ وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة .
ثم قال : عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي , وعندما وصلت إلى داره في المساء , خرجت .ليدي جيمس في تمام الساعة الرابعة , بالضبط وأخبرتني أن السير جيمس ينتظرني , وعندما دخلت عليه في غرفته وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي , وكان البروفيسور منهمكاً في أفكاره , وعندما شعر بوجودي , سألني : ماذا كان سؤالك ؟ ودون أن ينتظر ردي , بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية , ونظامها المدهش وأبعادها وفواصلها اللا متناهية , وطرقها , ومداراتها وجاذبيتها , وطوفان أنوارها المذهلة , حتى إنني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله .
وأما (السير جيمس ) فوجدت شعر رأسه قائماً والدموع تنهمر من عينيه , ويداه ترتعدان من خشية الله , وتوقف فجأة , ثم بدأ يقول : يا عناية الله ! عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي وعندما أركع أمام الله وأقول له : إنك لعظيم ! أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء , وأشعر بسكون وسعادة عظيمين , وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة , أفهمت يا عناية الله خان , لماذا أذهب إلى الكنيسة ؟ ويضيف العلامة عناية الله قائلاً : لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفان في عقلي , وقلت له : يا سيدي لقد تأثرت جداً بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي , وتذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس , فلو سمحتم لي , لقرأتها عليكم , فهز رأسه قائلاً : بكل سرور , فقرأت عليه الآية التالية ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك * إنما يخشى الله من عباده العلماء ).
فصرخ السير جيمس قائلاً : ماذا قلت : ؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء ! مدهش !وغريب ! وعجيب جداً !! إن الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة من أنبأ محمداً به ؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة , لو كان الأمر كذلك , فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى من عند الله .
ويستطرد السير جيمس جينز قائلاً : لقد كان محمداً أمياً , ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السر بنفسه , ولكن الله هو الذي أخبره بهذا السر .. مدهش ..! وغريب , وعجيب جداً !! .
]الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان (ص 152-153) دار البحوث العلمية ط 2 سنة 1393 هـ .. 1973 م .
الحلقة الرابعة والخمسون
معجزاته صلى الله عليه وسلم (12 )
مع الجن
حراسة السمع من استراق الجن السمع بعد المبعث النبوي
عن ابن عباس : أنه لم يكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع ، فإذا أنزل الوحي سمعت الملائكة صوتاً كصوت الحديد ، ألقيتها على الصفا ، قال : فإذا سمعت الملائكة خروا سجداً فلم يرفعوا رءوسهم حتى ينزل ، فإذا نزل قال بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟ فإن كان مما يكون في السماء قالوا : الحق وهو العلي الكبير ، وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به ، فقالوا : يكون كذا وكذا . فيسمعونه الشياطين فينزلونه على أوليائهم .
فلما بُعث محمد دحروا بالنجوم ، فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة ، وذو الإبل يذبح كل يوم بعيراً ، فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض : لا تفعلوا ، فإن كان النجوم التي تهتدون بها وإلا فإنه أمر حدث ، فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شيء ، وصرف الله الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا : أنصتوا فانطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه ، فقال : هذا حدث في الأرض ، فائتوني من كل أرض بتربة ! فأتوه بتربة تهامة ، قال : ها هنا الحدث .
]أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 181،180) [.
877- إخباره بأن الشيطان حال بين عمار وبين الماء
عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال : كنا مع النبي في سفر ، فقال لعمار : (( انطلق فاستق من الماء )) فانطلق فعرض له شيطان في صورة عبد أسود فحال بينه وبين الماء ، فصرعه عمار ، فقال له : دعني وأخلي بينك وبين الماء ، ففعل ثم أتى فأخذه عمار الثالثة فصرعة ، فقال رسول الله: (( إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود وأن الله أظفر عماراً به )) .
قال علي : فتلقينا عماراً ، فأخبرناه بقول رسول الله، فقال : أما والله لو شعرت أنه شيطان لقتلته .
]أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل (ج6) .[
وعن عمار بن ياسر – رضي الله عنه – قال : قاتلت مع رسول الله الإنس والجن ، قلنا : كيف قاتلت الجن ؟ قال : نزلنا مع رسول الله منزلاً فأخذت قربتي ودلوي لأستقي ، فقال لي رسول الله: (( أما إنه سيأتيك آت يمنعك عن الماء )) فلما كنت على رأس البئر إذا رجل أسود ، فقال : لا تستقي اليوم منها ذنوباً واحداً ، فأخذته وأخذني ، فصرعته ، ثم أخذت حجراً فكسرت به أنفه ووجهه ، ثم ملأت قربتي فأتيت بها رسول الله فقال : (( هل أتاك على الماء من أحد ؟ )) فأخبرته قال : (( ذاك الشيطان )) .
878- النبي يمسك بإبليس
عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : قام رسول الله يصلي ، فسمعناه يقول : (( أعوذ بالله منك )) ثلاث مرات ، ثم قال : (( ألعنك بلعنة الله التامة )) ثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً ، فلما فرغ من الصلاة ، قلنا : يا رسول الله ، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك ، فقال : (( إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ، ليجعله في وجهي ، فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة ، فلم يستأخر ثلاث مرات ، ثم أردت أخذه ، والله ! لولا دعوة أخينا سليمان ، لأصبح موثقاً ( أي مقيداً ) يلعب به ولدان أهل المدينة ))
]أخرجه مسلم كتاب المساجد باب جواز لعن ا لشيطان ( 1/385) [
879- هزيمة الشياطين
قال رجل لعبد الرحمن بن خنيس : حدثنا كيف صنع النبي حين كادته الشياطين ، فقال عبد الرحمن : إن الشياطين تحدرت على رسول الله من الجبال والأودية ، معهم شيطان معه شعلة من نار ، يريد أن يحرق رسول الله بها ، فلما رآهم رسول الله فزع منهم ، فأتاه جبريل – عليه الســلام – فقال : يا محمد ، قل .
قال : (( وما أقول ، قال : قل : أعوذ بكلمات الله التامات ، اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، من شر ما خلق وبرأ وذرأ ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ، ومن شر ما يلج في الأرض ، ومن شر ما يخرج منها ، ومن شر فتن الليل والنهار ، وشر الطوارق ، إلا طارق يطرق بخير يا رحمن )) قال : (( فطفئت نار الشياطين ، وهزمهم الله عز وجل )) .
]أخرجه أحمد (3/419) والبيهقي في الدلائل ( 7/95) [
880- هذا إبليس جاء يشككم في دينكم
عن ابن عمر قال : كنا جلوس عند رسول الله فجاء رجل من أقبح الناس وجهاً وأقبحهم ثياباً ، وأنتن الناس ريحاً ، جلق جاف يتخطى رقاب الناس ، حتى جلس بين يدي رسول الله فقال : من خلقك ؟ فقال رسول الله: (( الله )) ، قال : من خلق السماء ؟ قال : (( الله )) . قال من خلق الأرض ؟ قال : (( الله )) قال : من خلق الله ؟ فقال رسول الله : (( سبحان الله )) وأمسك بجبهته وطأطأ رأسه ، وقام الرجل فذهب ، فرفع رسول الله رأسه فقــــال : (( عليّ بالرجل )) فطلبناه فكأن لم يكن . فقال رسول الله: (( هذا إبليس جاء يشككم في دينكم ((
]أخرجه البيهقي في الدلائل جزء 7 ص 125 وقال المحقق : إسناده صحيح ، والخطيب ابن ناصح وثقه ابن حبان وقال أبو زرعة : لا بأس به .[
881- العرجون المضيء يضرب الشيطان
وهذا الحديث له رواية أخرى فيها معجزة أخرى فقد روى الطبراني عن قتادة .. ومما جاء في هذه الرواية : فأعطاني العرجون ، فقال : (( إن الشيطان قد خلفك في أهلك ، فأذهب بهذا العرجون ، فأمسك به حتى تأتي بيتك ، فخذه من زاوية البيت ، فاضربه بالعرجون )) ، فخرجت من المسجد ، فأضاء العرجون مثل الشمعة نوراً ، فاستضأت به ، فأتيت أهلي ، فوجدتهم قد رقدوا فنظرت في الزاوية فإذا فهيا قنفذ فلم أزل اضربه بالعرجون حتى خرج .
]أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (19/5) ، (19/13) ، وقال الهيثمي في المجمع (2/41،40) : رجاله موثقون [.
882- إخباره أن المسلمين لا يعبدون الشيطان بجزيرة العرب
عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله: (( إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن التحريش بينهم )) [أخرجه مسلم كتاب المنافقين باب تحريش الشيطان ] ، وإشعار نار الفتنة والتقاتل على الدنيا .
883- الأصنام منكسة يوم المبعث النبوي
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما بعث رسول الله أصبح كل صنم منكساً ، فأتت الشياطين إبليس فقالت له : ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكساً ، قال : هذا نبي قد بعث ، فالتمسوه في قرى الأرياف ! فالتمسوه فقالوا : لم نجده ، قال : أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي : عليك بحبة القلب – يعني مكة – فالتمسه بها ، فوجده عند قرن الثعالب ، فخرج إلى الشياطين فقال : قد وجدته معه جبرائيل – عليه السلام – فما عندكم ؟ قالوا : نزين الشهوات في أعين أصحابه ونحببها إليهم ، قال : فلا شيء إذاً .
]الحديث أخرجه أبو نعيم في الدلائل ( ص 181) وفيه الواقدي وهو متروك
الحلقة الخامسة والخمسون
البيت النبوي
زواجه صلى الله عليه وسلم :
تزوجته خديجة وله خمس وعشرون سنة، وكان قد خرج إلى الشام في تجارة لها مع غلامها ميسرة، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، وما كان يتحلى به من الصدق والأمانة، فلما رجع أخبر سيدته بما رأى، فرغبت إليه أن يتزوجها.
وماتت خديجة رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، فلما ماتت خديجة رضي الله عنها تزوج عليه السلام سودة بنت زمعة، ثم تزوج صلى الله عليه وسلم عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ولم يتزوج بكراً غيرها، ثم تزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ثم تزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث رضي الله عنها، وتزوج أم سلمة واسمها هند بنت أمية رضي الله عنها، وتزوج زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، ثم تزوج أم حبيبة رضي الله عنها واسمها رملة وقيل هند بنت أبي سفيان. وتزوج إثر فتح خيبر صفية بنت حييّ بن أخطب رضي الله عنها، ثم تزوج ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وهي آخر من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أولاده صلى الله عليه وسلم :
كل أولاده صلى الله عليه وسلم من ذكر وأنثى من خديجة بنت خويلد، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية التي أهداها له المقوقس.
فالذكور من ولده:
القاسم وبه كان يُكنى، وعاش أياماً يسيرة، والطاهر والطيب.
وقيل: ولدت له عبدالله في الإسلام فلقب بالطاهر والطيب. أما إبراهيم فولد بالمدينة وعاش عامين غير شهرين ومات قبله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر.
بناته صلى الله عليه وسلم :
زينب وهي أكبر بناته، وتزوجها أبو العاص بن الربيع وهو ابن خالتها، ورقية تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأنجبت له الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأم كلثوم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد رقية رضي الله عنهن جميعاً. قال النووي: فالبنات أربع بلا خلاف. والبنون ثلاثة على الصحيح.
أحفاد الرسول http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg
السيدة زينب بنت هاشم رضي الله عنها
الحسن بن علي رضي الله عنه
الحسين بن علي رضي الله عنه
أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنها
الحلقة السادسة والخمسون
أقوال المنصفين ( 1 )
شهادة غير المسلمين في محمد صلى الله عليه وسلم
- يقول " إدوارد جيبون " ([1]) وسيمون أوكلي " في كتاب " تاريخ الإمبراطورية العربية الإسلامية "
طبعة لندن ( 1870 ) ص 54 :
" لا إله إلا الله محمد رسول الله هي عقيدة الإسلام البسيطة والثابتة . إن التصور الفكري للإله ( في الإسلام ) لم ينحدر أبدا إلى وثن مرئي أو منظور . ولم يتجاوز توقير المسلمين للرسول أبدا حد اعتباره بشرا ، وقيدت أفكاره النابضة بالحياة شعور الصحابة بالامتنان والعرفان تجاهه ، داخل حدود العقل والدين " .
2- يقول " ديوان شند شرمة " في كتابه : " أنبياء الشرق " . طبعة كلكتا ( 1935 ) ص 122 :
" لقد كان محمد روح الرأفة والرحمة وكان الذين حوله يلمسون تأثيره ولم يغب عنهم أبدا " .
3- يقول " جون وليام دريبر " الحاصل على دكتوراة في الطب والحقوق في كتابه " تاريخ التطور الفكري الأوروبي " . طبعة لندن ( 1875 ) المجلد الأول ، ص 229 و 230 :
" ولد في مكة بجزيرة العرب عام 569 بعد المسيح ، بعد أربع سنوات من موت جوستنيان الأول ، ([2]) الرجل الذي كان له من دون جميع الرجال ، أعظم تأثير على الجنس البشري .. وهو محمد " .
4- يقول ر. ف. س. بودلي في : " الرسول " لندن ( 1946 ) ص 9 :
" إنني أشك أن أي إنسان لا يتغير لكي يلائم ويوافق التغيرات الكثيرة جدا في ظروفه الخارجية ، كما لم يتغير محمد " .
5- يقول هـ. أ. ر. جب ([3]) في كتاب " المحمدية " ([4]) طبعة لندن ( 1953 ) ص 33 :
" إنه من المسلم به عالميا بصفة عامة أن إصلاحاته ( أي محمد ) رفعت من قدر المرأة ومنزلتها ووضعها الإجتماعي والشرعي " . ([5])
6- ويقول " جون أوستن " في مقال له بعنوان " محمد نبي الله " في مجلة ت. ب. وكاسل الأسبوعية في 12 سبتمبر سنة 1927 بعد المسيح :
" لقد أصبح محمد بالفعل في خلال ما يربو قليلا عن العام ما يمكن أن نسميه بالحاكم الروحي والدنيوي للمدينة ، ويده على الرافعة التي كان مقدر لها أن تهز العالم " .
--------------------------------------------------------------------------------
( [1] ) إدوارد جيبون ( 1737 – 1794 بعد المسيح ) . مؤرخ إنجليزي ، يعتبر أعظم المؤرخين الإنجليز في عصره . " المورد " ( 1990 ) .
( [2] ) جوستنيان أويوستنيانوس الأول ( 483 – 565 بعد المسيح ) : امبراطور بيزنطي ( 527 – 565 بعد المسيح ) جمع الشرائع الرومانية ودونها . " المورد " ( 1990 ) .
( [3] ) هو " هاملتون الكسندر جب " ( 1895 ) : مستشرق إنجليزي . عني بتعريف الغربيين بالتراث الإسلامي . " المورد " ( 1990 )
([4]) يقصد الإسلام . ولكن كبر على المشركين ما يدعوهم محمد صلى الله عليه وسلم إليه ، فنسبوا الدعوة والرسالة إليه لكي ينفوا نبوته ورسالته ظلما وعلوا واستكبارا ومكرا ولكن هيهات " وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " ( التوبة : 32 ) راجع ص 10 – 12 مـن هذا الكتاب ( المترجم )
([5]) لقد أعطى الإسلام المرأة الحق في الحياة والحرية وقد كانت توئد من قبل وتُوَرَّث . وأعطاها الحق في أن ترث وتشهد وتبيع وتشتري وتمتلك وسمح لها بالمشاركة في البناء الروحي والفكري والمادي وبجملة الحضارى للأمة . وهي جميعها حقوق ومجالات كانت محرومة منها ومحظورة عليها من قبل أن يقررها الإسلام . ( المترجم )
الحلقة السابعة والخمسون
أقوال المنصفين ( 2 )
1- لومارتان : *
"إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات. فلم يجنوا إلا أمجادا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانَيْهم. لكن هذا الرجل محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة.
لقد صبر النبي وتجلد حتى نال النصر من الله كان طموح النبي (صلى الله عليه وسلم) موجها بالكلية إلى هدف واحد، فلم يطمح إلى تكوين إمبراطورية أو ما إلى ذلك. حتى صلاة النبي الدائمة ومناجاته لربه ووفاته (صلى الله عليه وسلم) وانتصاره حتى بعد موته، كل ذلك لا يدل على الغش والخداع بل يدل على اليقين الصادق الذي أعطى النبي الطاقة والقوة لإرساء عقيدة ذات شقين: الإيمان بوحدانية الله، والإيمان بمخالفته تعالى للحوادث. فالشق الأول يبين صفة الله (ألا وهي الوحدانية)، بينما الآخر يوضح ما لا يتصف به الله تعالى (وهو المادية والمماثلة للحوادث). لتحقيق الأول كان لا بد من القضاء على الآلهة المدعاة من دون الله بالسيف، أما الثاني فقد تطلّب ترسيخ العقيدة بالكلمة (بالحكمة والموعظة الحسنة).
هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم) الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم). بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟
2- مونتجومري: *
إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدا وقائدا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه. فافتراض أن محمدا مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها. بل إنه لا توجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد.
3- بوسورث سميث: *
لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا في آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها.
4- جيبون أوكلي: *
ليس انتشار الدعوة الإسلامية هو ما يستحق الانبهار وإنما استمراريتها وثباتها على مر العصور. فما زال الانطباع الرائع الذي حفره محمد في مكة والمدينة له نفس الروعة والقوة في نفوس الهنود والأفارقة والأتراك حديثي العهد بالقرآن، رغم مرور اثني عشر قرنا من الزمان.
لقد استطاع المسلمون الصمود يدا واحدة في مواجهة فتنة الإيمان بالله رغم أنهم لم يعرفوه إلا من خلال العقل والمشاعر الإنسانية. فقول "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" هي ببساطة شهادة الإسلام. ولم يتأثر إحساسهم بألوهية الله (عز وجل) بوجود أي من الأشياء المنظورة التي كانت تتخذ آلهة من دون الله. ولم يتجاوز شرف النبي وفضائله حدود الفضيلة المعروفة لدى البشر، كما أن منهجه في الحياة جعل مظاهر امتنان الصحابة له (لهدايته إياهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور) منحصرة في نطاق العقل والدين.
5- الدكتور زويمر: *
إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء.
6- سانت هيلر: *
كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما العدالة والرحمة.
7- إدوار مونته: *
عرف محمد بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظاً على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم.
8- برناردشو: *
إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا).
إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها.
يقول الفيلسوف الإنجليزي الشهير برنارد شو قولته الخالدة : " لقد كان دين محمد - صلى الله عليه وسلم - موضع تقدير سامي لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة .. " حيوية يعني دائم النشاط ، ويقول " . وإنه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة " . يعني كل جد جديد في الحياة يستطيع هذا الدين الذي جعله الله - عز وجل - لكل زمان ومكان أن يهضم هذه التطورات ، وأن يجعل لها أحكام وأن ينظمها في مجريات الحياة .
يقول " هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة ، وأرى واجباً أن يدعى محمد - صلى الله عليه وسلم - منقذ الإنسانية ، وإن رجالاً كشاكلته إذا تولى زعامة العالم الحديث فسوف ينجح في حل مشكلاته " يعني لو جاءت شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقادت العالم اليوم فسوف تنجح في حل مشكلاته .
ولقد وجد برنارد شو في شخصية الرسول – عليه الصلاة و السلام – ما دعاه إلى أن يصفه بأنه منقذ البشرية فقال : " لقد عمد رجال الاكليروس في العصور الوسطى إلى تصوير الإسلام في أحلك الألوان ، وذلك بسبب الجهل وبسبب التعصب الذميم ، والواقع أنهم كانوا يسرفون في كراهية محمد وكراهية دينه ويعدونه خصماً للمسيح ، أما أنا فأرى واجباً أن يدعى محمد منقذ الإنسانية وأعتقد أن رجلاً مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث نجح في حل مشكلاته وأحل في العالم السلام والسعادة وما أشد حاجة العالم اليوم إليهما " ،
9- السير موير: *
إن محمداً نبي المسلمين لقب بالأمين منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه وحسن سلوكه، ومهما يكن هناك من أمر فإن محمداً أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، ولا يعرفه من جهله، وخبير به من أمعن النظر في تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذي ترك محمداً في طليعة الرسل ومفكري العالم.
10- سنرستن الآسوجي: *
إننا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصراً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ.
11- المستر سنكس: *
ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة. إلى أن قال: إن الفكرة الدينية الإسلامية، أحدثت رقياً كبيراً جداً في العالم، وخلّصت العقل الإنساني من قيوده الثقيلة التي كانت تأسره حول الهياكل بين يدي الكهان. ولقد توصل محمد ـ بمحوه كل صورة في المعابد وإبطاله كل تمثيل لذات الخالق المطلق ـ إلى تخليص الفكر الإنساني من عقيدة التجسيد الغليظة.
12- آن بيزيت: *
من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربي العظيم.
هل تقصد أن تخبرني أن رجلاً في عنفوان شبابه لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره بعد أن تزوج من امرأة أكبر منه بكثير وظل وفياً لها طيلة 26 عاماً ثم عندما بلغ الخمسين من عمره - السن التي تخبو فيها شهوات الجسد - تزوج لإشباع رغباته وشهواته؟! ليس هكذا يكون الحكم على حياة الأشخاص.
فلو نظرت إلى النساء اللاتي تزوجهن لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات كانت سبباً إما في الدخول في تحالف لصالح أتباعه ودينه أو الحصول على شيء يعود بالنفع على أصحابه أو كانت المرأة التي تزوجها في حاجة ماسة للحماية.
13- مايكل هارت: *
إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته.
ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها.
14- تولستوي: *
يكفي محمداً فخراً أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ، ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.
15- شبرك النمساوي: *
إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته.
16- المؤرخ الإنجليزي ويلز:
المؤرخ الإنجليزي ويلز يقول في كتابه [ ملامح تاريخ الإنسانية ] : " إن أوربا مدينة للإسلام بالجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية " .
يقول المؤرخ و الفيلسوف الإنجليزي هــ . ج ويلز في كتابه المختصر [ملامح تاريخ الإنسانية] : " كان يمكن لأي متنبئ تاريخي يستعرض حياة البشر في مستهل القرن السابع الميلادي أن يتوقع بحق أنه لن تمضي بضعة قرون حتى تقع كل أوروبا وأسيا تحت سيادة المغول والتتار إلى أن قال : ولكن هذا المتنبئ كان سيخطئ في تقديره فقد اشتعلت دنيا الصحراء والبدو مائة عام من المجد عندما بسط العرب سلطانهم ومدوا حكمهم ولغتهم من أسبانيا إلى حدود الصين مقدمين للعالم ثقافة جديدة ومنشئين ديناً لا يزال حتى اليوم إحدى القوى الحيوية في العالم . وكان محمد بن عبد الله هو الذي أشعل الجزيرة العربية ودفعها لتحقيق ذلك كله ، والذي ظل حتى سن الأربعين لا يميز نفسه بشيء غير عادي عن بقية معاصريه .
17- المؤرخ الفرنسي سيلو:
والمؤرخ الفرنسي سيلو يؤكد وقول " إن قانون نابليون منقول ..." - يعني بعض أساسياته ، طبعاً لكنهم انتفعوا بالإسلام حتى في قوانينهم الوضعية . يقول : " .. منقول عن كتاب فقهي في مذهب الإمام مالك هو شرح الدردير على متن خليل " يعني حتى مسمى الكتاب مذكور وهو كتاب مشهور من أشهر كتب المالكية المعروفة عندهم .
18- استافلو قون:
واستافلو قون الذي له كتاب حضارة العرب وهو كتاب مشهور متداول مطبوع بالغة العربية يقول " دخلت حضارة العرب في ذمة التاريخ منذ زمن طويل : " في هذه الفترة في ركود ، والحضارة الإسلامية في نوع من السكون أو ربما بعض الانحدار في الفترة السابقة ، قال " ولا نقول مع ذلك أنهم ماتوا تماماً فنرى الآن ديانتهم ولغتهم اللتين أدخلهما إلى العالم أكثر انتشاراً مما كانتا عليه في أنضر أدوارهم ، ولا يزال الإسلام جاداً في تقدمه ، واليوم يدرس في ما عدا الجزيرة العربية في مصر وسوريا وتركيا وأسيا الصغرى وفارس وقسم مهم من روسيا وأفريقيا والصين والهند وتناول القرآن مدغشقر وأفريقيا الجنوبية ، وعرف في جزر الملايو وعلمه أهل جاوا وسومطرا ، وتقدم إلى غينيا الجديدة ، ودخل أمريكا مع زنوج أفريقيا ، ويتقدم الإسلام في الصين تقدماً يقضي بالعجب ، حتى اضطر المبشرون الأوربيون إلى الاعتراف بالحدود وسيقوم الإسلام مقام البوذية ومسلمو الصين لا يشكون في ذلك ... " إلى آخر ما قال " مما يدل على أن نور الإسلام سيشع وينتشر " .
19- دوقلس أرثر:
دوقلس أرثر يقول : " لو أحسن عرض الإسلام على الناس لأمكن به حل كافة المشكلات ، ولأمكن تلبية الحاجات الاجتماعية والروحية والسياسية للذين يعيشون في ظل الرأس مالية والشيوعية على السواء ، فقد فشل هذان النظامان في حل مشكلات الإنسان ، أما الإسلام فسوف يقدم السلام للأشقياء ، والأمل والهدى للحيارى والضالين ، وهكذا فالإسلام لديه أعظم الإمكانيات لتحدي هذا العالم وتعبئة طاقات الإنسان لتحقيق أعلى مستوى من الإنتاج والكفاية ".
20- تقول دائرة المعارف البريطانية تحت مادة " محمد " :
محمد بن عبد الله مؤسس الدين الإسلامي ولد في مكة ، وقليلون هم الرجال الذين أحدثوا في البشرية الأثر العميق الدائم الذي أحدثه محمد .
لقد أحدث أثراً دينياً عميقاً لا يزال منذ دعا إليه حتى الآن هو الإيمان الحي والشريعة المتبعة لأكثر من 7 / 1 سكان العالم على أن أثره التاريخي يكتب الأكثر ، عندما نذكر أنه في أقل من عشرين سنة ، منذ بدء دعوته ، قوض دعائم إمبراطوريتين وهما الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية مؤسساً على أنقاضهما حضارة جديدة .
ولقد أرسى منذ جاء بدعوته التي هي عقيدة وشريعة قواعد بناء المجتمع الاجتماعية والسياسية ، وقد أعقب موته أن سجل خلفاؤه الأحاديث التي رويت عنه وأدق التصرفات والأفعال التي قام بها فاتخذ المؤمنون من هذه الأحاديث نبراساً ومثلاً أعلى يحتذونه في حياتهم اليومية جيلاً بعد جيل
21- ويل دورانت :
ويستعرض ويل دورانت في كتابه " تاريخ الحضارة الإنسانية " تاريخ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فيقول : " وإذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس ، قلنا أن محمداً كان أعظم عظماء التاريخ فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء ، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ " .
22- Burns Edwared :
Burns Edwared western civlization W .W – morton Scompany inc. - New York 1973 ما نصه : " أن عظمة الحضارة الإسلامية وأهميتها لا ترجع إلى أنها فقط بدين جديد آمن به الملايين من الناس في أماكن متعددة ومتفرقة – وإنما فيما أحدثته أيضاً من تغيرات اجتماعية وسياسية كثيرة ، نتج عنها ثراء فكري وتراث حضاري لم يسبق له مثيل . وقد تضمنت الحضارة الإسلامية الآداب والخلاق والفلسفة والمنطق كما كانت ذات تأثير خاص في الحياة السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية "
--------------------------------------------------------------------------------
(1) لومارتان من كتاب "تاريخ تركيا"، باريس، 1854، الجزء 11، صفحة 276-277.
(2) مونتجومرى وات، من كتاب "محمد في مكة"، 1953، صفحة 52.
(3) بوسورث سميث، من كتاب "محمد والمحمدية"، لندن 1874، صفحة 92.
(4)إدوارد جيبون وسيمون أوكلي، من كتاب "تاريخ إمبراطورية الشرق"، لندن 1870، صفحة 54.
(5) الدكتور زويمر الكندي مستشرق كندي ولد 1813 ـ 1900 قال في كتابه (الشرق وعاداته).
(6) العلامة برتلي سانت هيلر الألماني مستشرق ألماني ولد في درسدن 1793 ـ 1884 قال في كتابه (الشرقيون وعقائدهم).
(7) الفيلسوف إدوار مونته الفرنسي مستشرق فرنسي ولد في بلدته لوكادا 1817 ـ 1894 قال في آخر كتابه (العرب).
(8) برناردشو الإنكليزي ولد في مدينة كانيا 1817 ـ 1902 له مؤلف أسماه (محمد)، وقد أحرقته السلطة البريطانية.
(9) السير موير الإنكليزي في كتابه (تاريخ محمد).
(10) العلامة سنرستن الآسوجي: مستشرق آسوجي ولد عام 1866، أستاذ اللغات الساميّة، ساهم في دائرة المعارف، جمع المخطوطات الشرقية، محرر مجلة (العالم الشرقي) له عدة مؤلفات منها: (القرآن الإنجيل المحمدي) ومنها: (تاريخ حياة محمد).
(11) المستر سنكس الأمريكي: مستشرق أميركي ولد في بلدته بالاي عام 1831، توفي 1883 في كتابه: (ديانة العرب).
(12) آن بيزينت: حياة وتعاليم محمد دار مادرس للنشر 1932.
(13) مايكل هارت: في كتابه مائة رجل من التاريخ.
(14) ليف تولستوي «1828 ـ 1910» الأديب العالمي الذي يعد أدبه من أمتع ما كتب في التراث الإنساني قاطبة عن النفس البشرية.
(15) الدكتور شبرك النمساوي.
الحلقة الثامنة والخمسون
أقوال المنصفين ( 3 )
قال المؤرخ الفرنسي لامارتين : "رجل أسس 20 إمبراطورية دنيوية وإمبراطورية واحدة روحية" .
توماس كارلايل وهو من أعظم مفكري القرن الماضي فقد وصفه كارلايل في كتاب الأبطال بأنه " كان واحداً من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جد دائماً .. هؤلاء الذين جبلت طبيعتهم على الإخلاص ..
وليام مكنيل William Mcneill مؤرخ أمريكي بجامعة شيكاغو في المقال الذي نشرته مجلة " تايم " عدد " تايم " الصادر في 15 يوليو سنة 1974
Who Were History’s Great Leaders 1974 – 15 Time, July
قال مكنيل: ولو أنك قست الزعامة بمدى تأثيرها فإنك يجب أن تذكر المسيح وبوذا ومحمد وكونفشيوس على أنهم أنبياء العالم العظماء .
جولز ماسيرمان Jules Masserman محلل نفسي أمريكي وأستاذ في جامعة شيكاغو –يهودي الديانة- بحث ماسيرمان في التاريخ ويقوم بالتحليل والتمحيص لويس باستير – غاندي – كونفوشيوس – الاسكندر الأكبر – قيصر – هتلر – بوذا – المسيح – إلى آخر الباقين حتى وصل أخيراً إلى النتيجة التالية : " لعل أعظم قائد كان على مر العصور هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جمع الأعمال الثلاثة وقد فعل موسى نفس الشيء بدرجة أقل " .
البروفيسور ك .س راماكرشنا راو الفيلسوف الهندوسي في كتابه ( محمد رسول الإسلام ) يستشهد بأدولف هتلر ليثبت العظمة المنفردة لمحمد صلى الله عليه وسلم . فقد رأى البروفيسور راماكرشنا راو أيضاً في كتاب هتلر المسمى " كفاحي " جوهرة ذات ثلاثة وجوه ، وامتيازاً نادراً ذلك الذي وجد في بطلنا موضوع المناقشة . فيستشهد بهتلر فيقول ( نادراً ما يكون رجل النظريات العظيمة قائداً عظيماً ولكن الداعية المؤثر هو أكثر احتمالاً لأن يملك هذه المتطلبات والمؤهلات ولذلك فهو دائماً ما يكون قائداً عظيماً لأن القيادة أو الزعامة تعني القدرة على تحريك الجماهير البشرية . الموهبة في تصدير الأفكار لا تشترك في شيء مع القدرة على الزعامة ويستمر هتلر في كلامه .. إن اتحاد القدرة على وضع النظريات والتنظيم والقيادة في رجل واحد ، هو أندر ظاهرة على وجه الأرض ففي تلك الحالة تكون العظمة" .
ويستنتج البروفيسور " راو " من ذلك فيقول في كلماته هو " في شخص رسول الإسلام رأى العالم أندر ظاهرة على وجه الأرض متمثلة في إنسان من لحم ودم".
ر . بوزوورث – سميث في كتاب محمد والمحمدية سنة 1946 قال : "من حسن الحظ إنه لأمر فريد على الإطلاق في التاريخ إن محمد مؤسس لثلاثة أشياء : الأمة والإمبراطورية والدين " .
الحلقة التاسعة والخمسون
حقوق النبي صلى الله عليه وسلم
حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين
صلاح الدين علي بن عبد الموجود
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن من أعظم الحقوق على المسلمين كافة وأهل العلم خاصة بيان فضل نبيهم صلى الله عليه وسلم وعظيم قدره عند الله تبارك وتعالى وعند أصحابه الذين اتبعوه وعاشوا معه ورأوه، وكيف ترجم هذا الجيل هذه المحبة إلى واقع وسلوك!! فما أحوج المسلمون اليوم أن يعرفوا حق نبيهم صلى الله عليه وسلم عليهم حتى يحبوه كما أحبه ذلك الجيل ويتبعوه كما اتبعه ذلك الجيل.
وإن شئت أن ترى بعض المكانة عند الصحابة رضي الله عنهم فتأمل هذا الوصف الذي رآه عروة ابن مسعود الثقفي سيد من سادات قريش، وهم من أشد خلق الله عداوة له حينما جاء يفاوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية (ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ) [رواه البخاري].
ولا خفاء على من مارس شيئاً من العلم، أو خص بأدنى لمحة من فهم، بتعظيم الله تعالى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، و خصوصه إياه بفضائل و محاسن و مناقب لا تنضبط لزمام، و تنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة و الأقلام.
فمنها ما صرح به الله تعالى في كتابه، و نبه به على جليل نصابه، و أثنى عليه من أخلاقه و آدابه، و حض العباد على التزامه، و تقلد إيجابه، فكان جل جلاله هو الذي تفضل و أولى، ثم طهر و زكى، ثم مدح بذلك و أثنى، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل بدءاً و عودا ً، و الحمد أولى و أخرى.
ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال و الجلال، و تخصيصه بالمحاسن الجميلة و الأخلاق الحميدة، و المذاهب الكريمة، و الفضائل العديدة، و تأييده بالمعجزات الباهرة، و البراهين الواضحة، و الكرامات البينة التي شاهدها من عاصره و رآها من أدركه، و علمها علم يقين من جاء بعده، حتى انتهى علم ذلك إلينا، و فاضت أنواره علينا.
فاعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg، الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجلال و الكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة و ضرورة الحياة الدنيا، و مكتسب ديني، و هو ما يحمد فاعله، و يقرب إلى الله تعالى زلفى.
فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار و لا اكتساب، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته، و جمال صورته، و قوة عقله، و صحة فهمه، و فصاحة لسانه، و قوة حواسه و أعضائه، و اعتدال حركاته، و شرف نسبه، و عزة قومه، وكرم أرضه، و يلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه و نومه، و ملبسه و مسكنه، و منكحه، و ما له و جاهه.
و قد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى و معونة البدن على سلوك طريقها، و كانت على حدود الضرورة و قوانين الشريعة.
و أما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، و الآداب الشرعية: من الدين و العلم، و الحلم، و الصبر، و الشكر، و المروءة، و الزهد، و التواضع، و العفو، والعفة، و الجود، و الشجاعة، و الحياء، والصمت، و التؤدة، و الوقار، و الرحمة، و حسن الأدب و المعاشرة، و أخواتها، و هي التي جمعها حسن الخلق.
و قد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة و أصل الجبلة لبعض الناس وقد يختلف الناس بعضهم عن بعض في هذه ولكن أن تجمع لشخص واحد فهذا من عظيم الفضل لهذا النبي صلى الله عليه وسلم.
لقد أخذ سبحانه العهد على جميع الأنبياء أن أدركوه أن يتبعوه ويخبروا بذلك قومهم.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ****** [آل عمران81]
وبين سبحانه وتعالى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمانا لهم مما حرفه أحبارهم وعلماؤهم فقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ****** [المائدة15]
وامتن على البشرية كافة أن بعث رسولا منهم وليس ملكا حتى لا تيأس النفس وتعجز عن العبادة إذ لا طاقة لبشر بمتابعة عبادة مما تقوم بها الملائكة قال تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ(8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ(9)******[الأنعام 8 - 9]
وقال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً****** [الفرقان7]
فكان من فضل الله ورحمته لإقامة الحجة كاملة على خلقه وعباده أن بعث فيهم رسولا يأكل كما يأكلون ويشرب كما يشربون وينام كما ينامون.
قال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ****** [التوبة128]
{لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ****** [آل عمران164]
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ****** [الجمعة2]
{كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ****** [البقرة151]
قال جعفر ابن محمد: علم الله عجز خلقه عن طاعته، فعرفهم ذلك، لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته، فأقام بينهم و بينه مخلوقاً من جنسهم في الصورة، و ألبسه من نعمته الرأفة و الرحمة، وأخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً، وجعل طاعته من طاعته، فقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ****** [النساء80]
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ****** [آل عمران159]
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ****** [الأنبياء107]
قال أبو بكر بن طاهر: زين الله تعالى محمداً http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، و جميع شمائله و صفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، و الواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ******، فكانت حياته رحمة، و مماته رحمة.
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً(45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً(46)****** [الأحزاب 45 - 46].
جمع الله تعالى في هذه الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم ما آثره به على باقي الخلق، و جملة من أوصاف المدح، فجعله شاهداً على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة، وهي من خصائصه http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg، ومبشراً لأهل طاعته، ونذيراً لأهل معصيته، وداعياً إلى توحيده وعبادته، و سراجاً منيراً يهتدى به للحق.
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ(7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ(8)****** [الشرح]
قال القاضي عياض: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه، و شريف منزلته عنده، وكرامته عليه، بأن شرح قلبه للإيمان والهداية، و وسعه لوعى العلم، وحمل الحكمة، ورفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه، وبغضه لسيرها، وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم، و تنويهه بعظيم مكانه، و جليل رتبته، و رفعه و ذكره، و قرانه مع اسمه اسمه.
ولقد كان أهل الكتاب يتناقلون صفته تابع عن تابع ورغم إخفائهم الكثير إلا أن الله سبحانه وتعالى أظهر ما أخفوه.
عن عطاء ابن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg قال: أجل، و الله ! إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، و حرزاً للأميين، أنت عبدي و رسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ و لا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، و لكن يعفو و يغفر، و لن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، و يفتح به أعينا عمياً، و آذاناً صماً، و قلوباً غلفاً.
ولقد كان من عظيم محبة الله تعالى لنبيه بعد رفعه وعلو شأنه الملاطفة في العتاب رحمة به وفضلا وكرما قال تعالى: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ****** [التوبة43]
قال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب.
و لو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله، لم أذنت لهم لخيف عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب.
و في هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب.
وكانت معية الله مع نبيه بالحفظ لا تفارقه.
قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً****** [الإسراء74]
عاتب الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد الزلات، وعاتب نبيّنا عليه السلام قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد انتهاءً ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية.
ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه وخيف أن يركن إليه، ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته.
قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ****** [الأنعام33]
قال علي رضي الله عنه: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك و لكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ****** [الآية]
ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ، من تسليته تعالى له عليه السلام، و إلطافه به في القول، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، و أنهم غير مكذبين له، معترفون بصدقه قولاً و اعتقادًا، و قد كانوا يسمونه ـ قبل النبوة ـ الأمين، فدفع بهذا التقرير ما قد يتألم به من وصفهم له بسمة الكذب، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين.
ثم عزّاه و آنسه بما ذكره عمن قبله، و وعده النصر بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ****** [الأنعام34]
وقد أقسم تعالى بتحقيق قدره فقال تعالى: {وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى(4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى(6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى(7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى(8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ(10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)****** [الضحى]
قال القاضي عياض: تضمنت هذه السورة من كرامة الله تعالى له، وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة و جوه:
الأول: القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى: {وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)******. أي و رب الضحى، و هذا من أعظم درجات المبرة.
الثاني: بيان مكانته عنده و حظوته لديه بقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى******، أي ما تركك و ما أبغضك. و قيل: ما أهملك بعد أن اصطفاك.
الثالث: قوله تعالى: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى(4)******، قال ابن إسحاق: أي مالك في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا.
و قال سهل: أي ما ذخرت لك من الشفاعة و المقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا.
الرابع: قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)******
و هذه آية جامعة لوجوه الكرامة، و أنواع السعادة، و شتات الإنعام في الدارين. والزيادة.
قال ابن إسحاق: يرضيه بالنصر والتمكين في الدنيا، و الثواب في الآخرة.
و قيل: يعطيه الحوض و الشفاعة.
الخامس: ما عدده تعالى عليه من نعمه، و قرره من آلائه قبله في بقية السورة، من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ولا مال له، فأغناه بما آتاه، وهدى بك ضالاً، و أغنى بك عائلاً، و آوى بك يتيماً ـ ذكره بهذه المنن، و أنه لم يهمله في حال صغره و عيلته و يتمه و قبل معرفته به، و لا ودعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه و اصطفائه !
السادس: أمره بإظهار نعمته عليه و شكر ما شرفه بنشره و إشادة ذكره بقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11)******، فإن من شكر النعمة الحديث بها، و هذا خاص له، عام لأمته.
وهذه بعض شمائله صلى الله عليه وسلم:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا) [رواه مسلم ].
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا) [رواه البخاري ومسلم].
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ) [رواه البخاري ومسلم].
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا -تَعْنِي قَصِيرَةً- فَقَالَ: "لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ" قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا) [رواه أبو داود].
ولقد كان صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكره بل كان يعرض به صلى الله عليه وسلم.
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ") [رواه البخاري].
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ) [رواه البخاري].
(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ) [رواه البخاري].
(عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا) [رواه مسلم].
والذي ينظر إلى حياته الخاصة يرى التواضع التام وعدم الانشغال الزائد بالدنيا.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ) [رواه البخاري ومسلم].
وكذلك رحمته بنسائه ومعونته إياهم.
(سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا قَالَتْ نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ) [رواه أحمد].
وكذلك شدة محبته لأصحابه رضي الله عنهم والشهود بالفضل لهم.
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ فَسَلَّمَ وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَقَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالُوا لَا فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا) [رواه البخاري].
(وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا) [رواه البخاري ومسلم].
وحتى مع خادمه كان رمزا للأسوة والقدوة.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا) [رواه البخاري ومسلم].
فمهما كتب الكاتب وأفهم الخطيب فلن يف أحد بحق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!!
ولكن هل من بداية؟!! والبداية لا تكون إلا بعلم وعمل... وقد أطلق المولى سبحانه وتعالى المتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً****** [الأحزاب21]
فنسأل الله أن يجعلنا منهم- اللهم آمين.
الحلقة الستون
لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
محمد شعبان أبو قرن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:
محمد صلى الله عليه وسلم.. لولاه لهلكنا ومتنا على الكفر واستحققنا الخلود في النار.. به عرفنا طريق الله، وبه عرفنا مكائد الشيطان، شوقَنَا إلى الجنة، ما من طيب إلا وأرشدنا إليه، وما من خبيث إلا ونهانا عنه، ومن حقه علينا أن نحبه، لأنه:
يحشر المرء مع من أحب
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: متى الساعة ؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أعددت لها؟ ". قال: إني أحب الله ورسوله. قال: " أنت مع من أحببت ".
بهذا الحب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحوض فتشرب الشربة المباركة الهنيئة التي لا ظمأ بعدها أبداً.
أبشر بها يا ثوبان
قال القرطبي: كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما غير لونك؟! ". قال: يا رسول الله.. ما بي ضر ولا وجع غير أنى إذا لم أراك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وأنى إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل لا أراك أبداً، فأنزل الله عز وجل قوله: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ".
رحم الله ثوبان.. حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الشاعر:
الحزن يحرقـه والليـل يقلقه**** والصبر يسكتـه والحـب ينطقه
ويستر الحال عمن ليس *******يعذره وكيف يستره والدمع يسبقه
الرحمة المهداة
قال عز وجل: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ".
لولاه لنزل العذاب بالأمة.. لولاه لاستحققنا الخلود في النار.. لولاه لضعنا.
قال ابن القيم في جلاء الأفهام:
" إن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته:
- أما أتباعه: فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة.
- وأما أعداؤه المحاربون له: فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب الله عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم.
- وأما المعاهدون له: فعاشوا فى الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شراً بذلك العهد من المحاربين له.
- وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهليهم واحترامها، وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوراة وغيرها.
- وأما الأمم النائية عنه: فإن الله عز وجل رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العاملين النفع برسالته ".
لطيفة
قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قال فيه: " بالمؤمنين رؤوف رحيم "، وقال في نفسه:
"إن الله بالناس لرؤوف رحيم ".
اصــبر لكل مصيــبة وتجـلد**** واعلم بأن المرء غير مخـلد
واصبر كما صبر الكرام فإنها***** نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تبلى بها******* فاذكر مصابك بالنبي مـحـمـد
الجماد أحبه.. وأنت؟!
لما فقده الجذع الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حن إليه وصاح كما يصيح الصبي ، فنزل إليه فاعتنقه ، فجعل يهذي كما يهذي الصبي الذي يسكن عند بكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: " لو لم أعتنقه لحنّ إلى يوم القيامة ".
كان الحسن البصري إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
ما أشد حبه لنا!!
تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام: " رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم".
وقول عيسى عليه السلام: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "، فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي.. أمتي ". وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد فسله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما قال، فأخبر جبريل ربه وهو أعلم، فقال الله عز وجل: يا جبريل.. اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.
حتى لا تكون فاسقاً
قال الله في سورة التوبة، _التي سميت بالفاضحة والمبعثرة لأنها فضحت المنافقين وبعثرت جمعهم _: " قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ".
قال القاضي عياض:
" فكفى بهذا حضاً وتنبيهاً ودلالة وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضها وعظم خطرها واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرع الله من كان ماله وولده وأهله أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله: " فتربصوا حتى يأتي الله بأمره "، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن أضل ولم يهده الله.
كمال الإيمان في محبته
قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ".
قد تمر علينا هذه الكلمات مروراً عابراً لكنها لم تكن كذلك مع رجل من أمثال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الذي قال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شئ إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك "، فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الآن يا عمر ".
قال الخطابي: " فمعناه أن تصدق في حبي حتى تفنى نفسك في طاعتي، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك ".
آخذ بحجزنا عن النار
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثلى كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ".
ما أشد حب رسولنا لنا، ولأنه يحبنا خاف علينا من كل ما يؤذينا، وهل أذى مثل النار؟! ولما كان الله عز وجل قد أراه النار حقيقة كانت موعظته أبلغ وخوفه علينا أشد، ففي الحديث: " وعرضت على النار فجعلت أتأخر رهبة أن تغشاني ".
وفى رواية أحمد: " إن النار أدنيت منى حتى نفخت حرها عن وجهي ".
ولذلك كان من الطبيعي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: " صبحكم ومساكم ".
ولأنه لم يرنا مع شدة حبه لنا وخوفه علينا كان يود أن يرانا فيحذرنا بنفسه، لتكون العظة أبلغ وأنجح، قال صلى الله عليه وسلم: " وددت أنى لقيت إخواني الذين آمنوا ولم يروني ".
ولم يكتف بذلك بل لشدة حبه لنا اشتد إلحاحه لنا في أن نأخذ وقايتنا وجنتنا من النار.
حجاب.. واثنان.. وثلاثة
1. حجاب الصدقة: لقوله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً ولو بشق تمرة ".
2. حجاب الذكر: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: " خذوا جنتكم من النار.. قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات، وهن الباقيات الصالحات ".صحيح الجامع, وحسنه ابن حجر في الفتح.
3. حجاب تربية البنات: لقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا كن له ستراً من النار ".
ولى كل مؤمن
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفى من المؤمنين فترك ديناً فعلى قضاؤه ".
أعميت عيني عن الدنيا وزينتها*** فأنت والروح شئ غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق *****من أول الليل حتى مطلع الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سنة***** إلا وإنك بين الجفن والحدق
ما أشرف مقامه!!
ولو وزنت به عرب وعجم *** جعلت فداه ما بلغوه وزناً
إذا ذكر الخليل فذا حبيب *** عليه الله في القرآن أثنى
وإن ذكروا نجى الطور فاذكر *** نجى العرش مفتقراً لتغنى
وإن الله كلم ذاك وحياً *** وكلم ذا مخاطبة وأثنى
ولو قابلت لفظة لن تراني *** لـ"ما كذب الفؤاد" فهمت معنى
فموسى ****** مغشياً عليه *** وأحمد لم يكن ليزيغ ذهناً
وإن ذكروا سليمانًا بملك *** فحاز به الكنوز وقد عرضنا
فبطحا مكة ذهباً أباها *** يبيد الملك واللذات تفنى
وإن يك درع داود لبوساً *** يقيه من اتّقاء البأس حصنا
فدرع محمد القرآن لما *** تلا: "والله يعصمك" اطمأنا
وأغرق قومه في الأرض نوح *** بدعوةِ: لا تذر أحداً فأفنى
ودعوة أحمد: رب اهد قومي *** فهم لا يعلمون كما علمنا
وكل المرسلين يقول: نفسي *** وأحمد: أمتي إنساً وجنا
وكل الأنبياء بدور هدي *** وأنت الشمس أكملهم وأهدى
لكي تذوق حلاوة الإيمان
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه ذاق حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما... ".
وهذه مكافأة يمنحها الله عز وجل لكل من آثر الله ورسوله على هواه.. فيحس أن للإيمان حلاوة تتضاءل معه كل اللذات الأرضية، ولأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فكلما ازداد العبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم حباً كلما ازداد له ذكراً، ولأحاديثه ترديداً، ولسنته اتباعاً، ومع هذا كل تزداد حلاوة الإيمان.
وثيقة حبه.. وقعها بالدم
- ففي الطائف وقف المشركون له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه.
- ومع بنى عامر بن صعصعة: يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليهم الإسلام ويطلب النصرة، فيجيبونه إلى طلبه، وبينما هو معهم إذ أتاهم بيحرة بن فراس القشيري، فأثناهم عن إجابتهم له ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قم فالحق بقومك، فو الله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى ناقة فركبها، فغمزها بيحرة فألقت النبي صلى الله عليه وسلم من على ظهرها.
تصور حالته صلى الله عليه وسلم وقد قرب على الخمسين من عمره، ويسقط من ظهر الناقة ويتلوى من شدة الألم على الأرض، والارتفاع ليس بسيطاً، إنه يسقط على بطنه من ارتفاع مترين ونصف.
- بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه، فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر رضى الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله ".
- وغير ذلك: يوضع سلا جزور على كتفيه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وينثر سفيه سفهاء قريش على رأسه التراب، ويتفل شقي من الأشقياء في وجهه صلى الله عليه وسلم..
صبر صلى الله عليه وسلم على ذلك كله لأنه يحبنا.. أوذي وضرب وعذب.. اتهم بالسحر والكهانة والجنون.. قتلوا أصحابه.. بل وحاولوا قتله.. وصبر على كل ذلك كي يستنقذنا من العذاب ويهدينا من الضلال ويعتق رقابنا من النار..
وبعد كل هذا البذل والتعب ؟! نهجر سنته، ونقتدي بغيره، ونستبدل هدى غيره بهديه!!.
يا ويحنا.. وقد أحبنا وضحى من أجلنا لينقذنا، ودعانا إلى حبه، لا لننفعه في شئ بل لننفع أنفسنا فأين حياؤنا منه؟! وحبنا له؟! بأي وجه سنلقاه على الحوض؟! بأي عمل نرتجي شفاعته صلى الله عليه وسلم؟! -بأبي هو وأمي- بأي طاعة نأمل مقابلته في الفردوس؟!.
الحلقة الحادية والستون
خلاصة الفهم في باب التأسي برسول الله في الأمر والنهي
أولا : أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام عامة وفي حياة النبي خاصة .
ثانيا : القدوة المطلقة برسول الله المتمثلة بمعالجته للأخطاء في أمته أمة الدعوة وأمة الإجابة .
ثالثا : تنوع أساليبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترغيبا وترهيبا .
رابعا : استخدامه في الأعم الأغلب لألفاظ العموم في إنكار المنكر كقوله : (( ما بال أقوام )) ، (( ما بال أحدكم )) .
خامسا : ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العبادات والعادات لتقويم مسيرة الحياة في المجتمع المسلم .
سادسا : ضرورة تحلي المسلم بالصفات التي تجب أن تكون في الداعي من الإخلاص والتيسير والرحمة بالناس والعلم وغيرها .
سابعا : تبين أن النبي كان يستعمل الحزم فيما كان الحزم فيه ضروريا ويستعمل اللين وخفض الجانب إذا لزم الأمر ذلك ولم تكن تلك القاعدة حادثة عن لا عموم لها بل منهجا ربانيا علمه الله لنبيه .
ثامنا : ليس على المسلم أن يتغير المنكر في الحال أمامه وإنما عليه النصح والبيان والتأكيد على ذلك وعلى الله النتائج
تاسعا : لا بد من الوسطية فلا إفراط بالأمر بالمعروف ولا تفريط فكلا طرفي قصد الأمور ذميم ،وهو مع الأسف واقع الأمر بين تشدد وإفراط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقبة زمنية وبين تفريط في فترة أخرى . فخير الهدي هدي محمد .
عاشرا : تبين أن السيرة النبوية والسنة المحمدية تحمل منهج حياة وليست هي ثمة قصص أو روايات بل هي كتاب حياة ومنهج أمة .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
الحلقة الثانية والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (1)
الحمد لله الرحيم الغفار ، الكريم القهار ، مقلب القلوب والأبصار ، عالم الجهر والأسرار ، أحمده حمداً دائماً بالعشي والإبكار ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة تنجي قائلها من عذاب النار ، وأشهد أن محمداً نبيه المختار صلى الله عليه وعلى أهله وأزواجه وأصحابه الجديرين بالتعظيم والإكبار ، صلاة دائمة باقية بقاء الليل والنهار .
أما بعد ..
فإن أهم ما يعتني به المسلم في حياته اليومية ، هو العمل بسنة الرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله حتى ينظم حياته على سنة الرسول ~صلى الله عليه و سلم ~ كلها من الصباح إلى المساء .
· قال ذو النون المصري : [ من علامة المحبة لله عز وجل ، متابعة حبيبه ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ في أخلاقه ، وأفعاله، وأوامره وسننه ] .
قال تعالى ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [آل عمران:31]
قال الحسن البصري : فكان علامة حبهم إياه ، إتباع سنة رسوله .
· وإن منزلة المؤمن تقاس باتباعه للرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ فكلما كان تطبيقه للسنة أكثر كان عند الله أعلى وأكرم .
· ولهذا جمعت هذا البحث المختصر إحياءً لسنة الرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ في واقع المسلمين في حياتهم اليومية، في عبادتهم وفي نومهم وفي أكلهم وشربهم وفي تعاملهم مع الناس وفي طهورهم وفي دخولهم وخروجهم ولباسهم وسائر حركاتهم وسكناتهم .
· وتأمل كيف لو سقط من أحدنا مبلغ من المال لاهتممنا واغتممنا واجتهدنا في البحث عنه حتى نجده ،ولكن كم سنة سقطت في حياتنا هل حزنا لها وسعينا لتطبيقها في واقع حياتنا ؟؟!! .
إن من المصائب التي نعاني منها في حياتنا ، أننا أصبحنا نعظم الدينار والدرهم أكثر من تعظيم السنة ، ولو قيل للناس من يطبق سنة من السنن يأخذ مبلغاً من المال ، لوجدت الناس يحرصون على تطبيق السنة في شؤون حياتهم كلها من أن يصبحوا إلى أن يمسوا لأنهم سوف يربحون من وراء كل سنة من السنن مبلغاً من المال ، وبماذا ينفعك المال عندما توضع في قبرك ويهال عليك التراب ، قال تعالى ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [الأعلى:16-17] .
· والمقصود بهذه السنن التي في هذا البحث : هي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ، وهي " التي تتكرر في اليوم والليلة وباستطاعة كل واحد منا أن يقوم بها "
· وقد وجدت أن بإمكان كل شخص لو حرص على السنن اليومية أن يطبق ما لا يقل عن ألف سنة في جميع شؤون حياته كلها وما هذه الرسالة إلا لبيان [ أيسر وسيلة لتطبيق هذه السنن اليومية التي تزيد عن ألف سنة ] .
· فلو حرص المسلم على تطبيق ألف سنة في اليوم والليلة لكان في الشهر ثلاثون ألف سنة فانظر إلى من جهل هذه السنن أو من علمها ولم يعمل بها كم من الدرجات والحسنات ضيع على نفسه وإنه لمحروم حقاً .
· وإن الالتزام بالسنة له فوائد منها :-
1- الوصول إلى درجة [ المحبة ] محبة الله عز وجل لعبده المؤمن .
2- جبر النقص الحاصل في الفرائض .
3- العصمة من الوقوع في البدعة .
4- أنه من تعظيم شعائر الله .
· فالله الله يا أمة الإسلام في سنن رسولكم ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ، أحيوها في واقع حياتكم، فمن لها سواكم ، فهي دليل المحبة الكاملة لرسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ، وعلامة المتابعة الصادقة له ~صلى الله عليه و سلم ~
الحلقة الثالثة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (2)
سنن الإستيقاظ :
1- مسح أثر النوم عن الوجه باليد : " وقد نص على استحبابه النووي وابن حجر لحديث ، [ فاستيقظ رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ] رواه مسلم .
2- الدعاء وهو : ( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور ) رواه البخاري
3- السواك : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ إذا استيقظ من الليل يشوص فاه بالسواك ) متفق عليه .
• والحكمة من ذلك :
1- أن من خصائص السواك التنبيه والتنشيط
2- وقطع الرائحة من الفم .
الخول والخروج من الحمام :
وله سنن :
1- الدخول بالرجل اليسرى والخروج بالرجل اليمنى .
2- دعاء الدخول [ اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ] متفق عليه .
3- دعاء الخروج [ غفرانك ] أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي .
• ويدخل الإنسان إلى الحمام في يومه وليلته عدة مرات وكلما دخل طبق هذه السنن في دخوله وخروجه، سنتان في الدخول ، وسنتان في الخروج .
الوضوء
1- البسملة .
2- غسل الكفين ثلاثاً في أول الوضوء .
3- البدء بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه .
4- الاستنثار باليسار ، لحديث ( فغسل كفيه ثلاث مرات ، ثم تمضمض ، واستنشق ، واستنثر ثم غسل وجهه ثلاث مرات .. ) متفق عليه .
5- المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم ، لحديث ( وبالغ بالاستنشاق إلا أن تكون صائماً ) أخرجه الأربعة .
• معنى المبالغة في المضمضة : إدارة الماء في جميع فمه .
• معنى المبالغة في الاستنشاق : جذب الماء إلى أقصى أنفه .
6- المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ، بحيث لا يفصل بينهما ( ثم أدخل يده فتمضمض واستنشق من كفٍ واحده ) متفق عليه .
7- السواك ومحله عند المضمضة ، لحديث ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء ) رواه أحمد والنسائي .
8- تخليل اللحية الكثيفة عند غسل الوجه ، ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يخلل لحيته في الوضوء ) أخرجه الترمذي .
9- صفة مسح الرأس .
• صفة مسح الرأس : ( أن يبدأ من مقدمة الرأس إلى آخر القفا ثم يعود إلى المقدمة مرة آخرى )
• وأما المسح الواجب : ( فهو تعميمه بالمسح على أي صفة كانت ) ، و ( مسح رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ برأسه فأقبل بيديه وأدبر ) متفق عليه
10- تخليل أصابع اليدين والرجلين ، لحديث ( أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع ) أخرجه الأربعة .
11- التيامن وهو البدء باليمين من اليدين والرجلين قبل اليسار ، لحديث ( كان رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يعجبه التيمن في تنعله .. وطهوره ) متفق عليه .
12- الزيادة على الغسلة الواحدة إلى ثلاث غسلات في غسل الوجه واليدين والرجلين .
13- النطق بالشهادتين بعد الفراغ من الوضوء ، بأن يقول ( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وثمرتها : إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) رواه مسلم .
14- الوضوء في البيت : قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( من تطهر في بيته ، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئه ، والأخرى ترفع درجة ) رواه مسلم .
15- الدلك : هو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده .
16- الاقتصاد في الماء : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يتوضأ بالمد ) متفق عليه .
17- مجاوزة محل الفرض في الأعضاء الأربعة (اليدين والرجلين ) ( لأن أبا هريرة توضأ فغسل يده حتى أشرع في العضد ، ورجله حتى أشرع في الساق ثم قال : هكذا رأيت رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يتوضأ ) رواه مسلم .
18- صلاة ركعتين بعد الوضوء : قال رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه البخاري ومسلم ، وعند مسلم من حديث عقبة بن عامر ( إلا وجبت له الجنة ) .
19- إسباغ الوضوء : وهو إعطاء كل عضو حقه في الغسل فهو الإتمام واستكمال الأعضاء .
• ويتوضأ المسلم في يومه وليلته عدة مرات ، وبعضهم خمس مرات ، وبعضهم قد يكون أكثر عندما يريد أن يصلي الضحى أو قيام الليل ، وعلى حسب تكرار المسلم للوضوء يطبق هذه السنن ويكررها فيحصل على الأجر العظيم .
ثمرة تطبيق هذه السنن عند الوضوء :
أنه يدخل في قوله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره ) رواه مسلم .
الحلقة الرابعة والستون :الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (3)
السواك
وله عدة أوقات يتسوك فيها المسلم في اليوم والليلة :
قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) رواه البخاري ومسلم .
• ومجموع ما يتسوك به المسلم في يومه وليله لا يقل عن [20] مرة فهو يتسوك للصلوات الخمس ، وللسنن الرواتب ، ولصلاة الضحى ، والوتر ، وعند دخول البيت ، لأن أول ما يبدأ به الرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ عند دخوله البيت هو السواك كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها ، كما في صحيح مسلم فكلما دخلت البيت فابدأ بالسواك حتى تصيب السنة ، وعند قراءة القرآن ، وعند تغير رائحة الفم ، وعند الاستيقاظ من النوم وعند الوضوء ، وقد قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) رواه أحمد .
ثمرة تطبيق هذه السنة :
أ) رضاء الرب سبحانه وتعالى عن العبد .
ب) مطهرة للفم .
لبس النعال
قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ بالشمال ، ولينعلهما جميعاً أو ليخلعها جميعاً ) رواه مسلم .
• وهذه السنة تتكرر مع المسلم في يومه وليله عدة مرات فهو يلبسه لدخوله وخروجه إلى المسجد ، ولدخوله وخروجه من الحمام ، ولدخوله وخروجه إلى العمل خارج المنزل ، فتتكرر هذه السنة في لبس النعال مرات كثيرة في اليوم والليلة ، وكلما كان لبسه أو خلعه على السنة ، ويستحضر هذه النية حصل له خير عظيم وتكون جميع حركاته وسكناته على السنة .
اللباس
ومن الأمور التي تتكرر مع غالب الناس في يومهم وليلهم خلع الثياب ولبسها إما لأجل الغسل أو النوم أو غير ذلك من الأمور :
• ولخلع الثياب ولبسها سنن :
1- أن يقول [ بسم الله ] سواء عند الخلع أو اللبس ، قال النووي : وهي مستحبة في جميع الأعمال.
2- كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~إذا لبس ثوباً أو قميصاً أو رداءً أو عمامة يقول : ( اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له ، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له ) رواه أبو داود والترمذي ، وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم وقال على شرط مسلم ووافقه الذهبي .
3- البدء باليمين عند اللبس ، لحديث النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( إذا لبستم فابدءوا بأيمانكم ) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه وهو صحيح .
4- ويخلع ثيابه وسراويله بالأيسر ثم الأيمن
الدخول والخروج
وله سنن :-
* قال النووي : يستحب أن يقول : (بسم الله) ، وأن يكثر من ذكر الله تعالى وأن يسلم .
1- ذكر الله : عند الدخول لحديث النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~: ( إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء … ) رواه مسلم .
2- دعاء الدخول : لحديث النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ، بسم الله ولجنا ، وبسم الله خرجنا ، وعلى الله ربنا توكلنا ، ثم يسلم على أهله ) رواه أبو داود .
• فهو يستشعر التوكل على الله في دخوله وخروجه من البيت ، فيكون دائم الصلة بالله .
3- السواك : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ إذا دخل بيته بدأ بالسواك ) رواه مسلم .
4- السلام : لقوله تعالى ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) [النور:61]
• فلو افترضنا أن المسلم يدخل بيته بعد كل فريضة يؤديها في المسجد لكان عدد السنن التي يطبقها في دخوله للبيت في يومه وليله هي [20] سُنّة .
• أما الخروج من البيت ، فيقول ( بسم الله ، توكلت على الله ، ولا حوله ولا قوة إلا بالله ، يقال كفيت ووقيت وهديت وتنحى عنه الشيطان ) رواه الترمذي وأبو داود .
• ويخرج المسلم من بيته في يومه وليله عدة مرات فهو يخرج للصلاة في المسجد ويخرج لعمله ويخرج لقضاء أعمال البيت وكلما خرج من بيته طبق هذه السنة ، فيحصل على خير عظيم وأجر كبير .
* وثمرة تطبيق هذه السنة عند الخروج من البيت :
1) يحصل للعبد الكفاية : من كل ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك .
2) يحصل للعبد الوقاية : من كل شر ومكروه سواء كان من الجن أو الأنس .
3) يحصل للعبد الهداية : وهي ضد الضلال فيهديك الله في جميع أمورك الدينية والدنيوية .
الحلقة الخامسة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (4)
الذهاب للمسجد
1- التبكير في الذهاب إلى المسجد قال رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ، ولو يعلمون ما في التهجير لأستبقوا إليه ، ولو يعلموا ما في العتمة والصبح لأتوهمـا ولو حبواً ) متفق عليه .
* قال النووي : التهجير : التبكير إلى الصلاة .
2- دعاء الذهاب إلى المسجد http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي لساني نوراً ، واجعل لي في سمعي نوراً ، واجعل في بصري نوراً ، واجعل من خلفي نوراً ومن أمامي نوراً ، واجعل من فوقي نوراً ومن تحتي نوراً ، اللهم اعطني نوراً ) رواه مسلم .
3- المشي بسكينة ووقار : قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار … ) رواه البخاري ومسلم.
• السكينة : هي التأني في الحركات واجتناب العبث .
• الوقار : غض البصر و خفض الصوت وعدم الالتفات .
4- الذهاب إلى المسجد ماشياً : وقد نص الفقهاء على أنه يسن مقاربة الخطا وعدم العجلة في الذهاب إلى المسجد لتكثر حسنات الماشي إليه استناداً إلى النصوص الشرعية الدالة على فضل كثرة الخطا إلى المسجد . قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ، قالوا : بلى يا رسول الله وذكر منها " كثرة الخطا إلى المساجد .. ) رواه مسلم
5- الدعاء عند الدخول إلى المسجد : ( اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ وليقل : ( اللهم افتح لي أبواب رحمتك) رواه النسائي وابن ماجه وابن خزيمه وابن حبان.
6- تقديم اليمنى عند الدخول إلى المسجد : لقول أنس بن مالك رضي الله عنه ( من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى ) أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي .
7- التقدم للصف الأول : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا …) رواه البخاري ومسلم .
8- الدعاء عند الخروج من المسجد : ( وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك ) رواه مسلم ، وزيادة عند النسائي يصلي على الرسول عند الخروج كذلك .
9- تقديم اليسرى عند الخروج من المسجد : لقول أنس السابق .. ( في تقديم اليمنى …. )
10- تحية المسجد : ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) متفق عليه
• قال الشافعي : تحية المسجد مشروعة حتى في أوقات النهي .
• قال الحافظ : أجمع أهل الفتوى على أن تحية المسجد سنة .
• ومجموع هذه السنن التي يحرص المسلم على تطبيقها عند ذهابه إلى المسجد للصلوات الخمس وتكرارها في كل مرة هي [50] سنّة .
الأذان
وهي ( خمس سنن ) كما ذكر ذلك ابن القيم في زاد المعاد :
1- أن يقول السامع كما يقول المؤذن ، إلا في لفظ ( حي على الصلاة ) ( حي على الفلاح ) فإنه يقول ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) رواه البخاري ومسلم .
• وثمرة هذه السنة : أنها توجب لك الجنة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم .
2- أن يقول السامع : ( وأنا أشهد ألا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً ) رواه مسلم .
• وثمرة هذه السنة : غفر له ذنبه ، كما في الحديث نفسه.
3- أن يصلي على النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ بعد فراغه من إجابة المؤذن ، وأكمل ما يُصلى به عليه هي ( الصلاة الإبراهيمية ) فلا صلاة أكمل منها .
• الدليل : قوله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا عليَ ، فإنه من صلى عليَ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً ) رواه مسلم .
• وثمرة هذه السنة : أن الله يصلي على العبد عشر مرات .
• ومعنى صلاة الله على العبد : أي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى ، والصلاة الإبراهيمية هي : ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ميجد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعـلى آل إبراهيـم إنك حميد مجيد ) رواه البخاري.
4- أن يقول بعد صلاته عليه ( اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة ، وإبعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ) رواه البخاري .
• ثمرة هذا الدعاء : أن من قاله حلَت له شفاعة النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ .
5- أن يدعو لنفسه بعد ذلك ، ويسأل الله من فضله فإنه يستجاب له لقوله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( قل كما يقولون يعني المؤذنين ، فإذا انتهيت فسل تعطه ) رواه أبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر وصححه ابن حبان .
• مجموع هذه السنن التي يحرص علي تطبيقها عند سماع الأذان [25] سنّة .
الإقامة
ويفعل هذه السنن الأربعة الأولى عند الإقامة كذلك كما هي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فيكون مجموع هذه السنن التي يفعلها عند الإقامة لكل صلاة [20] سنّة .
يستحب مراعاة الامور التالية في الاذان والاقامة ليكتمل الامتثال والثواب إن شاء الله
أ- التوجه الى القبلة حين الاذان والاقامة.
ب- ان يكون في حالة القيام.
ج- الطهارة في الاذان، اما في الاقامة فالطهارة معتبرة في صحتها الاَّ اذا اتى بها بقصد الرجاء.
د- عدم التحدث في اثنائهما، وخاصة بين الاقامة والصلاة.
هـ- الاستقرار اثناء الاقامة.
و- الافصاح بالالف والهاء من لفظ الجلالة (الله) في كل فصل يحتوي عليها في الاذان، اما الاقامة فهي حدر أي ياتي بها بسرعة وتتابع.
ز- وضع الاصبعين في الاذنين حال الاذان.
ح- مد الصوت ورفعه في الاذان، وبدرجة اقل في الاقامة.
ط- الفصل بين الاذان والاقامة، وذكرت الروايات ان الفصل يمكن ان يقع بصلاة ركعتيــن او السجود، او التسبيح او القعود او الكلام، وفي صلاة المغرب يكفي التنفس، ويكره الكــلام بينهمـا - حسب الروايات- في صلاة الغداة (الفجر)، وقال بعض الفقهاء يكفي الفصل بالخطوة ولا بأس به تسامحاً.
ي - يستحب لمن يسمع الاذان - سواء اذان الإعلام او اذان الصلاة - وكذلك الاقامة ان يحاكي الفصول التي يسمعها، ولكن عندما يسمع ( قد قامت الصلاة) في الاقامة يقول: ( لا حول ولا قوة الا بالله).
الصلاة إلى سترة
قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ http://www.al-amakn.net/vb/images/smilies/frown.gif إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها ولا يدع أحد يمر بينه وبينها ) رواه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمه .
• وهذا نص عام على سنية اتخاذ السترة عند الصلاة سواء كان ذلك في المسجد أو البيت ، والرجال والنساء في ذلك سواء ، وبعض المصلين قد حرم نفسه من هذه السنة فنجده يصلي إلى غير سترة .
* وتكرر هذه السنة مع المسلم في يومه وليلته عدة مرات فهي تتكرر معه في السنن الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد ، وصلاة الوتر ، وتتكرر مع المرأة في الفريضة عندما تصلي وحدها في البيت ، أما في صلاة الجماعة فالإمام يكون سترة للمأمومين .
مسائل حول السترة
1- تحصل السترة بكل ما ينصبه المصلي تجاه القبلة كالجدار أو العصا أو عمود ولا تحديد لعرْض السترة .
2- أما الارتفاع للسترة فمثل مؤخرة الرحل أي ما يقارب شبر تقريبا .
3- المسافة بين القدمين إلى السترة ثلاثة أذرع تقريباً بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود .
4- السترة إنما تشرع بالنسبة للإمام والمنفرد ( سواء الفريضة أو النافلة ) .
5- سترة الإمام سترة المأموم فيجوز المرور بين يدي المأموم لحاجة .
ثمرة تطبيق هذه السنة :
أ) إنها تقي الصلاة من القطع إن كان المار مما يقطعها أو ينقصها .
ب) أنها تحجب النظر عن الشخوص والروغان لأن صاحب السترة يضع نظره دون سترته غالباً ، فينحصر تفكيره في معاني الصلاة .
ت) يعطي المصلي المجال للمارين فلا يحوجهم إلى المرور أمامه .
الحلقة السادسة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (5)
النوافل في اليوم والليلة
1- السنن الرواتب قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~: ( ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة ، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة أو بُني له بيت في الجنة ) رواه مسلم .
• وهي كالتالي : أربعاً قبل ظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر .
• أخي الحبيب : ألا تشتاق إلى بيت في الجنة ؟!! حافظ على هذه النصيحة النبوية وصل ثنتي عشرة ركعة غير الفريضة .
صلاة الضحى : تعدل [360] صدقة ، وذلك أن في جسم الإنسان [360] عظم ، فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق بها عنه يومياً ليكون ذلك شكراً لهذه النعمة ويجزء عن ذلك كله ركعتان من الضحى
ثمرتاها : كما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ أنه قال : ( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويجزئ عـن ذلـك ركعتـان يركعهـما من الضحى ) .... سلامى : المفصل .
وجاء عن أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال : ) أوصاني خليلي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتي الضحى ، وأن أوتــر قـبـل أن أرقـد ) متفق عليه .
وقتها : تبدء من بعد طلوع الشمس بربع ساعة إلى قبل صلاة الظهر بربع ساعة .
أفضل أوقات أدائها : عند اشتداد حرارة الشمس .
عددها : أقلها ركعتان ،
أكثرها : ثماني ركعات وقيل : لاحَد لأكثرها .
2- سنة العصر : قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً ) رواه أبو داود والترمذي .
3- سنة المغرب : قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ صلوا قبل المغرب ،قال في الثالثة لمن شاء ) رواه البخاري .
4- سنة العشاء : قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة " قال في الثالثة لمن شاء ) متفق عليه .
* قال النووي : المراد بالأذانين : الأذان والإقامة .
قيام الليل
قال رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~: ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الحرام ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) رواه مسلم .
1- أفضل عدد لصلاة الليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة مع طول القيام لحديث : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته ) رواه البخاري
وفي رواية أخرى ( يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة .. ) رواه البخاري .
2- ويسن له إذا قام لصلاة الليل أن يستاك وأن يقرأ الآيات الأخيرة من سورة آل عمران من قوله : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران:190) حتى يختم السورة .
3- ويسن له أن يدعو بما ثبت عن النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ، ولك الحمد أنت الحق ، ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، وقولك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ) .
4- ومن السنن أيضاً ابتداء صلاة الليل بركعتين خفيفتين ، وذلك حتى ينشط بهما لما بعدهما ، قال رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين ) رواه مسلم .
5- ويسن كذلك أن يفتتح صلاة الليل بالدعاء الثابت عن النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) رواه مسلم .
6- ويسن تطويل صلاة الليل ، سئل رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~: أي الصلاة أفضل ؟ قال ( طول القنوت ) رواه مسلم ، والمراد بالقنوت هنا : القيام .
7- ويسن التعوذ عند آية العذاب بأن يقول [ أعوذ بالله من عذاب الله ] ، وسؤال الرحمة عند آية الرحمة بأن يقول [ اللهم إني أسألك من فضلك ] ، وتسبيح الله عند آية تنزيه الله .
الوتر
1- السنة : لمن أوتر بثلاث ركعات أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وفي الثانية ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كما روى ذلك أبو داود والترمذي وابن ماجه .
2- أن يقول إذا سلم من الوتر ( سبحان الملك القدوس ) ثلاث مرات ، والثالثة : وفيها زيادة عند الدار قطني يجهر بها ويمُدُ بها صوته ، ويقول ( رب الملائكة والروح ) صححها الأرنؤط كما روى ذلك أبو داود والنسائي .
الفجر
ولها سنن خاصة :
1- تخفيفها : عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يصلي ركعتين خفيفتين بين الأذان والإقامة من صلاة الصبح ) متفق عليه .
2- ما يقرأ فيهما : ( كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منها ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)(البقرة136 ) وفي رواية وفي الآخرة التي في آل عمران ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [آل عمران:52]، وفي الآخرة منها ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم) [آل عمران:64] رواه مسلم .
· وفي رواية أخرى قرأ في ركعتي الفجر ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) رواه مسلم .
3- الاضطجاع : ( كان النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن ) رواه البخاري .
فعندما تصلي ركعتي الفجر في بيتك حاول أن تضطجع بعدها ولو لمدة دقائق حتى تصيب السنة .
الجلوس بعد الصلاة
أن النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء ) رواه مسلم
الحلقة السابعة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (6)
الصلاة القولية
1- دعاء الاستفتاح : وهو قوله بعد تكبيرة الإحرام : ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إلـه غـيرك ) رواه الأربعة .
• وهناك دعاء آخر ( الله باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، باللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد ) رواه البخاري ومسلم ، ويختار أحد الأدعية التي وردت في الاستفتاح ويقوله .
2- التعوذ قبل القراءة ، أن يقول [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ] .
3- البسملة أي ( بسم الله الرحمن الرحيم )
4- آمين ، بعد الفاتحة .
5- قراءة سورة بعد الفاتحة في الأوليين من الفجر والجمعة والمغرب والرباعية ، والتطوع كله للمنفرد ( أما المأموم فيقرأ في الصلاة السرية ، أما الجهرية فلا )
6- قوله ( ملء السموات وملء الأرض وما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ،وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) رواه مسلم . بعد الرفع من الركوع وقول : ربنا ولك الحمد .
7- ما زاد على المرة في تسبيح الركوع والسجود .
8- ما زاد على مرة في قوله ( رب اغفر لي ) بين السجدتين .
9- الدعاء بعد التشهد الأخير : ( اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) رواه البخاري ومسلم .
• والمستحب أن لا يقتصر المصلى على التسبيح في السجود ، بل يزيد عليه ما شاء من الدعاء ، لحديث ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجـد فأكثروا فيـه مـن الدعـاء ) رواه مسلم .
• وهناك أدعية أخرى من أرادها فليرجع إلى ( كتاب حصن المسلم للقحطاني ) .
• وكل سنن الأقوال تفعل في كل ركعة إلا دعاء الاستفتاح ، والدعاء الذي بعد التشهد .
• فيكون المجموع في تطبيق السنن القولية في صلاة الفريضة وهي سبعة عشر ركعة [136] سنّة ، إذا قلنا أن هناك ثماني سنن تتكرر في كل ركعة .
• والمجموع في الصلاة النافلة وهي [25] ركعة على حسب ما بيناه في النوافل التي تؤدى في اليوم والليلة [175] سنّة تطبقها في ركعات النافلة ، وقد تزيد هذه الركعات في قيام الليل وصلاة الضحى فتزداد تطبيقاً لهذه السنن .
• أما السنن القولية والتي لا تتكرر في الصلاة إلا مرة واحدة وهي :
1- دعاء الاستفتاح .
2- والدعاء بعد التشهد .
فإنه يكون المجموع في الفريضة [10] سنن .
• أما في النوافل التي تؤدى في اليوم والليلة ويكرر فيها هاتين السنتين ، فيكون المجموع [24] سنّة وقد يزيد في الصلاة النافلة من قيام الليل وصلاة الضحى أو تحية المسجد فيزداد تطبيقاً لهذه السنن التي لا تتكرر في الصلاة إلا مرة واحدة فيزداد أجراً وتمسكاً بالسنة .
الصلاة الفعلية
1- رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام .
2- رفع اليدين عند الركوع .
3- رفع اليدين عند الرفع من الركوع
4- وعند القيام للركعة الثالثة في الصلاة التي فيها تشهدان .
5- كون الأصابع أثناء الرفع المذكور والحط منه مضمومة إلى بعضها .
6- كون هذه الأصابع ممدودة مستقبلة القبلة بباطن الكف .
7- كون هذه الأصابع ترفع إلى حذو المنكبين أو فروع الأذنين .
8- وضع اليد اليمنى على الشمال أو قبض اليمنى على كوع رسغ الشمال .
9- النظر إلى موضع السجود .
10- التفريق بين قدميه قائماً تفريقاً يسيراً .
11- ترتيل القرآن وتدبر القراءة .
السنن التي تفعل في الركوع
1- قبض ركبتيه بيديه مفرجتي الأصابع في الركوع .
2- مدّ ظهره في ركوعه مستوياً .
3- جعل المصلى رأسه حيال ظهره ، ولا يخفضه ولا يرفعه .
4- ومجافاة عضديه عن جنبيه .
السنن التي تفعل في السجود
1- مجافاة عضدية عن جنبيه .
2- وبطنه عن فخذيه .
3- وفخذيه عن ساقيه .
4- التفريق بين ركبتيه في السجود .
5- إقامة قدميه .
6- وجعل بطون أصابعهما على الأرض .
7- القدمان تكونان مرصوصتان أثناء السجود .
8- ووضع يديه حذو منكبيه أو الأذنين .
9- مبسوطة اليدين .
10- مضمومة الأصابع .
11- مستقبلاً بها القبلة .
12- الجلوس بين السجدتين وله هيئتان :
أ- تسمى الاقعاء : وهو أن ينصب القدمين ويجلس على العقبين .
ب- الافتراش : وهو أن ينصب اليمنى ويفترش اليسرى ، وفي التشهد الأول ( بأن يثني رجله اليسرى ويقعد عليها وينصب اليمنى) التشهد الثاني : وله ثلاث هيئات :
أ- ينصب القدم اليمنى ، ويجعل اليسرى تحت ساقه اليمنى ويجلس بمقعدته على الأرض .
ب- كالأولى : إلا أنه لا ينصب اليمنى بل يجعلها في نفس إتجاه اليسرى
ت- ينصب اليمنى ، ويدخل اليسرى بين ساق اليمنى وفخذها .
13- وضع اليدين على الفخذين " اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى مبسوطتي الأصابع مضمومتين " .
14- الإشارة بالسبابة عند التشهد من أوله إلى آخره .
15- الالتفات عن اليمين والشمال في التسليمتين.
16- جلسة الاستراحة ( هي جلسة يسيرة لا ذكر فيها ، ومكانها بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والركعة الثالثة ) .
• وهناك [25] سنة فعلية تتكرر في كل ركعة فيكون المجموع في صلاة الفريضة [425] سنّة
• والمجموع في صلاة النافلة وهي [25] ركعة على حسب ما بيناه في النوافل التي تؤدى في اليوم والليلة [625] سنّة يطبقها إذا حافظ على هذه السنن الفعلية في كل ركعة .
• وقد يزيد المسلم في عدد الركعات في صلاة الضحى وقيام الليل فيزداد تطبيقاً لهذه السنن .
• وهناك من السنن الفعلية ما لا يتكرر في الصلاة إلا مرة واحدة أو مرتين :
1- رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام .
2- ورفع اليدين للركعة الثالثة في الصلاة التي فيها تشهدان .
3- الإشارة بالسبابة عند التشهد من أوله إلى آخره ، سواءً كان التشهد الأول أو الثاني .
4- الالتفات إلى اليمين والشمال في التسليمتين
5- جلسة الاستراحة : وتتكرر مرتين في الصلاة الرباعية ، وباقي الصلوات مرة واحدة سواءً الفريضة أو النافلة .
6- التورك : ( وهو أن ينصب القدم اليمنى ويجعل اليسرى تحت ساقه اليمنى ويجلس بمقعدته على الأرض ) وهذه تفعل في التشهد الثاني في الصلاة التي فيها تشهدان
• فهذه السنن تكررها في الصلاة مرة واحدة إلا الإشارة بالسبابة عند التشهد فإنها تتكرر مرتين في كل الفروض ما عدا الفجر ، وجلسة الاستراحة في الصلاة الرباعية كذلك تكرر مرتين ، فيكون المجموع [34] سنّة.
• وتتكرر هذه السنن الفعلية إلا اثنتين منها وهي الثانية والأخيرى في كل صلاة من صلاة النافلة فيكون المجموع [48] سنّة .
• فاحرص يا أخي المبارك : أن تزين صلاتك بهذه السنن القولية والفعلية حتى يعظم أجرك وتعلوا منزلتك عند الله .
بعد الصلاة
1- الاستغفار ثلاثاً ( وقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكـرام ) رواه مسلم .
2- ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) رواه البخاري ومسلم .
3- ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، ولا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ) رواه مسلم .
4- ( سبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر [ ثلاثاً وثلاثين مرة) ، ( ولا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) رواه مسلم .
5- ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) رواه أبو داود والنسائي .
6- ( اللهم إني أعوذ بك من الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ، أعوذ بك من عذاب القبر ) رواه البخاري .
7- رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ، وذلك لما رويَ عن البراء أنه قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~، أحببنا أن نكون عن يمينه ، يقبل علينا بوجهه ، فسمعته يقول : ( رب قني عذابك يوم تبعث - تجمع- عبادك ) رواه مسلم
8- قراءة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
• وبعد صلاة الفجر وصلاة المغرب يكررها ثلاثاً .
9- قراءة آية الكرسي ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) رواه النسائي .
10- ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات بعد صلاة المغرب وصلاة الصبح ) رواه الترمذي .
11- أن يكون هذا التسبيح باليد ، ورواية بيمينه مختلف فيها ، ويشهد لها عمومات أخرى .
12- أن يقول هذه الأذكار وهو في مصلاه الذي صلى فيه ، ولا يغير مكانه .
• مجموع هذه السنن إن حرص عليها المسلم دبر كل صلاة مفروضة فسوف يطبق من السنن ما يقارب [55] سنّة وقد يزيد في صلاة الفجر وصلاة المغرب .
ثمرة تطبيق هذه السنن بعد كل فريضة والمحافظة عليها :
أ) يكتب للمسلم إذا حافظ على هذه التسبيحات دبر كل صلاة في يومه وليله [500] صدقة ، لقوله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( كل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة .. ) رواه مسلم .
* قال النووي : له حكم ثوابها .
ب) يغرس للمسلم إذا حافظ على هذه التسبيحات دبر كل صلاة في يومه وليله [500] شجرة في الجنة ، وذلك أن رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ مر على أبي هريرة وهو يغرس غرساً ، فقال : ( يا أبا هريرة ألا أدلك على غرس خير لك من هذا ؟ قال : بلى يا رسول الله ! قال : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
ت) ليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخل الجنة ، لمن قرأ آية الكرسي وحافظ عليها دبر كل صلاة .
ث) من حافظ على هذه التسبيحات حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ( كما في صحيح مسلم ) .
ج) عدم الخيبة والخزي في الدنيا والآخرة لمن داوم على هذه التسبيحات دبر كل صلاة لحديث ( معقبات لا يخيب قائلهن .. وذكر هذه التسبيحات .. ) رواه مسلم .
ح) جبر الخلل والنقص الحاصل في الفريضة .
الحلقة الثامنة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (7)
الصباح
1- آية الكرسي ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ).
من ثمرتها ( من قالها حين يصبح أًجير من الجن حتى يمسي ومن قالها حين يمسي أًجير منهم حتى يصبح ) رواه النسائي ، وصححه الألباني .
2- المعوذات ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) رواه داود والترمذي ( من ثمرتها : من قالها ثلاث مرات حين يصبح وحين يمسي كفته من كل شيء ) كما في نفس الحديث.
3- ( أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده ، وأعوذ بك من شر ما في هذا اليوم وشر ما بعده ، رب أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر ، رب أعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر ) رواه مسلم ، وفي المساء يقول أمسينا بدل أصبحنا ويقول : رب أسألك خير ما في هذه الليلة بدل اليوم .
4- ( اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا ، وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور ) رواه الترمذي ، وإذا أمسى قال : ( اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير ) .
5- ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) رواه البخاري .
من ثمرتها : ( من قالها موقناً بها حين يمسي ومات من ليلته دخل الجنة وكذلك إذا أصبح ) ، ( كما في نفس الحديث ).
6- ( اللهم إني أصبحت أًشهدك وأشهد حملة عرشك ، وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك " أربع مرات ) ، رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة ، ومن ثمرتها : من قالها حين يصبح أو يمسي أربع مرات أعتقه الله من النار .
* وإذا أمسى قال : ( اللهم إني أمسيت ) .
7- ( اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر ) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة .
من ثمرتها : من قالها حين يصبح أدى شكر يومه ، ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته ( كما في الحديث نفسه) .
8- ( اللهم عافني في بدني ، اللهم عافني في سمعي ، اللهم عافني في بصري ، لا إله إلا أنت ، اللهم إني أعوذ بك من الكفر ، والفقر وأعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت [ثلاث مرات ) رواه أبو داود وأحمد .
9- ( حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) سبع مرات أخرجه ابن السنّي مرفوعاً وأبو داود موقوفاً . من ثمرتها : ( من قالها حين يصبح ويمسي سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ) كما في الحديث نفسه .
10- ( اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي ، اللهم استر عوراتي ،وآمن روعاتي ، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ، وأعوذ بعظمتك أن أًغتال من تحتي ( رواه أبو داود وابن ماجه.
11- ) اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض ، ربَّ كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه ، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم ( رواه الترمذي وأبو داود .
12- ) بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السمـيع العليم ( ثلاث مرات رواه أبو داود و الترمذي وابن ماجه وأحمد . ( من ثمرتها: من قالها ثلاثاً إذا أصبح وثلاثاً إذا أمسى لم يضره شيء ) ، كما في الحديث نفسه.
13- ( رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ نبياً ) ثلاث مرات ، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد ، ( من ثمرتها : من قالها ثلاثاً حين يصبح وحين يمسي كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة ) كما في الحديث نفسه.
14- ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
15- ( أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ) رواه أحمد .
16- ( سبحان الله وبحمد ) مائة مرة ، رواه مسلم . ( من ثمرتها : من قالها مائة مرة حين يصبح وحين يمسي لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه ، وثمرة أخرى لمن قالها حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) .
17- ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) مائة مرة إذا أصبح ، رواه البخاري ومسلم .
من ثمرتها : من قالها مائة مرة في اليوم كانت له :
1- عدل عشر رقاب . 2- وكتب له مائة حسنه . 3- ومحيت عنه مائة سيئه . 4- وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ) كما في الحديث نفسه.
18- ( أستغفر الله وأتوب إليه ) مائة مرة في اليوم ، رواه البخاري ومسلم .
19- ( اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً ) إذا أصبح ، رواه ابن ماجه .
20- ( سبحان الله وبحمده ، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ) ثلاث مرات رواه مسلم.
21- ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) ثلاث مرات إذا أمسى ، رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد .
* وكلما قال ذكراً من هذه الأذكار طبق سنة من السنن ، فينبغي على المسلم المحافظة على هذه الأذكار في صباحه ومسائه حتى يحصل على أكبر قدر من تطبيق السنن .
* وينبغي على المسلم أن يقول هذه الأذكار بإخلاص وصدق ويقين وأن يستشعر هذه المعاني التي فيها حتى تُؤَثِرَ في واقع حياته وأخلاقه وسلوكه .
لقاء الناس
1- السلام : سئل الرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ أي الإسلام خير ؟ قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) رواه البخاري ومسلم .
• ( دخل رجل على الرسول ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ فقال : السلام عليكم ، فرد عليه ثم جلس فقال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : عشر ، ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله ، فرد عليه ثم جلس ، فقال~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : عشرون ، ثم جاء آخر ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فرد عليه فجلس ، فقال~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ثلاثون ) رواه أبو داود وحسنه الترمذي.
• فأنظر يا رعاك الله : كم أضاع على نفسه من الأجر من يكتفي ببعض السلام ، من غير أن يكمله كله حتى يأخذ ثلاثين حسنه والحسنة على أقل تقدير لها : بعشر حسنات فيكون المجموع [300] حسنه ، وقد تزيد الحسنة إلى أضعاف مضاعفة .
• فعود لسانك يا أخي الحبيب على إكمال لفظة السلام إلى بركاته حتى تحصل على هذا الأجر العظيم .
• ويلقي المسلم السلام في يومه وليلته مرات ومرات فهو يلقيه عند دخوله إلى المسجد وعند الخروج منه ، وعند دخوله البيت وعند الخروج منه .
• ولا تنسى يا أخي : أن من السنة لمن أراد أن يفارق أحداً من الناس أن يأتي بالسلام كاملاً لحديث ( إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يفارق فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة ) رواه أبوداود والترمذي .
• ومجموع ذلك عندما يحافظ على السلام في دخوله وخروجه من المسجد والبيت لا يقل عن [20]مرة وقد يزيد على ذلك عندما يخرج إلى العمل ومن يراه من الناس في الطريق ومن يكلمه في الهاتف .
2- الابتسامة : فقد قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجه طلق ) رواه مسلم .
3- المصافحة : فقد قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبـل أن يتفـرقـا ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه .
قال النووي : أعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء .
• فأحرص يأخي الكريم : على أن تصافح من تلقي السلام عليه وأنت مبتسم في وجهه ، وبذلك تكون قد طبقت [3] سنن في وقت واحد .
4- قال تعالى ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ) [الإسراء:53] .
• ، وقال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( والكلمة الطيبة صدقة ) رواه البخاري ومسلم .
• الكلمة الطيبة : تشمل الذكر والدعاء والسلام والثناء بحق ، ومكارم الأخلاق ومحاسن آداب وأفعال .
• الكلمة الطيبة : تعمل في الإنسان عمل السحر ، تريح نفسه وتدخل الطمأنينة على قلبه .
• الكلمة الطيبة : دليل على مافي قلب المؤمن من نور وهداية ورشد .
• فهل فكرت يا أخي الكريم أن تعمر حياتك كلها من أن تصبح إلى أن تمسي بالكلمة الطيبة ، فزوجك ، وأولادك ، وجيرانك ، وأصدقائك ، وخادمك ، وممن تتعامل معهم بحاجة إلى الكلمة الطيبة .
الطعام
• سنن قبل الطعام وأثناء الطعام :
1- التسمية .
2- الأكل باليمين .
3- الأكل مما يلي الآكل .
هذه السنن يجمعها حديث ( يا غلام سم الله ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك ) رواه مسلم .
4- مسح اللقمة إذا سقطت وأكلها : الحديث ( إذا سقطت من أحدكم لقمة ، فليمط ما كان بها من أذى ثم يأكلها … ) رواه مسلم .
5- الأكل بثلاث أصابع : ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يأكل بثلاث أصابع ) رواه مسلم ، وهذا هو الغالب من فعله عليه السلام ، وهو الأفضل إلا لحاجة .
6- صفة الجلوس عند الآكل : أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه ،أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى ، هذا هو المستحب كما ذكره الحافظ في الفتح .
• وهناك سنن بعد الطعام :
1- لعق القصعة والأصابع : وقد أمر النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ بلعق الأصابع والقصعة وقال : ( أنكم لا تدرون في أيها بركة ) .
2- حمد الله بعد الأكل : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ) رواه مسلم ، وكان من دعاء النبي ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ بعد الطعام : [ الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ] .
ثمرة هذا الدعاء : [ غفر له ما تقدم من ذنبه ] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وحسنه الحافظ والألباني .
• ومجموع هذه السنن التي يحرص المسلم عليها عند الطعام لا تقل عن [15] سنّة هذا إذا قلنا أنه يأكل ثلاث وجبات في اليوم والليلة وهو الذي عليه غالب الناس ، وقد يزيد في تطبيق هذه السنن إذا كانت هناك وجبات خفيفة بين هذه الوجبات الثلاثة .
الشراب
1- التسمية .
2- الشرب باليد اليمنى ، للحديث ( يا غلام سم الله ، وكل بيمينك )
3- التنفس أثناء الشرب خارج الإناء : ( أي على ثلاث مرات ولا يشربه مرة واحدة ) ، ( كان ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ يتنفس في الشراب ثلاثاً ) رواه مسلم .
4- الشرب جالساً : ( لا يشربن أحدُ منكم قائماًً ) رواه مسلم .
5- قول الحمد لله بعد الشرب : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها .. ويشرب الشربة فيحمده عليها ) رواه مسلم .
• ومجموع هذه السنن التي يحرص عليها المسلم عند الشرب لا يقل عن [20] سنّة وقد يزيد على ذلك وهذا يشمل جميع المشروبات الحارة والباردة لأن بعض الناس يغفل عن تطبيق بعض هذه السنن عند هذه المشروبات فينبغي التنبيه لهذا .
الحلقة التاسعة والستون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (8)
النوافل في البيت
1- قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( إن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ) متفق عليه .
2- قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمساً وعشرين ) رواه أبو يعلي وصححه الألباني .
3- قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل المكتوبة على النافلة ) رواه الطبراني وحسنه الألباني .
• فعلى هذا يكون تكرار هذه السنة في يومه وليله عدة مرات من السنن الرواتب وصلاة الضحى والوتر ، وفي كل واحدة منها يحرص أن يصليها في بيته حتى يعظم أجره ويصيب السنة .
ثمرة تطبيق هذه النوافل في البيت :
أ) أنها سبب لتمام الخشوع والإخلاص والبعد عن الرياء .
ب) أنها سبب لنزول الرحمة في البيت وسبب لخروج الشيطان منه .
ت) أنها سبب لمضاعفة أجرها كما يضاعف أجر الفريضة في المسجد .
القيام من المجلس
أن تقول كفارة المجلس وهو ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، استغفرك وأتوب إليك ) رواه أصحاب السنن.
• وكم من المجالس التي يجلسها المسلم في يومه وليلته إنها مجالس كثيرة وإليك بيان ذلك بالتفصيل :
1- عندما تتناول الوجبات الثلاثة … فلا شك أنك سوف تتحدث في الغالب مع من يجالسك …
2- عندما ترى شخصاً من أصحابك أو جيرانك وتتحدث معه ولو كنت واقفاً ...
3- في جلوسك لمن معك من الزملاء والأصحاب وأنت في دائرة العمل أو على مقاعد الدراسة ..
4- في جلوسك مع زوجتك وأولادك وأنت تتحدث إليهم وهم يتحدثون إليك ...
5- في طريقك وأنت في السيارة لمن كان معك في الطريق من زوجة أو صديق …
6- في حضورك لمحاضرة أو درس …
• فانظر يا رعاك الله كم مرة قلت هذا الذكر في يومك وليلتك فتكون دائم الصلة بالله ، فكم مرة أثنيت على ربك ونزهته عما لا يليق به وعظمته عندما تقول (سبحانك اللهم وبحمدك ) .
• وكم مرة جدَدت التوبة والاستغفار مع ربك في يومك وليلتك ، مما حصل منك في تلك المجالس عندما تقول ( أستغفرك وأتوب إليك ) .
• وكم مرة أقررت لله تعالى بالوحدانية ، الوحدانية في الربوبية ، والوحدانية في الألوهية ، والوحدانية في أسمائه وصفاته عندما تقول ( أشهد أن لا إله إلا أنت ) .
• فتكون طيلة يومك وليلتك بين توحيد الله وتنزيهه وبين الإستغفار والتوبة إليه مما حصل منك .
ثمرة تطبيق هذه السنة :
تكفير الذنوب والخطايا التي حدثت في تلك المجالس .
قبل النوم
1- ( باسمك اللهم أموت وأحيا ) رواه البخاري .
2- يجمع كفيه ثم ينفث فيهما فيقرأ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات )، رواه البخاري .
3- قراءة آية الكرسي ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) رواه البخاري .
• ثمرة قراءة هذه الآية : من قرأها لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان . كما صح في الحديث السابق .
4- ( باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظهـا بما تحفظ بـه عبـادك الصـالحين ) رواه البخاري ومسلم .
5- ( اللهم إنك خلقت نفسي وأنت توفاها ، لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها ، وإن أمتها فاغفر لها ، اللهم إني أسألك العافية ) رواه مسلم .
6- ( اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ) ثلاث مرات رواه أبو داود والترمذي ، ويقوله إذا وضع يده اليمنى تحت خده .
7- ( سبحان الله ) ثلاثاً وثلاثين ( والحمد لله ) ثلاثاً وثلاثين ( والله أكبر ) أربعاً وثلاثين ، رواه البخاري ومسلم .
8- ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ، فكم ممن لا كافي ولا مأوي ) رواه مسلم .
9- ( اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض ، رب كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه ، وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم ) رواه أبو داود والترمذي .
10- ( اللهم أسلمت نفسي إليك ، وفوضت أمري إليك ، ووجهت وجهي إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت ) رواه البخاري ومسلم .
11- ( اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى ، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، إقض عنا الدين وأغننا من الفقر ) رواه مسلم .
12- قراءة آخر آيتين من سورة البقرة ، من قوله تعالى ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ) الحديث ( من قرآ بهما في ليلة كفتاه ) رواه البخاري ومسلم .
• اختلف العلماء في معنى كفتاه : فقيل : كفتاه عن قيام ليلته ، وقيل كفتاه من كل سوء ومكروه وشر ، قلت : ويجوز أن يراد الأمران ، انتهى كلام النووي ( الأذكار ) .
13- أن يكون على طهارة ، الحديث ( إذا أتيت مضجعك فتوضأ ) .
14- النوم على الشق الأيمن …( ثم اضطجع على شقك الأيمن … ) رواه البخاري ومسلم .
15- وأن يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ( كـان إذا رقـد وضع يده اليمنى تحت خـده ) رواه أبو داود .
16- أن ينفض الفراش ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه … فإنه لا يعلم ما خلفه بعده … ) رواه البخاري ومسلم .
17- قراءة سورة ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، ومن ثمرتها : ( أنها براءة من الشرك ) رواه أبو داود والترمذي وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ وصححه الألباني .
• قال النووي : الأولى أن يأتي الإنسان بجميع المذكور في هذا الباب ، فإن لم يتمكن اقتصر على ما يقدر عليه من أهمه .
• وبالتتبع نجد أن غالب الناس ينام في يومه وليلته مرتين فيكون حينئذ قد طبق هذه السنن أو بعضها مرتين لأن هذه السنن ليست خاصة بنوم الليل بل تشمل حتى نوم النهار لأن الأحاديث عامة .
ثمرة تطبيق هذه السنن عند النوم :
1- يكتب للمسلم إذا حافظ على هذه التسبيحات قبل النوم [100] صدقة ، لحديث ( كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة .. ) رواه مسلم .
* قال النووي : أن له حكم ثوابها .
2- يغرس للمسلم إذا حافظ على هذه التسبيحات قبل النوم [100] شجرة في الجنة للحديث الذي سبق عند ابن ماجه في ثمرة الاذكار بعد الصلاة .
3- حفظ الله للعبد وبعد الشيطان عنه في تلك الليلة وسلامته من الشرور والآفات .
4- أن العبد يختم يومه بذكر الله وطاعته والتوكل عليه والاستعانة به وتوحيده .
الحلقة السبعون
الف سُنـــّــة في اليوم والليلة عن رسول الله (9)
استحضار النية الصالحة في كل عمل تقوم
اعلم يا رعاك الله أن جميع الأعمال المباحة التي تقوم بها من النوم والأكل وطلب الرزق وغيرها ، يمكن تحويلها إلى طاعات وقربات يحصل المرء بسببها على آلاف الحسنات بشرط أن ينوي المسلم عند القيام بها التقرب إلى الله ، قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~: [ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... ] رواه البخاري ومسلم .
* مثال : ينام المسلم مبكراً ليستيقظ لصلاة الليل أو الفجر ، فيصبح نومه عبادة ، وهكذا بقية المباحات
اغتنام الوقت الواحد في أكثر من عبادة_
فن استغلال الوقت الواحد في أكثر من عبادة لا يعرفه إلا الحافظون لأوقاتهم .
وهذا له عدة تطبيقات في واقع حياتنا :-
1- إذا ذهب المسلم إلى المسجد ماشياً على قدميه أو بالسيارة فإن هذا الذهاب عبادة في حد ذاتها يؤجر عليها المسلم ، لكن يمكنه استغلال هذا الوقت أيضاً في الإكثار من ذكر الله أو في قراءة القرآن ، فيكون قد اغتنم الوقت الواحد في أكثر من عبادة
2- إذا حضر السلم وليمة عرس خالية من المنكرات فحضوره لهذه الوليمة هو عبادة ، ولكن يمكنه استغلال وقت تواجده في الوليمة في الدعوة إلى الله أو الإكثار من ذكر الله .
ذكر الله في كل أحيانه
1- ذكر الله هو أساس العبودية لله ، لأنه عنوان صلة العبد بخالقه في جميع أوقاته وأحواله ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : [ كان رسول الله ~صلى الله عليه و سلم ~ يذكر الله في كل أحيانه ] رواه مسلم .
* فالارتباط بالله حياة ، واللجوء إليه نجاة ، والقرب منه فوز ورضوان ، والبعد عنه ضلال وخسران .
2- ذكر الله هو الفرقان بين المؤمنين والمنافقين ، فصفة المنافقين أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً .
3- الشيطان لا يغلب الإنسان إلا إذا غفل عن ذكر الله ، فذكر الله هو الحصن الحصين الذي يحمي الإنسان من مكائد الشيطان .
* والشيطان يحب للإنسان أن ينسى ذكر الله .
4- الذكر هو طريق السعادة قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] .
5- لا بد من ذكر الله على الدوام ، إذ لا يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت عليهم في الدنيا لم يذكروا الله عز وجل فيها .
( إن دوام الذكر يعني دوام الصلة بالله ) .
قال النووي : أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمحدث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والصلاة على رسول الله ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ والدعاء ، بخلاف قراءة القرآن .
6- من يذكر ربه عز وجل يذكره ربه قال الله تعالى ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152] ، وإذا كان الإنسان يسر كثيراً حين يبلغه أن ملكاً من الملوك ذكره في مجلسه فأثنى عليه ، فكيف يكون حاله إذا ذكره الله تعالى ملك الملوك ، في ملأ خير من الملأ الذين يذكره فيهم ؟
7- ليس المقصود : بذكر الله هو التمتمة بكلمة أو كلمات والقلب غافل وَلاهٍ عن تعظيم الله وطاعته ، فالذكر باللسان لابد أن يصحبه التفكر والتأثر بمعاني كلماته ، قال تعالى ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) [الأعراف:205] .
• فلا بد أن يَعيَ الإنسان الذاكر ما يقول ، فيجتمع ذكر القلب مع ذكر اللسان ليرتبط الإنسان بربه ظاهراً وباطناً .
التفكر في نعم الله
قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( تفكروا في آلاء الله ، ولا تفكروا في الله ) رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وحسنه الألباني .
ومن الأمور التي تتكرر مع المسلم في يومه وليله عدة مرات [ استشعار نعمة الله عليه ] فكم هي المواقف ، وكم هي المشاهد التي يراها ويسمع بها في يومه وليله ، تستوجب عليه أن يتفكر ويتأمل هذه النعم التي هو فيها ويحمد الله عليها .
1- هل استشعرت نعمة الله عليك عند ذهابك إلى المسجد وكيف أن من حولك من الناس قد حرم هذه النعمة وبالذات عند صلاة الفجر وأنت تنظر إلى بيوت المسلمين وهم في سبات عميق كأنهم أموات .
2- هل استشعرت نعمة الله عليك وأنت تسير في الطريق وترى المناظر المتنوعة ، هذا قد حدث له حادث سيارة ، وهذا قد ارتفع صوت الشيطان [ أي الغناء ] من سيارته ،وهكذا .
3- هل استشعرت نعمة الله عليك وأنت تسمع أو تقرأ الأخبار عن العالم من مجاعات وفيضانات وانتشار أمراض وحوادث وزلازل وحروب وتشريد.
* أقول إن العبد الموفق : هو الذي لا يغيب عن قلبه وشعوره وإحساسه نعمة الله عليه في كل موقف وكل مشهد فيظل دائماً في حمد الله وشكره والثناء عليه مما هو فيه من نعمه ، الدين والصحة ، والرخاء ، والسلامة من الشرور .. .
وفي الحديث قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ : ( من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً ، لم يصبه ذلك البلاء ) قال الترمذي حيث حسن .
ختم القرآن في كل شهر_
قال ~http://www.almubashr.com/vb/images/smilies/sl.jpg ~ ( اقرأ القرآن في كل شهر ) رواه أبو داود .
طريقة ( ختم القرآن في كل شهر )
أن تحضر قبل الصلاة المفروضة بعشر دقائق تقريباً ليمكنك قراءة صفحتين أي مقدار أربعة أوجه قبل كل صلاة أو بعدها فيكون المجموع في اليوم عشر صفحات أي عشرين وجها وهذا يكون جزءاً كاملاً ، وبهذه الطريقة تختم القرآن في كل شهر بكل سهولة .
خاتمة_
هذا ما تيسر جمعه من السنن اليومية ، ونسأل الله أن يحيينا على سنة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن يميتـنا عليها .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الحلقة الحادية والسبعون
الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن
مكانة الرسول في القرآن الكريم
د. طلعت عفيفي**
ذكر لنا ربنا في كتابه هذه المنة التي تطوق عنق كل مسلم في كل زمان ومكان، فقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ****** [آل عمران:164].
ومن ثم يؤكد القرآن الكريم على موقع النبي صلى الله عليه وسلم لدى كل مسلم؛ فيقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ****** [الأحزاب:6]. فهو أقرب إلينا من قلوبنا، وأحب إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو عند كل مسلم منا أعز لديه، وأغلى من جميع الخلق دونما استثناء، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" [متفق عليه].
نداء متميز
وقد اشتمل القرآن الكريم على الكثير من الإشارات التي تتحدث عن مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه، ولا يتسع المجال هنا للتفصيل في كل ما يتعلق بهذا الجانب، ونكتفي بذكر بعض ما ورد بهذا الشأن.
فمثلا من علامات بر الله به وتعظيمه لشأنه أنه جل شأنه نادى جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، يا زكريا، يا يحيى... إلخ، بينما نادى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله له: يا أيها النبي – يا أيها الرسول – يا أيها المزمل- يا أيها المدثر.
وحين أثنى الله على أنبيائه السابقين بما فيهم من أخلاق كريمة؛ كان يذكر لكل نبي صفات محددة. فقال عن خليله إبراهيم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ****** وقال عن إسماعيل: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا****** وقال عن موسى: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا****** وقال عن أيوب {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ****** وحين تحدث عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين أنه حاز الكمالات كلها فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ******.
رحمة للعالمين
ومن الخصائص التي خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل نبي مبعوثا إلى قومه خاصة؛ وفي القرآن ما يشير إلى هذا. فيقول الله عن عيسى: {وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ******، وعن هود قال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا******... إلخ، في حين أن رسولنا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة في زمانه وفيما بعد زمانه، فهو خاتم النبيين، قال تعال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا******. وقال جل ذكره: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا******.
وفي الحديث الذي رواه الشيخان: "عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين" {صححه الألباني******.
ومن مظاهر تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما أخذه من العهد على جميع الأنبياء من الإيمان به ونصرة دينه، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ******.
ومن مظاهر تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما جاء في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ****** قال قتادة: "رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس هناك خطيب ولا مستشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ضم الإله اسم النبي إلى اسمه ** إذ قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله ** فذو العرش محمود وهذا محمد
ثناء متتالي
ومن مظاهر تكريم الله تعالى لنبيه وثنائه عليه ما جاء في مطلع سورة النجم مع غيرها من السور حيث أثنى الله على عقله فقال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى****** وأثنى على لسانه. فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى****** وأثنى على جليسه ومعلمه جبريل فقال: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى****** وأثنى على بصره فقال: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى****** وأثنى على صدره فقال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ****** وأثنى على أخلاقه كلها فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ******.
ونكتفي بهذا القدر من الإشارات القرآنية على علو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وعظيم منزلته عند ربه، فالكلام فيها يطول ويطول.
وقد أشار العلماء رحمهم الله إلى أن خصال الكمال والجلال إذا وقعت منها واحدة أو اثنتان لشخص ما عظم قدره، وضربت باسمه الأمثال، فيقال: أحلم من الأحنف، وأكرم من حاتم، وأذكى من إياس... إلخ.. فكيف بمن عظم قدره حتى اجتمعت فيه كل هذه الخصال؟.
يقول القاضي عياض اليحصبي في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى": "ما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه خصال الخير كلها مما لا يحصيه عد، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة والرسالة والخلة والمحبة والاصطفاء والإسراء والرؤية والقرب والدنو والوحي والشفاعة والوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء والشهادة بين الأنبياء، وسيادة ولد آدم، والرحمة للعالمين، وشرح الصدور، ورفع الذكر، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، وصلاة الله تعالى والملائكة عليه، ووضع الإصر، والأغلال عن الخلق ببعثه، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل وانشقاق القمر، والنصر بالرعب، والإطلاع على الغيب، وظل الغمام وتسبيح الحصى، والعصمة من الناس، إلى ما لا يحصيه عد ولا يحيط بعلمه إلا الله تعالى إضافة إلى ما أعد الله له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة التي تقف دونها العقول، وتحار دون إدراكها الأفهام" ا. هـ بتصرف.
وصدق من قال:
فإن فضل رسول الله ليس له ** حد فيعرب عنه ناطق بفم
واجب المحب للنبي
ولا يملك المسلم أمام هذا البنيان الشامخ إلا التوقير والإجلال لمقام هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يقتفي أثر الصحب الكرام الذين تفانوا في حب رسولهم صلى الله عليه وسلم حتى شهد بذلك الأعداء والأصدقاء على السواء. يقول أبو سفيان بن حرب قبل أن يعلن إسلامه: "ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا".
ومن حق هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم علينا أن نقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه النيل من مقامه الشريف بأي لون من الألوان. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا******. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ******.
وقد أدبنا ربنا تبارك وتعالى بأدب المقاطعة، والبغض لأولئك المتطاولين على مقامه الكريم صلى الله عليه وسلم. فقال: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ******.
فليعتذر كل مسلم إلى الله عز وجل عما يقال، أو ينشر في حق نبيه صلى الله عليه وسلم مما لا يليق بمقامه الشريف، وليكن ذلك بصورة عملية تتناسب مع موقع كل منهم ومدى تأثيره، بدءا من إظهار الاحتجاج واستدعاء السفراء ومخاطبة المسئولين في الدول التي تنطلق منها هذه المواقف، ومرورا بالمقاطعة الاقتصادية لسلع ومنتجات تلك الدول، وكل ما في وسع المسلم أن يفعله لنصرة الحبيب المصطفى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الحلقة الثانية والسبعون
كيف ننصر الرسول صلى الله عليه وسلم
مـقـدمـة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
إن أول ركن من أركان الإسلام العظيمة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وتحقيق الشطر من الشهادتين وهو شهادة محمداً رسول الله تتم من خلال الأمور التالية:
أولاً: تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به، وأوله: أنه رسول الله ومبعوثه إلى الجن والأنس كافة لتبليغ وحيه تعالى بالقرآن والسنة المتضمنين لدين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى ديناً سواه.
ثانياً: طاعته والرضى بحكمه، والتسليم له التسليم الكامل، والانقياد لسنته والاقتداء بها، ونبذ ما سواها.
ثالثاً: محبته صلى الله عليه وسلم فوق محبة الوالد والولد والنفس،مما يترتب عليه تعظيمه، وإجلاله، وتوقيره، ونصرته، والدفاع عنه، والتقيد بما جاء عنه.
فعلى كل مسلم ؛ أن يسعى لتحقيق هذا المعنى، ليصح إيمانه، وليحقق الشطر الثاني من كلمة التوحيد، ولتقبل شهادته بأن محمداً رسول الله، فإن المنافقين قالوا: {نشهد إنك لرسولُ الله والله يعلمُ إنك لرسولُهُ واللهُ يشهدُ إنَّ المنافقين لكاذبون****** {المنافقون: 1******، فلن تنفعهم شهادتهم، لأنهم لم يحققوا معناها.
ونقدم لك في هذه النافذة بعض الأمور التي يمكننا من خلالها العمل بمقتضى تلك المحبة، وواجب القيام بذلك الحق للنبي صلى الله عليه وسلم تجاه هذه الهجمة الشرسة عليه أن نفديه بأولادنا ووالدينا وأنفسنا وأموالنا، كل على قدر إمكانياته، فالكل يتحمل مسئوليته ومن خلال موقعه.
الحلقة الثالثة والسبعون
على مستوى الفرد
على مستوى الفرد
1. التفكير في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم القاطعة بأنه رسول رب العالمين ، وأصلها القرآن الكريم ، وما تضمنه من دلائل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.
2. تعلم الأدلة من القرآن والسنة والإجماع الدالة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، والأمر باتباعه ، والاقتداء به صلى الله عليه وسلم .
3. العلم والمعرفة بحفظ الله لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , وذلك من خلال الجهود العظيمة التي قام بها أهل العلم على مر العصور المختلفة , فبينوا صحيحها من سقيمها ، وجمعوها على أدق الأصول التي انفردت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم السالفة .
4. استشعار محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب بتذكر كريم صفته الخَلقية والخُلقية ، وقراءة شمائله وسجاياه الشريفة ، وأنه قد اجتمع فيه الكمال البشري في صورته وفي أخلاقه صلى الله عليه وسلم .
5. استحضار عظيم فضله وإحسانه صلى الله عليه وسلم على كل واحد منا ، إذ أنه هو الذي بلغنا دين الله تعالى أحسن بلاغ وأتمه وأكمله ، فقد بلغ صلى الله عليه وسلم الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ورسولاً عن قومه.
6. عزو كل خير دنيوي وأخروي نوفق إليه ونتنعم به إليه صلى الله عليه وسلم بعد فضل الله تعالى ومنته ، إذ كان هو صلى الله عليه وسلم سبيلنا وهادينا إليه ، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
7. استحضار أنه صلى الله عليه وسلم أرأف وأرحم وأحرص على أمته .قال تعالى : {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم****** {الأحزاب : 6******.
8. التعرف على الآيات والأحاديث الدالة على عظيم منزلته صلى الله عليه وسلم عند ربه ، ورفع قدره عند خالقه ، ومحبة الله عز وجل له ، وتكريم الخالق سبحانه له غاية التكريم.
9. الالتزام بأمر الله تعالى لنا بحبه صلى الله عليه وسلم ، بل تقديم محبته صلى الله عليه وسلم على النفس ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين).
10. الالتزام بأمر الله تعالى لنا بالتأدب معه صلى الله عليه وسلم ومع سنته لقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون****** {الحجرات : 2****** وقوله تعالى {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم****** {الحجرات: 3****** وقال تعالى : {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً****** {النور: 63******.
11. الانقياد لأمر الله تعالى بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ومناصرته وحمايته من كل أذى يراد به ، أو نقص ينسب إليه ، كما قال تعالى : {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه******.
12. استحضار النية الصادقة واستدامتها لنصرته ، والذب عنه صلى الله عليه و سلم .
13. استحضار الثواب الجزيل في الآخرة لمن حقق محبة النبي صلى الله عليه وسلم على الوجه الصحيح ، بأن يكون رفيق المصطفى صلى الله عليه وسلم في الجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم لمن قال إني أحب الله ورسوله: (أنت مع من أحببت).
14. الحرص على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر ، وبعد الآذان ، وفي يوم الجمعة ، وفي كل وقت ، لعظيم الأجر المترتب على ذلك ، ولعظيم حقه صلى الله عليه وسلم علينا .
15. قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، مع الوقوف على حوادثها موقف المستفيد من حكمها وعبرها ، والاستفادة من الفوائد المستخلصة من كل حادث منها ، ومحاولة ربطها بحياتنا وواقعنا .
16. تعلم سنته صلى الله عليه وسلم ، بقراءة ما صححه أهل العلم من الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم ، مع محاولة فهم تلك الأحاديث ، واستحضار ما تضمنته تلك التعاليم النبوية من الحكم الجليلة والأخلاق الرفيعة والتعبد الكامل لله تعالى ، والخضوع التام للخالق وحده .
17. اتباع سنته صلى الله عليه وسلم كلها ، مع تقديم الأوجب على غيره .
18. الحرص على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في المستحبات ، ولو أن نفعل ذلك المستحب مرة واحدة في عمرنا ، حرصاً على الاقتداء به في كل شيء .
19. الحذر والبعد عن الاستهزاء بشيء من سنته صلى الله عليه وسلم .
20. الفرح بظهور سنته صلى الله عليه وسلم بين الناس.
21. الحزن لاختفاء بعض سنته صلى الله عليه وسلم بين البعض من الناس .
22. بغض أي منتقد للنبي صلى الله عليه وسلم أو سنته .
23. محبة آل بيته صلى الله عليه وسلم من أزواجه وذريته ، والتقرب إلى الله تعالى بمحبتهم لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم ولإسلامهم ، ومن كان عاصياً منهم أن نحرص على هدايته لأن هدايته أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من هداية غيره ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مهلاً يا عباس لإسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب ، ومالي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب) .
24. العمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم في آل بيته ، عندما قال : (أذكركم الله في أهل بيتي) ثلاثاً .
25. محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم واعتقاد فضلهم على من جاء بعدهم في العلم والعمل والمكانة عند الله تعالى .
26. محبة العلماء وتقديرهم ، لمكانتهم وصلتهم بميراث النبوة فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، فلهم حق المحبة والإجلال ، وهو من حق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته .
الحلقة الرابعة والسبعون
على مستوى الأسرة والمجتمع
على مستوى الأسرة والمجتمع
1. تربية الأبناء على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. تربية الأبناء على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله.
3. اقتناء الكتب عن سيرته صلى الله عليه وسلم.
4. اقتناء الأشرطة عن سيرته صلى الله عليه وسلم.
5. انتقاء الأفلام الكرتونية ذات المنهج الواضح في التربية.
6. تخصيص درس أو أكثر في الأسبوع عن السيرة تجتمع عليه الأسرة.
7. اقتداء الزوج في معاملة أهل بيته بالرسول صلى الله عليه وسلم.
8. تشجيع الأبناء على حفظ الأذكار النبوية وتطبيق ذلك.
9. تشجيع الأبناء على اقتطاع جزء من مصروفهم اليومي من أجل التطبيق العملي لبعض الأحاديث ، مثل: كفالة اليتيم , إطعام الطعام , مساعدة المحتاج.
10. تعويد الأبناء عل استخدام الأمثال النبوية في الحديث مثل المؤمن كيس فطن , لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين , يسروا ولا تعسروا.
11. وضع مسابقات أسرية عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
12. تعريف الأسرة المسلمة بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال تطبيق مشروع (يوم في بيت الرسول).
الحلقة الخامسة والسبعون
على مستوى قطاع التعليم
على مستوى قطاع التعليم والعاملين فيه
1. زرع محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوس الطلبة والطالبات من خلال إبراز حقه صلى الله عليه وسلم على أمته.
2. الإكثار من عقد المحاضرات التي تغطي جوانب من حياة الرسول شخصيته صلى الله عليه وسلم.
3. حث مسئولي قطاعات التعليم إلى إضافة مادة السيرة النبوية إلى مناهج التعليم والدراسات الإسلامية في التخصصات الإنسانية.
4. العمل على تمويل وضع كراسي لدراسات السيرة النبوية في الجامعات الغربية المشهورة.
5. تشجيع البحث العلمي في السيرة النبوية وحث الباحثين على تصنيف كتب السنة بتصانيف عدة مثل المغازي والشمائل.
6. العمل على إقامة المعارض المدرسية والجامعية التي تعرف بالرسول صلى الله عليه وسلم مع مراعاة التمثيل الجغرافي لنشأة الإسلام.
7. تخصيص أركان خاصة في المكتبات تحوي كل ماله علاقة بالرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته والاهتمام به وجعلها في مكان بارز.
8. العمل على إعداد أعمال موسوعية أكاديمية غنية في السيرة النبوية تصلح كأعمال مرجعية وترجمتها إلى اللغات العالمية.
9. إقامة مسابقة سنوية للطلبة والطالبات لأفضل بحث في السيرة النبوية وتخصيص جوائز قيمة لها.
10. إقامة مخيمات شبابية تتضمن أنشطة تزرع محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتعلق بسنته.
11. إقامة دورات تدريبية متخصصة لإعداد القادة بالإقتداء بالمصطفي صلى الله عليه وسلم.
الحلقة السادسة والسبعون
على مستوى المؤسسات الخيرية والدعوية
1. إنشاء لجان أو أقسام تحمل لواء نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2. تخصيص أماكن في المعارض والمؤتمرات المحلية والدولية التي تشارك بها المؤسسات لعرض الكتب والأشرطة المرئية والمسموعة التي تبرز خصائص الرسالة المحمدية.
3. تخصيص أماكن دائمة لتوزيع الأشرطة والكتب والمطويات التي تتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
4. تخصيص جائزة قيمة بمعايير متفق عليها سلفاً لأفضل من خدم السنة والسيرة النبوية وإقامة حفل تكريم سنوي يدعى له كبار الشخصيات.
5. تبني طباعة كتب السيرة النبوية باللغات الأجنبية وتوزيعها على مراكز الاستشراق والمكتبات العامة والجامعية حول العالم .
6. إصدار مجلة أو نشرة دورية تهتم بالسيرة النبوية المطهرة وتعاليم الدين الإسلامي وتبرز صفات هذه الأمة ومحاسن هذا الدين الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
7. تخصيص صناديق تبرع لتمويل حملات نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتأليف في السيرة والترجمة وإنشاء المواقع على الشبكة العالمية.
الحلقة السابعة والسبعون
على مستوى الأئمة والدعاة وطلبة العلم
1. بيان خصائص دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم وأنه بعث بالحنيفية السمحة وأن لأصل في دعوته هو حرصه على هداية الناس كافة إلى إفراد العبادة لرب الناس.
2. العمل على دعوة الناس وهدايتهم إلى هذا الدين ؛ بجميع أجناسهم وقبائلهم.
3. بيان صفاته صلى الله عليه وسلم الخلقية والخُلقية قبل وبعد الرسالة .
4. بيان فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم وخصائص أمته بأسلوب ممتع .
5. بيان مواقفه صلى الله عليه وسلم مع أهله وجيرانه وأصحابه رضوان الله عليهم.
6. بيان كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع أعدائه من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين.
7. بيان منهجه صلى الله عليه وسلم في حياته اليومية .
8. تخصيص الخطبة الثانية لبعض الجمع للتذكير بمشاهد من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فضلاً عن تخصيص خطب كاملة عنه من وقت إلى آخر.
9. التعليق على الآيات التي تتكلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءتها في الصلاة ولمدة ثلاث إلى خمس دقائق .
10. إضافة حلقات لتحفيظ السنة النبوية إلى جوار حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد.
11. تصحيح المفاهيم الخاطئة لدى عامة الناس حول سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى التمسك بما صح عنه صلى الله عليه وسلم بأسلوب بسيط واضح.
12. ذكر فتاوى علماء الأمة التي تبين حكم من تعرض لرسول الأمة صلى الله عليه وسلم بشيء من الانتقاص ووجوب بغض من فعل ذلك والبراءة منه .
13. العمل على رد الناس إلى دينهم من خلال عرض مبسط لمواقف الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوية .
14. التحذير في الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة من الغلو فيه صلى الله عليه وسلم ، وبيان الآيات التي تنهي عن الغلو كقوله (لا تغلو في دينكم). والأحاديث الخاصة في ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)، وبيان أن المحبة الصادقة هي في اتباعه صلى الله عليه وسلم .
15. حث الناس على قراءة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مصادرها الأصلية وتبيين ذلك لهم.
16. دحض وتفنيد الشبهات والأباطيل التي تثار حول الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته.
الحلقة الثامنة والسبعون
على مستوى العاملين في الشبكة العنكبوتية وأصحاب المواقع
1. تكوين مجموعات تتولى إبراز محاسن هذا الدين ونظرة الإسلام لجميع الأنبياء بنفس الدرجة من المحبة وغيره من الموضوعات ذات العلاقة.
2. إنشاء مواقع أو منتديات أو تخصيص نوافذ في المواقع القائمة تهتم بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتبرز رسالته العالمية.
3. المشاركة في حوارات هادئة مع غير المسلمين ودعوتهم لدراسة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم والدين الذي جاء به.
4. تضمين أو تذييل الرسائل الإلكترونية التي ترسل إلى القوائم البريدية الخاصة ببعض الأحاديث والمواعظ النبوية.
5. إعداد نشرة إلكترونية - من حين إلى آخر- عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته وخاصة في المناسبات والأحداث الطارئة.
6. الإعلان في محركات البحث المشهورة عن بعض الكتب أو المحاضرات التي تتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
الحلقة التاسعة والسبعون
على مستوى المثقفين والمفكرين والإعلاميين والصحفيين
1. إبراز شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وخصائص أمته من خلال نشر ذلك والتحدث عنه في المناسبات الإعلامية والثقافية.
2. عدم نشر أي موضوع ينتقص فيها من سنته صلى الله عليه وسلم .
3. التصدي للإعلام الغربي واليهودي المضاد والرد على ما يثيرونه من شبهات وأباطيل عن ديننا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
4. عقد اللقاءات الصحفية والإعلامية والثقافية مع المنصفين من غير المسلمين والتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته.
5. نشر ما ذكره المنصفون من غير المسلمين بشأنه صلى الله عليه وسلم .
6. عقد الندوات والمنتديات الثقافية لإبراز منهجه وسيرته وبيان مناسبة منهجه صلى الله عليه وسلم لكل زمان وكان .
7. إعداد المسابقات الإعلامية عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتخصيص الجوائز القيمة لها.
8. كتابة المقالات والقصص والكتيبات التي تتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
9. الاقتراح على رؤساء تحرير الصحف والمجلات لتخصيص زاوية يبين فيها الآيات والأحاديث التي تدل على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم وأن محبته مقدمة على الولد والوالد والناس أجمعين بل ومقدمة على النفس وأن هذه المحبة تقتضي تعظيمه وتوقيره وإتباعه وتقديم قوله على قول كل أحد من الخلق .
10. الاقتراح على مدراء القنوات الفضائية لإعداد برامج خاصة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية تعامله مع زوجاته وأبناءه وأصحابه وأعدائه وغير ذلك من صفاته الخلقية والخلقية.
11. حث مؤسسات الإنتاج الإعلامي على القيام بإنتاج أشرطة فيديو تعرض سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بطريقة احترافية شيقة.
12. حث المحطات التلفزيونية الأرضية والقنوات الفضائية على إنتاج وبث أفلام كرتونية للناشئة تحكي شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض القصص من السنة النبوية.
الحلقة الثمانون
على مستوى الأغنياء والحكومات الإسلامية
1. دعم النشاطات الدعوية المتعلقة بالسيرة النبوية الشريفة .
2. طباعة الملصقات التي تحمل بعض الأحاديث والمواعظ النبوية .
3. المساهمة في إنشاء القنوات الفضائية والإذاعات والمجلات التي تتحدث عن الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم باللغات المختلفة وبالأخص اللغة الإنجليزية.
4. استئجار دقائق في القنوات أو الإذاعات الأجنبية لعرض أطروحات عن الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
5. إنشاء مراكز متخصصة لبحوث ودراسات السيرة النبوية والترجمة إلى اللغات العالمية.
6. إنشاء متاحف ومكتبات متخصصة في بالسيرة والتراث النبوي الشريف .
7. إنشاء مواقع على الإنترنت متخصصة في السيرة والسنة النبوية الشريفة.
8. طباعة ونشر الكتب والأشرطة والبرامج الإعلامية التي تبرز محاسن الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وشمائله بعدة لغات وخاصة اللغة الإنجليزية.
9. المساهمة في دعم المسابقات الدعوية التي تهتم بالسيرة النبوية ورصد مبالغ تشجيعية لها.
أخي المسلم أختي المسلمة.. إن الواجب علينا جميعًا - كلٌ حسب استطاعته - أن ننصر نبينا وإمامنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
الحلقة الحادية والثمانون
شبهات وردود (( 1 ))
الرد على شبهة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالدنيا والغنائم
الرد على شبهة اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالدنيا والغنائم
الكاتب: الشبكة الإسلامية
من الشبه التي أثارها أعداء الإسلام، وروَّجوا لها بهدف تشويه شخصية محمدٍ صلى الله عليه وسلم، للوصول إلى الطعن في دعوته، وإبعاد الناس عنها، ما يدَّعونه من أنه كان صاحب مطامع دنيوية، لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة، ولكنه بعد هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على جمع الأموال والغنائم من خلال الحروب التي خاضها هو وأصحابه، ابتغاء تحصيل مكاسب مادية وفوائد معنوية.
وممن صرح بذلك "دافيد صمويل مرجليوت " المستشرق الإنجليزي اليهودي، حيث قال: "عاش محمد هذه السنين الست بعد هجرته إلى المدينة على التلصص والسلب والنهب.. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمد، والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة، كما سيطرت على نفس الإسكندر من قبل ونابليون من بعد ".
والحق، فإن الناظر في سيرته صلى الله عليه وسلم، والمتأمل في تاريخ دعوته، يعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يسعى من وراء كل ما قام به إلى تحقيق أي مكسب دنيوي، يسعى إليه طلاب الدنيا واللاهثون وراءها، وهذا رد إجمالي على هذه الشبهة، أما الرد التفصيلي فبيانه فيما يلي:
1-أن ما ذُكر في هذه الشبهة لا يوجد عليه دليلٌ في واقع حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لو كان كما قيل لعاش عيش الملوك، في القصور والبيوت الفارهة، ولاتخذ من الخدم والحراس والحشم ما يكون على المستوى المتناسب مع تلك المطامع المزعومة، بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إذ كان في شظف من العيش، مكتفياً بما يقيم أود الحياة، وكانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم منذ أن رأى نور الحياة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى..، يشهد لهذا أنّ بيوته صلى الله عليه وسلم كانت عبارة عن غرف بسيطة لا تكاد تتسع له ولزوجاته.
وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه، فقد كان يمر عليه الشهر والشهران لا توقد نارٌ في بيته، ولم يكن له من الطعام إلا الأسودان - التمر والماء-، فعن عائشة رضي الله عنها قالت لعروة: (ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ، فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) متفق عليه. وسيرته صلى الله عليه وسلم حافلة بما يدل على خلاف ما يزعمه الزاعمون.
2-ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرف به النبي صلى الله عليه وسلم، وحث عليه أصحابه، فقد صح عنه أنه قال: (إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) متفق عليه، وقرن في التحذير بين فتنة الدنيا وفتنة النساء، فقال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم.
3-ومما يدحض هذه الشبهة وينقضها من أساسها أن أهل مكة عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المال والملك والجاه من أجل أن يتخلى عن دعوته، فرفض ذلك كله، وفضل أن يبقى على شظف العيش مع الاستمرار في دعوته، ولو كان من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناء.
4-أنّ الوصايا التي كان يزود بها قواده تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن طالب مغنم ولا صاحب شهوة، بل كان هدفه الأوحد والوحيد إبلاغ دين الله للناس، وإزالة العوائق المعترضة سبيل الدعوة، فها هو يوصي معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله إلى اليمن بقوله: (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ) رواه البخاري.
فهو صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحداً، قبل دعوته إلى الإسلام، الذي تصان به الدماء والحرمات.
5-ومما يُرد به على هذه الفرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتحل من الدنيا ولم يكن له فيها إلا أقل القليل، ففي الصحيح عن عمرو بن الحارث قال : ( ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهماً، ولا ديناراً، ولا عبداً، ولا أمة، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة ) رواه البخاري، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي) متفق عليه.
6-وكما قيل: فإن الحق ما شهدت به الأعداء، فقد أجرى الله على ألسنة بعض عقلاء القوم عبارات تكذب هذه الشبهة، من ذلك ما قاله "كارليل" : "أيزعم الكاذبون أن الطمع وحب الدنيا هو الذي أقام محمداً وأثاره، حمق وأيـم الله، وسخافة وهوس ".
ويقول: "لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه، ومأكله، ومشربه، وملبسه، وسائر أموره وأحواله.. فحبذا محمد من رجل خشن اللباس، خشن الطعام، مجتهد في الله، قائم النهار، ساهر الليل، دائباً في نشر دين الله، غير طامع إلى ما يطمع إليه أصاغر الرجال، من رتبة، أو دولة، أو سلطان، غير متطلع إلى ذكر أو شهوة ".
7-وما زعمه المستشرق اليهودي "مرجليوت" من أن انتقام رسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة كان لأسباب مصطنعة وغير كافية، فجوابه أن الواقع خلاف ذلك، إذ أبرم النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود معاهدة تقرهم على دينهم، وتؤمنهم في أنفسهم وأموالهم، بل تكفل لهم نصرة مظلومهم، وحمايتهم، ورعاية حقوقهم، ولم يكن في سياسته صلى الله عليه وسلم إبعادهم، ومصادرة أموالهم إلا بعد نقضهم العهود والمواثيق، ووقوعهم في الخيانة والمؤامرة.
وبعد: فلا حجة لمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صاحب مطامع دنيوية، يحرص عليها، ويسعى في تحصيلها، وإنما هي دعوة صالحة نافعة، تعود بالخير على متبعيها في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
الحلقة الثانية والثمانون
شبهات وردود (( 2 ))
شبهات وتهم ضد مقام النبوة(1)
قال الله تبارك وتعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا) [الأحزاب : 57].
ما من نبي ولا رسول أرسله الله عز وجل إلا واجه أعداء يكذبونه ويشككون الناس في صدق نبوته وهذه سنة من سنن الله عز وجل قال تعالى: (كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) [الأنعام : 112].
ولم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم بدعاً بين الرسل فقد واجه ما واجهه إخوته من الأنبياء من التكذيب والعناد والقتال والتشريد والسجن والطرد والاستهزاء ولكن ذلك لم يثنه عن دعوته ولم يفلَّ في عزيمته بل كان ثابتاً كالطود الأشم فصبر وهانت عليه نفسه في سبيل الله عز وجل حتى نصره الله عز وجل ورفع له ذكره إلى يوم القيامة.
وقد اتهم نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه كاذب وقيل شهواني وقالوا عنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وأتهم بأنه عدواني ومتعصب وإرهابي وهذه التهم مجرد شبهات واهية تسقط عند أول وهلة من التعرف على شخصيته ودراسة سيرته وتتبع سنته صلى الله عليه وسلم.
وفيما يلي نستعرض كل شبهة أثيرت حول نبينا صلى الله عليه وسلم ونفندها بحجج منيرة كالشمس في رائعة النهار.
الشبهة الأولى: قولهم عنه: (كاذب):
الشبهة الثانية:قولهم عنه (ساحر، كاهن، مجنون):
الشبهة الثالثة: (قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا):
الشبهة الرابعة: وهي من شبه المستشرقين الحديثة وصفهم له صلى الله عليه وسلم بأنه (شهواني):
الشبهة الخامسة: من أعظم الشبه والافتراء: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه (إرهابي دموي سفاك للدماء):
الشبهة الأولى: قولهم عنه: (كاذب):
هذه أضعف فرية افتريت على نبينا صلى الله عليه وسلم وأضعف شبهة يمكن أن يتشبث بها أحد قديماً أو حديثاً، وذلك لما اشتهر عنه صلى الله عليه وسلم منذ طفولته من صدق الحديث وأمانة في الخلق حتى كانت من أوضح صفاته وأخلاقه التي تميز بها، حتى أنه كان يسمى في الجاهلية بالأمين لصدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم ومما يثبت ذلك ما جرى في قصة بناء قريش للكعبة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم واختلافهم على وضع الحجر الأسود حتى كادوا يقتتلون بسبب إرادة كل قبيلة أن تفوز بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه ولما اشتد الخلاف فيما بينهم وأصرت كل قبيلة على الفوز بهذا الشرف أراد أحد عقلائهم أن يضع حداً للخلاف فقال لهم حكموا بينكم أول داخل عليكم من باب الصفا فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوه مقبلاً قالوا: هذا محمد الأمين رضينا به حكماً. ففي هذه القصة وقد حدثت قبل البعثة أكبر دليل على اشتهاره بالصدق والأمانة فيما بينهم.
ومما يثبت اشتهاره بالصدق بين قريش وعدم شكهم في صدق حديثه حديث أبي سفيان مع هرقل وسؤال هرقل حينما سأل أبا سفيان: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: لا ثم رد هرقل في آخر الحديث بحكمة قل من يفطن لها إذ قال: وسألتك أتتهمونه بالكذب فقلت: لا فعلمت أنه لن يدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله تعالى و الحديث في صحيح البخاري..
ومما يثبت نفي الكذب عنه ما ورد في حديث ركانة بن عبد يزيد في السنن بإسناد فيه كلام. وكان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به فقال يوماً للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب فإن صرعتني علمت أنك صادق، لقد أثبت صدقه بنفي الكذب عنه مع شدة العداوة وكثرة استهزاءه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في السير. وقد روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به فأنزل الله تعالى فيهم: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام : 33].
وقد اشتهر بين قريش صدقه صلى الله عليه وسلم حتى إن أبا طالب لما أخبره نبينا صلى الله عليه وسلم بخبر الصحيفة التي كتبتها قريش وأن الأرضة قد أكلتها ولم تترك فيها إلا كلمة واحدة هي (باسمك اللهم) قام أبو طالب يحاجّ قريش حتى فتحوا الكعبة وأخرجوا الصحيفة ووجدوها حقاً كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم فوبخهم أبو طالب بقوله شعراً في هذا:
وقد كان في أمر الصحيفة عبرة ***متى ما يخبر غائب القوم يُعجب
محا الله منها كفرهم وعقوقهم*** وما نقموا من ناطق الحق مُعرب
فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً*** ومن يختلق ما ليس بالحق يُكذب
وقد كانت علامات الصدق تلوح على محياه صلى الله عليه وسلم حتى قال عبد الله بن سلام الحبر اليهودي في قصة إسلامه أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ونظر في وجهه قال: فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب).(رواه ابن ماجه وغيره).
ولو لم تكن فيه آيات مبينة**** كانت بديهته تأتيك بالخبر
الحلقة الثالثة والثمانون
شبهات وردود (( 3 ))
شبهات وتهم ضد مقام النبوة(2)
الشبهة الثانية:قولهم عنه (ساحر، كاهن، مجنون):
وهذه الصفات التي وصفه بها كفار قريش لما جاءهم بالحق ولم يستطيعوا له رد فجنحوا إلى هذه التهم والأوصاف حتى يصدوا الناس عنه إذ أنه لا يجلس إليه أحد فيعرض عليه الإسلام ويقرأ القرآن على مسامعه إلا أخذ بلب جليسه وأسر قلبه فأراد المعاندون بإثارة هذه الشبهة أن يصدوا الناس عن الجلوس إليه وسماعه خاصة في المواسم التي يجتمع فيها الناس من أنحاء الجزيرة العربية.
هذا عتبة بن ربيعة جاء مندوباً لقريش لمفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يترك دعوته فيقول له: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، ثم عرض عليه المال والملك وعرض عليه ما استطاعه من الإغراء حتى إذا فرغ عتبة من كلامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه فقال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال: أفعل. فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم:
بسم الله الرحمن الرحيم (حــم* تنزيل من الرحمن الرحيم). [فصلت 1 : 2].
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وقد ألقى عتبة يديه وراء ظهره معتمداً عليهما وهو يسمع منصتاً حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك) سيرة ابن هشام.!!
وعاد عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله قد جاءكم أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، أطيعوني واجعلوها لي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقولـه الذي سمعت منه نبأ عظيم.
فهذا عتبة بن ربيعة وهو من صناديد قريش وسادتهم بعدما سمع القرآن وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينفي أن يكون شاعراً أو كاهناً أو ساحراً.
وهذا النضر بن الحارث سيد آخر من سادة قريش وكبير من كبرائهم ممن كفر حسداً وحقداً يقوم في قريش ذات يوم ويقول: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، فقد كان فيكم محمد غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغه الشيب. وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر لا والله ما هو بساحر لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه. قلتم مجنون لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله قد نزل لكم أمر عظيم. فهذه شهادتين من أعدى أعداءه تثبت كذبهم وافتراءهم عليه سيرة ابن هشام..
الشبهة الثالثة: (قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا):
اتهم المشركون نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه جمع أساطير الأولين من الرواة الذين كانوا يتناقلونها ثم كتبها فهو يلقيها عليهم ليدعي بذلك الوحي.
وقد بيّن القرآن الكريم الرد على مثل هذه الشبهة ومفاده أنه كان صلى الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب. وأنه لم يخرج من مكة ولم يسافر إلى البلاد التي تكثر فيها هذه القصص والأساطير التي ادعتها عليه قريش ثم إن ما جاءهم به محكم لا لبس فيه ولا اختلاف ولا عجمة ولا اعوجاج فيه على عكس ما كان يتناقل في عصرهم من أساطير يكذب بعضها بعضاً.
وتحداهم أن يأتوا بمثله فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله فلما عجزوا تحداهم أن يأتوا بعشر آيات مثله، ولن يستطيعوا ولو اجتمع الجن كلهم والإنس على أن يأتوا بمثله، وما زال التحدي قائمًا ليفضح عجزهم وكذبهم وبهتانهم، وهذه الأمم وصلت في العصر الحديث إلى اقتحام الفضاء وتطويع الكائنات فهل يستطيعون ولو اجتمعوا أن يأتوا بآية مثله؟
(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا) [الإسراء : 88].
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) [يونس : 38].
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) [هود : 13].
وأنى لهم أن يأتوا بمثله وهو تنزيل من رب العالمين الحكيم العليم وهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير.
الشبهة الرابعة: وهي من شبه المستشرقين الحديثة وصفهم له صلى الله عليه وسلم بأنه (شهواني):
حين تزوج إحدى عشرة امرأة بينما منع أتباعه من الزيادة على أربع نساء.
والجواب على هذه الشبهة:
أنه ينبغي أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً قط إلا عائشة – رضي الله عنها – كما أنه صلى الله عليه وسلم إبان شبابه وفتوته لم يتزوج سوى خديجة – رضي الله عنها – حين كان عمره خمساً وعشرين سنة وهي امرأة كبيرة فلو كان ذا شهوة لما اكتفى بها وهي المرأة الكبيرة في السن فلم يتزوج عليها حتى توفيت – رضي الله عنها.
وكان زواجه بعائشة – رضي الله عنها – إكراماً لصديقه وأحب الناس إليه وأوفاهم لـه وأكثرهم إخلاصاً له ولدعوته.
وكذلك كان زواجه بحفصة بنت عمر بن الخطاب إكراماً لأبيها ثاني رجل في الإسلام وثاني وزراءه وإذا لم يكرم عمر بن الخطاب فمن يكرم إذاً؟! وأما زواجه بأم حبيبة وأم سلمة وسودة وميمونة وأم المساكين وهن أرامل فكان إيواءً لهن لما فقدن أزواجهن ولما أصابهن من عذاب واضطهاد في ذات الله تعالى.
وزوّجه ربه تبارك وتعالى زينب بنت جحش وهو كاره لذلك خشية من قول الناس: «محمد تزوج امرأة ابنة زيد» الذي تبناه قبل الإسلام فأراد الله عز وجل أن يهدم قاعدة التبني التي كانت متأصلةً في المجتمع الجاهلي حيث كان للابن المتبنى عند العرب في الجاهلية جميع الحرمات والحقوق التي كانت للابن الحقيقي سواء بسواء، فكان أقوى معول لهدم هذه القاعدة أن أمر الله عز وجل نبيه أن ينكح زوجة زيد بعدما طلقها وقد كان ابناً لـه بالتبني في الجاهلية ليستقر عند العرب عدم جواز التبني.
وكان زواجه لصفية وجويرية مسحاً لدموعها وإذهاباً لحزنهما لموت زوجيهما في معركة قتال دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين رجالهما.
كما أن من فوائد زواجه صلى الله عليه وسلم ما كان شائعاً عند العرب من احترام للمصاهرة إذ كانوا يرون مناوأة ومحاربة الأصهار سبة وعاراً على أنفسهم. فلما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة المخزومية لم يقف خالد بن الوليد المخزومي من المسلمين موقفه الشديد الذي وقفه بأحد، وكذلك أبو سفيان قائد المشركين لم يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة،وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية.
ومن أعظم وأجل مقاصد نكاحه صلوات ربي وسلامه عليه أنه كان مأموراً بتزكية وتعليم الناس ولما كان من المبادئ التي قام عليها بناء المجتمع المسلم ألا يختلط الرجال بالنساء كانت الحاجة داعية إلى وجود نساء مختلفات الأعمار والمواهب (وهن أمهات المؤمنين) فيزكيهن النبي صلى الله عليه وسلم ويربيهن ويعلمنهن ليقمن من بعده بتربية نساء المسلمين فيكفين مؤنة التبليغ في النساء، وقد كان لأمهات المؤمنين فضلٌ كبير في نقل أحواله صلى الله عليه وسلم المنزلية للناس.
أفترى رجلاً يدع الزواج في شبابه من النساء ويقتصر على امرأة كبيرة في السن كخديجة أو كسودة حتى يصل الخمسين من عمره ثم فجأة يجد في نفسه شهوة عارمة فيتزوج بمثل هذا العدد الكبير من النساء؟!.
اللهم إن هذا لا يقولـه إنسان عاقل بل لا يقوله إلا مكابر فاجر.
الشبهة الخامسة:من أعظم الشبه والافتراء: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه (إرهابي دموي سفاك للدماء):
وهذه التهمة إنما يذيعها المستشرقون في العصر الحديث تشكيكاً في دعوته وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من الحلم والاحتمال والعفو عند المقدرة والصبر على المكاره الشيء الكثير جداً.
وكل حليم عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزدد مع كثرة الأذى إلا صبراً وعلى إسراف الجاهل إلا حلماً، قالت عائشة – رضي الله عنها: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها أخرجه البخاري، وكان أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضىً.
وقد كان من أعظم دلائل نبوته التي وردت في كتب أهل الكتاب. والتي آمن على مثلها من آمن منهم مثل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وغيرهما أن حلمه يسبق غضبه.
وقد كان العفو والصفح أحب إليه من الانتقام كما في القصص التالية:
* تصدى لـه غورث بن الحارث ليفتك به صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مطرح تحت شجرة وحده
قائلاً (من القيلولة وهو نوم وسط النهار) دون حرس، وأصحابه قائلون كذلك. وذلك في غزاة، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وغورث قائم على رأسه، والسيف مصلتٌ في يديه وقال: من يمنعك مني؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «الله». فسقط السيف من يد غورث، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من يمنعك»؟ قال غورث: كن خير آخذ فتركه وعفا عنه. فعاد إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس. (أخرجه الإمام أحمد وهو في البخاري مختصراً).
* لما دخل المسجد الحرام صبيحة الفتح ووجد رجالات قريش جالسين مطأطي الرؤوس ينتظرون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتح فيهم، فقال: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم»؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (حسن إسناده ابن حجر في فتح الباري) فعفا عنهم بعدما ارتكبوا من الجرائم ضده وضد أصحابه ما لا يقادر قدره، ولا يحصى عده، ومع هذا فقد عفا عنهم ولم يعنف ولم يضرب. ولم يقتل فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
* سحره لبيد بن الأعصم اليهودي (القصة في صحيح البخاري)، فعفا عنه ولم يؤاخذه. بل لم يثبت أنه لامه أو عاتبه مجرد لوم أو عتاب. فضلاً عن المؤاخذة والعقاب.
* تآمر عليه المنافقون وهو في طريق عودته من تبوك إلى المدينة تآمروا عليه ليقتلوه وعلم بهم وقيل له فيهم فعفا عنهم، وقال: (لا يُتحدث أن محمداً يقتل أصحابه) (القصة في صحيح البخاري).
* لم يذكر في غزوة من الغزوات أنه اعتدى على أحد أو غزا قوماً مسالمين بل كانت غزواته وسراياه موجهة إلى من بدأه بالعداوة وحاول الكيد للإسلام والمسلمين، وكان يأمر أمراءه إذا أرسلهم أن لا يقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا عجوزاً ولا راهباً معتزلاً في صومعته وكان ينهاهم عن التحريق بالنار وإفساد الزرع.
وقد غيّر النبي صلى الله عليه وسلم أغراض الحروب وأهدافها التي كانت تضطرم نار الحرب لأجلها في الجاهلية، فبينما كانت الحرب عبارة عن النهب والسلب والقتل والإغارة والظلم والبغي والعدوان وأخذ الثأر والفوز بالوتر وكبت الضعيف وتخريب العمران وتدمير البنيان وهتك حرمات النساء والقسوة على الضعيف والولائد والصبيان وإهلاك الحرث والنسل والعبث والفساد في الأرض في الجاهلية، إذ صارت هذه الحرب في الإسلام جهاداً في تحقيق أهداف نبيلة وأغراض سامية وغايات محمودة يعتز بها المجتمع الإنساني في كل زمان ومكان وغدت الحرب جهاداً في تخليص الإنسان من نظام القهر والعدوان.
إن تحول المجتمع إلى نظام العدل والنصف بدلاً عن نظام يأكل فيه القوي الضعيف، حتى يصير المجتمع إلى نظام يصير فيه القوي ضعيفاً حتى يؤخذ الحق منه وصارت بذلك الحرب جهاداً لتخليص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً. وصارت جهاداً في تطهير أرض الله من الغدر والخيانة والإثم والعدوان وغدت وسيلة لبسط الأمن والسلامة والرأفة والرحمة ومراعاة الحقوق والمروءة.
أومن قام بتبديل الحرب من شرٍّ محضٍ إلى خيرٍ محضٍ يكون إرهابياً أو سفاكٍ للدماء؟.
أفترى من يأمر بهذا العدل والإنصاف والرحمة والرأفة حتى مع العدو أثناء القتال يمكن أن يوصف بأنه إرهابي أو قاتل أو سفاك للدماء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!!
علماً بأن جميع البلاد التي فتحها بالسيف ظهر فيها الإسلام وانتشر وثبت أهلها على الإسلام، مما يؤكد أن انتشار الإسلام وثباته لصفاته الذاتية فيه وليس انتشاره عائداً إلى نشره بالقوة والسيف فقط كما أن أكثر بقاع الإسلام وبلاده مما فتح سلماً دون حرب أو قتال كما ثبت ذلك في دواوين السيرة وكتب التاريخ.
إن هذه الشبه والتهم التي يطلقها أعداء الإسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم لم تكن يوماً لتوهي من عضد الرسالة أو الرسول الذي بعث بها: (يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) [التوبة : 32].
بل ربما كانت هذه الشبه فأل خير لهذا الدين إذ أنه ومنذ ظهور فجر النبوة المحمدية كانت هذه الشبه والاتهامات سبباً وباعثاً قوياً في إقبال الناس على دعوته صلى الله عليه وسلم فكلما زادت التهم زاد تحري الناس وسؤالهم عن الرسول والرسالة فيقودهم ذلك إلى الانبهار بأضواء النبوة حتى يسلمهم ذلك إلى الدخول في دين الله أفواجاً والحمد لله أولاً وآخراً.
وقولنا لمن يروج هذه الشبه والتهم هو ما قاله حسان ابن ثابت في المنافحة عن النبي صلى الله عليه وسلم والذب عنه وهو أجمل ما قيل في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطع أحد أن يحلق إلى ما دون هذا فضلاً عن أن يساميه وأنّى لهم ذلك وهو المؤيد بروح القدس، يقول – رضي الله عنه:
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه **** وعند الله في ذاك الجزاءُ
هجوت مباركاً براً حنيفاً **** أمين الله شيمته الوفاءُ
أتهجوه ولستَ له بكفء؟**** فشركما لخير كما الفداءُ
فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاءُ
وإذا كان هذا ما قاله مؤمن به، فإن ما ورد عن أعداءه من الثناء عليه كثيرٌ جداً – والحق ما شهدت به الأعداء – فهذا الدكتور مايكل هارت الذي ألف كتاب (المائة الأوائل) يضع في المقام الأول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويعلل ذلك بقوله: ((إن اختيار المؤلف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون في رأس القائمة التي تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات، إن هذا الاختيار ربما أدهش الكثير من القراء (يقصد بهم القراء من غير المسلمين الذين ألف لهم الكتاب، وإلا فإن المسلمين يعتقدون عقيدة جازمة بأن محمد صلى الله عليه وسلم هو خير الثقلين) إلى حد قد يثير بعض التساؤلات، ولكن في اعتقاد المؤلف أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي.
لقد أسس محمد صلى الله عليه وسلم ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام. ففي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً تقريباً على وفاته، فإن تأثيره لا يزال قوياً وعارماً))*.
*كتاب (المائة الأوائل في المقدمة) للدكتور مايكل هارت.
الحلقة الرابعة والثمانون
شبهات وردود (( 4 ))
تعدد زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم
أ.د محمود حمدي زقزوق
قالوا إنه صلى الله عليه وسلم:
· تزوج زوجة ابنه بالتبني (زيد بن حارثة).
· أباح لنفسه الزواج من أي امرأة تهبه نفسها (الخلاصة أنه شهواني).
الرد على الشبهة:
الثابت المشهور من سيرته صلى الله عليه وسلم أنه لم يتزوج إلا بعد أن بلغ الخامسة والعشرين من العمر.
والثابت كذلك أن الزواج المبكر كان من أعراف المجتمع الجاهلي رغبة في الاستكثار من البنين خاصة ليكونوا للقبيلة عِزًّا ومنعة بين القبائل.
ومن الثابت كذلك في سيرته الشخصية صلى الله عليه وسلم اشتهاره بالاستقامة والتعفف عن الفاحشة والتصريف الشائن الحرام للشهوة، رغم امتلاء المجتمع الجاهلي بشرائح من الزانيات اللاتي كانت لهن بيوت يستقبلن فيها الزناة ويضعن عليها " رايات " ليعرفها طلاب المتع المحرمة.
ومع هذا كله ـ مع توفر أسباب الانحراف والسقوط في الفاحشة في مجتمع مكة ـ لم يُعرَف عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلا التعفف والطهارة بين جميع قرنائه؛ ذلك لأن عين السماء كانت تحرسه وتصرف عنه كيد الشيطان.
ويُرْوَى في ذلك أن بعض أترابه الشباب أخذوه ذات يوم إلى أحد مواقع المعازف واللهو فغشَّاه الله بالنوم فما أفاق منه إلا حين أيقظه أترابه للعودة إلى دورهم.
هذه واحدة..
أما الثانية فهي أنه حين بلغ الخامسة والعشرين ورغب في الزواج لم يبحث عن "البكر" التي تكون أحظى للقبول وأولى للباحثين عن مجرد المتعة. وإنما تزوج امرأة تكبره بحوالي خمسة عشر عامًا، ثم إنها ليست بكرًا بل هي ثيب، ولها أولاد كبار أعمار أحدهم يقترب من العشرين؛ وهي السيدة خديجة وفوق هذا كله فمشهور أنها هي التي اختارته بعد ما لمست بنفسها ـ من خلال مباشرته لتجارتها ـ من أمانته وعفته وطيب شمائله صلى الله عليه وسلم.
والثالثة أنه صلى الله عليه وسلم بعد زواجه منها دامت عشرته بها طيلة حياتها ولم يتزوج عليها حتى مضت عن دنياه إلى رحاب الله. وقضى معها - رضي الله عنها - زهرة شبابه وكان له منها أولاده جميعًا إلا إبراهيم الذي كانت أمه السيدة "مارية" القبطية.
والرابعة أنه صلى الله عليه وسلم عاش عمره بعد وفاتها - رضي الله عنها - محبًّا لها يحفظ لها أطيب الذكريات ويعدد مآثرها وهي مآثر لها خصوص في حياته وفي نجاح دعوته فيقول في بعض ما قال عنها: [ صدقتني إذ كذبني الناس وأعانتني بمالها ]. بل كان صلى الله عليه وسلم لا يكف عن الثناء عليها والوفاء لذكراها والترحيب بمن كن من صديقاتها، حتى أثار ذلك غيرة السيدة عائشة - رضي الله عنها.
أما تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم فكان كشأن غيره من الأنبياء له أسبابه منها:
أولاً: كان عُمْرُ محمد صلى الله عليه وسلم في أول زواج له صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة تجاوز الخمسين وهي السنّ التي تنطفئ فيها جذوة الشهوة وتنام الغرائز الحسية بدنيًّا، وتقل فيها الحاجة الجنسية إلى الأنثى وتعلو فيها الحاجة إلى من يؤنس الوحشة ويقوم بأمر الأولاد والبنات اللاتي تركتهم خديجة - رضي الله عنها -.
وفيما يلي بيان هذا الزواج وظروفه.
الزوجة الأولى: سودة بنت زمعة: كان رحيل السيدة خديجة - رضي الله عنها - مثير أحزان كبرى في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي محيط الصحابة - رضوان الله عليهم - إشفاقًا عليه من الوحدة وافتقاد من يرعى شئونه وشئون أولاده. ثم تصادف فقدانه صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب نصيره وظهيره وسُمِّىَ العام الذي رحل فيه نصيراه خديجة وأبو طالب عام الحزن.
في هذا المناخ.. مناخ الحزن والوحدة وافتقاد من يرعى شئون الرسول وشئون أولاده سعت إلى بيت الرسول واحدة من المسلمات تُسمى خولة بنت حكيم السلمية وقالت: له يا رسول الله كأني أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة فأجاب صلى الله عليه وسلم: [ أجل كانت أم العيال وربة البيت]، فقالت يا رسول الله: ألا أخطب عليك ؟.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ولكن – من بعد خديجة ؟! فذكرت له عائشة بنت أبى بكر فقال الرسول: لكنها ما تزال صغيره فقالت: تخطبها اليوم ثم تنتظر حتى تنضج.. قال الرسول ولكن من للبيت ومن لبنات الرسول يخدمهن ؟ فقالت خولة: إنها سودة بنت زمعة، وعرض الأمر على سودة ووالدها: فتم الزواج ودخل بها صلى الله عليه وسلم بمكة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن سودة هذه كانت زوجة للسكران بن عمرو وتوفي عنها زوجها بمكة فلما حلّت تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت أول امرأة تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد خديجة، وكان ذلك في رمضان سنة عشر من النبوة.
وعجب المجتمع المكي لهذا الزواج لأن "سودة" هذه ليست بذات جمال ولا حسب ولا تصلح أن تكون خلفًا لأم المؤمنين خديجة التي كانت عند زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها جميلة وضيئة وحسيبة تطمح إليها الأنظار.
وهنا أقول للمرجفين الحاقدين: هذه هي الزوجة الأولى للرسول بعد خديجة، فهي مؤمنة هاجرت الهجرة الأولى مع من فرّوا بدينهم إلى الحبشة وقد قَبِلَ الرسول زواجها حماية لها وجبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها إثر عودتهما من الحبشة.
وليس الزواج بها سعارَ شهوة للرسول ولكنه كان جبرًا لخاطر امرأة مؤمنة خرجت مع زوجها من أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة ولما عادا توفي زوجها وتركها امرأة تحتاج هي وبنوها إلى من يرعاهم.
الزوجة الثانية بعد خديجة: عائشة بنت أبى بكر الذي يقول عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن من آمن الناس علىّ في ماله وصحبته أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام..".
ومعروف من هو أبو بكر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن عطائه للدعوة " ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبى بكر "، وأم عائشة هي أم رومان بنت عامر الكناني من الصحابيات الجليلات، ولما توفيت نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها واستغفر لها وقال: "اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك صلى الله عليه وسلم"، وقال عنها يوم وفاتها:
"من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان" ولم يدهش مكة نبأ المصاهرة بين أعز صاحبين؛ بل استقبلته كما تستقبل أمرًا متوقعاً؛ ولذا لم يجد أي رجل من المشركين في هذا الزواج أي مطعن - وهم الذين لم يتركوا مجالاً للطعن إلا سلكوه ولو كان زورًا وافتراء.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بفتاة بينه وبينها قرابة خمسين عامًا ليس بدعا ولا غريبًا لأن هذا الأمر كان مألوفًا في ذلك المجتمع. لكن المستشرقين ومن تحمل قلوبهم الحقد من بعض أهل الكتاب - على محمد صلى الله عليه وسلم - جعلوا من هذا الزواج اتهامًا للرسول وتشهيرًا به بأنه رجل شهواني غافلين بل عامدين إلى تجاهل ما كان واقعًا في ذلك المجتمع من زواج الكبار بالصغيرات كما في هذه النماذج:
- فقد تزوج عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم من هالة بنت عم آمنة التي تزوجها أصغر أبنائه عبد الله ـ والد الرسول صلى الله عليه وسلم.
- وتزوج عمر بن الخطاب ابنة على بن أبى طالب وهو أكبر سنًّا من أبيها.
- وعرض عمر على أبى بكر أن يتزوج ابنته الشابة " حفصة " وبينهما من فارق السن مثل الذي بين المصطفي صلى الله عليه وسلم وبين " عائشة " (1).
كان هذا واقع المجتمع الذي تزوج فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة. لكن المستشرقين والممتلئة قلوبهم حقدًا من بعض أهل الكتاب لم ترَ أعينهم إلا زواج محمد بعائشة والتي جعلوها حدث الأحداث - على حد مقولاتهم - أن يتزوج الرجل الكهل بالطفلة الغريرة العذراء (2).
قاتل الله الهوى حين يعمى الأبصار والبصائر!
الزوجة الثالثة: حفصة بنت عمر الأرملة الشابة: توفي عنها زوجها حنيس بن حذافة السهمي وهو صحابي جليل من أصحاب الهجرتين - إلى الحبشة ثم إلى المدينة - ذلك بعد جراحة أصابته في غزوة أُحد حيث فارق الحياة وأصبحت حفصة بنت عمر بن الخطاب أرملة وهي شابة.
وكان ترمّلها مثار ألم دائم لأبيها عمر بن الخطاب الذي كان يحزنه أن يرى جمال ابنته وحيويتها تخبو يومًا بعد يوم..
وبمشاعر الأبوة الحانية وطبيعة المجتمع الذي لا يتردد فيه الرجل من أن يخطب لابنته من يراه أهلاً لها..
بهذه المشاعر تحدث عمر إلى الصديق " أبى بكر " يعرض عليه الزواج من حفصة لكن أبا بكر يلتزم الصمت ولا يرد بالإيجاب أو بالسلب.
فيتركه عمر ويمضى إلى ذي النورين عثمان بن عفان فيعرض عليه الزواج من حفصة فيفاجئه عثمان بالرفض..
فتضيق به الدنيا ويمضى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره بما حدث فيكون رد الرسول صلى الله عليه وسلم عليه هو قوله: [يتزوج حفصةَ خيرٌ من عثمان ويتزوج عثمان خيرًا من حفصة] (3).
وأدركها عمر - رضي الله عنه - بفطرته إذ معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما استشعره عمر هو أن من سيتزوج ابنته حفصة هو الرسول نفسه وسيتزوج عثمان إحدى بنات الرسول صلى الله عليه وسلم.
وانطلق عمر إلى حفصة والدنيا لا تكاد تسعه من الفرحة وارتياح القلب إلى أن الله قد فرّج كرب ابنته.
الزوجة الرابعة: أم سلمة بنت زاد الراكب: من المهاجرين الأولين إلى الحبشة وكان زوجها (أبو سلمة) عبد الله ابن عبد الأسد المخزومي أول من هاجر إلى يثرب (المدينة) من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. جاءت إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم كزوجة بعد وفاة " أم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية " بزمن غير قصير.
سليلة بيت كريم، فأبوها أحد أجواد قريش المعروفين بلقب زاد الراكب؛ إذ كان لا يرافقه أحد في سفر إلا كفاه زاده.
وزوجها الذي مات عنها صحابي من بني مخزوم ابن عمة المصطفي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ذو الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة. وكانت هي و زوجها من السابقين إلى الإسلام. وكانت هجرتهما إلى المدينة معًا وقد حدث لها ولطفلها أحداث أليمة ومثيرة ذكرتها كتب السير. رضي الله عن أم سلمة..
ولا نامت أعين المرجفين.
الزوجة الخامسة: زينب بنت جحش: لم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد تبديلا إلا لنفسها في العمل الذي تتصدق وتتقرب به إلى الله عز وجل؟(4).
هكذا تحدثت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها– عن " ضرّتها " زينب بنت جحش. أما المبطلون الحاقدون من بعض أهل الكتاب فقالوا: أُعْجِب محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحاشا له - بزوجة متبناه " زيد بن حارثة " فطلقها منه وتزوجها.
ويرد الدكتور هيكل في كتابه "حياة محمد"(5) صلى الله عليه وسلم على هذا فيقول: إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم تارة أخرى، والخصومة القديمة للإسلام تأصلت في النفوس منذ الحروب الصليبية هي التي تملى على هؤلاء جميعًا ما يكتبون.
والحق الذي كنا نود أن يلتفت إليه المبطلون الحاقدون على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم.. هو أن زواج محمد صلى الله عليه وسلم من زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة إنما كان لحكمة تشريعية أرادها الإسلام لإبطال هذه العادة ـ عادة التبني ـ التي هي في الحقيقة تزييف لحقائق الأمور كان لها في واقع الناس والحياة آثار غير حميدة.
ولأن هذه العادة كانت قد تأصلت في مجتمع الجاهلية اختارت السماء بيت النبوة بل نبي الرسالة الخاتمة نفسه صلى الله عليه وسلم ليتم على يديه وفي بيته الإعلان العلمي عن إبطال هذه العادة.
وتجدر الإشارة هنا إلى مجموعة الآيات القرآنية التي جاءت إعلاناً عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية وتفسيرًا للتشريع الجديد في هذه ـ المسألة و في موضوع الزواج بزينب حيث تقول: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)(6).
(ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم )(7).
(وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً)(8).
مرة أخرى نذكر بأن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب لم تكن وراءه أبدًا شهوة أو رغبة جنسية وإنما كان أمرًا من قدر الله وإرادته لإبطال عادة التبني من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة في المجتمع الجاهلي الذي كانت عادة التبني أصلاً من أصوله وتقليدًا مستقرًا فيه، فكان السبيل لأبطالها أن يتم التغيير في بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم.
وقد فطنت السيدة " زينب بنت جحش " نفسها إلى هذا الأمر فكانت تباهي به ضراتها وتقول لهن:" زوجكن أهاليكن وزوجني ربي من فوق سبع سمَاوات"(9).
أما لماذا كان زيد بن حارثة نفسه يتردد على الرسول معربًا عن رغبته في تطليق زينب؛ فلم يكن - كما زعم المرجفون - أنه شعر أن الرسول يرغب فيها فأراد أن يتنازل عنها له..
ولكن لأن حياته معها لم تكن على الوفاق أو التواد المرغوب فيه؛ ذلك أن زينب بنت جحش لم تنس أبدًا ـ وهي الحسيبة الشريفة والجميلة أيضًا أنها أصبحت زوجًا لرجل كان رقيقًا عند بعض أهلها وأنه ـ عند الزواج بها ـ كان مولىً للرسول صلى الله عليه وسلم أعتقه بعد ما اشتراه ممن أسره من قريش وباعه بمكة.
فهو ـ وإن تبناه محمد وبات يسمى زيد بن محمد في عرف المجتمع المكي كله، لكنه عند العروس الحسيبة الشريفة والجميلة أيضا ما يزال ـ كما كان بالأمس - الأسير الرقيق الذي لا يمثل حُلم من تكون في مثل حالها من الحسب والجمال وليس هذا بغريب بل إنه من طبائع الأشياء.
ومن ثم لم تتوهج سعادتها بهذا الزواج، وانعكس الحال على زيد بن حارثة فانطفأ في نفسه توهج السعادة هو الآخر، وبات مهيأ النفس لفراقها بل لقد ذهب زيد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكو زينب إليه كما جاء في البخاري من حديث أنس قال: جاء زيد يشكو إلى الرسول فجعل صلى الله عليه وسلم يقول له: [أمسك عليك زوجك واتق الله](10) قال أنس: لو كان النبي كاتمًا شيئًا لكتم هذا الحديث.
لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول له كما حكته الآية: أمسك عليك زوجك ولا تسارع بتطليقها.
وزينب بنت جحش هي بنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم - كما سبقت الإشارة – وهو الذي زوجها لمولاه "زيد" ولو كانت به رغبة فيها لاختارها لنفسه؛ وخاصة أنه رآها كثيراً قبل فرض الحجاب، وكان النساء في المجتمع الجاهلي غير محجبات فما كان يمنعه – إذًا – من أن يتزوجها من البداية؟! ولكنه لم يفعل.
فالأمر كله ليس من عمل الإرادة البشرية لهم جميعًا: لا لزينب ولا لزيد ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه أمر قدري شاءته إرادة الله لإعلان حكم وتشريع جديدين في قضية إبطال عادة "التبني" التي كانت سائدة في المجتمع آنذاك.
يؤكد هذا ويدل عليه مجموع الآيات الكريمة التي تعلقت بالموضوع في سورة الأحزاب.
أما الجملة التي وردت في قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه)(11). فإن ما أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم هو كتم ما كان الله قد أخبره به من أن زينب ـ يومًا ما ـ ستكون زوجًا له؛ لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس: إنه تزوج زوجة ابنه بالتبني(12).
الزوجة السادسة: جويرية بنت الحارث الخزاعية: الأميرة الحسناء التي لم تكن امرأة أعظم بركة على قومها منها فقد أعتق الرسول صلى الله عليه وسلم بعد زواجه بها أهل مائة بيت من بني المصطلق (التي هي منهم).
كانت ممن وقع في الأسر بعد هزيمة بني المصطلق من اليهود في الغزوة المسماة باسمهم. وكاتبها من وقعت في أسره على مال فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها: "أو خير من ذلك؟ قالت: وما هو؟ قال: أقضى عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: وقد أفاقت من مشاعر الهوان والحزن: نعم يا رسول الله. قال: قد فعلت"(13).
وذاع الخبر بين المسلمين: أن رسول صلى الله عليه وسلم قد تزوج بنت الحارث بن ضرار زعيم بني المصطلق وقائدهم في هذه الغزوة..
معنى هذا أن جميع من بأيديهم من أسرى بني المصطلق قد أصبحوا بعد هذا الزواج كأنهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا تيار من الوفاء والمجاملة من المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم تجسد في إطلاق المسلمين لكل من بأيديهم من أسرى بني المصطلق وهم يقولون: أصهار رسول الله، فلا نبقيهم أسرى.
ومع أن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الأسيرة بنت سيد قومها والذي جاءته ضارعة مذعورة مما يمكن أن تتعرض له من الذل من بعد عزة.. فإذا هو يرحمها بالزواج، ثم يتيح لها الفرصة لأن تعلن إسلامها وبذا تصبح واحدة من أمهات المؤمنين.
ويقولون: إنه نظر إليها.
وأقول: أما أنه نظر إليها فهذا لا يعيبه ـ وربما كان نظره إليها ضارعة مذعورة – هو الذي حرك في نفسه صلى الله عليه وسلم عاطفة الرحمة التي كان يأمر بها بمن في مثل حالتها ويقول: [ارحموا عزيز قوم ذل]، فرحمها وخيرها فاختارت ما يحميها من هوان الأسر ومذلة الأعزة من الناس.
على أن النظر شرعًا مأذون به عند الإقدام على الزواج - كما في هذه الحالة - وكما أمر به صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه عند رغبته في الزواج - قائلاً له: [انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما](14).
وقد توفيت في دولة بنى أمية وصلى عليها عبد الملك بن مروان وهي في السبعين من العمر - رضي الله عنها.
الزوجة السابعة: صفية بنت حُيىّ ـ عقيلة بنى النضير: إحدى السبايا اللاتي وقعن في الأسر بعد هزيمة يهود بني النضير أمام المسلمين في الوقعة المسماة بهذا الاسم، كانت من نصيب النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها: فماذا في ذلك؟! ولم يكن عتقه إياها وتزوجها بدعًا في ذلك؛ وإنما كان موقفًا جانب الإنسانية فيه هو الأغلب والأسبق.
فلم يكن هذا الموقف إعجابًا بصفية وجمالها؛ ولكنه موقف الإنسانية النبيلة التي يعبر عنها السلوك النبيل بالعفو عند المقدرة والرحمة والرفق بمن أوقعتهن ظروف الهزيمة في الحرب في حالة الاستضعاف والمذلة, لا سيما وقد أسلمن وحسن إسلامهن.
فقد فعل ذلك مع "صفية بنت حُيىّ" بنت الحارس عقيلة بني النضير (اليهود) أمام المسلمين في الموقعة المعروفة باسم (غزوة بني قريظة) بعد انهزام الأحزاب وردّهم مدحورين من وقعة الخندق.
الزوجة الثامنة: أم حبيبة بنت أبى سفيان نجدة نبوية لمسلمة في محنة: إنها أم حبيبة "رملة" بنت أبى سفيان كبير مشركي مكة وأشد أهلها خصومة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه.
كانت زوجًا لعبيد الله بن جحش وخرجا معًا مهاجرين بإسلامهما في الهجرة الأولى إلى الحبشة، وكما هو معروف أن الحبشة في عهد النجاشي كانت هي المهجر الآمن للفارين بدينهم من المسلمين حتى يخلصوا من بطش المشركين بهم وعدوانهم عليهم؛ فإذا هم يجدون في – ظل النجاشي – رعاية وعناية لما كان يتمتع به من حس إيماني جعله يرحب بأتباع النبي الجديد الذي تم التبشير بمقدمه في كتبهم على لسان عيسى بن مريم– عليه السلام – كما تحدث القرآن عن ذلك في صورة الصف في قوله: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد)(15).
لكن أم حبيبة بنت أبى سفيان كانت وحدها التي تعرضت لمحنة قاسية لم يتعرض لمثلها أحد من هؤلاء المهاجرين الأوائل إلى الحبشة؛ ذلك أن زوجها عبيد الله بن جحش قد أعلن ارتداده عن الإسلام ودخوله في النصرانية وما أصعب وأدق حال امرأة باتت في محنة مضاعفة: محنتها في زوجها الذي ارتد وخان..
ومحنتها السابقة مع أبيها الذي فارقته مغاضبة إياه في مكة منذ دخلت في دين الله (الإسلام)..
وفوق هاتين المحنتين كانت محنة الاغتراب حيث لا أهل ولا وطن ثم كانت محنة حملها بالوليدة التي كانت تنتظرها والتي رزقت بها من بعد وأسمتها "حبيبة".. كان هذا كله أكبر من عزم هذه المسلمة الممتحنة من كل ناحية والمبتلاة بالأب الغاضب والزوج الخائن!!
لكن عين الله ثم عين محمد صلى الله عليه وسلم سخرت لها من لطف الرعاية وسخائها ما يسّر العين ويهون الخطب، وعادت بنت أبى سفيان تحمل كنية جديدة، وبدل أن كانت " أم حبيبة " أصبحت " أم المؤمنين " وزوج سيد المسلمين - صلوات الله وسلامه عليه.
والحق أقول: لقد كان نجاشي الحبشة من خلّص النصارى فأكرم وفادة المهاجرين عامة وأم المؤمنين بنت أبى سفيان بصفة خاصة. فأنفذ في أمرها مما بعث به إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها له.
وكانت خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة بنت أبى سفيان نعم الإنقاذ والنجدة لهذه المسلمة المبتلاة في الغربة؛ عوضتها عن الزوج الخائن برعاية سيد البشر صلى الله عليه وسلم؛ وعوضتها عن غضب الأب "أبى سفيان" برعاية الزوج الحاني الكريم صلوات الله عليه.
كما كانت هذه الخطبة في مردودها السياسي ـ لطمة كبيرة لرأس الكفر في مكة أبى سفيان بن حرب الذي كان تعقيبه على زواج محمد لابنته هو قوله: "إن هذا الفحل لا يجدع أنفه"؛ كناية عن الاعتراف بأن محمدًا لن تنال منه الأيام ولن يقوى أهل مكة - وهو على رأسهم - على هزيمته والخلاص منه لأنه ينتقل كل يوم من نصر إلى نصر.
كان هذا الاعتراف من أبى سفيان بخطر محمد وقوته كأنه استشفاف لستر الغيب أو كما يقول المعاصرون: تنبؤ بالمستقبل القريب وتمام الفتح.
فما لبث أن قبل أبو سفيان دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إياه إلى الإسلام وشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وتقدم أحد الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله قائلاً: " إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فهلا جعلت له ما يحل عقدته ويسكن حقده وغيظه، فقال صلوات الله وسلامه عليه في ضمن إعلانه التاريخي الحضاري العظيم لأهل مكة عند استسلامهم وخضوعهم بين يديه:
· من دخل داره فهو آمن.
· ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن.
· ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن "(16).
وانتصر الإسلام وارتفع لواء التوحيد ودخل الناس في دين الله أفواجًا. وفي مناخ النصر العظيم.. كانت هي سيدة غمرتها السعادة الكبرى بانتصار الزوج ونجاة الأب والأهل من شر كان يوشك أن يحيط بهم.
تلكم هي أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبى سفيان التي أحاطتها النجدة النبوية من خيانة الزوج وبلاء الغربة ووضعتها في أعز مكان من بيت النبوة.
الزوجة التاسعة: ميمونة بنت الحارث الهلالية أرملة يسعدها أن يكون لها رجل: آخر أمهات المؤمنين.. توفي عنها زوجها أبو رهم بن عبد العزّى العامري؛ فانتهت ولاية أمرها إلى زوج أختها العباس الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث بنى بها الرسول ـ في " سرف " قرب " التنعيم" على مقربة من مكة حيث يكون بدء الإحرام للمعتمرين من أهل مكة والمقيمين بها.
وقيل: إنه لما جاءها الخاطب بالبشرى قفزت من فوق بعيرها وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبي والتي نزل فيها قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين..)(17).
كانت آخر أمهات المؤمنين وآخر زوجاته صلوات الله وسلامه عليه.
----------------
(1) تراجم لسيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ: ص 250 وما بعدها.
(2) المصدر السابق.
(3) انظر سيدات بيت النبوة للدكتورة بنت الشاطئ ص 324 (4) صحيح مسلم كتاب الفضائل.
(5) حياة محمد ص 29.
(6) الأحزاب: 40.
(7) الأحزاب: 5.
(8) الأحزاب: 37.
(9) رواه البخاري (كتال التوحيد 6108).
(10) رواه البخاري (كتاب التوحيد).
(11) الأحزاب: 37.
(12) انظر فتح الباري 8 / 371 عن سيدات بيت النبوة لبنت الشاطئ ص 354.
(13) رواه البخاري: فتح الباري _ كتال النكاح باب 14.
(14) رواه البخاري: فتح الباري ـ كتاب النكاح باب 36.
(15) الصف: 6.
(16) رواه البخاري – فتح الباري – " كتاب المغازي ".
(17) الأحزاب: 50.
الحلقة الخامسة والثمانون : شبهات وردود (( 5 ))
حول عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القرآن من العصمة
أ.د محمود حمدي زقزوق
هناك من لا يعترفون بأن الرسول معصوم عن الخطأ ، ويقدمون الأدلة على ذلك بسورة [عبس وتولى] وكذلك عندما جامل الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاته، ونزلت الآية الكريمة التي تنهاه عن ذلك (انتهى).
الرد على الشبهة:
إن عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك عصمة كل الرسل - عليهم السلام - يجب أن تفهم في نطاق مكانة الرسول.. ومهمة الرسالة.. فالرسول: بشر يُوحَى إليه.. أي أنه - مع بشريته - له خصوصية الاتصال بالسماء ، بواسطة الوحي.. ولذلك فإن هذه المهمة تقتضى صفات يصنعها الله على عينه فيمن يصطفيه ، كي تكون هناك مناسبة بين هذه الصفات وبين هذه المكانة والمهام الخاصة الموكولة إلى صاحبها.
والرسول مكلف بتبليغ الرسالة، والدعوة إليها، والجهاد في سبيل إقامتها وتطبيقها.. وله على الناس طاعة هي جزء من طاعة الله - سبحانه وتعالى-(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول), (قل أطيعوا الله والرسول), (من يطع الرسول فقد أطاع الله), (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، ولذلك كانت عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله ضرورة من ضرورات صدقهم والثقة في هذا البلاغ الإلهي الذي اختيروا ليقوموا به بين الناس.. وبداهة العقل - فضلاً عن النقل - تحكم بأن مُرْسِل الرسالة إذا لم يتخير الرسول الذي يضفى الصدق على رسالته ، كان عابثًا.. وهو ما يستحيل على الله، الذي يصطفى من الناس رسلاً تؤهلهم العصمة لإضفاء الثقة والصدق على البلاغ الإلهي.. والحُجة على الناس بصدق هذا الذي يبلغون.
وفى التعبير عن إجماع الأمة على ضرورة العصمة للرسول فيما يبلغ عن الله، يقول الشيخ محمد عبده عن عصمة الرسل - كل الرسل-: "... ومن لوازم ذلك بالضرورة: وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم، وصحة عقولهم، وصدقهم في أقوالهم، وأمانتهم في تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وأنهم منزهون عما يضاد شيئًا من هذه الصفات، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهي بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية.. إن من حكمة الصانع الحكيم - الذي أقام الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعدُّ لها، بمحض فضله، بعض مَنْ يصطفيه من خلقه، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، يميزهم بالفطرة السليمة، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين، نهاية الشاهد وبداية الغائب ، فهم في الدنيا كأنهم ليسو من أهلها ، هم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها.. أما فيما عدا ذلك - [أي الاتصال بالسماء والتبليغ عنها] - فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده ، يأكلون ويشربون وينامون ويسهون وينسون فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام ، ويمرضون وتمتد إليهم أيدي الظلمة ، وينالهم الاضطهاد ، وقد يقتلون".
فالعصمة - كالمعجزة - ضرورة من ضرورات صدق الرسالة ، ومن مقتضيات حكمة من أرسل الرسل - عليهم السلام -..
وإذا كان الرسول - كبشر - يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر.. وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي.. فإنه معصوم في مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانبة الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس.. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل - عليهم السلام -.. فالرسول في هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله - (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى). وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام.
أما اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما لا وحى فيه، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت تصادف الصواب والأولى ، كما كان يجوز عليها غير ذلك.. ومن هنا رأينا كيف كان الصحابة، رضوان الله عليهم في كثير من المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه - قبل الإدلاء بمساهماتهم في الرأي - هذا السؤال الذي شاع في السُّنة والسيرة:
"يا رسول الله، أهو الوحي؟ أم الرأي والمشورة؟.." فإن قال: إنه الوحي. كان منهم السمع والطاعة له ، لأن طاعته هنا هي طاعة لله.. وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة من هذا الأمر عن عقولهم، لأن علم الله - مصدر الوحي - مطلق وكلى ومحيط، بينما علمهم نسبى، قد تخفى عليه الحكمة التي لا يعلمها إلا الله.. أما إن قال لهم الرسول - جوابًا عن سؤالهم -: إنه الرأي والمشورة.. فإنهم يجتهدون ، ويشيرون ، ويصوبون.. لأنه صلى الله عليه وسلم هنا ليس معصومًا ، وإنما هو واحد من المقدمين في الشورى والاجتهاد.. ووقائع نزوله عن اجتهاده إلى اجتهادات الصحابة كثيرة ومتناثرة في كتب السنة ومصادر السيرة النبوية - في مكان القتال يوم غزوة بدر.. وفى الموقف من أسراها.. وفى مكان القتال يوم موقعة أُحد.. وفى مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق.. إلخ.. إلخ.
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أراد الله له أن يكون القدوة والأسوة للأمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا).
وحتى لا يقتدي الناس باجتهاد نبوي لم يصادف الأولى، كان نزول الوحي لتصويب اجتهاداته التي لم تصادف الأولى، بل وعتابه - أحيانًا - على بعض هذه الاجتهادات والاختيارات من مثل: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى). ومن مثل: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير). ومن مثل: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).
وغيرها من مواطن التصويب الإلهي للاجتهادات النبوية فيما لم يسبق فيه وحى، وذلك حتى لا يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفة للأولى.
فالعصمة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما يبلغ عن الله شرط لازم لتحقيق الصدق والثقة في البلاغ الإلهي، وبدونها لا يكون هناك فارق بين الرسول وغيره من الحكماء والمصلحين، ومن ثم لا يكون هناك فارق بين الوحي المعصوم والمعجز وبين الفلسفات والإبداعات البشرية التي يجوز عليها الخطأ والصواب.. فبدون العصمة تصبح الرسالة والوحي والبلاغ قول بشر، بينما هي - بالعصمة - قول الله - سبحانه وتعالى - الذي بلغه وبينه المعصوم - عليه الصلاة والسلام -.. فعصمة المُبَلِّغ هي الشرط لعصمة البلاغ.. بل إنها - أيضًا - الشرط لنفى العبث وثبوت الحكمة لمن اصطفى الرسول وبعثه وأوحى إليه بهذا البلاغ.
الحلقة السادسة والثمانون : شبهات وردود (( 6 ))
دعوى: خلو الكتب السابقة من البشارة برسول الإسلام
أ.د محمود حمدي زقزوق
زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس برسول. وبنوا هذا الزعم على أربع شعب هي:
1. إن العهد والنبوة والكتاب محصورة في نسل إسحق لا إسماعيل.؟!
2. إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يأت بمعجزات.؟!
3. إن القرآن من نوادر الأعمال الإنسانية ، فليس هو معجزاً(1)؟!
4. إن الكتب السابقة - التوراة وملحقاتها والأناجيل - خلت من البشارة برسول الإسلام؟!
الرد على الشبة:
ولكن قبل أن نواجهها مواجهة مباشرة أريد أن أقدم كلمة موجزة بين يدي هذه المواجهة ، رأيت أن تقديمها من أوجب الواجبات في هذا المجال.
وجود "البشارات" وعدمها سواء.. أجل: إن وجود البشارات وعدمها في الكتب المشار إليها آنفًا سواء، وجودها مثل عدمها، وعدمها مثل وجودها. فرسالة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ليست في حاجة إلى دليل يقام عليها من خارجها، بحيث إذا لم يوجد ذلك الدليل "الخارجي" بطلت - لا سمح الله - تلك الرسالة؛ فهي رسالة دليلها فيها، ووجود البشارات بها في كتب متقدمة - زمنا - عليها لا يضيف إليها جديداً، وعدم وجود تلك البشارات لا ينال منها شيئاً قط.
فهي حقيقة قائمة بذاتها لها سلطانها الغني عما سواها. ودليلها قائم خالد صالح للفحص في كل زمان ومكان، باق بقاء رسالته أبد الدهر أشرق ولم يغب، ظهر ولم يختف، قوى ولم يضعف. علا ولم يهبط، إنه دليل صدق الأنبياء كلهم. فكل الأنبياء مضوا ولم يبق من أدلة صدقهم إلا ما جاء في هذا الدليل "القرآن العظيم" حيث شهد لهم بالصدق والوفاء وأنهم رسل الله المكرمون..
فلا يظنن أحدُ أننا حين نتحدث عن بشارات الكتب السابقة برسول الإسلام إنما نتلمس أدلة نحن في حاجة إليها لإثبات صدق رسول الإسلام في دعواه الرسالة. فرسول الإسلام ليس في حاجة إلى "تلك البشارات" حتى ولو سلم لنا الخصوم بوجودها فله من أدلة الصدق ما لم يحظ به رسول غيره.
وستعالج البشارة به صلى الله عليه وسلم على قسمين:
1- بشاراته صلى الله عليه وسلم في التوراة.
2- بشاراته صلى الله عليه وسلم في الإنجيل.
أولاً: البشارات في التوراة تعددت البشارات برسول الإسلام في التوراة وملحقاتها، ولكن اليهود أزالوا عنها كل معنى صريح، وصيروها نصوصاً احتمالية تسمح لهم بصرفها عنه صلى الله عليه وسلم ومع هذا فقد بقيت بعد تعديلها وتحريفها قوية الدلالة على معناها "الأصلي" من حملها على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لأن حملها على غيره متعذر أو متعسر أو محال.
فهي أشبه ما تكون برسالة مغلقة محي "عنوانها" ولكن صاحب الرسالة قادر - بعد فضها - أن يثبت اختصاصها به ، لأن الكلام " الداخلي " الذي فيها يقطع بأنها " له " دون سواه؛ لما فيها من "قرائن" وبينات واضحة ونعرض - فيما يلى - بعضاً منها:
"وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته".
فقال: "جاء الرب من سيناء ، وأشرق لهم من ساعير ، وتلألأ من جبل فاران"(2).
في هذا النص إشارة إلى ثلاث نبوات:
الأولى: نبوة موسى عليه السلام التي تلقاها على جبل سيناء.
الثانية: نبوة عيسى عليه السلام وساعير هي قرية مجاورة لبيت المقدس ، حيث تلقى عيسى عليه السلام أمر رسالته.
الثالثة: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبل فاران هو المكان الذي تلقى فيه - عليه الصلاة والسلام - أول ما نزل عليه من الوحي وفاران هي مكة المكرمة مولد ومنشأ ومبعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذه العبارة - مرة أخرى - تضمنت خبراً وبشارتين:
فالخبر هو تذكير موسى بفضل الله عليه حيث أرسله إليهم رسولاً.
والبشارتان:
الأولى: خاصة بعيسى عليه السلام.
والثانية: خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وموقف اليهود منهما النفي: فلا الأولى بشارة بعيسى ابن مريم ولا الثانية بشارة برسول الإسلام.
أما موقف النصارى فإن النفي - عندهم - خاص ببشارة رسول الإسلام. ولهم في ذلك مغالطات عجيبة ، حيث قالوا إن "فاران" هي "إيلات" وليست مكة. وأجمع على هذا "الباطل" واضعو كتاب: قاموس الكتاب المقدس. وهدفهم منه واضح إذ لو سَلَّمُوا بأن "فاران" هي مكة المكرمة ، للزمهم إما التصديق برسالة رسول الإسلام ، وهذا عندهم قطع الرقاب أسهل عليهم من الإذعان له!! أو يلزمهم مخالفة كتابهم المقدس ، ولم يقتصر ورود ذكر "فاران" على هذا الموضع من كتب العهد القديم ، فقد ورد في قصة إسماعيل عليه السلام مع أمه هاجر حيث تقول التوراة: إن إبراهيم عليه السلام استجاب لسارة بعد ولادة هاجر ابنها إسماعيل وطردها هي وابنها فنزلت وسكنت في "برية فاران"(3). على أنه يلزم من دعوى واضعي قاموس الكتاب المقدس من تفسيرهم فاران بإيلات أن الكذب باعترافهم وارد في التوراة. لأنه لم يبعث نبي من "إيلات" حتى تكون البشارة صادقة. ومستحيل أن يكون هو عيسى عليه السلام ؛ لأن العبارة تتحدث عن بدء الرسالات وعيسى تلقى الإنجيل بساعير وليس بإيلات.
فليست " فاران " إلا " مكة المكرمة " وباعتراف الكثير منهم ، وجبل فاران هو جبل " النور " الذي به غار حراء ، الذي تلقى فيه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بدء الوحي.
وهجرة إسماعيل وأمه هاجر إلى مكة المكرمة " فاران " أشهر من الشمس.
وترتيب الأحداث الثلاثة في العبارة المذكورة:
جاء من سيناء وأشرق من ساعير وتلألأ من فاران. هذا الترتيب الزمنى دليل ثالث على أن " تلألأ من جبل فاران " تبشير قطعى برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
وفي بعض " النسخ " كانت العبارة: "واستعلن من جبل فاران" بدل "تلألأ".
وأياً كان اللفظ فإن "تلألأ" و"استعلن" أقوى دلالة من "جاء" و"أشرق" وقوة الدلالة هنا ترجع إلى "المدلولات " الثلاثة. فالإشراق جزء من مفهوم "المجيء" وهكذا كانت رسالة عيسى بالنسبة لرسالة موسى (عليهما السلام).
أما تلألأ واستعلن فهذا هو واقع الإسلام ، رسولا ورسالة وأمة ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
هذه المغالطة (فاران هي إيلات) لها مثيل حيث تزعم التوراة أن هاجر أم إسماعيل عندما أجهدها العطش هي وابنها إسماعيل بعد أن طردا من وجه "سارة" طلبت الماء فلم تجده إلا بعد أن لقيا ملاك " الرب " في المكان المعروف الآن " ببئر سبع " ؟! وأنها سميت بذلك لذلك..؟! وكما كذبت فاران دعوى "إيلات" كذَّبت "زمزم الطهور" دعوى "بئر سبع"؟ وستظل فاران - مكة المكرمة - وزمزم الطهور "عملاقين" تتحطم على صخورهما كل مزاعم الحقد والهوى.
ويجيء نص آخر في التوراة لا محمل له إلا البشارة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم مهما غالط المغالطون.
وهو قول الله لموسى حسب ما تروى التوراة:
"أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك ، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه"(4).
حدث هذا حسب روايات التوراة وعداً من الله لموسى في آخر عهده بالرسالة ، وكان يهمه أمر بني إسرائيل من بعده ، فأعلمه الله - حسب هذه الرواية التوراتية - أنه سيبعث فيهم رسولا مثل موسى عليه السلام.
ولقوة دلالة النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد وقف أهل الكتابين - اليهود والنصارى - موقفين مختلفين هدفهما واحد ، وهو أن النص ليس بشارة برسول الإسلام.
أما اليهود فلهم فيه رأيان:
الأول: أن العبارة نفسها ليست خبراً بل هي نفي ، ويقدرون قبل الفعل "أقيم" همزة استفهام يكون الاستفهام معها "إنكارياً" وتقدير النص عندهم هكذا " أأقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك؟!
بطلان هذا الرأي وهذا الرأي باطل ولن نذهب في بيان بطلانه إلى أكثر من كلام التوراة نفسها. وذلك ؛ لأنه لو كان النص كما ذكروا بهمزة استفهام إنكاري محذوفة هي في قوة المذكور لكان الكلام نفياً فعلاً.. ولو كان الكلام نفياً لما صح أن يعطف عليه قوله بعد ذلك:
"ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه " ؟! فهذا المقطع إثبات قطعاً فهو مرتب على إقامة النبي الذي وعد به المقطع الذي قبله. فدل هذا " العطف " على أن المقطع السابق وعد خبرى ثابت لا نفي. ويترتب على ذلك بطلان القول الذاهب إلى تقدير الاستفهام..؟!
الثاني: وقد أحس اليهود ببطلان القول بالاستفهام فاحتاطوا للأمر وقالوا لا مانع أن يكون النص خبراً ووعداً مثبتاً ، ولكنه ليس المقصود به عيسى ابن مريم عليه السلام ولا محمد بن عبد الله رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، بل المراد به نبى من أنبياء إسرائيل يوشع بن نون فتى موسى، أو صموئيل..؟!
موقف النصارى:
أما النصارى فيحملون البشارة في النص على عيسى عليه السلام وينفون أن يكون المراد بها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وقد علمنا قبلا أن اليهود ينفون أن تكون لعيسى عليه السلام.
وللنصارى مغالطات عجيبة في ذلك إذ يقولون إن النبي الموعود به ليس من بنى إسماعيل بل من بنى إسرائيل. ومحمد إسماعيلي فكيف يرسل الله إلى بنى إسرائيل رجلاً ليس منهم.؟! كما قالوا إن موسى أتى بمعجزات ومحمد لم يأت بمعجزات فكيف يكون مثله. وقد رددنا على هذه الفرية فيما تقدم.
الحق الذي لا جدال فيه:
والواقع أن كل ما ذهب إليه اليهود والنصارى باطل. باطل. ولن نذهب في بيان بطلانه إلى أبعد من دلالة النص المتنازع عليه نفسه. أما الحق الذي لا جدال فيه فإن هذا النص ليس له محمل مقبول إلا البشارة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وإليكم البيان:
إن النص المتنازع عليه يقيد البشارة بالنبي الموعود به فيه بشرطين:
أحدهما: أنه من وسط إخوة بنى إسرائيل.
وثانيهما: أنه مثل موسى عليه السلام صاحب شريعة وجهاد لأعداء الله وهذان الشرطان لا وجود لهما لا في يوشع بن نون ، ولا في صموئيل كما يدعى اليهود في أحد قوليهم.
ولا في عيسى عليه السلام كما يدعى النصارى.
أما انتفاء الشرط الأول فلأن يوشع وصموئيل وعيسى من بنى إسرائيل وليسو من وسط إخوة بنى إسرائيل.
ولو كان المراد واحداً منهم لقال في الوعد: أقيم لهم نبياً منهم.. ؟! هذا هو منهج الوحي في مثل هذه الأمور كما قال في شأن النبي صلى الله عليه وسلم:
(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم...)(5). وكما جاء على لسان إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم...)(6).
وأما انتفاء الشرط الثاني ، فلأن: لا صموئيل ولا يوشع ولا عيسى ابن مريم كانوا مثل "موسى" عليه السلام.
فموسى كان صاحب شريعة ، ويوشع وصموئيل وعيسى وجميع الرسل الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام من بنى إسرائيل لم يكن واحداً منهم صاحب شريعة ، وإنما كانوا على شريعة موسى عليه السلام.
وحتى عيسى ما جاء بشريعة ولكن جاء متمماً ومعدلاً فشريعة موسى هي الأصل. إن عيسى كان مذكراً لبنى إسرائيل ومجدداً الدعوة إلى الله على هدى من شريعة موسى عليه السلام !! فالمثلية بين هؤلاء - وهي أحد شرطيْ البشارة - وبين موسى عليه السلام لا وجود لها؟!
الشرطان متحققان في رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وبنفس القوة والوضوح اللذين انتفي الشرطان بهما عمن ذكروا من الأنبياء ثبت ذلك الشرطان لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم:
فهو من نسل إسماعيل ، وإسماعيل أخو إسحق ، الذي هو أبو يعقوب المسمى إسرائيل. فهو من وسط إخوة بنى إسرائيل - بنو عمومتهم - وليس من إسرائيل نفسها. وبهذا تحقق الشرط الأول من شرطيْ البشارة:
ومحمد - عليه الصلاة والسلام - صاحب شريعة جليلة الشأن لها سلطانها الخاص بها - جمعت فأوعت - مثلما كان موسى - أكبر رسل بنى إسرائيل - صاحب شريعة مستقلة كانت لها منزلتها التي لم تضارع فيما قبل من بدء عهد الرسالات إلى مبعث عيسى عليه السلام.
وبهذا يتحقق الشرط الثاني من شرطى البشارة وهو " المثليه " بين موسى ومحمد (عليهما صلوات الله وسلامه) ، فعلى القارئ أن يتأمل ثم يحكم.
في المزامير المنسوبة إلى داود عليه السلام وردت كثير من العبارات التي لا يصح حمل معناها إلا على رسول الإسلام. ومن ذلك قول داود كما تروى التوراة:
" أنت أبرع جمالاً من بنى البشر. انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد. تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار ، جلالك وبهاؤك. وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة.. بتلك المسنونة في قلب أعداء الملك - يعنى الله - شعوب تحتك يسقطون.. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك " (7).
اسمعي يانيت وأميلي أذنك ، وانسي شعبك وبيت أبيك ، فيشتهي الملك الملك حسنك ؛ لأنه هو سيدك فاسجدي له. وبنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية. كلها مجد ابنة الملك في خدرها. منسوجة بذهب ملابسها مطرزة ، تحضر إلى الملك في إثرها عذارى صاحباتها مقدمات إليك يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك. عوضاً عن آبائك يكون بنوك نقيمهم رؤساء في كل الأرض اذكر اسمك في كل دور فدور من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والآبد " وقفة مع هذا الكلام في المقطع الأول (أ) لا تنطبق الأوصاف التي ذكرها داود إلا على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فهو الذي قاتل بسيفه في سبيل الله وسقطت أمامه شعوب عظيمة كالفرس والروم.
وهو الممسوح بالبركة أكثر من رفقائه الأنبياء ؛ لأنه خاتم النبيين ، ورسالته عامة خالدة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )(8).
ولم يترك رسول هدى وبيانا مثلما ترك رسول الإسلام في القرآن الحكيم ، وفي أحاديثه وتوجيهاته ، التي بلغت مئات الآلاف ، وتعددت المصادر التي سجلتها ، وفيها من روائع البيان ، وصفاء الألفاظ ، وشرف المعاني ما ليس في غيرها.
أما المقطع الثاني (ب) فهو أوصاف للكعبة الشريفة. فهي التي تترضاها الأمم بالهدايا. وهي ذات الملابس المنسوجة بالذهب والمطرزة ، وهي التي يذكر اسمها في كل دور فدور وتأتيها قوافل" الحجيج " رجالاً ونساءً من كل مكان فيدخل الجميع في " قصر الملك " ويحمدها الناس إلى الأبد؛ لأن الرسالة المرتبطة بها رسالة عامة: لكل شعوب الأرض الإنس والجن. بل والملائكة. وفي مواسم الحج يأتيها القاصدون من جميع بقاع الأرض مسلمين، ورعايا مسلمين من بلاد ليست مسلمة. خالدة: لم ينته العمل بها بوفاة رسولها، كما هو الحال فيما تقدم. وإنما هي دين الله إلى الأبد الأبيد.
وأشعيا وسفره من أطول أسفار العهد القديم ملئ بالإشارات الواضحة التي تبشر برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ولولا المنهج الذي أخذنا به هنا وهو عدم التطويل لذكرنا من ذلك الكثير؛ ولذا فإننا نكتفي بهذا المقطع لدلالته القوية على ما نقول:
" قومي استنيري؛ لأنه قد جاء نورك ، ومجد الرب أشرق عليك.. لأنه ها هي الظلمة تغطى الأرض والظلام الدامس الأمم. أما عليك فيشرق الرب ، ومجده عليك يرى. فتسير الأمم في نورك ، والملوك في ضياء إشراقك.
ارفعي عينيك حوالي وانظري. قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك. يأتي بنوك من بعيد، وتحمل بناتك على الأيدي ، حينئذ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع ؛ لأنه تحول إليك ثروة البحر ، ويأتي إليك غنى الأمم تغطيك كثرة الجمال بكران مديان ، وعيفة كلها تأتي من شبا. تحمل ذهبًا ولبانًا ، وتبشر بتسابيح الرب. كل غنم قيدار تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك تصعد مقبولة على مذبحي، وأزين بيت جمالي.
من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها. إن الجزائر تنتظرني وسفن ترشيش في الأول لتأتى من بعيد ، وفضتهم وذهبهم معهم لا سم الرب إلهك…(9).
وبنو الغريب يبنون أسوارك، وملوكهم يخدمونك.. وتفتح أبوابك دائما نهاراً وليلاً لا تغلق ، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم...(10).
دلالة هذه النصوص:
بلا أدنى ريب فإن هذا الكلام المنسوب إلى أشعيا وصف لمكة المكرمة وكعبتها الشامخة.
فالمقطع الأول إنما هو حديث عن موسم الحج المبارك فيه يجتمع بنوها حولها من كل مكان وفيه لمحة قوية جداًُ إلى نحر الهدى صبيحة العيد. ألم يشر النص إلى غنم قيدار، وقيدار هوولد إسماعيل عليه السلام الذي تشعبت منه قبائل العرب. ثم ألم ينص على المذبح الذي تنحر عليه الذبائح؟ كما أشار النص ثلاث إشارات تعد من أوضح الأدلة على أن المراد بهذا النص مكة المكرمة. وتلك الإشارات هي طرق حضور الحجاج إليها. ففي القديم كانت وسائل النقل: ركوب الجمال. ثم السفن. أما في العصر الحديث فقد جدت وسيلة النقل الجوى "الطائرات" وبشارة أشعيا تضمنت هذه الوسائل الثلاث على النحو الآتي:
1- الجمال ، قال فيها: تغطيك كثرة الجمال!!
2- السفن ، قال فيها: وسفن ترشيش تأتي ببنيك من بعيد!
3- النقل الجوى، وفيه يقول: من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها؟!!
أليس هذا أوضح من الشمس في كبد السماء.
على أن النص ملئ بعد ذلك بالدقائق والأسرار ، ومنها أن مكة مفتوحة الأبواب ليلاً ونهاراً لكل قادم في حج أو عمرة!!
ومنها أن خيرات الأمم تجبى إليها من كل مكان ، والقرآن يقرر هذا المعنى في قول الله تعالى: (أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء)(11).
ومنها أن بنى الغريب (يعنى غير العرب) يبنون أسوارها. وكم من الأيدي العاملة الآن، وذوي الخبرات يعملون فيها ويشيدون قلاعها فوق الأرض وتحت الأرض ومنها أنه ما من عاصمة من عواصم العالم إلا دخلت في محنة من أهلها أو من غير أهلها إلا هذه "العاصمة المقدسة", فظلت بمأمن من غارات الغائرين وكيد الكائدين، ومثلها المدينة المنورة.
ومنها كثرة الثروات التي مَنَّ الله بها عليها. أليس البترول من ثروات البحر العظمى التي تفجرت أرض الحجاز وشبه الجزيرة منه عيوناً دفاقة بمعدل لم تصل إليه أمة من الأمم. أضف إلى ذلك سبائك الذهب والفضة.
والحديث عن مكة المكرمة حديث عن رسول الإسلام ؛ لأن مجدها لم يأت إلا على يدي بعثته صلى الله عليه وسلم.
هذه الحقائق لا تقبل الجدل. ومع هذا فإن أهل الكتاب (وخاصة اليهود) يحملون هذه الأوصاف على مدينة "صهيون" ولهذا فإنهم عمدوا إلى النص وعدلوه ليصلح لهذا الزعم. ولكننا نضع الأمر بين يدي المنصفين من كل ملة. أهذه الأوصاف يمكن أن تطلق على مدينة "صهيون".
لقد خرب " بيت الرب " في القدس مراراً وتعرض لأعمال شنيعة على كل العصور. أما الكعبة الشريفة والمسجد الحرام فلم يصل أحد إليهما بسوء ، ثم أين ثروات البحر والبر التي تجبى إلى تلك المدينة وأهلها (إلى الآن) يعيشون عالة على صدقات الأمم.
وأين هي المواكب التي تأتى إليها براً وبحراً وجَوّاً ، وهل أبوابها مفتوحة ليلاً ونهاراً ، وأين هم بنوها الذين اجتمعوا حولها.
وما صلة غنم قيدار وكباش مدين بها. وأين هو التسبيح الذي يشق عنان السماء منها.. وأين.. وأين..؟ إن هذه المغالطات لا تثبت أمام قوة الحق ، ونحن يكفينا أن نقيم هذه الأدلة من كتبهم على صدق الدعوى ، ولا يهمنا أن يذعن القوم لما نقول فحسبك من خصمك أن تثبت باطل ما يدعيه أمام الحق الذي تدافع عنه.
والفاصل بيننا ـ في النهاية ـ هو الله الذي لا يُبدل القول لديه.
وتنسب التوراة إلى نبي يدعى "حبقوق" من أنبياء العهد القديم ، وله سفر صغير قوامه ثلاثة إصحاحات.
تنسب إليه التوراة نصوصاً كان يصلي بها. تضمنها الإصحاح الثالث من سفره. وهذا الإصحاح يكاد يكون كله بشارة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. وإليكم مقاطع منه: "الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران ـ سلاه ـ جلاله غطى السماوات. والأرض امتلأت من تسبيحه وكان لمعان كالنور له من يديه شعاع ، وهناك استتار قدرته. قدامه ذهب الوبأ. وعند رجليه خرجت الحمى. وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم ودكت الجبال الدهرية، وخسفت آكام القوم.
مسالك الأزل يسخط دست الأمم ، خرجت لخلاص شعبك... سحقت رأس بيت الشرير معرياً الأساس حتى العنق... سلكت البحر بخيلك..(12).
دلالات هذه الإشارات:
لا يستطيع عاقل عالم بتاريخ الرسالات ومعاني التراكيب أن يصرف هذه النصوص على غير البشارة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. فالجهتان المذكورتان في مطلع هذا المقطع وهما: تيمان: يعنى اليمن، وجبل فاران: يعنى جبل النور الذي بمكة المكرمة التي هي فاران. هاتان الجهتان عربيتان. وهما رمز لشبه الجزيرة العربية التي كانت مسرحاً أولياً لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فليس المراد إذن نبياً من بنى إسرائيل؛ لأنه معلوم أن رسل بنى إسرائيل كانت تأتى من جهة الشام شمالاً. لا من جهة بلاد العرب. وهذه البشارة أتت مؤكدة للبشـارة المماثلة ، التي تقدم ذكرها من سفر التثنية ، وقد ذكرت أن الله: تلألأ أو استعلن من جبل فاران.
بيد أن بشارة التثنية شملت الإخبار بمقدم موسى عليه السلام والتبشير بعيسى عليه السلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم أما بشـارة حبقوق فهي خاصة برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم. ولو لم يكن في كلام حبقوق إلا هذا "التحديد" لكان ذلك كافياً في اختصاص بشارته برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم, ومع هذا فقد اشتمل كلام حبقوق على دلائل أخرى ذات مغزى:
· منها: الإشارة إلى كثرة التسبيح حتى امتلأت منه الأرض.. ؟!
· ومنها: دكه صلى الله عليه وسلم لعروش الظلم والطغيان وقهر الممالك الجائرة.
· ومنها: أن خيل جيوشه ركبت البحر ، وهذا لم يحدث إلا في ظل رسالة الإسلام.
على أن كلام حبقوق ملئ بالرمز والإشارات مما يفيدنا في هذا المجال ولكننا نتجاوزه لأمرين:
أحدهما: أن في الإشارات الصريحة غناء عنها.
وثانيهما: عدم التطويل ـ هنا ـ كما اتفقنا.
بشاراته صلى الله عليه وسلم في العهد الجديد أسفار العهد الجديد (الأناجيل والرسائل) حافلة بالنصوص التي يتعين أن تكون "بشارات" برسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
تلك البشـارات تعـلن أحياناً في صورة الوعـد بملكوت الله أو ملكوت السماوات. وأحيانا أخـرى بالـروح القـدس. ومرات باسـم المعـزى أو الفارقليط ، وهي كلمة يونانية سيأتي فيما بعد معناها ، تلك هي صورة البشارات في الأناجيل في صيغها المعروفة الآن.
ففي إنجيل متى وردت هذه العبارة مسـندة إلى يحيى عليه السلام المسمى في الأناجيل: يوحنا المعمدان. وفيها يقول: "توبوا ؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات"(13).
فمن هو ملكوت السماوات الذي بشر به يحيى؟! هل هو عيسى عليه السلام ـ كما يقول النصارى؟!
هذا احتمال.. ولكن متَّى نفسه يدفعه حيث روى عن عيسى عليه السلام نفس العبارة: "توبوا ؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات"(14).
فلـو كان المراد بملكـوت السماوات ـ هذه ـ عيسى عليه السلام لما وردت هذه "البشارة" على لسان عيسى؛ إذ كيف يبشر بنفسه ، وهو قائم موجود ، والبشـارة لا تكون إلا بشئ محـبوب سيأتي، كما أن الإنذار ـ قسيمه ـ لا يكون إلا بشيء "مكروه" قد يقع.
فكلاهما: التبشير والإنذار ـ أمران مستقبلان.
إن ورود هذه العبارة عن عيسى نفسه تخصيص لذلك العموم المستفاد من عبارة يحيى عليهما السلام.
فدل ذلك على أن المراد بملكوت السماوات رسول آخر غير عيسى. ولم يأت بعد عيسى ـ باعتراف الجميع ـ رسول غير رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فدل ذلك على أنه هو المراد بملكوت السماوات في عبارة عيسى عليه السلام ـ قولاً واحداً ـ وباحتمال أرجح في عبارة يحيى؛ إذ لا مانع عندنا ـ أن يكون يحيى عليه السلام قد بشر بها بعيسى عليه السلام.
أما بشارة عيسى فلا موضع لها إلا الحمل ـ القطعي ـ على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
وفي صيغة الصلاة التي علمها المسيح لتلاميذه ـ كما يروي مَتَّى نفسه ـ بشارة أخرى بنبي الإسـلام. وهذا هو نص مَتَّى في هذا "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك"(15).
ووردت هذه الصيغة في إنجيل لوقا هكذا: "متى صليتم فقـولوا: أبانا الذي في السماوات ليتقـدس اسمك ليأت ملكوتك.."(16).
ويذكر لوقا أن المسيح جمع تلاميذه، وعلمهم كيف يقهرون الشياطين، ويشفـون الأمراض ثم قال: "وأرسلهم ليكرزوا ـ أي يبشروا ـ بملكوت الله"(17).
أما مرقس فيسند هذه البشارة إلى المسيح نفسه إذ يقول: "جاء يسوع إلى الجبل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله " (18).
فهـؤلاء ثلاثة من التلامذة يتفقـون على أن يحيى وعيسى (عليهما السلام) قد بشرا بملكوت الله الذي اقترب.
فمن المراد بملكوت الله إذا لم يكن هو رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم؟! وأكاد أجزم بأن عبارة "المسيح ، قد كمل الزمان" لا تعني سوى انتهاء عصر الرسالات الموقوتة وإقبال الرسالة الخالدة!!
أما يوحنا صاحب رابع الأناجيل. فإنه يذكر هذه البشارات في مواضع متعددة من إنجيله. ومن ذلك ما يرويه عن المسيح عليه السلام " الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للأب الذي أرسلني. بهذا كلمتكم وأنا عندكم. وأما المعزى (اسم فاعل من الفعل المضعف العين عزى)(19) الروح القدس، الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بما قلته لكم"(20).
كما يروي يوحنا قول المسيح ـ الآتي ـ مع تلاميذه: "إنه خير لكم أن انطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر وعلى دينونة"(21).
ويروي كذلك قول المسيح لتلاميذه: "وأما إذا جاء ذاك روح الحق ، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه. بل كل ما يسمع يتكلم به ، ويخبركم بأمور آتية ".. ؟!(22).
فمن هو المعزى أو روح القدس أو روح الحق الذي بشر به المسيح عليه السلام حسبما يروى يوحنا؟!
إن المسيح يقول: إن ذلك المُعَرِّى أو الروح القدس لا يأتي إلا بعد ذهاب المسيح، والمسيح ـ نفسه ـ يُقـِرُّ بأن ذلك المُعَرِّى أو الروح أَجَلُّ منه شأنا، وأعم نفعاً وأبقى أثراً، ولذلك قال لتلاميذه: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَرِّى.
وكلمة "خير" أفعل تفضيل بمعنى أكثر خيراً لكم ذهابي ليأتيكم المعزى ولو كان "المُعَـزَّى" مسـاويًا للمسيح في الدرجة لكانا مستويين في الخيرية ولما ساغ للمسيح أن يقول خير لكم أن أنطلق.
ومن باب أولى لو كان "المعزَّى" أقل فضلاً من المسيح. فعبارة المسيح دليل قاطع على أنه بشر بمن هو أفضل منه ، لا مساوٍ له ولا أقل.
ثم يصف المسيح ذلك المُعَرَّى أو الروح بأوصـاف ليست موجـودة في المسيح نفسه عليه السلام.
ومن تلك الأوصاف:
أ ـ إنه يعلم الناس كل شيء. وهذا معناه شمول رسالته لكل مقومات الإصلاح في الدنيا والدين. وذلك هو الإسلام.
ب ـ إنه يبكت العالم على خطية. والشاهد هنا كلمة " العالم " وهذا معناه شمول الإسلام لكل أجـناس البشر ، عربا وعجماً ، في كل زمان ومكان. ولم توصف شريعة بهذين الوصفين إلا الإسلام.
جـ ـ إنه يخـبر بأمور آتية ، ويذكـر بما مضى. وقد تحقق هذا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
فأخبر بأمور آتية لم يخبر بها من سبقه أو أخبروا ولكن ليس على وجه التفصيل والتأكيد الذي كان على يديه صلى الله عليه وسلم فكم في القرآن من أمور أخبر بها قبل أن تقع فوقعت كما أخبر ، وكم فيه من الإخبار بما سيكون في الحياة الآخرة من أوصاف الجنة ، والنار ، والبعث ، وعلامات الساعة ، وتخاصم أهل النار ، وحوار أصحاب الجنة مع " رجال الأعراف " ، وندم من باعوا دينهم بدنياهم... إلخ.
وذكر بما مضى من أحوال الأمم ، وقيام الحضارات ثم سقوطها وأحوال المرسلين وما بلغوا به أقوامهم والشهادة لهم بالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء ، ومسلك بعض الأقوام من رسلهم والصراع الذي دار بين المحقين وأهل الباطل ، وعاقبة بعض المكذبين... إلخ.
ثم استوعبت رسالته الحياة كلها فأرست قواعد الاعتقاد الصحيح وسنت طرق العبادة المثمرة ، ووضعت أصول التشريع في كل ما هو متعلق بالحياة عاجلها وآجلها ، ووضحت العلاقة السليمة بين المخلوق والخالق ، وبين الناس بعضهم بعضاً. وحررت العقول ، وطهرت القلوب ورسمت طريق الهدى لكل نفس ولكل جماعة ولكل أمة. أي أنها أرشدت إلى كل شيء. وعلمت كل شيء مما يحتاج تعلمه إلى وحي وتوقيف..!
ذلك هو الإسلام ، ولا شيء غير الإسلام.
وشهدت ـ فيما شهدت ـ للمسيح عليه السلام بأنه رسول كريم أمين أدى رسالته وبشر وأنذر بنى إسرائيل, وأنه عبده ورسوله (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون)(23).
وشهادة رسول الإسلام لعيسى عليه السلام منصوص عليها في بشارات عيسى نفسه به (صلى الله عليه وسلم). فاسمع إلى يوحنا وهو يروى عن المسيح عليه السلام قوله الآتي: "ومتى جاء المعزَّى الذي سأرسله " أنا " إليكم من الأب روح الحق من عند الأب ينبثق فهـو يشهـد لي.. وتشهـدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء"(24).
روح القـدس هذا، أو المعزَّى ، أو روح الحق لا يمكن أن يكون عيسى ؛ لأن عـيسى لم يبشر بنفسـه ، وهو كان موجوداً ساعة قال هذا ولا يمكن أن يكون المراد به نبياً بعد عيسى غير محمد (صلى الله عليه وسلم) لأننا متفقون على أن عيسى لم يأت بعده نبي قبل رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
فتعين أن يكون روح القدس ، أو المعزَّى ، أو روح الحق تبشيرا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ فيه تجتمع تلك الأوصاف ، كما يتحقق فيه معنى "الأفضلية" إذ هو خاتم النبيين، الذي جاء بشريعة خالدة عامة، وعلى هذا حملنا قبلا قول عيسى: خير لكم أن أنطلق. إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعَزِّى " وهذا إقرار من عيسى بأن المبشر به أفضل من المُبَشِّر وكفي بذلك شواهد.
أما البشارة باسم "الفارقليط" فقد خلت منها الترجمات العربية المعاصرة للكتاب المقـدس.
ومعـلوم أن الكتاب المقدس خضع للترجمات وطبعات متعددة ؛ لدرجة أن الترجمات العربية لتختلف من نسخة إلى أخرى اختلافا بيناً.
وتحت يدي ـ الآن ـ نسختان من الطبعـات العربية كلتاهما خاليتان من كلمة الفارقليط، وموضوع مكانها كلمة المعزى.
بيد أنني وجدت أن ابن القيم ، وابن تيمية ، كل منهما قد نقل عن نسخ خطية كانت معاصرة لهما نصوصاً فيها التصريح باسم "الفارقليط" كما أن الشيخ رحمت الله الهندي (رحمه الله) نقل في كتابه "إظهار الحق" نصوصاً "عن ترجمات عربية ترجع إلى أعوام: 1821 ـ 1831 ـ 1844م وتمت في لندن معنى "الفارقليط": كلمة يونانية معناها واحد مما يأتي:
الحامد ـ الحماد ـ المحمود ـ الأحمد. أو معناها كل ما تقدم. فمعنى "فارقليط" يدور حول الحمد وجميع مشتقاته المشار إليها.
وكل واحد منها يصح إطلاقه على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم فهو الحامد والحمّاد والمحمود والأحمد ، والمحمد.
وفي الطبعات ـ اللندنية ـ المتقدم ذكرها ورد النص هكذا: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم فارقليط آخر، ليثبت معكم إلى الأبد".
"الفارقليط" روح القـدس الذي يرسله الآب باسمي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم"(25).
ومقارنة هذين النصـين بالنص المقابل لهما الذي نقلناه آنفا عن إنجيل يوحنا من الطبعات العربية الحديثة تريك أن الطبعات الحديـثة حـذفت كلمة " الفارقليط " ووضعت مكانها كلمة " المعزى " كما تريك أن الطبعات الحديثة حذفت جملة: " ليثبت معـكم إلى الأبد " وهو نص على خلود الإسلام على أنهم عادوا واعترفوا بأن كلمة " المعزى " التي في الطبعات الحديثة للكتاب المقـدس أصلها مترجـم عن كلمة يونانية لفظاً ومعنى وهي " باراكليتس " ومعناها المعزى ، وليست " فارقليط " أو " بارقليط " التي معناها الحماد والحامد... والتي يتمسك بها المسلمون!
وهذه المحاولات مردودة لسببين:
أولهما: ليس نحن ـ المسلمين ـ الذين قاموا بعمل بالطبعات القديمة التي فيها " الفارقليط " وإنما طبعها النصارى قديماً. فعملهم حجة على الطبعات الحديثة, وهم غير متهمين في عملهم هذا.
وثانيهما: ولو كانت الكلمة "هي: الباراكليتس" فلماذا خلت منها الطبعات القديمة والنسخ المخطوطة؟!
بل ولماذا خلت منها الطبعات الحديثة؟!
وأيًا كان المدار: فارقليط ، أو باراكليتس ، أو المعزى ، أو الروح القدس فنحن لا نعول على الكلمة نفسها بقدر ما نعول على الأوصاف التي أجريت عليها. مثل يعلمكم كل شيء ـ يمكث معكم إلى الأبد.
فهـذه الأوصـاف هي لرسـول الإسـلام صلى الله عليه وسلم ومهما اجتهدتم في صرفها عنه فلن تنصرف.
ولهم " شبهة " أخرى يحلو لهم تردادها وهي: محمد صلى الله عليه وسلم عربي الجنس واللسان ، فكيف يرسله الله إلى أمم وأجناس غير عربية.. وكيف يكلف الله الناس برسالة لا يعرفون لغتها ولا عهد لهم بالتحدث معها. وكيف يستطيعون أن يفهموا القرآن ، وتوجيهات رسول الإسلام ، وهما باللغة العربية؟!
رد الشبهة:
نرد عليها من طريقين:
الأول: وهو مستمد من واقـع القـوم أنفسهم. فهم يدعون تبعاً لما قال "بولس" أن عيسى عليه السلام مرسل لخلاص العالم كله. وأنه أمر حوارييه أن يكرزوا كل العالم برسالة الخلاص ، وفي أيامنا هذه كثرت المنشورات التي تقول: المسيح مخلص العالم. وهنا نسأل القوم سؤالاً: أية لغة كانت لغة المسيـح عليه السلام وحوارييه ؟! هل هي العبرانية أم اليونانية؟! وأيا كان الجواب فإن المسيح كان يتكلم لغة واحدة. وأوحى إليه الإنجيل بلغة واحدة.. فعلى أي أساس إذن قلتم: إنه منقذ لكل العالم؟! هل كل العالم كان وما يزال يعرف لغة المسيح ؟! أم أن العالم أيام المسيح كان يتكلم بعدة لغات.. والآن يتكلم بمئات اللغات؟!
فإن كنتم قد ادعيتم أن المسيح هو منقذ كل العالم مع تسليمكم بأنه كان يتكلم بلغة واحدة فلماذا تنكرون على رسول الإسلام أن يكون مرسلاً لكل العالم.؟! وما الفرق بين رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم والمسيح عليه السلام حتى تحظروا عليه ما استبحتموه للمسيح؟! أهذا عدل.. أهذا إنصاف!!
وإن تنازلتم عن عالمية المسيح فأنتم مدينون!!
الثاني: وهو مستمد من طبيعة الإسلام. ومن تاريخه الطويل الحافل بكل عجيب.
نعم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم عربي اللسان ، والجنس ، والقرآن العظيم الذي جاء به عربي اللسان، عالمي التوجيه والتشريع والسلطان. ووحدة اللغة في الإسلام مثل وحدة العقيدة فيه. ولم يحل دون انتشار الإسلام بين الأمم والشعوب غير العربية أن لغة رسالته عربية ورسوله عربي ورواده الأوائل عرب. هذه الاعتبارات لم تحل دون نشر الإسلام لجميع شعوب الأرض باختلاف لغاتها وعقائدهـا وأجناسها.
وكان سلوك الدعوة إلى الإسلام حكيمًا، وهذه أبرز ملامحه:
أولاً: إن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم أرسل رسله يحملون رسائله وكتبه إلى كل رؤساء القبائل وملوك الأمم والشعوب ، وقد بدأت هذه الطريقة بعد وقوع صلح الحديبية ، وكل حامل رسالة أو كتاب إلى رئيس أو ملك كان على علم بلغة من هم المبعوث إليهم.
فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة الكلبي.
وأرسل إلى المقوقس عظيم القبـط بمصـر حاطب بن أبى بلتعة. وأرسل إلى كسرى عبد الله بن حذافة السهمي.
وأرسل إلى الحارث بن أبى شمر الغساني شجاع بن ذهب الأسدى. وكان هؤلاء الرسل عالمين بلغات من أرسلوا إليهم.
كما كان صلى الله عليه وسلم يحتفظ بمترجمين يترجمون له ما يرد من رسائل لغتها غير العربية.
ثانياً: إن الملوك والرؤساء كان لديهم مترجمون ـ كذلك ـ يترجمون لهم ما يرد من رسول الإسلام أو يقومون بالترجمة من العربية إلى غيرها ، ومن غير العربية إلى العربية في حالة ما إذا كان " المرسل " وفداً يحمل رسائل شفوية للتبليغ.
ثالثاً: إن اليهود وكثيراً من النصارى كانوا يعرفون اللسان العربي ، ومن النصارى من هم عـرب خلص كنصـارى نجـران ، كما أن العجم من الفرس والروم كان من بينهم عرب يعايشونهم ويقيمون بينهم.
رابعاً: كان صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم يحض أصحابه على تعلم لغات الأمم ومما يروى عنه ـ عليه الصلاة السلام ـ قوله: من تعلم لغة قوم أمن غوائلهم.
خامساً: لما اجتازت الدعوة مرحلة الدعوة بالرسالة والكتاب والوفد ، والبعث ، ودخلت في مرحلة الفتح كان الجنود المسلمون ينشرون اللغة العربية كما ينشرون الإسلام نفسه. وما من أرض حل بها الإسلام إلا وقد حلت بها اللغة العربية تعضده ، وتؤازره في انسجام عجيب ، فقضت اللغة العربية على لغات الأمم والشعوب وحلت هي محلها. قضت على القبطية في مصر وعلى الفارسية في الشام وعلى البربرية في شمال غرب أفريقيا كما قضت على السريانية وغيرها من اللغات ، وأصبحت هي لغة الحياة والإدارة والكتابة والنشر والتأليف.
سادساً: قام العرب المسلمون بترجمة ما دعت إليه المصلحة من تراث الأمم المفتوحة ، ففتحوا نوافذ الفكر ، والثقافة ، والمعرفة لمن لا يعرف غير العربية من العرب المسلمين. كما ترجموا من الفكر الإسلامي ما يصلح ضرورة لغير العرب من المسلمين فنقلوه من العربية إلى غير العربية وفاءً بحق الدعوة والتبليغ.
سابعاً: أقبل غير العرب من الذين دخلوا الإسلام على تعلم العربية وتركوا لغاتهم الأصلية وأصبحوا عربي اللسان واللغة. ومن هـؤلاء أعلام لا يحصون كان لهم فضل عظيم في إنماء الفكر الإسلامي منهم اللغويون ، والنحويون ، والبيانيون ، والفقـهاء ، والأصوليون ، والمفسرون ، والمحدثون ، والمتكلمون ، والفلاسفة ، والمناطـقة ، والرياضيون ، والأطباء ، والفلكيون ، بل والشعراء والأدباء والرحالة والجغرافيون ، وغيرهم ، وغيرهم.
إن كل مجال من مجـالات النشـاط العلمي في الإسلام نبغ فيه كثير من غير العرب بعد تعلمهم اللغة العربية التي كانوا فيها مثل أنجب وأحذق وأمهر أبنائها. ولو رحنا نحصى هؤلاء لضاق بنا السهل والوعر ، فلتكن الإشارة إليهم نائباً عن ذلك التفصيل غير المستطاع.
إن وحدة اللغة في الإسلام لم تحل دون نشر الإسلام ، فلم يمض طويل من الزمن حتى بلغت الدعوة مشارق الأرض ومغاربها.
وصلت إلى الهند والصين في أقصى الشرق ، وإلى شواطئ المحيط الأطلسي في أقصى الغرب وإلى بلاد النوبة جنوباً وإلى جبال البرانس جنوبي فرنسا شمالاً. وتوطدت في قلب الكون:
الحجاز واليمن والشام وفارس وبلاد ما بين النهرين وما وراء النهرين ومصر وجنوب الوادي، وتركت اللغة العربية الواحدة آثارها في كل قطر أشرقت فيه شمس الإسلام ، وحتى ما فارقه الإسلام ـ كأسبانيا ـ ما تزال حضارة الإسلام وآثار العربية تغزو كل بيت فيها.
وكما استوعب الإسلام مناهج الإصلاح في كل مجالات الحياة الإنسـانية استوعـبت شقيقته الكبرى " اللغة العربية " كل أنماط التعبير ووسعت بسلطانها كل وسائل التسجيل والتدوين.. وامتلكت ناصية البيان الرائع الجميل ، فهي لغة علم ، ولغة فن ومشاعر ، ووجدان. وقانون وسلام وحرب ، ودين ودنيا.
إن أكثر من ألف مليون مسلم ينتشرون في ربوع الأرض الآن لم يعجز الكثير منهم من غير العرب عن حفظ كتاب الله " القرآن العظيم " ويتلونه كما أنزل بلسان عربي فصيح. فإذا عاد إلى حديثه اليومي لجأ إلى لغة أمه وأبيه وبيئته.
ومسلم غير عربي استطاع أن يحفظ أو يقرأ القرآن بلغته العربية الفصحى لهو قادر ـ لو أدى المسلمون العرب واجبهم نحو لغة التنزيل ـ أن يقرأ بها كتب الحديث، والفقه، والتشريع، والنحو، والصرف ، والبلاغة ، والأدب وسائر العلوم والفنون.
ولكنه ذنب العـرب المسـلمين لا ذنب اللغة. فهي مطواعة لمن يريد أن يتقنها إن وجد معلماً مخلصاً. والأمل كبير ـ الآن ـ في أن يلتقي كل المسلمين على لغة واحدة ، كما التقوا على عقيدة واحدة.
إن رسـول الإسـلام صلى الله عليه وسلم عالمي الدعوة وإن كان عربي اللسان والجنس.
وإن الإسلام الحنيف عالمي التوجيه والسلطان وإن كانت لغة تنزيله عربية ورسوله عربياً ، ورواده الأوائل عرباً.
------------------
(1) رددنا على هذه الادعاءات في " الإسلام في مواجهة الاستشراق في العالم " مرجع سبق ذكره.
(2) سفر التثنية: الإصحاح (33) الفقرات (1-2).
(3) سفر التكوين (21 - 21).
(4) سفر التثنية: الإصحاح (18) الفقرات (18 - 19).
ويكون المعنى عليه: كيف أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم ؟ أي لا أفعل هذا.
(5) الجمعة: 2.
(6) البقرة: 129.
(7) المزمور (45) الفقرات (2 - 17) مع الحذف اليسير. (8) الأنبياء: 107.
(9) مكان النقط هنا كلام لم نذكره هو " قدوس إسرائيل لأنه مجدك " ؟! وهذا مقطع مضاف بكل تأكيد والهدف منه صرف الكلام عن معناه الظاهر!!
(10) سفر أشعياء الأصحاح (60) الفقرات (4-12) مع حذف يسير.
(11) القصص: 57.
(12) (3 ـ3 ـ15) مع الحذف.
(13) الإصحاح (3) الفقرة (2).
(14) الإصحاح (4) الفقرة (17).
(15) الإصحاح (6) الفقرة (9ـ10).
(16) الإصحـاح (11) الفقـرة (2).
(17) الإصحاح (9) الفقرة (2).
(18) الإصحاح (1) الفقرة (14 ـ15).
(19) هذا إيضاح وليس من النص.
(20) الإصحاح (14) الفقرات (24 ـ 26).
(21) الإصحاح (16) الفقرتان (7 ـ8).
(22) الإصحاح (16) الفقرة (13).
(23) مريم: 34.
(24) الإصحاح (15) فقرتا (26 ـ 27).
(25) انظر كتاب " إظهار الحق " ص 528 للشيخ رحمت الله الهندي تحقيق الدكتور أحمد حجازي السقا. نشر دار التراث.
الحلقة السابعة والثمانون
لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ( 1 )
رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصورة العملية التطبيقية لهذا الدين، ويمتنع أن تعرف دين الإسلام ويصح لك إسلامك بدون معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف كان هديه وعمله وأمره ونهيه.
لقد سالم وحارب، وأقام وسافر، وباع واشترى، وأخذ وأعطى، وما عاش صلى الله عليه وسلم وحده، ولا غاب عن الناس يوماً واحداً، ولا سافر وحده.
وما أصيب المسلمون إلا بسبب الإخلال بجانب الاقتداء به صلى الله عليه وسلّم، والأخذ بهديه، واتباع سنته، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ******.
حتى اكتفى بعض المسلمين من سيرته صلى الله عليه وسلّم بقراءتها في المنتديات والاحتفالات ولا يتجاوز ذلك إلى موضع الاهتداء والتطبيق.... وبعضهم بقراءتها للبركة أو للاطلاع على أحداثها ووقائعها أو حفظ غزواته وأيامه وبعوثه وسراياه.
وهذا راجع إما لجهل بأصل مبدأ الاتباع والاهتداء والاقتداء وعدم الإدراك بأن هذا من لوازم المحبة له صلى الله عليه وسلم، وإما لعدم إدراك مواضع الاقتداء من سيرته صلى الله عليه وسلم نظراً لضعف الملكة في الاستنباط أو لقلة العلم والاطلاع على كتب أهل العلم.
وهنا تأتي أهمية استخراج الدروس واستنباط الفوائد والعظات واستخلاص العبر من سيرته صلى الله عليه وسلم.
إن السيرة النبوية لا تدرس من أجل المتعة في التنقل بين أحداثها أو قصصها، ولا من أجل المعرفة التاريخية لحقبة زمنية من التاريخ مضت، ولا محبة وعشقاً في دراسة سير العظماء والأبطال، ذلك النوع من الدراسة السطحية إن أصبح مقصداً لغير المسلم من دراسة السيرة، فإن للمسلم مقاصد شتى من دراستها، ومنها:
أولاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو محل القدوة والأسوة، وهو المشرع الواجب طاعته واتباعه قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجٌو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً****** (الأحزاب: 21)، وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا****** (النور: 54)، وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله****** (النساء: 80)، وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ****** (آل عمران: 31).
فهو التجسيد العملي والصورة التطيبقية للإسلام، وبدونها لا نعرف كيف نطيع الله تعالى ونعبده.
فسيرته صلى الله عليه وسلم يستقي منها الدعاة أساليب الدعوة ومراحلها، ويتعرفون على ذلك الجهد الكبير الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل إعلاء كلمة الله، وكيف التصرف أمام العقبات والصعوبات والموقف الصحيح أمام الشدائد والفتن.
ويستقي منها المربُّون طرق التربية ووسائلها.
ويستقي منها القادة نظام القيادة ومنهجها.
ويستقي منها الزهَّاد معنى الزهد ومقاصده.
ويستقي منها التجَّار مقاصد التجارة وأنظمتها وطرقها.
ويستقي منها المبتلون أسمى درجات الصبر والثبات وتقوى عزائمهم على السير على منهجه والثقة التامة بالله عز وجل بأن العاقبة للمتقين.
ويستقي منها العلماء ما يعينهم على فهم كتاب الله تعالى، ويحصلون فيها على المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، وبها يدركون الناسخ والمنسوخ وأسباب النـزول وغيرها وغيرها من المعارف والعلوم.
وتستقي منها الأمة جميعاً الآداب والأخلاق والشمائل الحميدة.
ولهذا قال ابن كثير: «وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به، والاعتبار بأمره، والتهيؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن علي عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول: كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدي: وسمعت محمد بن عبدالله يقول: سمعت عمي الزهري يقول: في علم المغازي علم الآخرة والدنيا» .
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها».
وقال علي بن الحسين: «كنا نعلم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن»
لقد خلف التاريخ عظماء وملوكاً وقُوَّاداً، وشعراء، وفلاسفة، فمن منهم ترك سيرة وأسوة يؤتسى بها في العالمين؟ لقد طوى التاريخ ذكرهم فلم يبق منه شيء وإن بقيت بعض أسمائهم.
لقد أصبحت سير كثير من العظماء أضحوكة للبشر على مدار التاريخ كله
فأين نمرود الذي قال لإبراهيم: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ******؟! (البقرة: 258) وأين مقالة فرعون وشأنه الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى****** (النازعات: 24)، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي******؟! (القصص: 38).
إن هؤلاء العظماء في زمانهم يسخر منهم اليوم الصغير والكبير والعالم والجاهل، فإن كانوا دلسوا على أقوامهم في زمنهم واستخفوا بهم فأطاعوهم؛ فقد افتضح أمرهم بعد هلاكهم، وأصبحوا محل السخرية على مدار الزمان.
إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بإخراج الناس من ظلمات الشرك والأخلاق وفساد العبادة والعمل إلى نور التوحيد والإيمان والعمل الصالح: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً****** (الأحزاب:45-46)
ثانياً: ندرس السيرة ليزداد إيماننا ويقيننا بصدقه، فالوقوف على معجزاته ودلائل نبوته مما يزيد في الإيمان واليقين في صدقه صلى الله عليه وسلم، فدراسة سيرته العطرة وما سطرته كتب السيرة من مواقف عظيمة، وحياة كاملة كريمة، تدل على كماله ورفعته وصدقه.
ثالثاً: ولينغرس في قلوبنا حبه، فما حملته سيرته من أخلاق فاضلة، ومعاملة كريمة، وحرصه العظيم على هداية الناس وصلاحهم وجلب الخير لهم، وبذل نفسه وماله في سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة، وما كان من حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته في إبعادها عما يشق عليها ويعنتها
الحلقة الثامنة والثمانون
لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ( 2 )
فهو الوحيد في التاريخ الذي تقتدي به في كل شيء
- إذا كنت غنيا ثريا فاقتد بالرسول عندما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز و الشام ، و حين ملك خزائن البحرين ...
- و إن كنت فقيرا معدما فلتكن لك أسوة به و هو محصور في شعب أبي طالب، و حين قدم إلى المدينة مهاجرا إليهـا مـن وطنه و هو لا يحمل من حطام الدنيا شيئا ...
- و إن كنـت ملكـا فاقتـد بـسنته و أعمالـه حـين ملـك أمـر العـرب، و غلـب علـى آفـاقهم و دان لطاعتـه عظمـاؤهم، و ذووا أحلامهم ...
- و إن كنت رعية ضعيفة فلك في رسول الله أسوة حسنة، أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين ..
- و إن كنت فاتحا غالبا فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوه في بدر و حنين و مكة ...
- و إن كنت منهزما لا قدر الله ذلك، فاعتبر به في يوم أحد و هو بين أصحابه القتلى و رفقائه المثخنين بالجراح ...
- و إن كنت معلما فانظر إليه و هو يعلم أصحابه في المسجد ...
- وإن كنت تلميذا متعلما فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا ...
- و إن كنت واعظا ناصحا و مرشدا أمينا فاستمع إليه و هو يعظ الناس على أعواد المسجد النبوي ...
- و إن كنت يتيما فوالده توفي قبل أن يولد ووالدته توفت و هو ابن ست سنوات ...
- و إن كنت صغير السن فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية ...
- و إن كنت شابا فاقرأ سير راعي مكة ...
- و إن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع فلاحظ شؤون سيد القافلة التي قصدت بصرى ...
- و إن كنت قاضيا أو حكما فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محلـه و قـد كـاد رؤساء مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرة أخرى وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين النـاس بالعـدل يـستوي عنـده منهم الفقير المعدم و الغني المثري ...
- و إن كنت زوجا فاقرأ السيرة الطاهرة و الحياة النزيهة لزوج خديجة و عائشة.و إن كنت أبا لأولاد فتعلم ما كـان عليـه والـد فاطمة الزهراء و جد الحسن و الحسين ...
و أيا من كنت، و في أي شأن كان، فإنك مهما أصبحت أو أمسيت و على أي حال بت أو أضحيت فلك في حياة محمد هداية حسنة وقدوة صالحة تضيء لك بضوئها ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك .
الحلقة التاسعة والثمانون
لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ( 3 )
ميزات السيرة النبوية وخصائصها
أولاً: أنها معلومة ومسجلة ولم يخف منها شيء، فما ترك علماء الإسلام على مر التاريخ باباً من أبواب السيرة إلا وقد ألفوا فيه مؤلفاً مستقلاً، شمل ذلك دقائقها وجزئياتها حتى أصبح المسلم عند قراءته لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يعايشه ويشاهده تماماً لوضوحها وشمولها.
وسيأتي بيان ذلك في الحديث عن مصادر السيرة النبوية، ويكفي أن تعلم أن عدد ما ألف في السيرة النبوية في اللغة الأوردية -وهي لغة حديثة- يزيد عن ألف كتاب، وعدد ما ألف في اللغات الأوربية في القرن نفسه يزيد ألف وثلاثمائة كتاب، هذا في القرن الثالث عشر
ثانياً: ما تميزت به من الصدق والأمانة في نقلها، فقد حظيت ضمن ما حظيه الحديث من التمحيص والتحقيق والمقارنة والتثبت من النقلة ومعرفة الصحيح منها من الضعيف، فأصبحت أصح سيرة نقلت إلينا عن نبي أو عظيم.
ثالثاً: أن رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق مع خلودها.
فسيرته قدوة وأسوة لكل البشر قد ساوت بين الملوك والسوقة، سيرة ينتفع بها صغار الناس وكبارهم، فهم في دين الله سواء قد رفع من شأن الجميع.
عالمية الرسالة و ركيزة الدعوة
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً»
إن الإنسانية كلها تتطلع إلى مثل أعلى تقتدي به، ولن تجد سيرة -لعظيم أو نبي- معلومة كاملة شاملة غير سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
إن أي دين لا يقوم على ركيزتين: حقوق الله، وحقوق البشر لا يمكن أن ينقذ البشرية ويقودها إلى الصلاح والنجاة والسعادة والكمال.
والديانات الآن قسمين:
1- ما ليس فيه ذكر لله البتة مثل البوذية والديانات الصينية
2- من تؤمن بوجود الله تعالى، لكن لا يعرف الإنسان فيها كيف يعتقد بربه؟ وبأي صفة يصفه؟ وبأي شكل تتجلى العقيدة في الله عز وجل؟
أما حقوق البشر فابحث في جميع الأديان هل تجد تفصيلاً للحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن الحياة السياسية والعلاقات الدولية، والشئون الاقتصادية، تفحص في سير جميع الأنبياء والعظماء هل تجد إجابة على هاتين الركيزتين؟ من المؤكد أنك لن تصل إلى نتيجة إلا في دين الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
السيرة وأخلاق الرسول
إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقض وقته بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أغلب عمره بين ألد أعدائه.. المشركين، وفي آخر عمره كان يجاوره اليهود والمنافقون، فلم يستطيعوا أن يرموه بنقيصة في أخلاقه وشمائله وصدقه، على الرغم من حرصهم الشديد بالبحث والتنقيب عنها، فقد رماه أهل مكة بالألقاب السيئة وعيَّروه بالأسماء القبيحة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقدحوا في شيء من أخلاقه، أو يدنسوا عرضه الطاهر رغم إنفاقهم أموالهم وإزهاقهم أرواحهم في عدائه، قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ****** (الأنعام:33).
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس في صعود النبي صلى الله عليه وسلم الصفا لتبليغ الناس حيث قال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقاً»
خامساً: شمولها لجميع نواحي الحياة مع الوضوح التام فيها.
لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بين صحابته وتزوج بتسع نسوة، وأمر أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، وقال: «بلغوا عني ولو آية» رواه البخاري (3274) وقال: «نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع» رواه الترمذي (2657) وصححه الألباني ورواه البخاري بمعناه وما سافر وحده قط، ولا اعتزل الناس في يوم من الأيام أبداً، وقد تضافر الصحابة على نقل كل شيء عنه، بل تفرغ عدد منهم للرواية والمتابعة له كأهل الصفة.
لقد وصفوه في قيامه وجلوسه، وكيف ينام، وهيئته في ضحكه وابتسامته، وكيف اغتساله ووضوؤه، وكيف يشرب ويأكل وما يعجبه من الطعام، ووصفوا جسده الطاهر كأنك تراه، حتى ذكروا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته، ولمحة في كتاب من كتب السيرة والشمائل تجد العجب من هذا الشمول وهذه الدقة في الوصف والنقل
سادساً: أنها بعمومها لم تتعد القدرة البشرية، أي أنها لم تتكىء على الخوارق، أو قامت فصولها على معجزة من المعجزات خارجة عن قدرات البشر. بل إنه من السهل التعرف عليها وتطبيقها، والاقتداء بها، فهي ليست مثالية التطبيق.
الحلقة التسعون: لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ( 4 )
محمد صلى الله عليه وسلم عظيم في كل شيء
و هو بعد ذلك عظيم في كل شيء ...عظيم في كل المجالات و الميادين
عظيم في أخلاقه
"ما غضب رسول الله قط "
"ما أخلف رسول الله عهدا قط "
"ما انتقم رسول الله لنفسه قط "
"ما ضرب رسول الله امرأة قط "
"ما كذب رسول الله قط "
.قبل البعثة كان الصادق الأمين، و بعد البعثة تصفه أمنا عائشة فتقول : "كان خلقه القرآن" أخرجه أحمد (25302) إسناده صحيح على شرط الشيخين
عظيم في رؤيته السياسية
يوم قال بعد غزوة الخندق :" اليوم نغزوهم و لا يغزوننا "أخرجه البخاري (4110،4109)
عظيم في روحانيته
كان يصلي حتى تتورم قدماه و يقول: " أفلا أكون عبدا شكورا ؟ "
متفق عليه
عظيم في عفوه عن أعدائه
"اذهبوا فأنتم الطلقاء "ضعفه الألباني السلسلة الضعيفة (1163)
عظيم في بث الأمل في نفوس الناس
"و الله ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل و النهار، حتى تخرج المرأة من الحيرة وحدها إلي البيت لا تخشى إلا الله."
أخرجه أحمد (16957) وإسناده صحيح على شرط مسلم
عظيم في شجاعته
يوم قال :" أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب "يوم حنين.
متفق عليه
عظيم في قدرته على تجميع الناس من حوله
… يعرف قدرات الناس، و يضع كل واحد منهم في مكانه الصحيح.
عظيم مع الشباب
يجمع شباب الصحابة و ينظم لهم مسابقة في رمي السهام، و يقول:
ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميـا وأنا مع فلان و فلان ضد فلان وفلان...
فظل فريق النبي يرمي والفريق الآخر لا يرمي فقال لهـم : مـا لكـم لا ترمـون؟ فقـالوا :
كيف نرمى و أنت معهم ؟؟ فقال: ارموا و أنا معكم جميعا .متفق عليه
عظيم في عين زوجته
شـــهادة خديجـــة زوجتـــه "كـــلا و الله لا يخزيـــك الله أبـــدا. متفق عليه
الحلقةالحادية و التسعون
لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ( 5 )
فقه السيرة النبوية
ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية وفقهها مجرد الوقوف علي الوقائع التاريخية ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث, ولذا فلا ينبغي أن نعتبر دراسة فقه السيرة النبوية من جملة الدراسة التاريخية شأنها شأن الاطلاع علي سيرة خليفة من الخلفاء أو عهد من العهود التاريخية الغابرة
وإنما الغرض منها أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلي الله عليه وسلم بعد أن فهمها مبادئا وقواعدا وأحكاما مجردة في الذهن
أي أن دراسة السيرة النبوية ليست سوي عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة في مثلها الأعلي محمد صلي الله عليه وسلم
وإذا أردنا أن نجزئ هذا الغرض ونصنف أجزاءه, فإن من الممكن حصرها في الأهداف التفصيلية التالية :
1- فهم شخصية الرسول صلي الله عليه وسلم (النبوية ) من خلال حياته وظروفه التي عاش فيها للتأكد من ان محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن عبقريا سمت به عبقريته بين قومه ولكنه قبل ذلك رسول أيده الله بوحي من عنده وتوفيق من لدنه.
2- أن يجد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلي في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة كي يجعل منها دستورا يتمسك به ويسير عليه. ولا ريب أن الإنسان مهما بحث عن مثل أعلي في ناحية من نواحي الحياة, فإنه واجد كل ذلك في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم علي أعظم ما يكون من الوضوح والكمال, ولذا جعله الله قدوة للإنسانية بأسرها إذ قال ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ).
3- أن يجد الإنسان في دراسة سيرته عليه الصلاة والسلام ما يعنيه علي فهم كتاب الله تعالي وتذوق روحه ومقاصده إذ أن كثيرا من آيات القرآن إنما تفسرها وتجليها الأحداث التي مرت برسول الله صلي الله عليه وسلم و مواقفه منها.
4-أن يتجمع لدي المسلم من خلال دراسة سيرته صلي الله عليه وسلم أكبر قدر من الثقافة والمعارف الإسلامية الصحيحة سواء ما كان منها متعلقا بالعقيدة أو الأحكام أو الأخلاق إذ لا ريب في أن حياته عليه الصلاة والسلام إنما هي صورة مجسدة نيرة لمجموع مبادئ الإسلام وأحكامه.
5- أن يكون لدي المعلم والداعية الإسلامي نموذج حي عن طرق التربية والتعليم فلقد كان محمدا صلي الله عليه وسلم معلما ناضجا ومربيا فاضلا لم يأل جهدا في تلمس أجدي الطرق الصالحة في التربية والتعليم خلال مختلف فترات دعوته, وإن من أهم ما يجعل سيرته صلي الله عليه وسلم وافية بتحقيق هذه الأهداف كلها أن حياته عليه الصلاة والسلام شاملة لكل النواحي الانسانية والاجتماعية التي توجد في الإنسان من حيث أنه فرد مستقل بذاته, أو من حيث أنه عضو فعال في المجتمع. فحياته عليه الصلاة والسلام تقدم إلينا نموذج سام للشاب المستقيم في سلوكه الأمين مع قومه وأصحابه كما تقدم النموذج الرائع للإنسان الداعي إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة, الباذل منتهي الطاقة في سبيل إبلاغ رسالته, ولرئيس الدولة الذي يسوس الأمور بحذق وحكمة بالغة, وللزوج المثالي في حسن معاملته, وللأب في حنو عاطفته مع تفريق دقيق بين الحقوق والواجبات لكل من الزوجة والأولاد, وللقائد الحربي الماهر, والسياسي الصادق المحنك, وللمسلم الجامع في دقة وعدل بين واجب التعبد والتبتل لربه والمعاشرة الفكهة اللطيفة مع أهله وأصحابه.
الحلقةالثانية و التسعون
لماذا ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ ( 6 )
المنهج العلمي في رواية السيرة النبوية
من المعلوم أن كتابة السيرة النبوية من عموم ما يسمي تاريخا, وإن كانت السيرة النبوية كما أوضحنا منطلقا للتاريخ وحافزا علي رصد الوقائع والأحداث التي دخلت قبلها, والتي جاءت متسلسلة علي أعقابها ولكن.. علي أي منهج اعتمد كتاب السيرة في تاريخها وتدوينها؟ لقد كان منهجهم المعتمد في ذلك اتباع ما يسمي اليوم بالمذهب الموضعي في كتابة التاريخ طبق قواعد علمية سنشير إليها.
ومعني هذا أن كتاب السيرة النبوية وعلماءها لم تكن وظيفتهم بصدد أحداث السيرة إلا تثبيت ما هو ثابت منها بمقياس علمي في قواعد مصطلح الحديث المتعلقة بكل من السند والمتن وفي قواعد الجرح والتعديل المتعلقة بالرواة وتراجمهم وأحوالهم.
فإذا انتهت بهم هذه القواعد العلمية إلي أخبار ووقائع وقفوا عندها ودونوها دون أن يقحموا تصوراتهم الفكرية أو انطباعاتهم النفسية أو مألوفاتهم الببيئية إلي شيء من تلك الوقائع بأي تلاعب أو تحوير
قد كانوا يرون أن الحادثة التاريخية -التي يتم الوصول إلي معرفتها ضمن نفق من هذه القواعد العلمية التي تتسم بمنتهي الدقة- حقيقة مقدسة يجب أن تجلي أمام الأبصار والبصائر كما هي, كما كانوا يرون أن خيانة لا تغتفر أن ينصب من التحليلات الشخصية والرغبات النفسية -التي هي في الغالب من انعكاسات البيئة ومن ثمار العصبية- حاكم مسلط يستبعد منها ما يشاء ويحور فيها كما يريد ضمن هذه الوقاية من القواعد العلمية وعلي ذلك الأساس من النظرة الموضوعية للتاريخ وصلت إلينا سيرة المصطفي صلي الله عليه وسلم بدءا من ولادته ونسبه إلي طفولته فصبوته اليافعة إلي الإرهاصات الخارقة التي صاحبت مراحل طفولته وشبابه إلي بعثته وظاهرة الوحي التي تجلت في حياته إلي أخلاقه وصدقه وأمانته إلي الخوارق والمعجزات التي أجراها الله تعالي علي يده إلي مراحل الدعوة التي سار فيها لتلبية أمر ربه من سلم فدفاع فجهاد مطلق حيثما طاف بالدعوة إلي الله تعالي
لقد كان العمل التاريخي إذن بالنسبة إلي هذه السلسة من سيرته صلي الله عليه وسلم ينحصر في نقلها إلينا محفوظة مكلوءة ضمن تلك الوقاية العلمية التي من شأنها ضبط الرواية من حيث الإسناد واتصاله, ومن حيث الرجال وتراجمهم, ومن حيث المتن أو الحادثة وما قد يطوف بها من شذوذ ونحوه
أما عملية استنباط النتائج والأحكام والمبادئ والمعاني من هذه الأخبار (بعد القبول التام لها) فعمل علمي آخر لا شأن له بالتاريخ وما ينبغي أن يمزج به بحال من الأحوال, إنه عمل علمي متميز ومستقل بذاته ينهض بدوره علي منهج و قواعد أخري من شأنها أن تضبط عملية استنباط النتائج والمبادىء من تلك الأحداث ضمن قالب علمي يقصيها عن سلطان الوهم وشهوة الإرادة النفسية التي يعبر عنها أمثال وليم جيمس بإرادة الاعتقاد من هذه القواعد القياس الاستقرائي وقانون الالتزام بأنواعه المختلفة والدلالات بأنواعها.
ولقد استنبطت من أحداث السيرة النبوية -طبقا لهذه القواعد- أحكام كثيرة, منها ما يتعلق بالاعتقاد واليقين, ومنها ما يتعلق بالتشريع والسلوك. والمهم في هذا الصدد أن نعلم بأنها جاءت منفصلة عن التاريخ وتدوينه بعيدة عن معناه ومضمونه, وإنما كانت نتيجة معاناة علمية أخري نهضت في حد وجودها علي البنيان التاريخي الذي قام بدوره علي القواعد التي ذكرناها.
الحلقة الثالثة والتسعون : صرخة قلم
صرخةٌ دوَّت فضجَت منها مسامعي ...
وأفجعتْ قلبي .. ففزعتُ من نومي وتلاشت كلُ الأحلام ِ..
وأخذتُ أُقلَبُ رأسي.. وأنظرُ من ذا الذي بصراخِهِِ أفجعني والناسُ نيام ..
إنه يصيح ويبكي كالأيتام ِِ ..
أطرقتُ أنصتُ لنحيبهِ ..من أينَ مصدرُه يا ترى ؟!
فإذا بصرخةٍ أُخرى تهز ُ تلك َ الأدراج ِ .. وتُرجِفُ في بيتي كلَ الأركان ِ ..
فبادرتُ إليها مسرعاً .. وفتحتُها .. فإذا بدفاتري وأوراقي مضطربة وكأن بها زلزالٌ .. بل بُركان ..
بعضُها فوقَ بعضِ .. من تحتِها حبرٌٌ يسيلُ سيلانَ دموع ِِ الأحزان ِِ ...
وإذا بصوت ِ الأنين ِ يزيد ُ ..!؟
فَهُلِع قلبي .. وَذُهِل عقلي .. وأرتجفَ جسمي .. ما الذي يجري ..!؟
أيعقل ُ تحت َ الورق ِ مصدرُ البكاء ِ ..!؟
كيف َ ذلك وكل َ ما في أدراجي جماد في جماد .!!
تمالكتُ نفسي .. وكتمت ُ أنفاسي .. ورفعت ُ أوراقي ...فزاد َ البكاء ُ ...!
فيالله ... يا الله .. يا الله .. أيعقل ُ !! إنه قلمي هو البكّاء ُ ..؟
يا الله هذا الجماد ُ ما أبكاهُ ..؟
وهذا الحبر ُ ما أجراهُ..؟
فرفعتُه وضممتُه بين كفي أواسيه وأرعاه ؟
وحبره يسيلُ على يدي .. وقطراتٌ من حبرِه تتساقطُ على أوراقي...؟
فلمَّا هدأ
سألتُه :
يا قلمي قل لي بالذي خلق القلم ما الذي أبكاكَ..؟
يا قلمي ما الذي بعث فيك الأحزانُ ؟
يا قلمي ما الذي حرك فيك الأشجانُ ؟
قال القلم :
ضمَني بيدك .. فقد أعياني الصمت ُ فيك..
ضمني وأسكبْ الحبر َ على الورق ِ ...
ودعْ الحروف َ تخط ُ الآهات ِ التي فيني ..
ودعْ كلماتي تنطقُ بما يُبكيني ...
ودع عباراتي تبوح بما يكويني ..
قد هالني أمره .. وأفزعني حسه .. وأحزنني دمعه ..
فأدنيت ُ مني الورق .. وأمسكت بقلمي الذي من هول ما فيه أحترق ..
فقلت له متعجباً :
عجباً لك يا جمادُ ..! كيف لك أن تُحِسَّ كما يحسُّ العباد ُ ..!؟
فقال :
آآه ثم آآه وكيف َ لا أُحسُّ .. وكيف َ لا أبكي .. وكيفَ لا أحزن .. وكيفَ لا أغاااارُ يا أمة َ المليارِ
لا تَعْجبْ مني وإن كنت ُ جماداً..!
فأنا أبكي حبيباًَ تحركت من أجله الأرضُ .. والأشجارُ .. والدوابُ..
أبكي حبيباً من أجله بكى جذعُ منبرهِ حنيناً لفراقِه وما سكت َ وما استكان َ حتى ضمَّه واعتنقًه ..أوليسَ جماداً !؟
أبكي حبيباً في كفِهِ الطاهرِ سبَّحَ الحصى ..أوليسَ جماداً !؟
أبكي حبيباً أمامَه نطقَ الذراع ُ خوفاًَ عليه وقال إني مسمومٌ فلا تأكلني..أوليس الطعامُ جماداً !؟
أبكي حبيباً من أجله نطقَ الحجرُ والشجرُ يُلقونَ عليه السلام َ...أوليسوا جمادا !؟
هل يكفي هذا ؟ أم أزيدُ يا كاتبي .. لتعرفَ من لأجلِهِ تحركَ إحساسي .. ونطقتْ من أجلِه كلماتي ...
وصرخت ُ أنثرُ أحباري .. يا أيها الراقدُ في المنام ِ..؟
فقلت له :
وكيف لا أعرفُهُ وأنا من هديِهِ أرتوي ..
ومن سنتِه أقتفي ..
ومن سيرتِه أستقي ..
إنه الحبيب ُ .. إنه المختارُ .. إنه المصطفى ... إنه محمد عليه أفضل ُ صلاةٍ وأتم ُ تسليم ٍ ...
رسولُنا الذي زوى الله له الأرضَ حتى رأى مشرقَها ومغربَها بعضَها فوق بعضٍ...
هو قدوتُنا وأسوتُنا ومعلمُنا ومرشدُنا وقائدُنا وأستاذُنا
لقد أبكيتني يا قلمُ ..وزدتني شوقاً إليه..
فإذا به ينظر إلي بحرقةٍ
فسألته :
هل من خطبٍ جديدٍ؟
فعادَ يكتبُ ويقول:
أوما سمعتَ يا كاتبي عن الذين منه يسخرون .!؟
أوما سمعتَ عن الذين من دينه يستهزؤون..!؟
أوما علمتَ عن الذين بأقبح ِ الأوصاف ِ له يرسمون ..؟
قاطعته وقلت :
بلى بلى يا قلمي
قرأت ُ وسمعت ُ عن البقر ِ ..! عفواً عن رعاة ِ البقر ِ وهم أضلُُ من البقر ِ..!؟
فقال لي متهجماً :
أومااااااااااااااااا ااا تغارررررررر يا واحداً من المليار ... وتثأر لحبيبك من هؤلاءِ الكفار..؟
أوما سمعتَ أن شيخاً يقول ُ بأنه رأى الحبيب َ المصطفى في المنام ِ غضبانٌ على من سكت َ وما غارَ وما ثارَ ؟
وأنه تبسم لمن ناصرَه وآزرَه..؟
طأطأت ُ رأسي حينها...وسالت من عينيَّ دمعاتٌ ...
وخرجت من نفسي آهات ٌ وزفراتٌ ...
ونظرتُ إليه بِطرْف ِ عيني ثم نطقت ُ
أقول..:
آآآهِ يا قلمي ...ثم آآه...على تلك الأقلام ِ...
إني والله ِ لأشدُّ غضباً من هؤلاء ِ الأقزام ِ...
ولكن أنت يا قلمي المُلام ...
أوما سمعتَ عن الذين سبُوا الإلهَ قبلَ رسولِنا ... ونالوا من شرعِنا في ما مضى من الأيام ِ..؟
أو ما قرأتَ حروفَهم .. أوما سمِعت َ كلامهم.. أوما رأيت نعيقَهم .. عبرَ وسائل ِ الإعلام ِ.؟
سخِروا من الباري
واستهزؤوا برسولِنا الهادي
وضحكوا من ديني الغالي
ومزقوا قرأني
حتى قال أحدهم ..(( الله والشيطان وجهان لعملة واحدة )) ...
أين أنت من بني علمان ؟ ... أين أنت ممن يلبس ُ لباسَ الإسلامِ وهم فيهم يطعنون ليلَ نهار..؟
أين أنت من أؤلئك الذين
بكفرِ صحابة ِ رسولنا يُصرَحون
وبالشرك يصدعون ..
وبالسخرية والاستهزاء من السنة ِ يصدحون ..؟
وفي أمهات ِ المؤمنين يطعنون ؟
فجأة نظرتُ إليه بحدةٍ
وقلتُ:
ما بك يا قلم اِكتب .. تكلم .. لمَ السكوت ُيا صاحبَ الغيرة ؟
فقال :
ماذا عساي أن أقول .. لقد أفحمتني .. وأحييت في قلبي الجراح ..
وأصابني اليأس من تكالب الأعداء من كل ِ حدبٍ وصوب ٍ
قاطعته مرتلاً وبصوت الواثق
وقلت :
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ****** (110) سورة يوسف
وقلت له لا تيأسْ يا قلم ما دام فينا أميرٌ يستدعي
وعالم ٌ يفتي ..
وداعية ٌيوجه ..
وخطيب ٌ ينادي ..
وشاعر ٌ ينظم ..
وتاجرٌ يقاطع ..
ومنشدٌ يشدو..
وامرأة ٌ تربي ..
وإعلام ُ مجدٍ للمجد ِ يرنو ويرقى..
ولا تحزن فالخير في أمتنا باقٍ وإن غَفَل َ الكثيرُ .. وقام لنصرته القليل ُ ..
فضمني يا قلمي بقوة ٍ .. وشُدَّ من أزري كما شددت ُ عليك كفي ...
واكتب للناس ِ أجمعين إننا للعزة ِقادمون .. وللنصر ِ متهيئون ..
وأبشَرك يا قلمي .. أنا ومن معي من الدعاة ِ لن نسكت َ على رعاة ِ الأبقار
لن ننسى ما يخططه بنو علمان والمنافقون الفجار
ولن تستكين نبضات قلوبنا حتى نرى ذلة الكفار ...
وستطلق نبضات قلوبنا التي هتفت بحب الله ورسوله حملة شعارها
...(( المليار مع محمد ))...
من موقع نبض الوفاء
ضد َحملة ِ المليون التي أطلقوها ... لتشويه صورة أشرف الخلق محمد صلى الله وعليه وسلم
وبذلوا لها الغالي والنفيس ليصدوا عن سبيل الله
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ****** (36) سورة الأنفال
فكما حشدوا مليون منصّر ٍ لتشويه صورةِ رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم
سنحشد بإذن الله مليارَ داعية ٍ .. يتبعون ملة محمدٍ .. ويتخلقون بخلق ِ محمد ٍ ..
ويعيشون حياة َ محمد ٍ..
ويجاهدون جهاد َ محمد ٍ ... ويأخذون سنةَ محمد ٍ... ويتشبهون بشكل ِ محمد ٍ .. وينصرون محمداً..
وما حادثة ُ الدنمارك إلا واحدةً مما يخططون له .. ولكنها أيقظت العملاقَ في نفوسِنا ..
ولعلها تكون ُ بداية َ الانطلاقة ِ ...
فاملأ الحبر يا قلمُ ... وأستعد للتصدي لكل ناعق ٍ ... وكن للخير سابقاً ...
وللشر ساحقا ..
لعلك تكون ُ سبباً في رضى الرحمن ِ .. فيدخلني الجنان ..
الحلقة الرابعة والتسعون :
بأبي أنت وأمي يا رسول الله
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
صلى عليك الله يا علم الهدى *** واستبشرت بقدومك الأيامُ
هتفت لك الأرواح من أشواقها *** وازينــت بحديثك الأقلامُ
ما أحسن الاسم والمسمَّى ، وهو النبي العظيم في سورة عمّ ، إذا ذكرته هلَّت الدموع السواكب ، وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب .
وكنت إذا ما اشتدّ بي الشوق والجوى *** وكادت عُرى الصبر الجميل تفصمُ
أُعلِّل نفسي بالتلاقي وقربــــه *** وأوهمــها لكنّــــها تتوهم
المتعبد في غار حراء ، صاحب الشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية البيضاء ، وصاحب الشفاعة والإسراء ، له المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والحوض المورود ، هو المذكور في التوراة والإنجيل ، وصاحب الغرة والتحجيل ، والمؤيد بجبريل ، خاتم الأنبياء ، وصاحب صفوة الأولياء ، إمام الصالحين ، وقدوة المفلحين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) .
السماوات شيّقات ظِمـــاءُ *** والفضــا والنجوم والأضواءُ
كلها لهفة إلى العلَم الهــــا *** دي وشـوق لذاتــه واحتفـاءُ
تنظم في مدحه الأشعار ، وتدبج فيه المقامات الكبار ، وتنقل في الثناء عليه السير والأخبار ، ثم يبقى كنـزاً محفوظاً لا يوفّيه حقه الكلام ، وعلماً شامخاً لا تنصفه الأقلام ، إذا تحدثنا عن غيره عصرنا الذكريات ، وبحثنا عن الكلمات ، وإذا تحدثنا عنه تدفق الخاطر، بكل حديث عاطر ، وجاش الفؤاد ، بالحب والوداد ، ونسيت النفس همومها ، وأغفلت الروح غمومها ، وسبح العقل في ملكوت الحب ، وطاف القلب بكعبة القرب ، هو الرمز لكل فضيلة ، وهو قبة الفلك للخصال الجميلة ، وهو ذروة سنام المجد لكل خلال جليلة .
مرحباً بالحبيب والأريب والنجيب الذي إذا تحدثت عنه تزاحمت الذكريات ، وتسابقت المشاهد والمقالات .
صلى الله على ذاك القدوة ما أحلاه ، وسلم الله ذاك الوجه ما أبهاه ، وبارك الله على ذاك الأسوة ما أكمله وأعلاه ، علَّمَ الأمة الصدق وكانت في صحراء الكذب هائمة ، وأرشدها إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة ، وقادها إلى النور وكانت في دياجير الزور قائمة .
وشبَّ طفل الهدى المحبوب متشحاً *** بالخير متزراً بالنور والنار
في كفه شعلة تهدي وفي دمـــه *** عقيدة تتحـــدى كل جبارِ
كانت الأمة قبله في سبات عميق ، وفي حضيض من الجهل سحيق ، فبعثه الله على فترة من المرسلين ، وانقطاع من النبيين ، فأقام الله به الميزان ، وأنزل عليه القرآن ، وفرق به الكفر والبهتان ، وحطمت به الأوثان والصلبان ، للأمم رموز يخطئون ويصيبون ، ويسدّدون ويغلطون ، لكن رسولنا صلى الله عليه وسلم معصوم من الزلل ، محفوظ من الخلل ، سليم من العلل ، عصم قلبه من الزيغ والهوى ، فما ضل أبداً وما غوى ، (إنْ هو إلا وحي يوحى) .
للشعوب قادات لكنهم ليسوا بمعصومين ، ولهم سادات لكنهم ليسوا بالنبوة موسومين ، أما قائدنا وسيدنا فمعصوم من الانحراف ، محفوف بالعناية والألطاف .
قصارى ما يطلبه سادات الدنيا قصور مشيدة ، وعساكر ترفع الولاء مؤيدة، وخيول مسومة في ملكهم مقيدة ، وقناطير مقنطرة في خزائنهم مخلدة ، وخدم في راحتهم معبدة.
أما محمّد عليه الصلاة والسلام فغاية مطلوبه ، ونهاية مرغوبه ، أن يُعبد الله فلا يُشرك معه أحد ، لأنه فرد صمد (لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد) .
يسكن بيتاً من الطين ، وأتباعه يجتاحون قصور كسرى وقيصر فاتحين ، يلبس القميص المرقوع ، ويربط على بطنه حجرين من الجوع ، والمدائن تُفتَح بدعوته ، والخزائن تُقسم لأمته .
إن البرية يوم مبعث أحـــمدٍ *** نظر الإله لــها فبدّل حالها
بل كرَّم الإنسان حين اختار من *** خير البريــة نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائـــد أمةٍ *** جبت الكنوز وكسَّرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نـــحوه *** لا تبتـغي إلا رضاه سعى لها
ماذا أقول في النبي الرسول ؟ هل أقول للبدر حييت يا قمر السماء ؟ أم أقول للشمس أهلاً يا كاشفة الظلماء ، أم أقول للسحاب سَلِمتَ يا حامل الماء ؟
اسلك معه حيثما سلك ، فإن سنته سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هلك ، نزل بزُّ رسالته في غار حراء ، وبيع في المدينة ، وفصل في بدر ، فلبسه كل مؤمن فيا سعادة من لبس ، ويا خسارة من خلعه فتعس وانتكس ، إذا لم يكن الماء من نهر رسالته فلا تشرب ، وإذا لم يكن الفرس مسوَّماً على علامته فلا تركب ، بلال بن رباح صار باتِّباعه سيداً بلا نسب ، وماجداً بلا حسب ، وغنيّاً بلا فضة ولا ذهب ، أبو لهب عمه لما عصاه خسر وتبَّ ، (سيصلى ناراً ذات لهب) .
الفرس والروم واليونان إن ذكروا *** فعند ذكرك أسمال على قزم
هم نـمَّقوا لوحة بالـرِّقِ هائمـة *** وأنت لوحك محفوظ من التهمِ
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وإنك لعلى خُلُق عظيم ، وإنك لعلى نهج قويم ، ما ضلَّ ، وما زلَّ ، وما ذلَّ ، وما غلَّ ، وما ملَّ ، وما كلَّ ، فما ضلَّ لأن الله هاديه، وجبريل يكلمه ويناديه ، وما زلّ لأن العصمة ترعاه ، والله أيده وهداه ، وما ذلّ لأن النصر حليفه ، والفوز رديفه ، وما غلّ لأنه صاحب أمانة ، وصيانة ، وديانة، وما ملّ لأنه أُعطي الصبر ، وشُرح له الصدر ، وما كلّ لأن له عزيمة ، وهمة كريمة ، ونفساً طاهرة مستقيمة .
كأنك في الكتاب وجدت لاءً *** محرمة عليــك فلا تحلُّ
إذا حضر الشتاء فأنت شمسٌ *** وإن حل المصيف فأنت ظلُّ
صلى الله عليه وسلم ما كان أشرح صدره ، وأرفع ذكره ، وأعظم قدره ، وأنفذ أمره ، وأعلى شرفه ، وأربح صفقة من آمن به وعرفه ، مع سعة الفناء ، وعِظَم الآناء ، وكرم الآباء ، فهو محمد الممجد ، كريم المحتد ، سخي اليد ، كأن الألسنة والقلوب ريضت على حبه ، وأنست بقربه ، فما تنعقد إلا على وده ، ولا تنطق إلا بحمده ، ولا تسبح إلا في بحر مجده .
نور العرارة نوره ونسيمــــه *** نشر الخزامى في اخضرار الآسِ
وعليه تاج محبة من ربـــه *** ما صيغ من ذهب ولا من ماسِ
إن للفطر السليمة ، والقلوب المستقيمة ، حباً لمنهاجه ، ورغبة عارمة لسلوك فجاجه، فهو القدوة الإمام ، الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام .
صلى الله عليه وسلم، علَّم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ، والجسد الصبر ، والنفس الطهر ، وعلَّم القادة الإنصاف ، والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش الكفاف ، صبر على الفقر ، لأنه عاش فقيرا ، وصبر على جموع الغنى لأنه ملك ملكاً كبيرا ، بُعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلّم من الجهالة ، وهدى من الضلالة ، ارتقى في درجات الكمال حتى بلغ الوسيلة ، وصعد في سُلّم الفضل حتى حاز كل فضيلة .
أتاك رسول المكرمـات مسلمـاً *** يريد رســـــول الله أعظم متقي
فأقبل يسعى في البساط فـما درى *** إلى البحر يسعى أم إلى الشمس يرتقي
هذا هو النور المبارك يا من أبصر ، هذا هو الحجة القائمة يامن أدبر ، هذا الذي أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل ويسر ، كانت الشهادة صعبة فسهّلها من أتباعه مصعب ، فصار كل بطل بعده إلى حياضه يرغب ، ومن مورده يشرب ، وكان الكذب قبله في كل طريق ، فأباده بالصديق ، من طلابه أبو بكر الصديق ، وكان الظلم قبل أن يبعث متراكماً كالسحاب ، فزحزحه بالعدل من تلاميذه عمر بن الخطاب ، وهو الذي ربى عثمان ذا النورين ، وصاحب البيعتين ، واليمين والمتصدق بكل ماله مرتين ، وهو إمام علي حيدرة ، فكم من كافر عفرّه ، وكم من محارب نحره ، وكم من لواء للباطل كسره ، كأن المشركين أمامه حُمُرٌ مستنفرة ، فرَّت من قسوره .
إذا كان هذا الجيل أتباع نهــــجه *** وقد حكموا السادات في البدو والحَضَرْ
فقل كيف كان المصطفى وهو رمزهم *** مـــع نوره لا تذكر الشمس والقَمرْ
كانت الدنيا في بلابل الفتنة نائمة ، في خسارة لا تعرف الربح ، وفي اللهو هائمة، فأذّن بلال بن رباح ، بحيَّ على الفلاح ، فاهتزت القلوب ، بتوحيد علاّم الغيوب ، فطارت المهج تطلب الشهادة ، وسبَّحت الأرواح في محراب العبادة ، وشهدت المعمورة لهم بالسيادة .
كل المشارب غير النيل آسنةٌ *** وكل أرض سوى الزهراء قيعانُ
لا تُنحرُ النفس إلا عند خيمته *** فالموت فوق بلاط الحب رضوانُ
أرسله الله على الظلماء كشمس النهار ، وعلى الظمأ كالغيث المدرار ، فهزّ بسيوفه رؤوس المشركين هزّاً ، لأن في الرؤوس مسامير اللات والعُزَّى ، عظمت بدعوته المنن ، فإرساله إلينا أعظم منّة ، وأحيا الله برسالته السنن ، فأعظم طريق للنجاة إتباع تلك السنة . تعلَّم اليهود العلم فعطَّلوه عن العمل ، ووقعوا في الزيغ والزلل ، وعمل النصارى بضلال ، فعملهم عليهم وبال ، وبعث عليه الصلاة والسلام بالعلم المفيد ، والعلم الصالح الرشيد .
أخوك عيسـى دعا ميْتـاً فقام له *** وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ
قحطان عدنان حازوا منك عزّتهم *** بك التشرف للتـاريخ لا بهمِ
د عائض القرني
أعظم إنسان عرفته البشرية
ذلكم رسول الله؛ صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، صاحب الغرّة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيّد بجبريل، خير الخلق في طفولته، وأطهر المطهرين في شبابه، وأنجب البشرية في كهولته، وأزهد الناس في حياته، وأعدل القضاة في قضائه، وأشجع قائد في جهاده؛ اختصه الله بكل خلق نبيل؛ وطهره من كل دنس وحفظه من كل زلل، وأدبه فأحسن تأديبه وجعله على خلق عظيم؛ فلا يدانيه أحد في كماله وعظمته وصدقه وأمانته وزهده وعفته.
اعترف كل من عرفه حق المعرفة بعلو نفسه وصفاء طبعه وطهارة قلبه ونبل خلقه ورجاحة عقله وتفوق ذكائه وحضور بديهته وثبات عزيمته ولين جانبه.
بل اعترف بذلك المنصفون من غير المسلمين؛ ومن هؤلاء:
يقول المستشرق الأمريكي (واشنجتون إيرفنج): «كان محمد خاتم النبيين وأعظم الرسل الذين بعثهم الله تعالى ليدعوا الناس إلى عبادة الله».
ويقول : البروفيسور يوشيودي كوزان ـ مدير مرصد طوكيو: (أعظم حدث في حياتي هو أنني درست حياة رسول الله محمد دراسة وافية، وأدركت ما فيها من عظمة وخلود).
ويقول عالم اللاهوت السويسري د.هانز كونج : (ـ بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم).
ويقول توماس كارليل: (قرأت حياة رسول الإسلام جيدًا مرات ومرات، فلم أجد فيها إلا الخُلُق كما ينبغي أن يكون، وكم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم).
ويقول المستشرق الفرنسي أميل ردمنغم: "... كان محمد صلى الله عليه وسلم أنموذجًا للحياة الإنسانية بسيرته وصدق إيمانه ورسوخ عقيدته القويمة، بل مثالاً كاملاً للأمانة والاستقامة وإن تضحياته في سبيل بث رسالته الإلهية خير دليل على سمو ذاته ونبل مقصده وعظمة شخصيته وقدسية نبوته".
ويقول المستشرق الإسباني (جان ليك): (أيّ رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأيُّ إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ، لقد هدم الرسول المعتقدات الباطلة التي تتخذ واسطة بين الخالق والمخلوق".
أما (وليام موير) المؤرخ الإنجليزي فيقول في كتابه (حياة محمد): "لقد امتاز محمد عليه السلام بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس وأحيى الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل نبي الإسلام محمد".
هذه مقتطفات من مواقف فلاسفة ومستشرقين أوروبيين وغربيين في حق المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم النبي الخاتم، أردنا منها إثبات أن أبناء الحضارة الغربية يقرون بدور الإسلام في بنائها وتشييد صروحها، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته الحميدة وفضله المتصل إلى يوم القيامة على البشرية في جميع أقطار المعمور، ذلك أن التعصب الأوروبي المسيحي لم يكن خطًا صاعدًا باستمرار، وإنما وجد هناك منصفون أكدوا الحقيقة بلا لف أو دوران، ولكن الثقافة الغربية السائدة والمتشبعة بقيم التعصب والعناد والتمركز الحضاري حول الذات سعت إلى حجب هذه الحقائق وإخفاء هذه الأصوات حتى لا يتمكن الشخص الأوروبي العادي من الإطلاع على ما أتبثه أبناء جلدته من الكبار في حق الإسلام ونبيه ورسالته العالمية الخالدة، وذلك كله بهدف تحقيق غرضين، الأول إبعاد الأوروبيين المسيحيين عن الإسلام الذي دلل على قدرته على التغلغل في النفوس وملامسة صوت الفطرة في الإنسان، فهو يخيف الغرب المتوجس من تراجع عدد معتنقي المسيحية في العالم ,برغم ما ينفقه من الأموال والوقت لتنصير الشعوب، والغرض الثاني ضمان استمرار الصراع بين الغرب والإسلام والقطيعة بينهما لمصلحة الصهيونية والماسونية التي تعتبر نفسها المتضرر الأول والرئيس من أي تقارب أو حوار بين الإسلام والغرب.
وفي هذه الورقات اليسيرات نكشف جانباً من جوانب عظمته, وأخلاقه الكريمة وخصاله الشريفة لعل الله يهدي بها أقواماً علم منهم الإنصاف إلى الحق، ولعله يرعوي أقوام آخرون ممن تابع عن جهل وتعصب أعمى تلك الحملة الظالمة والتشويه الكاذب لسيرة أعظم إنسان عرفته البشرية.
أخلاق أعظم إنسان:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً وأكرمهم وأتقاهم، وقد شهد له بذلك ربه جل وعلا وكفى بها فضلا؛ قال تعالى مادحاً وواصفاً خُلق نبيه الكريم صلى الله عليه وسلمhttp://www.almubashr.com/vb/images/abtesamh/icn9.gif(وَإِنّكَ لَعَلَىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ )) [القلم 4].
يقول خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه:" كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا" - رواه البخاري ومسلم.
وتقول زوجه صفية بنت حيي رضي الله عنها: "ما رأيت أحسن خلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " - رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.
وقالت عائشة لما سئلت رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: (كان خلقه القرآن) صحيح مسلم.
فهذه الكلمة العظيمة من عائشة رضي الله عنها ترشدنا إلى أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم هي اتباع القرآن، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها والبعد عن كل خلق ذمه القرآن.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً.... فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.ا.هـ
وقد جاءت صفاته وخصاله الكريمة صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الكتاب نفسها قبل تحريفها ؛ فعن عطاء رضي الله عنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا - رواه البخاري.
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله :
كان صلى الله عليه وسلم خير الناس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمته من طيب كلامه وحُسن معاشرة زوجته بالإكرام والاحترام، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) رواه الترمذي.
وكان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يرقّق اسم عائشة ـ رضي الله عنها ـ كأن يقول لها: (يا عائش )، ويقول لها: (يا حميراء) ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق) وما ذلك إلا تودداً وتقرباً وتلطفاً إليها واحتراماً وتقديراً لأهلها.
و كان صلى الله عليه وسلم يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم، وكانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي)، وتقول له: دع لي. رواه مسلم
وكان يُسَرِّبُ إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هويت شيئاً لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإِناء أخذه، فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرقت عَرقاً - وهو العَظْمُ الذي عليه لحم - أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حَجْرِها، ويقرأ القرآن ورأسه في حَجرِها، وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فَتَتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خُلُقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب.
(عن الأسود قال :سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قال : كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة) رواه مسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم - رواه أحمد.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت "خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس : اقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي حتى أسابقك فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي : تعالي أسابقك فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول هذا بتلك" رواه أحمد.
بل إنه صلى الله عليه وسلم وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها. رواه البخاري.
ومن دلائل شدة احترامه وحبه ووفائه لزوجته خديجة رضي الله عنها، إن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها (صديقاتها)، وذلك بعد مماتها وقد أقرت عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغير من هذا المسلك منه - رواه البخاري.
عدل النبي صلى الله عليه وسلم:
كان عدله صلى الله عليه وسلم وإقامته شرع الله تعالى مع القريب والبعيد والعدو والصديق والمؤمن والكافر مضرب المثل ؛ كيف لا وهو رسوله صلى الله عليه وسلم، والمبلغ عن ربه ومولاه؟!!
فكان صلى الله عليه وسلم يعدل بين نسائه ويتحمل ما قد يقع من بعضهن من غيرة كما كانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ غيورة.
فعن أم سلمة ـ رضي الله عنها أنها ـ أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة... ومعها فِهرٌ ففلقت به الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة وهو يقول: (كلوا، غارت أُمكم ـ مرتين ـ ) ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صحفة عائشة فبعث بها إلى أُم سلمة وأعطى صحفة أُم سلمة عائشة. رواه النسائي وصححه الألباني.
وقال صلى الله عليه وسلم في قصة المرأة المخزومية التي سرقت: (والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد, لقطعت يدها).
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال والصبيان:
عن أنس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم - رواه البخاري ومسلم.
و كان صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتتن أمه.
وكان صلى الله عليه وسلم يحمل ابنة ابنته وهو يصلي بالناس إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وجاء الحسن والحسين وهما ابنا بنته وهو يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما حتى ووضعهما بين يديه ثم قال صدق الله ورسوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (لأنفال:28) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
و كان صلى الله عليه وسلم إذا مر بالصبيان سلم عليهم وهم صغار وكان يحمل ابنته أمامه وكان يحمل ابنة ابنته أمامة بنت زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالناس وكان ينزل من الخطبة ليحمل الحسن والحسين ويضعهما بين يديه.
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم مع الخدم والضعفاء والمساكين:
عن أنس رضي الله عنه قال" خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا" - رواه البخاري ومسلم.
و عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمًا له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. رواه البخاري ومسلم.
و عن عائشة رضي الله عنها قالت "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم".
وعن ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتى يقضي له حاجته. رواه النسائي والحاكم.
رحمة النبي صلى الله عليه وسلم:
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)
وقال تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..) (آل عمران:159)
وعندما قيل له ادع على المشركين قال صلى الله عليه وسلم:"إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" - رواه مسلم.
و كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم من وليَ من أمرِ أمتي شيئاً، فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، و من ولي من أمر أمتي شيئاً، فرفق بهم، فارفق به)
وقال صلى الله عليه وسلم في فضل الرحمة: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه الترمذي وصححه الألباني .
وقال صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة الذين أخبر عنهم بقوله: (أهل الجنة ثلاثة - وذكر منهم- : ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم ) رواه مسلم.
عفو النبي صلى الله عليه وسلم:
عن أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت له والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنس أذهبت حيث أمرتك؟ قلت نعم، أنا أذهب يا رسول الله – فذهبت" رواه مسلم.
و عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَه مَه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، دعوه)، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن) قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه. رواه مسلم.
تواضعه صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين، يتخلق ويتمثل بقوله تعالى: (( تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ)) [ القصص 83 ].
وكان صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة الحر والعبد والغني والفقير ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر.
يتواضع للمؤمنين، يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين، ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الأطفال ويمازح الأهل ويكلم الأمة، ويواكل الناس ويجلس على التراب وينام على الثرى، ويفترش الرمل ويتوسّد الحصير، ولما رآه رجل ارتجف من هيبته فقال صلى الله عليه وسلم: "هوّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة" رواه ابن ماجه.
وكان صلى الله عليه وسلم يكره المدح، وينهى عن إطرائه ويقول: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله" أخرجه البخاري .
فكان أبعد الناس عن الكبر، كيف لا وهو الذي يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله) رواه البخاري.
كيف لا وهو الذي كان يقول صلى الله عليه وسلم: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) رواه أبو يعلى وحسنه الألباني.
كيف لا وهو القائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: (لو أُهدي إليَّ كراعٌ لقبلتُ ولو دُعيت عليه لأجبت) رواه الترمذي وصححه الألباني.
ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يجيب الدعوة ولو إلى خبز الشعير ويقبل الهدية.
عن أنس رضي الله عنه قال كان صلى الله عليه وسلم يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب - رواه الترمذي في الشمائل.
والإهالة السنخة: أي الدهن الجامد المتغير الريح من طوال المكث.
مجلسه صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم يجلِس على الأرض، وعلى الحصير، والبِساط.
عن أنس رضي الله عنه قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له" - رواه أبو داود والترمذي بلفظه.
وعن أبي أمامة الباهلي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا - رواه أبو داود وإسناده حسن.
زهده صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة، خيره الله تعالى بين أن يكون ملكًا نبيًا أو يكون عبدًا نبيًا فاختار أن يكون عبدًا نبيًا.
فكان صلى الله عليه وسلم ينامُ على الفراش تارة، وعلى النِّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رِمَالهِ، وتارة على كِساء أسود.
وكان بيته من طين، متقارب الأطراف، داني السقف، وقد رهن درعه في ثلاثين صاعًا من شعير عند يهودي، وربما لبس إزارًا ورداء فحسب، وما أكل على خوان قط.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مزمول بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عمر وناس من الصحابة فانحرف النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال: بلى قال: هو كذلك)
وكان من زهده صلى الله عليه وسلم وقلة ما بيده أن النار لا توقد في بيته في الثلاثة أهلة في شهرين .
فعن عروة رضي الله عنه قال: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها كانت تقول: والله يا ابن أختي كنا لننظر إلى الهلال ثم الهـلال ثـلاثة أهله في شهرين ما أوقـد في أبيـات رسـول الله صلى الله عليه وسلم نار، قلت: يا خالة فما كان عيشكم؟ قالت: الأسودان ـ التمر والماء ـ) رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم الشعير) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
عبادته صلى الله عليه وسلم:
كان صلى الله عليه وسلم أعبد الناس، و من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه كان عبداً لله شكوراً؛ فإن من تمام كريم الأخلاق هو التأدب مع الله رب العالمين وذلك بأن يعرف العبد حقّ ربه سبحانه وتعالى عليه فيسعى لتأدية ما أوجب الله عز وجل عليه من الفرائض ثم يتمم ذلك بما يسّر الله تعالى له من النوافل، وكلما بلغ العبد درجةً مرتفعةً عاليةً في العلم والفضل والتقى عرف حق الله تعالى عليه فسارع إلى تأديته والتقرب إليه عز وجل بالنوافل.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه إن الله تعالى قال: (... وما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه...) رواه البخاري.
فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرف حق ربه عز وجل عليه وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على الرغم من ذلك كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ ويسجد فيدعو ويسبح ويدعو ويثني على الله تبارك وتعالى ويخشع لله عز وجل حتى يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل.
فعن عبد الله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء) رواه أبو داود وصححه الألباني.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) رواه البخاري.
ومن تخلقه صلى الله عليه وسلم بأخلاق القرآن وآدابه تنفيذاً لأمر ربه عز وجل أنه كان يحب ذكر الله ويأمر به ويحث عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (لأن أقول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس) رواه مسلم.
و كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس دعاءً، وكان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) رواه البخاري ومسلم .
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل) رواه النسائي وصححه الألباني.
دعوته صلى الله عليه وسلم:
شملت دعوته عليه الصلاة والسلام جميع الخلق، فكان صلى الله عليه وسلم أكثر رسل الله دعوة وبلاغـًا وجهادًا، لذا كان أكثرهم إيذاءً وابتلاءً، منذ بزوغ فجر دعوته إلى أن لحق بربه جل وعلا .
وكانت دعوته صلى الله عليه وسلم على مراتب:
المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قومٍ ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذارُ جميع مَنْ بلغته دعوته من الجن والإِنس إلى آخر الدّهر.
وقد قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وكانت دعوته صلى الله عليه وسلم كلها رحمة وشفقة وإحساناً وحرصاً على جمع القلوب وهداية الناس جميعاً مع الترفق بمن يخطئ أو يخالف الحق والإحسان إليه وتعليمه بأحسن أسلوب وألطف عبارة وأحسن إشارة، متمثلاً قول الله عز وجل: (( ادْعُ إِلِىَ سَبِيــلِ رَبّــكَ بِالْحِكْـمَةِ وَالْمَـوْعِظَـةِ الْحَسَنَـةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... )) [ النحل:12] .
ومن ذلك لما جاءه الفتى يستأذنه في الزنى.
فعن أبي أُمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه فقال له: (ادنه)، فدنا منه قريباً، قال: (أتحبّه لأمّك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) قال: (أفتحبه لابنتك؟) قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لبناتهم) قال: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لأخواتهم). قال: (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لعماتهم). قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: (ولا الناس جميعاً يحبونه لخالاتهم) قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد.
كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده:
كان صلى الله عليه وسلم أكرم الناس وأجود الناس لم يمنع يوماً أحداً شيئاً سأله إياه، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر؛ فهو سيد الأجواد على الإطلاق، أعطى غنمًا بين جبلين، وأعطى كل رئيس قبيلة من العرب مائة ناقة، ومن كرمه صلى الله عليه وسلم أنه جاءه رجل يطلب البردة التي هي عليه فأعطاه إياها صلى الله عليه وسلم وكان لا يردّ طالب حاجة، قد وسع الناس برّه، طعامه مبذول،وكفه مدرار، وصدره واسع، وخلقه سهل، ووجه بسّام.
وجاءته الكنوز من الذهب والفضة وأنفقها في مجلس واحد ولم يدّخر منها درهمًا ولا دينارًا ولا قطعة، فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل، وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل، ويدعو للجود والسخاء، ويذمّ البخل والإمساك صلى الله عليه وسلم.
بل كان ينفق مع العدم ويعطي مع الفقر، يجمع الغنائم و يوزعها في ساعة، ولا يأخذ منها شيئًا، مائدته صلى الله عليه وسلم معروضة لكل قادم، وبيته قبلة لكل وافد، يضيف وينفق ويعطي الجائع بأكله، ويؤثر المحتاج بذات يده، ويصل القريب بما يملك، ويواسي المحتاج بما عنده، ويقدّم الغريب على نفسه، فكان صلى الله عليه وسلم آية في الجود والكرم، ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكل ما يملك في سبيل ربه ومولاه، فهو أندى العالمين كفًا، وأسخاهم يدًا، غمر أصحابه وأحبابه وأتباعه، بل حتى أعداءه ببرّه وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله، أكل اليهود على مائدته، وجلس الأعراب على طعامه، وحفّ المنافقون بسفرته، ولم يُحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه تبرّم بضيف أو تضجّر من سائل أو تضايق من طالب، بل جرّ أعرابي برده حتى أثّر في عنقه وقال له: أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك وأمّك، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وضحك وأعطاه.
شجاعته صلى الله عليه وسلم وجهاده:
كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأثبتهم قلبًا، لا يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب مخلوق، فهو الشجاع الفريد الذي كملت فيه صفات الشجاعة وتمّت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس، وهو القائل: " والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل" أخرجه البخاري.
لا يخاف التهديد والوعيد، ولا ترهبه المواقف والأزمات، ولا تهزه الحوادث والملمّات، فوّض أمره لربه وتوكل عليه وأناب إليه، ورضي بحكمه واكتفى بنصره ووثق بوعده، فكان صلى الله عليه وسلم يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرّض روحه للمنايا ويقدّم نفسه للموت، غير هائب ولا خائف، ولم يفرّ من معركة قط، وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس وتقوم الحرب على ساق وتشرع السيوف وتمتشق الرماح وتهوي الرؤوس ويدور كأس المنايا على النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه من الخطر، يحتمون أحيانًا به وهو صامد مجاهد، لا يكترث بالعدوّ ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب.
وقد فرّ الناس يوم حنينن وما ثبت إلا هو صلى الله عليه وسلم وستة من أصحابه، وكان صدره بارزًا للسيوف والرماح، يصرع الأبطال بين يديه ويذبح الكماة أمام ناظريه وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.
وقد شُجّ عليه الصلاة والسلام في وجهه وكسرت رباعيته، وقتل سبعون من أصحابه، فما وهن ولا ضعف ولا خار، بل كان أمضى من السيف. وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه الشريفة. وكان أول من يهبّ عند سماع المنادي، بل هو الذي سنّ الجهاد وحثّ وأمر به.
وتكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق من كل مكان، وضاق الأمر وحلّ الكرب، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزل المؤمنون زلزالا شديدًا، فقام صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو ويستغيث مولاه حتى نصره ربّه وردّ كيد عدوّه وأخزى خصومه وأرسل عليهم ريحا وجنودًا وباؤوا بالخسران والهوان.
صدق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
بل هو الذي جاء بالصدق من عند ربه، فكلامه صدق وسنّته صدق، ورضاه صدق وغضبه صدق، ومدخله صدق ومخرجه صدق، وضحكه صدق وبكاؤه صدق، ويقظته صدق ومنامه صدق، و كلامه صلى الله عليه وسلم كله حق وصدق وعدل، لم يعرف الكذب في حياته جادًّا أو مازحًا، بل حرّم الكذب وذمّ أهله ونهى عنه، وكل قوله وعمله وحاله صلى الله عليه وسلم مبني على الصدق، فهو صادق في سلمه وحربه، ورضاه وغضبه، وجدّ وهزله، وبيانه وحكمه، صادق مع القريب والبعيد، والصديق والعدو، والرجل والمرأة، صادق في نفسه ومع الناس، في حضره وسفره، وحلّه وإقامته، ومحاربته ومصالحته، وبيعه وشرائه، وعقوده وعهوده ومواثيقه، وخطبه ورسائله، فهو الصادق المصدوق، الذي لم يحفظ له حرف واحد غير صادق فيه، ولا كلمة واحدة خلاف الحق، ولم يخالف ظاهره باطنه، بل حتى كان صادقًا في لحظاته ولفظاته وإشارات عينيه، وهو الذي يقول- لما قال له أصحابه: ألا أشرت لنا بعينك في قتل الأسير؟!-: " ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين" رواه أبو داود والنسائي .
فهو الصادق الأمين في الجاهلية قبل الإسلام والرسالة، فكيف حاله بالله بعد الوحي والهداية ونزول جبريل عليه ونبوّته وإكرام الله له بالاصطفاء والاجتباء والاختيار؟!
صبره صلى الله عليه وسلم:
لا يعلم أحد مرّ به من المصائب والمصاعب والمشاق والأزمات كما مرّ به صلى الله عليه وسلم، وهو صابر محتسب، صبر على اليتم والفقر والجوع والحاجة، وصبر على الطرد من الوطن والإخراج من الدار والإبعاد عن الأهل، وصبر على قتل القرابة والفتك بالأصحاب وتشريد الأتباع وتكالب الأعداء وتحزّب الخصوم واجتماع المحاربين، وصبر على تجهّم القريب وتكالب البعيد، وصولة الباطل وطغيان المكذبين.. صبر على الدنيا بزينتها وزخرفها وذهبها وفضتها، فلم يتعلق منها بشيء، فهو صلى الله عليه وسلم الصابر المحتسب في كل شأن من شؤون حياته، فالصبر درعه وترسه وصاحبه وحليفه، كلما أزعجه كلام أعدائه تذكّر {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ****** طه 130، وكلما راعه هول العدو وأقضّ مضجعه تخطيط الكفار تذكّر {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ****** الأحقاف 35.
مات عمه فصبر، وماتت زوجته فصبر، وقتل عمه حمزة فصبر، وأبعد من مكة فصبر، وتوفي ابنه فصبر، ورميت زوجته الطاهرة بالفاحشة كذباً وبهتاناً فصبر، وكُذّب فصبر، قالوا له شاعر كاهن ساحر مجنون كاذب مفتر فصبر، أخرجوه، آذوه، شتموه، سبّوه، حاربوه، سجنوه.. فصبر، وهل يتعلّم الصبر إلا منه؟ وهل يُقتدى بأحد في الصبر إلا به؟ فهو مضرب المثل في سعة الصدر وجليل الصبر وعظيم التجمّل وثبات القلب، وهو إمام الصابرين وقدوة الشاكرين صلى الله عليه وسلم.
ضحكه صلى الله عليه وسلم:
وكان صلى الله عليه وسلم ضحاكًا بسامًا مع أهله وأصحابه؛ يمازح زوجاته ويلاطفهن ويؤنسهن ويحادثهن حديث الود والحب والحنان والعطف؛ وكانت تعلو محيّاه الطاهر البسمة المشرقة الموحية، فإذا قابل بها الناس أسر قلوبهم أسرًا فمالت نفوسهم بالكلية إليه وتهافتت أرواحهم عليه، وكان يمزح ولا يقول إلا حقًا، فيكون مزحه على أرواح أصحابه ألطف من يد الوالد الحاني على رأس ابنه الوديع، يمازحهم فتنشط أرواحهم وتنشرح صدورهم وتنطلق أسارير وجوههم.
يقول جرير بن عبد الله البجلي: ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسّم في وجهي.
وكان صلى الله عليه وسلم في ضحكه ومزاحه ودعابته وسطاً بين من جفّ خلقه ويبس طبعه وتجهّم محيّاه وعبس وجهه، وبين من أكثر من الضحك واستهتر في المزاح وأدمن الدعابة والخفة.
بل كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يمازح بعض أصحابه قال له أحد أصحابه ذات مرة: أريد أن تحملني يا رسول الله على جمل، قال:" لا أجد لك إلا ولد الناقة" فولّى الرجال فدعاه وقال: " وهل تلد الإبل إلا النوق؟" أي أن الجمل أصلا ولد ناقة. أخرجه أحمد عن أنس بن مالك.
و سألته امرأة عجوز قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أُم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (( إِنّآ أَنشَأْنَاهُنّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً)) [ الواقعة 35 – 37 ] رواه الترمذي في الشمائل وحسنه الألباني .
هذا غيض من فيض وقطرة من محيط من خصال وأخلاق أعظم إنسان عرفته البشرية جمعتها على عجل مساهمة متواضعة وكلمات مختصرة لعل الله عز وجل يفتح بها قلوباً غلفًا إلى الحق، ويهدي بها أعيناً عمياً لتدرك جانباً يسيراً من جوانب العظمة في حياة سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم.
هشام محمد سعيد برغش
ابو عبدالرحمن
2011-10-14, 07:03 PM
الله يعطيك العافيه
على مجهودك المميز
البرق
2011-10-15, 09:13 AM
تسلم والله يعطيك العافيه
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, النسخة الماسية
diamond